مصطلح “غزوة” في مناهج الدراسات الاجتماعية

مصطلح “غزوة” في مناهج الدراسات الاجتماعية

سهيلة
زين العابدين حمّاد
نًشر
في جريدة المدينة يوم السبت الموافق 16/11/2019م



في تعريف أولى متوسط الفصل الدراسي للتاريخ (ص) ربط اهتمام المسلمين
بالتاريخ بغزوات الرسول(ص) وفتوحات الخلفاء الراشدين، وسأتوقف هنا عند استخدام مصطلح
غزوات على حروبه عليه الصلاة والسلام ضد مشركي مكة واليهود في المدينة المنورة
وخيبر، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها مؤرخو السيرة النبوية، ومؤرخو
التاريخ الإسلامي الأوائل والمعاصرين، وللأسف كرره معدو مناهج الدراسات التاريخية
والمواطنة لهذا العام، ومعروف أنّ مصطلح” الغزو” في اللغة هو” غزا
العدو: سار إلى محاربته وقتاله في دياره”

فحروبه عليه الصلاة والسلام كانت دفاعية وليست هجومية، لصد هجومهم في
المدينة، أو لمنع هجومهم على المدينة، أو مكة بعد تحركهم إليها، ملتزمًا بقوله
تعالى(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[البقرة:190] فالدعوة للإسلام ليست بالقتال 
لنشره(لا إكراه في الدين) وإنّما بالحكمة والموعظة الحسنة(ادْعُ إِلَىٰ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ)[النحل:125]
فلو بحثنا في أسباب تلك الحروب، سنجد
الآتي:
1.   
موقعة بدر قرب المدينة، ولم يخرج الرسول ومن معه من المسلمين لقتال قريش، وإنّما لاعتراض
قافلة تجارية متوجهةٍ من 
الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب كانت قد سلبتها قريش من المسلمين عند هجرتهم، وقريش هي التي بدأت بالقتال، إذ قال أبو البختري:“والله لأردنّ حوض
مياه محمد، ولأكسرنّ حوضهم. وفعلا اندفع يريد أن يهدم الحوض، فتلقاه حمزة بسيفه
فقطع رجله، ثم انعقد سبب القتال بين الفريقين،
فكيف يطلق على معركة بدر”غزوة”؟
2.   
موقعة أحد كانت عند جبل أحد في المدينة
المنورة، فمشركوا مكة قدموا إلى المسلمين في عقر ديارهم لغزوهم، وليس الرسول (ص)ومن
معه من المسلمين، فعلى أي أساس سُميت بِ”غزوة أحد”؟
3.   
موقعة الخندق(الأحزاب) كانت خلف جبل
سلع بالمدينة المنورة، فالغزاة هم مشركوا مكة مع أحزابهم الذين قدموا إلى المسلمين
في عقر ديارهم، فعلى أي أساس أسموها ب” غزوة الخندق(الأحزاب)؟
4.   
موقعة بني المصطلق” المريسيع” كانت
دفاعية؛ إذ سمع النبي(ص)باستعداد قبيلة بني المصطلق  للإغارة على المدينة، فانطلق إليهم لرد شرهم،
قبل أن يهجموا على المدينة.
5.   
موقعة حُنيْن: كانت دفاعية أيضًا، فبعد أن فتح المسلمون مكة المكرمة، خشيت
قبائل ثقيف وهوازن من قوة المسلمين، وقرروا محاربة المسلمين وغزوهم في معقلهم مكة
المكرمة، فقرر النبي عليه الصلاة والسلام ملاقاتهم في  موضع يسمى حنين بين مكة والطائف.
6.    موقعة
الطائف:
كانت لملاحقة فلول الهاربين من موقعة حنين، من مشركي هوازن وثقيف في الطائف.
7.   
موقعة تبوك كانت دفاعية، وهي آخر المواقع  التي قادها عليه الصلاة والسلام، حيث قرر
الرومان إنهاء القوة الإسلامية التي أخذت تهددهم، فخرجت جيوشهم، إلى المدينة بقوى
رومانية وعربية تقدر بأربعين ألف مقاتل، فخرج الرسول(ص) مع ثلاثين ألف مقاتل لمقابلتهم
في تبوك. انتهت المعركة بلا قتال لأنّ الجيش الروماني تشتت وتبدد في البلاد خوفًا
من المواجهة؛ مما رسم تغيرات عسكرية في المنطقة، جعلت حلفاء الروم يتخلون عنهم
ويحالفون العرب كقوة أولى في المنطقة.
8.   
أمَّا صلح الحُديبية وفتح مكة، فلم يتم فيهما أي قتال، فعلى أي أساس
أعتبرهما معدو المناهج من غزواته عليه الصلاة والسلام؟
9.   
 أمّا عن  إجلاء اليهود عن المدينة(بنو القينقاع، بنو
النضير، وبنو قريظة) فكانت لمخالفتهم للعهود والمواثيق التي كانت بينه وبينهم، ومحاولتهم
اغتياله(بنو النضير) فأجلاهم الرسول(ص) بأمر من الله(الحشر:11-17) والتحالف مع
الأحزاب ومساعدتهم لدخولهم المدينة(بنو قريظة)ولم تكن حروبًا، وإنّما كانت عبارة
عن فرض حصار عليهم، لإجلائهم عن المدينة، وكذلك موقعة”خيبر” كانت دفاعية،
فخيبر كانت وكر الدس والتآمر، ومركز إثارة الحروب، فأهل خيبر هم الذين حزّبوا
الأحزاب ضد المسلمين، وحرّضوا بني قريظة على الغدر والخيانة، والاتصال بالمنافقين وبغطفان
وأعراب البادية، وكانوا هم أنفسهم يستعدون لقتال المسلمين، فكان لابد من مجابهتهم،
ولم يتطرق معدو المناهج إلى إجلاء الرسول(ص) لليهود من المدينة وأسبابها، فهذه
حقائق تاريخية لابد من ذكرها، والتي تكشف تزييف المستشرقين للتاريخ بنفيهم  نقض اليهود للعهود التي بينهم وبين الرسول(ص).
  وهكذا نجد أنّ كل الحروب
التي وقعت في العهد النبوي كانت دفاعية وليست هجومية، ولا علاقة لها بهدف نشر
الإسلام، وتسميتها بغزوات مغالطة تاريخية كبرى، وتسيء للإسلام بتعزيزها لمزاعم
المستشرقين بأنّ الإسلام انتشر بجد السيف، وللأسف هناك من المسلمين مَنْ يتمسكون
بهذا المصطلح تأييدًا لدعواهم في وجوب قتال العالم لفرض الإسلام؛ حيث يزعمون أنّ
الرسول في أكثر حروبه كان هو البادئ بالهجوم والطالب للعدو والغازي له في عقر داره
لنشر الإسلام، مع أنّه أقر بالحرية الدينية لغير المسلمين في المدينة في وثيقة
المدينة، وانتشر الإسلام في المدينة بهجرته إليها وليس بقتاله لأهلهاّ، وكذلك
انتشر الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية بعد فتح مكة دون قتال.
Join the discussion