تفسير الأديان للتاريخ

تفسير الأديان للتاريخ

  سهيلة زين العابدين حمّاد
خاص بمدوّنة الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد
السبت 12/ 3/ 1441ه الموافق 9/11/ 2019م

  تنويه: هذا الجزء مقتطع من رسالتي
للدكتوراة “السيرة النبوية في كتابات المستشرقين – دراسة منهجية تطبيقية على
المدرسة الإنجليزية”من الفصل الثامن”مناهج مستشرقي المدرسة
الإنجليزية في السيرة النبوية” من الجزء الرابع الذي يتحدث عن موقف مستشرقي
المدرسة الإنجليزية من التشريعات المدنية،
أخص به قراء مدوّنتي.
  فلقد تحدثتُ في مقالي المنشور اليوم عن التفسير
الإسلامي للتاريخ مختصرًا، ورأيتُ أن أوضح حقيقة هامة، وهي أنّ لكل دين من الأديان
السماوية تفسيرًا للتاريخ، وكذلك لأصحاب الديانات الأخرى والمذاهب المادية لهم
تفسيراتهم للتاريخ، ونلمس طابع تفسيراتهم على كتاباتهم التاريخية، وفي هذه الدراسة
سأتوقف عند التفسير الديني للتاريخ للأديان السماوية الثلاث لتكتمل الصورة لدى
القارئ الكريم، والتي تفسر له مواقف المستشرقين اليهود والمسيحيين من السيرة
النبوية خاصة والتاريخ الإسلامي عامة.
من
المسلم به لدى المسلمين والمسيحيين واليهود المؤمنين بالله أنَّ الدين والغيب
والروح هم عصب سيرة كل نبي ولحمتها،
وليس بمقدور الحس أو العقل أن يدلي
بكلمته فيها إلاَّ بمقدار ،وتبقى المساحات الأكثر عمقًا وامتدادًا بعيدة عن حدود
الحواس وتحليلات العقل والمنطق.
التفسير
اليهودي للتاريخ

بغض
النظر عن تصور اليهود لله القائم على التجسيد ،فالله في تصورهم روح ، ولا يمكن أن
تمثله صورة مرئية، ومع ذلك فإنَّ الله خلق الإنسان “على صورته ومثاله”، وبهذا
يكون الإنسان روحًا أيضًا، وبهذا التماثل في الوجود، تستخدم عن الله مصطلحات
مماثلة لما يستخدم عن الإنسان ، وأنّه صاحب حكمة وإرادة ومشاعر كالمحبة والغضب في
سبيل البر والحق.[1]وبغض
النظر عن  عنصريته واعتبار اليهود أنفسهم
هم شعب الله المختار، وأنّهم أمة ليست مثل بقية الأمم ، فكل الأمم تمر بدورة نمو، ثمَّ
نضوج، ثمَّ اضمحلال، ثمَّ موت، أمَّا اليهود فلا يمرون بمثل هذه الدورة؛ إذ أنَّ
الحياة تدب فيهم مرة أخرى، ويبدأون دورة أخرى ، فروحهم سرمدية تعرف سر تجدد الحياة
ذاتياً.[2]
   وبغض النظر عن مواقفهم من النبوة والأنبياء، نجد
أنّ نظرتهم للتاريخ تقوم أساسًا وفي أوسع شمول على المذهب التأليهي، فالطريق إلى
فهم التاريخ هو فكرة السيطرة الإلهية، فهو الذي خلق الأرض بكل مالها من خصائص تجعل
التاريخ ممكنًا على ظهرها، وهو الذي أدخلهم في رفرف من السعادة والحبور “جنات
عدن”،ولكن التاريخ يحتوي على الشر كما في قصة سقوط آدم وحواء، وهما أول
الكائنات البشرية.[3]
ويعرِّف
الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون النبوة بقوله “واعلم أنَّ حقيقة النبوة وماهيتها
هو فيض يفيض من الله عز وجل، وبساطة العقل الفعَّال عن القوة الناطقة أولاً ثمَّ
على القوة المتخيلة بعد ذلك، وهذه أعلى مرتبة الإنسان، وغاية الكمال الذي يمكن أن
يوجد لنوعه، وتلك الحالة هي غاية كمال القوة المتخيلة .”[4]
ويقصد
بالقوة المتخيلة الرؤيا المنامية.
والتاريخ
اليهودي بدأ من منطلق لا يقبل النقاش أو التقييم “الميثاق مع إبراهيم ”
،يقطعه المطلق من آونة لأخرى “الميثاق مع إسحاق ثمَّ يعقوب” ،وينتهي
بمطلق ظهور المسيح المنتظر، وكل الظواهر التاريخية حسب التصور اليهودي قد قررت
حركتها حسب خطة ربانية مسبقة وضعت قبل بدء التاريخ ، بل إنَّ تدخل الله المستمر
والعلني هو تأكيد بأنَّ التاريخ يدفع من الخارج ،وأنّه لا مجال للإرادة البشرية.[5]
الخلاصة
: إنَّه يدخل في إطار التفسير اليهودي للتاريخ أنَّ الله هو المحرِّك الأساسي
للتاريخ ، وأنَّ النبوة فيض من الله عزَّ وجل .
التفسير
المسيحي للتاريخ
برغم
ما يعتقدونه من عقيدة التثليث أنّ الله حاضر في صورة الروح القدس، وبهذا المفهوم
تصورت المسيحية الله في صورة ثالوث في واحد الأب، والابن، والروح القدس، وهم يرون
في “الابن ” مخلصًا قصد له أن يرد التاريخ إلى هدفه الذي أراده الله منه،
ويرون أنّ الروح القدس هو الذي يُطهِّر الناس في أثناء عملية التاريخ[6].
برغم هذه النظرة نجد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يوضح تفسيره للتاريخ
كمسيحي ، فيقول:
“إنَّ
التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الله، فتواريخ الأمم والحضارات والعقائد والأخلاق
لا معنى له إن لم يكن معناه هداية النفس الإنسانية إلى حرية الضمير برعاية الإله. فكل
أمة، وكل حضارة، وكل عقيدة، إنَّما تأتي لترفع في الطريق مصباحًا صغيرًا أو كبيرًا
ينير الطريق، وينير ساحة الكون كله للعلم بحقائق الوجود.”ويقرر “توينبي
“أنَّ الإنسان قد يصنع الأعمال والحرف، ويبتكر العلوم والمعارف، ولكنه لا
يخلق عقيدته الدينية، بل تأتيه العقيدة مفروضة على سريرته وشعوره، قابلة للبحث في
بعض جوانبها غير قابلة لشيء سوى التسليم في جوانبها الكبرى، ولهذا تسخره العقيدة ولا
يسخرها كما يشاء ويهوى، وإن خُيَّل إليه أن يعمل في تسخيرها بهواه وضرب المثل لذلك
بعقيدة الإسلام، أراد الفرس الذين دخلوا الإسلام أن يستخدموها في إحياء القومية
الفارسية، فاستخدمتهم هي في توطيدها ودراسة معارفها، وجاء المغول إلى بلادها من
أقصى الشرق ليقيموا “سلطنتهم “على أركانها، فأصبحوا حراسًا لتلك الأركان،
ولا يتأتى تسخير عقيدة ما إلاَّ إذا غلبتها عقيدة أقوى منها، وأحق بالعمل في تاريخ
الإنسانية ، فليس أقوى من الإيمان على تسيير الإنسان والارتقاء به على معرج
الحضارة في طريقه إلى الله. وعند المؤرخ توينبي أنّ هذه المهمة البداية مهمة
“تعاون بين الحضارات والعقائد “يؤدي كل منها بعض الواجب لتحقيق الواجب
كله في النهاية، ولكن هذا الواجب الكبير يكبر مع الزمن كلما كبر الإنسان، فلا يزال
الإنسان في سعي متواصل، ولا يزال متطلعًا إلى الكمال.[7]
ويقول
توينبي “إنّنا حين رفضنا الرأي القائل بأنَّ النفس الإنسانية قد خلقت لتعيش
كلية في خضم التاريخ قد أثبتنا أنَّ علاقة النفس الفردية بالله تتبوأ المنزلة
الأولى، وأنَّ هذه العلاقة حقيقة وحق وواجب. ولكن إذا استطاعت كل نفس _في أي زمان
ومكان ،وفي أي ظرف اجتماعي أو تاريخي في العالم – أن تعرف الله وتحبه أو إذا
عبَّرنا عن هذا بلغة اللاهوت التقليدية استطاعت أن تجد الخلاص. وإذا استطاع أشد
الناس بدائية ممن يعيشون على الفطرة الأولى في هذا العالم من الناحية الاجتماعية
والروحية أن يبلغوا الغاية الحقيقية للإنسان في صلته بالله ،ففيما السعي إذًا في
تحسين حال العالم وجعله خيرًا مما هو؟ وأي معنى في الواقع يمكن أن نفهمه من هذه
الكلمات ؟ أمَّا إذا رفضنا الرأي القائل بأنّ النفس قد خلقت تعيش كلية بمعزل عن
التاريخ فقد أثبتنا أنَّ محبة الله في صلته بمخلوقاته تتبوأ المكانة الأولى.”[8]
ولكن
رجال الدين المسيحي عمدوا إلى تلقين المسيحيين منذ طفولتهم أنَّ المسيحية دين الله
الوحيد والصحيح الحق، وأنَّ اليهودية هي تمهيد للمسيحية، وأنَّ ما عداهما من
الأديان فهي كذب واختلاق؛ لذا نجد  نظرة
المسيحيين إلى اليهودية تختلف عن نظرتهم إلى الإسلام، فكما ذكر أرنولد
توينبي” أنّ الكنيسة المسيحية تقبلت دون أدنى شك مناقشة تفسير اليهود
لتاريخهم، كما ورد في التوراة بما تضمه من مطاعن ضد الشعوب التي احتكوا بها
كالفينيقيين، والفلسطينيين، والآدوميين ، والموآبين ، والعموريين، والدمشقيين، وانفرد
اليهود في هذا الميدان بإقدامهم على رفع سجل تاريخهم إلى منزلة التقديس، ونجاحهم
نجاحًا لا يبارى في إيهام مئات الملايين من البشر على مدى الأحقاب والعصور بأنَّ
تاريخهم كتاب مقدس: مصير من لا يصدقه أو يناقشه عقاب الله في الدنيا والآخرة، فالمذاهب
المسيحية على اختلافها تعتبر التاريخ اليهودي تاريخًا مقدسًا حتى ظهور السيد
المسيح ، ومهما يكن نصيب الفرد المسيحي من الاستنارة الفكرية ومقدار تحرره الذهني
فيصعب عليه أنَّ يتخلص من التراث اليهودي في المسيحية لأنه كامن في شعوره الباطني
،ويوجه مسار تفكيره.”[9]
وهنا
جاء “توينبي” بالقول الفصل؛ إذ بيَّن لنا موقف المؤرخ اليهودي والمسيحي
من الدين الإسلامي، ومن السيرة النبوية، وفق موروثه العقدي والفكري والثقافي، وأنّ
منظورهما للتاريخ الإسلامي يخالف منظورهما للتاريخ البشري، ومنظورهما للتاريخ
الإسلامي يخلو من الموضوعية،والحيدة؛ إذ محكوم عليه حكمًا مسبقًا بأنَّه كذب
واختلاق، ولعلّ هذا يفسر لنا مواقف المستشرقين الإنجليز من التاريخ الإسلامي
،والتشكيك في الحقائق الثابتة في تاريخ السيرة ، بل والتشكيك في القرآن الكريم ، ومحاولة
إثباتهم أنَّ القرآن من تأليف محمَّد “صلَّى الله عليه وسلّم”، كما يفسر
لنا محاولاتهم إرجاع كل شيء في الإسلام إلى اليهودية والمسيحية ،مع اعتبار
اليهودية هي الأصل ،كما يفسر لنا تطبيقهم منهج التفسير المادي للتاريخ في تاريخ
السيرة ،والمنهج الفيولوجي ، وكذا النظرية العرقية، ومنهج الشك الديكارتي ، ومنهج
الإسقاط، وغيرها من المناهج.
والمناهج
التي أتبعها المستشرقون في كتابتهم للسيرة النبوية مناقضة تمامًا لمنهج التفسير
الإسلامي للتاريخ
، والذي يبغي لنا التوقف عنده قليلًا لأنَّ هذا سيوضح لنا
مواطن الخلل في كتابات المستشرقين للسيرة النبوية.
التفسير
الإسلامي للتاريخ
التفسير
الإسلامي للتاريخ يقوم على التصور الإسلامي للخالق جلَّ شأنه وللإنسان وللكون   وللحياة وللزمان والأحداث. ونظرته للزمان هو
ماض وحاضر ومستقبل . والزمان الماضي  في
نظر الإسلام غير ضائع وسوف يحاسب عليه الإنسان يقول تعالى :(وَكُلَّ إِنسَانٍ
أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا . اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ
عَلَيْكَ حَسِيبًا) [10]ومن
هنا ارتبط مفهوم الماضي عند المسلمين بالإيمان و بالمسؤولية التي ألقاها على كاهل
الإنسان بعد أن زوده بالإحساس والإدراك بشريعته السماوية على أيدي رسله ، كما أن
الزمن الماضي بالنسبة للمسلم مصدر العبرة والعظة والدروس المستفادة من تواريخ
الأولين .
أمَّا
الزمن الحاضر فهو مرحلة يتحرك فيه نحو المستقبل على هدى من أحداث الماضي، وهي
مرحلة العمل وتعمير الأرض تحقيقًا لأمانة الاستخلاف المنوطة بالإنسان . وفي هذه
المرحلة تتحدد خطى المستقبل ويعظم الثواب والجزاء . أمَّا الزمان المستقبل في
مفهوم السلم هو يوم القيامة الذي تتحدد فيه المصائر وتكتسب من خلاله أعمال البشر
سمة الخلود، ويكون هذا دافعاً للأفراد والشعوب على العمل على إرضاء الله ومراقبته
في أعمالهم وأقوالهم للفوز بالجنة فيعيش الإنسان في أمان واستقرار وسعادة .
والأحداث
في مفهوم الإسلام هي من صنع الإنسان وفق مشيئة الله جلَّ شأنه (سُنّةَ اللهِ في الّذين
خَلَوْا منْ قبْلُ وَلنْ تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) [11]
    وقد عبَّر القرآن الكريم عن حركة التاريخ
“بالسنن” ،وهكذا نجد أن المفهوم الإسلامي للزمان والأحداث تتمثل فيه
نظرة الإسلام للخالق جلَّ شأنه وللإنسان ،وللكون، وللحياة، فالله هو الخالق (وَهُوَ
القاهر فوق عباده)[12]،وهو(
فعَّال لما يريد)[13]
،كل ما في الكون يسير وفق مشيئته وإرادته (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )[14]لإنسان
خلق لعبادة الله، ولعمارة الأرض ،وأنّه مسؤول عن عمله يحاسب عليه ،وأن عليه أن
يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، وأنّ الدار الآخرة خير وأبقى، وأنّ كل ما في الكون
مسخر للإنسان لتحقيق الغاية العليا من خلقه وهي عبادة الله “وما خلقت الجن
والإنس إلاَّ ليعبدون” وهذا خلاف لمزاعم القائلين بأنّ اكتشاف القوانين
العلمية يغني عن الإيمان بالله، وكذلك ما يزعم “ماركس ” وغيره من
الماديين من أن المادة هي أصل الوجود ، وكل ما عداها انعكاس لها، ومن ثمَّ الإيمان
بحتمية التاريخ، وهي أنَّ كل خطوة تؤدي حتمًا إلى الخطوة الموالية بطريقة حتمية، وبالتالي
فإنَّ المجتمع يتبع عجلة التاريخ، ولكن لا يوجهها.
خصائص
منهج التفسير الإسلامي للتاريخ
أهم
خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ ألخصها في الآتي:
1- أنّه
يفرد للبعد الغيبي -ماض وحاضر ومستقبل -مساحات واسعة يجعله أحد شروط الإيمان .
2-  ليست الأحداث التاريخية في القصص القرآني
متسلسلة الحلقات في السرد ،وذلك لأن التاريخ فيه لم يقصد لذاته ،وإنما لاستخلاص
العبرة منه .
3-
الربط بين الدين وأحداث التاريخ في الأفراد والمجتمعات ، ويتضح هذا من قصص فرعون ،
وأقام نوح ولوط وعاد وثمود ، وبني إسرائيل وغيرهم ، وبيان ما حل بهذه الأقوام من
عذاب في الدنيا لعدم إيمانها بالله وتكذيبها لرسله وأنبيائه.
4-
ربط المعاملات بالعقيدة وتدخل الدين في الاقتصاد ، وتوضح هذا قصة أصحاب الأيكة.
5–
التاريخ في القرآن الكريم وحد زمنية تتهاوى فيها الجدران التي تفصل بين الماضي
والحاضر والمستقبل.
6-لا
منافاة بين البحث عن السنن أو القوانين وبين الاعتقاد بخالقها.
7- عدم
قبول الخبر إلاَّ بعد التثبت من صحته (
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قوْمًا بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )[15]
8- جعل
القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرين أساسين للكتابة التاريخية ،ولتتبع حركة
التاريخ منذ أن خلق الله الكون إلى أن تقوم الساعة.
من
هنا نجد أن الفهم الجاد للسيرة يقتضي منهجاً يقوم على شروط ثلاثة ،وافتقاد أو
تهديم أي منها يلحق ضررًا فادحًا في مهمة الفهم هذه.
الشرط
الأول وهو أساسي الإيمان، أو على الأقل احترام المصدر الغيبي لرسالة محمد صلى الله
عليه وسلم، وحقيقة الوحي الذي تقوم عليه
الشرط
الثاني هو اعتماد موقف موضوعي بغير حكم مسبق يتجاوز كل الإسقاطات التي من شأنها أن
تعرقل عملية الفهم.
الشرط
الثالث : فهو تقنية صرفة تقوم على ضرورة الإحاطة جيدًا بأدوات البحث التاريخي بدءًا
باللغة وجمع المادة الأولية، وانتهاءً بطرق المقارنة والموازنة والنقد والتركيب
..الخ[16]
وإذا
كان الغربيون قد بلغوا حد التمكن والإبداع في هذه الدائرة في تقنية البحث العلمي
إلاَّ أنهم لم يستطيعوا أن يقدموا أعمالاً علمية بمعنى الكلمة لواقع السيرة، ولم
يستطيعوا حتى الاقتراب من حافة الفهم  بسبب
أنهم كان يعوزهم التعامل أكثر علمية مع احترام المصدر الغيبي، واعتماد الموقف
الموضوعي  بغير حكم مسبق ، وامتلاك اللغة
العربية، والذي وضح لنا من هذه الدراسة التطبيقية لكتابات مستشرقي المدرسة
الإنجليزية السيرة النبوية، إلغاء المصدر الغيبي للسيرة، وإتباعهم منهج الحكم
المسبق ،فهو وإن أعلنوا التزامهم الحيدة والموضوعية ،إلاَّ أنهم لم يستطيعوا
التخلص مما يحملونه في دواخلهم تجاه الإسلام، من كره وعداء له، وما ربتهم الكنيسة
عليه وهو أنّ اليهودية تمهيد للمسيحية، وأنّ ما عداهما كذب واختلاق، وقد كان
“هاملتون جيب”و”وات” صريحْين وواقعيْن عندما أعلنا أنّهما لا
يستطيعان أن يتخلصا من موروثهما العقدي والثقافي والفكري عن الإسلام.
  إضافة إلى سيطرة النزعتين الاستعمارية والعرقية
على أسلوب كتاباتهم للسيرة ، فهم يفترضون الفروض ،ويلزمون المسلمين الأخذ بها ، كما
أنّهم لم يستخدموا المصادر الإسلامية للسيرة إلاَّ كإطار للصورة التي رسموها هم
للسيرة، وفق منظورهم مستخدمين الروايات الضعيفة والشاذة والموضوعة من قبل الوضَّاعين
الزنادقة الواردة في المصادر الإسلامية لتظليل هذه الصورة بظلال  أسود ، ورغم انتقادهم لكتابات الغربيين ، ومعرفتهم
لمواطن القصور والضعف فيها ، إلاَّ أنها كانت مصادرهم الأساسية في كتابتهم للسيرة
النبوية.
هذا
وإن كان -كما يقول أحد الباحثين-إنّه يصعب علينا أن نطلب من الغربيين ، النصارى
والماديين ، و بخاصة الأخيرين منهم ، التعمق بإيمان كهذا ، بل إنّه يكاد يكون
مستحيلًا، ولكن من ناحية علمية بالمفهوم الشامل للعلم، فإنّه لا بدَّ من هذا
التحقيق، إذا أريد إدراك واقعة السيرة ومتابعة حبكة نسيجها ذي الخلفية الغيبية ، باعتباره
حركة دين سماوي قادم من فوق وليس تجربة بشرية متخلقة في تراب الأرض. [17]
كما
يؤخذ على الباحث الغربي تجاوزه “الموضوعية” في مناهج تعامله مع السيرة
فلو أنّه حاول التزامها ، وحرر عقله من عوامل الشد الزمنية والمكانية والمذهبية
والنفسية ، ولو أنّه قدر على تجاوز النسبيات وضغوط الإسقاطات المرحلية، فإنّه كان
سيتمكن من تقديم أعمال أنضج بكثير، وأقرب إلى 
روح الواقعة، وتركيبها ،وإيقاعها.[18]
وكما
تبين لنا فإنّ منهج البحث في السيرة بالنسبة للمستشرق، أو المؤرخ الغربي يمثل بحد
ذاته جدارًا يصده عن الفهم الحقيقي لوقائع السيرة ونسيجها العام.[19]
من
خلال معرفتنا للخلفية الدينية والتاريخية والفكرية والثقافية للاستشراق في الفصول
الثلاثة الأولى لهذه الدراسة، ومن خلال مناقشتنا للمستشرقين على مستوى التفاصيل
والجزئيات التاريخية والعقدية التي تناولوها في السيرة، والشبهات التي
أثاروها  في الفصلين الأخيرين من هذه
الرسالة تمكنا من وضع أيدينا على الجذور العميقة للمنهج الخاطئ الذي تقوم عليه أبحاثهم
عن السيرة، كما مكَّننا من معرفة عيوب هذا المنهج والشروخ الموجودة  فيه، وهنا اختلف مع الأستاذ الدكتور عماد الدين
خليل في تقريره أنَّ مناقشتنا للمستشرقين على مستوى الجزئيات، والتفصيلات لا
يوصلنا إلى الجذور العميقة للمنهج الخاطئ الذي اتبعوه في كتاباتهم للسيرة النبوية
.[20]
 إنَّ الطبيب النفسي لا يستطيع معالجة مريضه
إلاَّ بعد معرفته لتاريخ المريض  في جميع
مراحل حياته بأدق التفاصيل والجزئيات، وقد يعجز عن معالجة المريض إن غابت عنه
جزئية واحدة، بل إن الطبيب بصورة عامة أيًا كان تخصصه  لا يستطيع معالجة المرض إلاَّ بمعرفة تاريخ
المرض، بل تاريخ أسرة المريض الصحي لمعرفة عمَّا كان المرض وراثياً أم لا؟
وظاهرة
الاستشراق بصورة عامة -في رأيي- ظاهرة مرضية وراثية، ولا سيما في دراساتها
الإسلامية، ومنها السيرة النبوية.
Suhaila_hammad@hotmail.com


[1]
-محمود الشرقاوي :التفسير الديني للتاريخ، ص 164.
[2]
– محمود الشرقاوي : التفسير الديني للتاريخ ،ص 180 نقلاً عن المؤرخ اليهودي نحمان
كروتمال
Nahan Kroctmal (1780-1840م)في كتابه “دليل للحائرين هذه الأيام”
[3]
-محمود الشرقاوي :التفسير الديني للتاريخ ، ص 163
[4]
-موسى بن ميمون القرطبي الأندلسي (530-603)الموافق 1135-1205م):دلالة الحائرين
معارضة الدكتور حسين آتاي، 2 / 400،”جزءان” طبعة بدون رقم وتاريخ ،مكتبة
الثقافة الدينية ،القاهرة ،ج-م-ع.
[5]
-محمود الشرقاوي : التفسير الديني للتاريخ ،ص 180.
[6]
-محمود الشرقاوي : التفسير الديني للتاريخ  ،ص 185.
[7]
-المرجع السابق:  ص9.
[8]
-أرنولد توينبي :الحضارة في الميزان،ترجمة أمين محمود الشريف،ومراجعة محمد بدران،  ص 206، القاهرة : عيسى البابي الحلبي وشركاه .
[9]
-فؤاد محمد شبل : مشكلة اليهودية العالمية ،دراسة تحليلية لآراء المؤرخ أرنولد
توينبي ،ص 9.
[10]
-سورة الإسراء:13، 14.
[11] – الأحزاب : 62.
[12] – الأنعام : 18.
[13] – هود : 107.
[14] – الشورى : 11.
[15] – الحجرات : 6.
[16]
-د. عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة النبوية “بحث مقارن في منهج
المستشرق البريطاني مونتجمري وات ،ص 1/ 118،1191 ،مناهج المستشرقين،مكتب التربية
العربي لدول الخليج ،الرياض،  1405 هـ /1985م.
[17]
-الرجع السابق: 1/ 118.
[18]
-المرجع السابق: ص 118.
[19]
-المرحع السابق ،والصفحة ذاتها.
[20]
-المرجع السابق: ص 119.

Join the discussion