النسخ في القرآن الكريم في مناهجنا الدراسية(3)

النسخ في القرآن الكريم في مناهجنا الدراسية(3)

              
سهيلة زين العابدين حمّاد
نُشرت في جريدة المدينة يوم
السبت 14/9/2019

  توقّفتُ في الحلقة
الماضية عند ما ورد في درس النسخ
المقرر في مادة التفسير
للمرحلة الثانوية للعام الدراسي الحالي 2018/2019 في الصفحات(32-35) وقد ورد في
هذا الدرس الآتي:

 
إنّ النسخ
يكون في الأحكام الشرعية، ولا يقع في
العقيدة ولا في الأخبار، وأنّه قليل في آيات محدودة
.
وهذان قولان منافيان لما
هو وارد في كتب الناسخ والمنسوخ، فما أسموها بآية السيف(فَإِذَا انسَلَخَ
الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)[التوبة:5] هناك من يقول إنّ عدد الآيات التي نسختها(124)، بينما يقول آخرون(114)
,وأنّها نسخت  كل موادعة في القرآن، وجميع الآيات التي تنظم
تعاملنا مع من يقاتلوننا، ومن بيننا وبينهم عهود ومواثيق، وكذلك آيات الحرية في
الدين والعقيدة، والتسامح والتعايش مع ذوي الأديان والملل المختلفة،
وجميع الآيات الآمرة
بالصبر والدعوة  بالحكمة والموعظة الحسنة،
فمن
الآيات المتعلقة بالحرية الدينية التي يزعمون نسخها بآية السيف:
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(وقالوا
لنا اعمالنا ولكم اعمالكم)[القصص:55](فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما
أنت عليهم بوكيل)[الزمر:41]
(فاعبدوا ما شئتم من دونه)[الزمر: 15] (لا
إكراه في الدين)وتكملة الآية(
قَدْ
تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ
بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)[البقرة:256]
فهل(لا
إكراه في الدين)هو الذي نُسخ، وباقي الآية محكم؟ أم جميعها نُسخ؟ ومن أين علموا
بذلك؟ من أخبرهم، ولا يوجد نص عن الرسول الكريم 
يُشير إلى ذلك؟
(ومن كفر فلا يحزنك كفره)[لقمان:24] نسخ معناها لا لفظها بآية
السيف وباقي الآية محكم،
(فاعبدوا ما شئتم من دونه)[الزمر:15]
  (وَأَنْ أَتْلُوَا ٱلْقُرْءَانَ  فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى
لِنَفْسِهِ
ۦ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ)[النمل:92] نسخ معناها لا لفظها بآية
السيف وباقيها محكم، ما هو دليلهم على ذلك؟ لا دليل لديهم، مجرد أقوال مرسلة
يتناقلونها
, كلها أقاويل لا
توجد لدى قائليها أدلة وبراهين على نسخها لأنّ لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن
الكريم.وفيما يتعلق بنسخ آيات محاورة أهل الملل والأديان الأخرى، والصبر عليهم،
منها:
(ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)[النحل:125] وجادلهم
بالتي هي أحسن)منسوخ نسختها آية السيف وقيل بل آية القتال(قَاتِلُواْ الَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُونَ

بِاللّهِ
وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ)ويقول القرطبي في تفسيرها:”هي محكمة في جهة العصاة
من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال
من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة.”
لاحظوا المسمى آية السيف، وآية القتال، جعلوهما لغة الحوار مع
الآخر أيًا كان حتى لو كان يشهد بالشهادتيْن، وخالفهم الرأي.
  كما أنّ هذا يُبيّن
لنا أنّ القول بالناسخ والمنسوخ ظني وليس يقيني بدليل الخلاف حوله؛ إذ لا توجد
أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم المُبلِّغ عن الوحي تبيّن الناسخ والمنسوخ،
والقرآن يقيني، فكيف يُحكم عليه بالظني؟ وكيف يعتبر الناسخ والمنسوخ علمًا، وهو
ظني، وقد اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة،
فمنهم مَن قال إنّ عدد الآيات
المنسوخة(293)آية، ومنهم قال(247)،ومنهم قال(218)،ومنهم قال(214)، ومنهم قال(213)،ومنهم
قال(210)، منهم قال(200)وبعضهم قال(134)،وغيرهم قال(66)، وهناك من قال (22)،
وغيرهم قال(20)[
انظر: كتاب الآيات المنسوخة في القرآن الكريم للدكتور عبد
الله بن محمد الأمين الشنقيطي]
 وهكذا نجد أنّ ما
ورد في درس النسخ في القرآن خلاف ما هو وارد في كتب الناسخ والمنسوخ في القرآن
الكريم
.
والسؤال
الذي يطرح نفسه: لماذا في هذا التوقيت بالذات يقرر درس النسخ في مناهجنا، ولا يوجد
نسخ في القرآن، فكما
  يقول الإمام محمد أبو زهرة:” لأنّ النسخ يقتضي
أن تكون آيتان في القرآن موضعهما واحد، إحداهما مثبتة والأخرى نافية، ولا يمكن
الجمع بين النفي والإثبات، وما ادّعى النسخ فيه التوفيق بينهما سهل ممكن، وما أمكن
التوفيق فلا نسخ، وقد اشتركنا في كتابة التفسير مع بعض العلماء، ولم نجد آيتيْن
متعارضتيْن، ثمّ يمكن التوفيق بينهما، وقد طُبع ذلك التفسير، وسمي ب”
المنتخب” طبعته إحدى الجامعات الإسلامية.”[تمهيد زهرة التفاسير:
ص41] هذا وممّا يجدر ذكره أنّ الإمام أبي زهرة
ينفي وجود ناسخ ومنسوخ في القرآن الكريم[انظر تمهيد زهرة التفاسير،ص40، 41]
  ويقول
الدكتور أحمد السقا حجازي في كتابه” لا نسخ في القرآن الكريم”:”إنّ
القرآن الكريم الذي بين أيدينا، هو”المحكم”، وأنّ كل ما بين دفَّتي
المصحف هو القرآن الذى نزل به الوحى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنّ”القرآن”
نسخ الأحكام العملية الواردة في التوارة، والهدف من نزوله التخفيف عن الناس
وأنّ اليهود كانوا وراء اختلاق
الحكايات الخاصة بـالنسخ
.
 

Join the discussion