مراجعات على برنامج صحوة حلقة 9″ هل انتقص الفقهاء من حقوق المرأة”؟(1)

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 9″ هل انتقص الفقهاء من حقوق المرأة”؟(1)

 
د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الخميس 16/6/2016

 في البداية أشكر من الأعماق الفقيه العلّامة
المفكر الدكتور عدنان إبراهيم على ما قاله عني في برنامج صحوة بقناة روتانا خليجية
عقب مداخلتي في حلقة انتقاص الفقهاء لحقوق المرأة، وهي شهادة أقدرها وأعتز بها من
عالم في علمه ومكانته وقدره.

 
لقد تابعت الحلقة، واستمتعتُ بها؛ إذ سلّط الدكتور عدنان  الضوء على جوانب إنسانية في الرسول صلى الله
عليه وسلم تبيّن مدى تقديره لزوجه خديجة رضي الله عنها، ووفائه لها، وكذلك احترامه
لابنته فاطمة رضي الله عنها ،ووقوفه لها عند إقبالها عليه، هذه المواقف وغيرها
كثير  يتجاهلها بعض العلماء والفقهاء، بل
يُعتِّمون عليها ليستمروا في انتقاصهم للمرأة وتقليلهم لشأنها، وكذلك في بيان
الدكتور عدنان  عن ما استدل به بعض العلماء
عن وجود نبيّات مثل أمنا حواء والسيدة مريم عليهما السلام، وكذلك إقراره احتواء
بعض كتب تراثنا على مرويات موضوعة في  المسيحية واليهودية ينبغي تنقية كتب تراثنا منها
، وكذلك إقراره  بتأثر العلماء والفقهاء
بمورثات مجتمعاتهم الفكرية والثقافية ، وهنا أقول : كيف يحق لهم التوقيع عن الله
في فتاواهم ،وهي مشوبة بتأثيرات مورثاتهم في الجاهلية؟

 ولكن هناك أمور استوقفتني في محاور الحلقة، و
فيما قاله الدكتور عدنان أستأذن الدكتورين القديريْن عدنان وأحمد في بيانهما:

أولًا: حديث
ناقصات عقل ودين

والذي استوقفني الآتي:

·       
قول الدكتور عدنان عنه
أنّه
صحيح
السند وثابت في الصحيحين، وهنا اختلف معه فليس لكونه ثابتًا في الصحيحيْن دليل على
صحته، فالإمامان البخاري ومسلم، قد اجتهدا طبقِا للوسائل المتوفرة لديهما في
عصرهما للتثبت من صحة الأحاديث التي حواها صحيحهما، ولكن لا يعني أنّ كل ما في
الصحيحيْن صحيح، وإلّا لقبلنا أنّ المعوذتيْن ليستا من القرآن كما نسب لعبد الله
بن مسعود رضي الله عنه أنّه لم يضعهما في مصحفه، كما أفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر
في فتح الباري شرح صحيح البخاري في كتاب التفسير، 
باب تفسير سورة الناس،
والسؤال هنا لماذا اختار الإمام البخاري هذا
الحديث بالذات في تفسير سورة الناس، واكتفي به، وتوجد روايات أخرى تؤكد وجود
المعوذتيْن في مصحف عبد الله بن مسعود
t،
فها هو ابن حزم يقول:” وأمّا ما روي عنه في المعوذتين فقد عارضه ما هو أصح
منه وهو نقل أئمة القراء لهما عنه، فقراءة عاصم وحمزة والكسائي مسندة بالأسانيد
المتصلة بابن مسعود، كما قال الداني والجزري، وقد ثبتت المعوذتان في هذه
القراءات وهذه مصاحف العالم اليوم برواية حفص عن عاصم وفيها المعوذتان.”
وقال أيضًا في المحلى:” كل ما روي عن ابن مسعود من أنّ المعوذتين، وأم القرآن
لم يكونا في مصحفه، فكذب موضوع لا يصح، وإنّما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش
عن ابن مسعود فيها أم القرآن، والمعوذتان.

                وقد تابع النووي ابن حزم في
ذلك فقال في المجموع: أجمع المسلمون على أنّ المعوذتين والفاتحة وسائر السور
المكتوبة في المصحف قرآن, وأنّ من جحد شيئا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في
الفاتحة والمعوذتين باطل، ليس بصحيح عنه”

وهناك أمثلة كثيرة أخرى عن  عدم صحة بعض أحاديث الصحيحيْن، منها الحديث الذي
نحن بصدده،
 ففي صحيح البخاري جاء هذا الحديث: ” حدّثنا
سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد هو ابن أسلم عن عياض بن
عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر
إلى المصلى فمرَّ على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل
النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل
ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله
قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها أليس
إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن بلى قال فذلك من نقصان دينها “

وَرَد هذا الحديث  في الصحيحين مِن طُرُق عن أربعة من الصحابة :

 من حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث
جابر، ومن طريق ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين , وفيه:

1. زيد بن أسلم العدوي،
مولى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال عنه في ابن حجر في التقريب:
“ثقة عام ، كان يرسل ,قال ابن عُيينة : كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا ، وكان
في حفظه شيء ، وقال أبو حاتم: زيد عن أبي سعيد “مرسل”، وذكرها بن عبد
البر في مقدمة التمهيد، ما يدل على أنّه كان يدلس مما يفقد أحاديثه المعنعنة
حجيتها )، وبالتالي فأحاديث زيد في الإسناد جديرة بالاستبعاد. [
ابن حجر: تهذيب التهذيب ، 3/ 345، 346]

ويلاحظ الضعف الواضح في
الحفظ فلم يحفظ زيد الزمن فطر أم أضحى أم كلاهما؟

2.سعيد المقبري: قال عنه
ابن حجر في تقريب التقريب: “ثقة” تغيّر قبل موته بأربع سنين ، وروايته
عن عائشة ، وأم سلمة مرسلة’.

3.عمرو بن أبي عمرو،
واسمه: ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي أبو عثمان المدني. قال عنه
في التقريب:’ ثقة ربما وهم” وجاء عنه في تهذيب التهذيب: في حديثه ضعف ليس
بالقوي” وكان كثير الحديث صاحب مراسيل، وقال عثمان الدرامي: “في حديث
رواه في الأطعمة هذا الحديث فيه ضعف من أجل عمرو بن أبي عمرو” وقال ابن حبّان
في الثقات:” ربما أخطأ”, وقال السّاجي صدوق إلّا أنّه يهم.

عندما نتأمل هذا الحديث من
حيث المتن نجد:

1.    أنّ
ليس من خُلق الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمع العواتق وذوات الخدور والحُيّض في
يوم العيد، وحتى التي لا يكون لها جلباب تستعيره ممن لديها، ليقول لهن “أنتن
أكثر أهل النار، وناقصات عقل ودين، كما جاء في الأحاديث.

2.    توجد
أحاديث رواها البخاري تحث النسّاء على الصدقة في العيدين، دون ذكر النساء أكثر أهل
النار ،وناقصات عقل ودين.

3.    توجد
أحاديث ضعيفة ومنكرة عن النساء أكثر أهل النّار.

4.    توجد
أحاديث موضوعة وضعيفة عن تكفير العشير.

5.   
 الحديث
لا يتفق مع ما جاء به الإسلام، فهل يُعقل أنّه ينحصر دخول النساء النّار في قولهن
لأزواجهن” ما رأينا خيرًا منكم ّقّط”. ولا توجـــد معاص ولا منكرات غير
كفران العشير، وفي المقابل إنكار الزوج لخير زوجته ألا يدخله النّار؟، واضح أنّ
رواة الحديث الضعاف أرادوا منح الزوج قدسية، فتقولوا على رسول الله هذا القول,
وجعلوا مجرد قول المرأة لزوجها ما رأيتُ منك خيرًا قط يدخلها النّار، وممّا يؤكد
عدم صحة هذا الحديث ،التقوُّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّ النساء
“ناقصات عقل ودين لشهادة امرأتين برجل واحد، ولعدم صلاتها وصومها فترة الحيض،
لو كان الرســـــول صـــــلى الله عليه وسلم قــــال هذا القول، لمــــا عمــــّم
الشهادة والحـــــيض، فهو يدرك أنّ الآية إنَّما تتحدث عن” الإشهاد” في
ديْن خاص، وليس عن الشهادة، وأنَّها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن وليست تشريعاً موجهًا
إلى القاضي الحاكم في المنازعات, فهي في عقود المداينة، أمّا الحيض فهو لا يلازم
المرأة طوال حياتها، ومعروف أنّه يأتي الحيض في سن البلوغ، وينقطع في الغالب عند
بلوغها الأربعين، فهل تعتبر ناقصة دين على الدوام؟ وهل عدم صلاة الحائض وصيامها
يعد نقصانًا في الدين؟ وهو يمثل إرادة إلهية، والتزامها بتعاليم دينها منعها من
الصلاة والصوم أثناء حيضها، وليس بدافع منها، حتى يعد نقصانًا في دينها، كما لا
يسقط الحيض الصيام عن الحائض، فهي تقضيه، ولستُ أدري كيف يعتبر محقق  صحيح الإمام مسلم أنّ ذلك من نقصان الإيمان؛ إذ
صنّف هذا الحديث في باب” بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات؟ وللأسف نجد علماء
الإسلام وفقهاءه قبلوا بهذا التصنيف، وقبلوا بهذا الحديث رغم ضعف بعض رواته، بل
تغاضوا عن ضعفه، وبعد متنه عن مبادئ وقيم الإسلام، وتناقضه مع أحاديث صحيحة، لأنّ
ما جاء فيه يتفق مع أهواء الكثير في التقليل من مكانة المرأة، وبناء أحكام فقهية
عليه، وعانت المرأة الأمرْين من هذا الحديث الذي حرمها من كثير من حقوقها في
مقدمتها أهليتها، وولايتها على نفسها، وعلى غيرها، وحقّها في الولاية والشورى
والبيعة.

·       
قوله ” المرأة ناقصة
في التدين وليس في الدين”

مع احترامي وتقديري
للدكتور عدنان إلّ أنّ قوله ” أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم
الرسول داعب النساء في يوم
عيدٍ بقوله “ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل الحازم من
إحداكن” ما هي إلّا محاولة لتبرير صحة الحديث، وهذا دفعه إلى قول ” إنّ
المرأة ناقصة في التدين وليس في الدين،” وأنا هنا أقول:

        
 ليس من حق أي إنسان أيًّا كانت مكانته أن يحكم
علي المرأة أنّها قليلة التديّن، فالله وحده هو الذي يقرر ذلك، لأنّه الخالق
والعالم بالسرائر، وأرجو من الدكتور عدنان أن يعتذر للنساء على مقولته هذه.

        
إنّ قمة التدين امتثالها لأمر خالقها بعدم الصلاة
والصيام أثناء حيضها ونفاسها.

        
 عندما أراد الله جلّ شأنه أن
يضرب مثلًا للمؤمنين على قوة التديّن والإيمان ضربه بامرأة هي امرأة فرعون في قوله
تعالى : (
وضرب
الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون
إذ قالت رب ابن لي
عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)[ التحريم : 11]

وذكر
أيضًا امرأة عمران التي نذرت ما في بطنها لله من شدة تدينها (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ
لَكَ
مَا
فِي
بَطْنِي
مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي
إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.)[ آل عمران :35]

وقوله في الآية التي بعدها: ( فَلَمَّا
وَضَعَتْهَا قَالَتْ
رَبِّ
إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ
كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [ آل عمران : 36]
فعندما
قالت امرأة عمران  (  إنّي وضعتها أنثى) ، قال جل شأنه( وليس الذكر
كالأنثى) أي
الأنثى
التي وُهبت خير من الذكر الذي نذرتيه لخدمة بيت المقدس, فالأنثى هنا هي المشبه
بها, والمشبّه به في علم البلاغة أقوى من المشبه، ولكن نجد من العلماء من حوّلوا
المعنى إلى غير مقاصده لمنح الذكر الأفضلية، وعمموه بقولهم الذكر أفضل من الأنثى،
بل ضربوا بها مثل في انتقاص المرأة ؟!!!

 إنّ عدم صحة الحديث  توقعنا في أخطاء عندما نبرر صحته.

 

·       
قول الدكتور عدنان إنّ
الذكاء الحسابي لدى المرأة أضعف من الرجل، وأنّ هذا مثبت علميًا ، ولعله من أسباب
شهادة امرأتين برجل واحد، وأقول هنا:

1.    إنّ
الإشهاد على عقود المداينة لا يحتاج إلى ذكاء حسابي، وهل كل الرجال يتمتعون بذكاء
حسابي، وكل النساء غبيات حسابيًا؟

2.    هذه
مقولة تتنافى مع الواقع، فكثير من الرجال أغبياء في الرياضيات بينما يوجد نساء
نابغات فيها، وكما يوجد علماء نابغون في الاقتصاد والرياضيات ، يوجد كدلك عالمات
نابغات  في علمي الاقتصاد والرياضيات، ومسألة
الدراسات العلمية فهي غير ثابتة، وكل يوم  نفاجأ بدراسات تناقض التي قبلها، فمثلًا توجد
دراسة علمية بريطانية تناقض نفسها، أثبتت أنّ الرجل أكثر ذكاءً، وفي الوقت ذاته
أثبتت أنّه أكثر غباءً!!

3.    إنّ
شهادة امرأتيْن برجل واحد في الإشهاد على عقود المداينة تنتفي بانتفاء العلة، وهي
( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) أي علة النسيان لعدم ممارسة المرأة للبيوع
والشراء، فإن مارستها تتنشّط الذاكرة الحسابية لديها ، وبالتالي يكون إشهاد المرأة
على عقود المداينة تعدل الرجل،
و لقد أدرك هذا المقصود فقهاء وعلماء فصلوا
القول فيها منذ القرن الثامن الهجري  منهم
شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه  ابن
القيم، فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم : قال عن البينة التي
يحكم القاضي بناءً عليها ..التي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم:” البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه” رواه
البخاري والترمذي وابن ماجه:(إنَّ البينة في الشرع، اسم لما يُبيِّن الحق ويظهره،
وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد
واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكُولًا ـ النكول الامتناع عن اليمين ـ ويميناً ،أو
خمسين يميناً، أو أربعة أيمان، وتكون شاهد الحال، فقوله صلى الله عليه وسلم:”
البيِّنة على المدعي” أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه
بطريق من الطرق حكم له” هذا ما جاء نصه في كتاب السياسة الشرعية لابن القيم،
وقد أورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان[ الطرق التي يحفظ بها الإنسان
حقه] فقال:” إنَّ القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتيْن في طرق الحكم
التي يحكم بها الحاكم، وإنَّما ذكر النوْعين من البيِّنات في الطرق التي يحفظ بها
الإنسان حقه، فقال تعالى”: وذكر آية المداينة،  ويقول ابن القيم في الطرق الحُكْمية في السياسة
الشرعية: “وليس في القرآن ما يقتضي أنّه لا يُحكم إلاّ بشاهديْن، أو شاهد
وامرأتين، فإنّ الله سبحانه وتعالى إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم
بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألاّ
يقضوا إلاّ بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة، والمرأة الواحدة،
والنساء مفردات  لا رجل معهن، وبمعاقد
القِمْط (
حبل
تشد به الأخصاص وقوائم الشاة للذبح ، وجمعه أقماط)
ووجوه الآجر، وغير
ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن. فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفاً
لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة
للقرآن، فالحكم بالشاهد، واليمين أولى ألاَّ يكون مخالفاً للقرآن، فطرق الحكم شيء،
وطرق حفظ الحقوق شيء آخر، وليس بينهما تلازم ، فتحفظ الحقوق بما لا يحفظ به صاحب
الحق حقه، ولا خطر على باله من نكول، ورد يمين، وغير ذلك، والقضاء بالشاهد واليمين
،ممّا أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ،قال تعالى في النساء آية 105
﴿إنَّا
أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكمَ بيْن النَّاسٍ بِمَا أَرَاك الله
[ابن
القيم الجوزية :الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ،تحقيق د. محمد الإسكندراني علي
محمد دندل، ص 112،طبعة بدون رقم، 1428هـ ـ 2007م، دار الكتاب العربي- بيروت.]

 

        ومن
هنا نجد ابن القيم يستدل بالمساواة  في
الشهادة بقوله تعالى:
﴿وكذلك
جعلناكم أُمةً وسطًا لتكونوا شُهَداءَ على النّاسِ وَيَكُونُ الرسول عليكم شهيدًا
على أنَّ المرأة كالرجل في
الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة، فالمرأة كالرجل في رواية الحديث، التي هي
شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، 
وإذا كان ذلك ممَّا أجمعت عليه الأمة، ومارسته راويات الحديث النبوي جيلًا
بعد جيل ـ والرواية شهادة ـ فكيـــف تقــــبل الشهــــادة من امرأة على رســــول
صــــلى الله عليه وســــلم، وعلى شرع الله، ولا تُقبل على واحد من النَّاس؟؟ إنَّ
المرأة العدلـ كما يقول ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ـ كالرجل
في الصدق والأمانة والديانة.[ المرجع السابق: ص 132]

 

إنّ
انتقاص أهلية المرأة لا يقتصر على حديث ناقصات عقل ودين فقط، وكنتُ أتمنى أن يشير
الدكتور عدنان إلى ذلك ؛ إذ يمتد إلى:

1.     تنصيف ديتها مع أنّ الآية القرآنية جاءت بصيغة
العموم في قوله تعالى:(وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ
أَهْلِهِ)[ النساء : 92]، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” وفي النفس
المؤمنة مائة من الإبل”، وزاد البيهقي( في القرن الرابع الهجري)عليها
عبارة” ودية المرأة نصف دية الرجل” وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر
العسقلاني، فترك الفقهاء الآية القرآنية والحديث النبوي، وأخذوا بإضافة البيهقي،
ونسبوها إلى شرع الله.

2.   
حرمانها من حقها السياسي في الولاية، وتولي مناصب قيادية في صنع القرار
لرواية مفردة، وراويها حدّه سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بحد القذف، ولم
يتب، والرواية هي:” لن يفلح قومًا ولو أمرهم امرأة”، وهذا الحديث يتناقض
مع قوله تعالى(
وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[التوبة :71]،وكذلك إشادته بملكة سبأ، فلم يستنكر
الله ولايتها الملك، بل أشاد بها كامرأة شورية ،وبين قوة دولتها، دليل على فلاح
قومها، خلاف ما جاء في الحديث، والسنة الصحيحة لا تناقض القرآن الكريم.

3.   
تعميم
شهادة امرأتيْن برجل واحد، و( للذكر مثل حظ الأنثيين)

4.   
تحويل
معنى ( وليس الذكر كالأنثى) بأنّ الرجل أفضل من الأنثى، والمعنى عكس ذلك، وقد
بيّنته في الأسطر السابقة.

5.    المفهوم
الخاطئ لتفسير آية (
أومن ينشّأُ في الحِليةِ وَهُوَ
فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) [ الزخرف:18]

وقد فسّرها ابن كثير بقوله: أَيْ الْمَرْأَة نَاقِصَة يَكْمُل نَقْصهَا بِلُبْسِ الْحُلِيّ مُنْذُ تَكُون
طِفْلَة وَإِذَا خَاصَمَتْ فَلَا عِبَارَة لَهَا بَلْ هِيَ عَاجِزَة عَيِيَّة
أَوَمَنْ يَكُون هَكَذَا يُنْسَب إِلَى جَنَاب اللَّه الْعَظِيم؟ فَالْأُنْثَى
نَاقِصَة الظَّاهِر وَالْبَاطِن فِي الصُّورَة وَالْمَعْنَى فَيَكْمُل نَقْص
ظَاهِرهَا وَصُورَتهَا بِلُبْسِ الْحُلِيّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِيُجْبَر مَا
فِيهَا مِنْ نَقْص كَمَا قَالَ بَعْض شُعَرَاء الْعَرَب وَمَا الْحُلِيّ إِلَّا
زِينَة مِنْ نَقِيصَة … يُتَمِّم مِنْ حُسْن إِذَا الْحُسْن قَصَّرَا وَأَمَّا
إِذَا كَانَ الْجَمَال مُوَفَّرًا … كَحُسْنِك لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ
يُزَوَّرَا وَأَمَّا نَقْص مَعْنَاهَا فَإِنَّهَا ضَعِيفَة عَاجِزَة عَنْ
الِانْتِصَار عِنْد الِانْتِصَار لَا عِبَارَة لَهَا، وَلَا هِمَّة.

وتفسير كبارالمفسرين في مختلف الحقب التاريخية  لا
يخرج عن هذا المعنى ، وهو مثل حي يبيِّن لنا على عدم تحرر العلماء والمفسرين
والفقهاء من موروثاتهم الفكرية والثقافية
مدى تحكم الموروث الفكري والثقافي في عقولهم ونفوسهم، حتى نجدهم ابتعدوا عن
المقصود القرآني من الآية، وعمّموها على كل النساء  وكأنّ كل نساء العالم ينشأن في القصور ويُربين
علي البذخ والترف والزينة، ثمّ ليس كل من يُربى في القصور وفي الزينة يكون ضعيف
الحجة، فالملوك والأباطرة يربون في الحلية والبذخ والترف، ولكن يصبحون حكامًا،
فالإنسان طبقًا لما تربى ونشأ عليه، وهذا المقصود من الآية: فكل من يُنشّأ في
الزينة والترف دون تحمّل أية مسؤولية، ودون تعليم وتثقيف وتدريب على استعمال العقل
والحجة سيكون ضعيف الحجة والبيان، وهذا ليس خاص بالنساء كما يقول المفسرون، ولكنه
يشمل الرجال أيضًا، فيوجد من الرجال ممن نشأوا في القصور على الترف والبذخ ممن
يتصفون بضعف العقل والحجة، فكانت
رضية بنت التمش: ملكة من ملكات الهند كانت ذات
سلطة ونفوذ وإدارة .ارتقت الملك في 18 ربيع الأول سنة 634هـ /1236م بعد خلع أخيها
ركن الدين فيروز شاه، وهي خامس ملوك دولة المماليك بالهند، وقد أبى الأمراء في أول
الأمر أن يقسموا لها يمين الطاعة، ولكنها بحزمها وحسن تدبيرها تمكنت من إخضاع
البلاد كلها لسلطانها، وكانت السلطانة رضية تملك كل الصفات التي تؤهلها لتولي الملك،
وإدارة شؤون المملكة، فكان والدها إذا تغيب في حروبه ينيبها عنه في إدارة أعمال
حكومته مفضلًا إياها على أبنائه الذكور ،ولمَّا سأله أمراؤه لماذا اختار ابنته بدل
أحد أبنائه في نيابة المملكة ،أجاب: إنَّ أولاده انهمكوا في الشرب واللعب فإدارة
المملكة صعبة عليهم ،أمَّا رضية بيكم ـــــ لفظة فارسية معناها أميرة ـــــ  فمع إنَّها امرأة لكن لها عقل وقلب رجل ،ولمَّا
تبوأت عرش المملكة أظهرت من حسن الإدارة ما يؤيد هذا الوصف عنها فإنَّها خلعت
الملابس النسائية ،ولبست الحلة الملكية وشرعت تباشر أعمال المملكة بنفسها وتنظر في
القضايا المعروضة عليها، وتفصل فيها بالعدل والقسطاس المستقيم، وكثيراً ما قادت
جيوشها بنفسها، وتآمر أخوها على خلعها، حسداً منه لما بلغت من مكانة، ولم يفلح،
وتوفيت سنة 637هـ/ 1239م . [أعلام النساء لكحالة ،1/448ـ 451.]

ثم هل كل الإناث يُربين
في القصور والترف؟

  إنّ معظمهن يعشن حياة بسيطة متواضعة وكثيرات
منهن يعشن في فقر مدقع، فالنساء الفقيرات في العالم يشكلن 70%،  وقليلات أولئك اللواتي يعشن في القصور ويُربيْن
على البذخ والترف، فليس من العدل أن يُعمّم القليل ،وجعله على المطلق، وبه يُعمّم
الحكم على كل النساء، ويُنسب هذا الحكم إلى الخالق جل شأنه، فيُقوَّل مالم
يقله!!!!

 

للحديث صلة.

المصدر: جريدة أنحاء اليكترونية http://www.an7a.com/254641/

 

 

 
Join the discussion