القوامة والنشوز(2)

القوامة والنشوز(2)

خاص بمدوّنة الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد

القوامة والنشوز(2)

   د. سهيلة زين
العابدين حمّاد

الثلاثاء 19/ 1/ 2016م

   

 

رغم كل  التفسيرات
الخاطئة لابن كثير والطبري التي أوضحتها في الحلقة الماضية ، فعندما حاولتُ
تصحيحها، وتوضيح معناها الحقيقي الذي يتفق مع سياق الآية، والمعنى اللغوي للآية
طبقًا لسياقها ، ومع أسس العلاقة الزوجية في الإسلام ، قيل  إنّني أُأوِّل معاني الآيات  إلى غير معانيها، مع أنّي أضع المعاني في
مكانها الصحيح ، فلو اطلعنا على مادة ( ضَرَبَ) في معاجم اللغة ، تجد لها معانٍ
كثيرة ،منها الإعراض عن ، أو المفارقة والترك والاعتزال

ففي لسان العرب :وأضربت عن الشيء : كففت
وأعرضت .

وضرب عنه الذكر وأضرب
عنه : صرفه . وأضرب عنه أي أعرض .

وقوله عز وجل : أفنضرب عنكم الذكر صفحًا ;
أي
نهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم ; لأنّكم كنتم قومًا مسرفين أي لأنّ أسرفتم .
والأصل في قوله : ضربت عنه الذكر ، أنّ الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفه عن
جهته
، ضربه بعصاه ، ليعدله عن الجهة التي يريدها ، فوضع الضرب موضع الصرف
والعدل . يقال : ضربت عنه وأضربت . وقيل في قوله
: أفنضرب عنكم الذكر صفحًا :
إنّ
معناه أفنضرب القرآن عنكم ، ولا ندعوكم إلى الإيمان به صفحا أي معرضين عنكم . أقام
صفحًا وهو مصدر مقام صافحين . وهذا تقريع لهم ، وإيجاب للحجة عليهم “[1]

إنّ معاني الفاظ القرآن الكريم  تُستخلص
من القرآن نفسه , فإذا تتبعنا  معاني كلمة (ضرب) في القرآن تعني : المفارقة ،
والمباعدة
، والانفصال والتجاهل , خلافا لمعنى
” الضرب البدني

والأمثلة من القرآن الكريم:

1.(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ
أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ
دَرَكاً وَلَا تَخْشَى) [2]
أي افرق لهم بين الماء طريقًا
.

  
2. (فَأَوْحَيْنَا
إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ )[3]
أي باعد بين جانبي الماء
.

3. (لِلْفُقَرَاء
الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي
الأَرْضِ) أي مباعدة و سفر
.

4. (وَآخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ )[4]

5. (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ
بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ )[5][الحديد:
13] أي فصل بينهم بسور، وضرب به عُرض الحائط أي أهمله وأعرض عنه ، وذلك المعني
الأخير هو المقصود في قوله تعالى (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
وَاضْرِبُوهُنَّ ) والآية تحض على الهجر في المضجع، وإن لم تستجب ف( الضرب) بمعنى
 الإعراض عن ، بمعنى المباعدة ، والمفارقة
.

 من خلال معاني ضرب في الآيات الوارد ذكرها لمَ لم تفسّر
بمعنى الضرب البدني
 في
الآية المتعلقة بالنساء ليعطى للرجل حق ضربهن؟

إنّ إعطاء معنى ( واضربوهن) معنى الضرب البدني
للزوجة ظلم للمرأة يتنافى مع عدل الله وإنصافه لها الذي قال
: (  وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
بِالْمَعْرُوفِ )(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تسريح بإحسان) فالقول إنّ الإسلام
 يعطي
للرجل حق ضرب المرأة  تشويه له ولصورته.

  هذا وقد وقد أخذ
الدكتور عبد الحميد أبو سليمان ، وكذلك الشيخ خالد الجندي ،وغيره كثير بمعنى
المفارقة والترك والاعتزال لمعني( واضربوهن)، وقد قال المفكِّر الدكتور عبد الحميد
أبو سليمان في تفسيره لآية النشوز : ”
وكلمة الضرب لها معانٍ
كثيرة ،منها : المفارقة والترك والاعتزال ، وهذا المعنى الذي يتفق مع هذه الآية ،
وتؤكده السنة النبوية الفعلية حين فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت زوجاته
حين نشب بينه وبينهن الخلاف ، ولم يتعظن وأصررن على عصيانهن وتمردهن رغبة في شيء
من رغد العيش ،فلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ” المشربة” شهراً
كاملاً تاركًا ومفارقًا لزوجاته ومنازلهن مخيرًا إياهن بعدها بين طاعته والرضا
بالعيش معه على ما يرتضينه من العيش ، وإلاَّ انصرف عنهن وطلَّقهن في إحسان ( عسى ربه
إن طلقكًنَّ أن يُبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ) [6]وهو
عليه أفضل الصلاة والسلام لم يتعرَّض لأي واحدة منهن خلال ذلك بأي لون من ألوان
الأذى الجسدي ،أو اللطم ،أو المهانة بأية صورة من الصور ، ولو كان الضرب بمعنى
الأذى الجسدي والنفسي أمراً إلهياً ودواءً ناجعاً لكان عليه السلام أول من بادر
إليه ويفعل ويطيع. [7]

ويؤيد هذا
المعنى سياق الآية، والآية التي بعدها؛ إذ يبدأ بالوعظ ، ثم الهجر في المضجع ، ثم
الإعراض عن بترك بيت الزوجية
: (وَاللَّاتِي
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا . وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا
إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا.
)[8]

فهنا نجد
تدرجًا في التعامل مع الزوجة التي ترفض المعاشرة الزوجية بالبدء بالوعظ بالكلمة
الطيبة، فإن لم تستجب بالهجر في المضجع، بمعنى يدير ظهره عنها، فإن لم تستجب ،
بترك البيت لفترة، فإن استمر الشقاق بينهما يتدخل الأهل بحكم من أهلها ، وحكم من
أهله للإصلاح بينهما إن يريدا إصلاحًا، وإذا فشلت كل هذه الطرق ، ف( إمساك بمعروف
أو تسريح بإحسان) فأين الضرب البدني في الآية؟

.
يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرحًا لحديث هجران الرسول صلى الله عليه
وسلم لزوجاته 29 يومًا خارج بيوتهن، قال المهلب : ” هذا الذي أشار إليه
البخاري كأنّه أراد أن يستن الناس بما فعله النبي 
صلى الله عليه وسلم من الهجر في غير البيوت رفقًا بالنساء ، لأنّ هجرانهن
مع الإقامة معهن في البيوت آلم لأنفسهن ، وأوجع لقلوبهن بما يقع من الإعراض في تلك
الحال ، ولما في الغيبة عن الأعين من التسلية عن الرجال ، قال : وليس ذلك بواجب
لأنّ الله قد أمر بهجرانهن في المضاجع فضلًا عن البيوت ” [9]  

قد يقول قائل : من أين لك هذا التحريف للآية ؟؟
الضرب هو ما يفهمه العرب من معنا هذه الكلمة ، وبما فسره المفسرون : غير المبرح
ولا الموضح الذي يبقي أثر .

بل هو المتفق مع قوله صلى الله عليه وسلم : (
يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من أخر يومه ) متفق عليه.”

وهنا أقول لماذا تبتر الحديث وتورده ،وكأنّ
الرسول صلى  الله عليه وسلم يقر ضرب المرأة
، مع أنّه كان لوعظ الرجال من عدم ضرب زوجاتهم ،وقد أورد البخاري في صحيحه هذه
الرواية : ”
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ
حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ
أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ وَذَكَرَ
النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ { إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ
مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ يَعْمِدُ
أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا
مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنْ الضَّرْطَةِ وَقَالَ
لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ”،
 كما ورد في الرواية  التي 
أخرجها مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب النار يدخلها
الجبارون ، والجنة يدخلها الضعفاء ، حديث رقم ( 2855)  مبينًا فيها وعظ الرسول صلى الله عليه بعدم
السير على عاداتهم الجاهلية ، وهي  ضرب
الزوجات:  ” حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة وأبو كريب ، قالا : حدثنا ابن نُمير عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله
بن زمعة ،قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الناقة ، وذكر الذي عقرها ،
فقال : ” إذ انبعث أشقاها : انبعث بها رجل عزيز عارم منيع في رهطه ، مثل أبي
زَمَّعة ،ثم ذكر النساء فوعظ فيهن ،ثم قال : ” إلام يجلد أحدكم امرأته ؟
” في رواية أبي بكر ” ” جلد الأَمَة” ، وفي رواية أبي كُريب
” جلد العبد. ولعله يضاجعها من آخر يومه” ، ثم وعظهم في ضحكهم من
الضرّمة ،فقال ” إلام يضحك أحدكم ممّا يفعل؟”

وهذه الرواية أخرجها أيضًا ابن ماجه في سننه
” حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ،ثنا عبد الله بن نُمير ، ثنا هشام بن عروة عن
أبيه عن عبد الله بن زَمَّعة ، قال : خطب النبي صلي الله عليه وسلم ، ثم ذكر
النساء ، فوعظهم فيهن ، ثم قال : ” إلام يجلد أحدكم امرأته جلد الأمة ؟ ولعله
أن يضاجعها من آخر يومه .”

 ومعنى
الحديث : مذ أنتم على هذه الحالة ، وإلى متى تبقون على هذه العادة ،وهي أحدكم يجلد
امرأته ضربًا شديدًا كضرب الأمة ، أي : اتركوا هذه العادة ،والتشبيه ليس لإباحة
ضرب المماليك ،بل لأنّه جرى به عادتهم ،وقوله: ( ولعله) أي: الذي ضرب امرأته أول
النهار  ( أن يضاجعها) أن زائدة، أي : فكيف
يضربها ذاك الضرب الشديد عند هذه المقاربة والمقابلة لكمال الاتحاد والمودة.”[10]

الخلاصة
التي تخرج منها : أنّ الحديث جاء لوعظ الرجال بتركهم عادة الجاهلية بضرب زوجاتهم ،
وجاءت بصيغة النهي والاستنكار ، ويؤيد هذا رواية البخاري لهذا الحديث في كتاب
النكاح ؛ إذ جاءت الرواية بصيغة النهي 
” حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن
زَمَّعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ، ثمّ
يجامعها في آخر اليوم ” [11]

 أمّا
حديث  معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال :
قلت يا رسول الله ، ما حق زوجة أحدنا عليه ؟

 قال :
” أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، لا تضرب الوجه ، ولا
تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت ” حديث حسن رواه أبو داود .”

هذا الحديث لا ينطبق على السنة الفعلية ، لأنّ
الرسول صلى الله عليه وسلم هجر خارج البيت ، فكيف يفعل خلاف ما يقول ، إذًا هذا
الحديث لا يقبل متنًا.

ووقع في شرح الكرماني قوله ” ويذكر عن
معاوية بن حيدة رفعه ولا تهجر إلّا في البيت ” أي ويذكر عن معاوية ولا تهجر
إلّا في البيت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أي الهجرة في غير
البيوت أصح إسنادًا، وفي بعضها أي بعض النسخ من
البخاري غير أن لا تهجر إلّا
في البيت
قال : فحينئذ ففاعل يذكر هجر النبي صلى الله
عليه وسلم نساءه في غير بيوتهن ، أي ويذكر عن معاوية رفعه غير أن لا تهجر، أي رويت
قصة الهجرة عنه مرفوعة [12]
إلّا أنّه قال لا تهجر إلا في البيت ، وهذا الذي تلمحه غلط محض ، فإنّ معاوية بن
حيدة ما روى قصة هجر النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه ، ولا يوجد هذا في شيء من
المسانيد ولا الأجزاء، وليس مراد
البخاري ما ذكره
، وإنّما مراده حكاية ما ورد في سياق حديث معاوية بن حيدة ، فإن في بعض طرقه

ولا
يقبح ولا يضرب الوجه ، غير أن لا يهجر إلاّ في البيت
فظن الكرماني أنّ
الاستثناء من تصرف
البخاري ، وليس
كذلك بل هو حكاية منه عما ورد من لفظ الحديث ، والله أعلم.”

 كما
أنّ هذا الحديث  يخالف الحديثيْن التاليين
الذيْن رواهما أبو داود ينهى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب  الزوجة :

 أولهما
: حديث رقم ( 2143) ” حدثنا ابن بشار [محمد بن بشار ] حدثنا يحي بن سعيد ،
حدثنا بهز بن حكيم ، حدثنا [ حدثني] أبي عن جدي ،قال قلت يا رسول الله نساؤنا ما
نأتي منهن [ منها ] وما نذر ؟ قال : ” ائت حرثك أنّى شِئت ، واطعمها إذا
طعمت، واكسها إذا اكتسيْت، ولا تُقبِّح الوجه ولا تضرب”

ثانيهما : حديث رقم ( 2144) ” حدثنا أحمد
بن يوسف المُهبلي النيسابوري ، حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين ،حدثنا سفيان بن
حسين عن داود الورّاق عن سعيد بن حكيم بن معاوية [ عن بهْز بن حكيم ، عن أبيه ـــ
عن سعيد ، عن بَهْز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده معاوية القشيري ، قال : أتيتُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقلتُ [ قال فقال ] ما تقول في نسائنا ؟ قال :
” أطعموهن ممّا تأكلون ، واكسوهن ممّا تكسوهن ، ولا تضربوهن ولا تقبِّحوهن
“.

هاتان الروايتان تؤكدان تحريم ضرب الزوجة .

أمّا عن قوله 
صلى الله عليه وسلم : (( لا تضربوا إماء الله )) فجاء عمر رضي الله عنه إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ذئرن النساء على أزواجهن ، فرخص في
ضربهن
  فأطاف بآل رسول الله صلى
الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ”
لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخيارهم”.[ حديث رقم
2146 ، سنن أبي داود]

يقول
الشافعي : عن هذا الحديث : ” يحتمل أن يكون قبل نزول الآية يضربهن ، ثم أذن
بعد نزولها فيه” [ ابن حجر العسقلاني : فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب
النكاح ، 5205]

 هذه إشارة من الشافعي بأنّ هذا الحديث ، قيل في
زمنيين مختلفيْن ، جزء قبل نزول آية واضربوهن ، وجزء الإباحة بعد نزول ، واضربوهن.

وهنا
أقول :

 إنّ القرآن الكريم وحي من الله في معناه ولفظه،
الحديث النبوي الشريف وحي من الله في معناه فقط، ولفظه من الرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فالله جل شأنه يعلم ما يصلح لعباده ، والقول إنّ  تحريم النبي للضرب جاء قبل نزول آية ( النشوز)
قول لا يتفق مع وحي الله ، فالله سابق في علمه أنّه سينزل هذه الآية ،فكيف يوحي
لرسوله الكريم بالنهي عن ضرب النساء ، وهو ينزل آية تأمر بضربهن ؟ الذي يتفق
مع  النهي النبوي عن ضرب النساء إنّ كلمة
” واضربوهن ” لا يعنى  بها الضرب
البدني ، كما فهمه الغالبية العظمى ، ومادام هو وحي من الله ، فكيف يخالف هذا
الوحي بإباحة ضرب النساء عندما شكا له سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه نشوزهن،
ولم يبحه بنزول آية ( واضربوهن) ،فهو ليس بحاجة أن ينتظر سيدنا عمر رضي الله عنه
ليشكو له النساء ، فيبيح ضربهن ؛ لذا فأنا لا أتفق مع تفسير الإمام الشافعي
للمنع،  ثمّ الإباحة  إن كان جاء أمر إلهي بذلك ، ومن هنا نجد أنّ
الجزء الثاني من الحديث غير صحيح ، ويؤيد قولي هذا الحديث الذي أخرجه النسائي حديث
عائشة رضي الله عنها” ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة له ولا
خادمًا قـــــــط، ولا ضـــرب بيـــده شيئًا قط إلّا في سبــيل الله ..”

 إنّ الإسلام يقوم على أسس ومبادئ وقيم ، هي
قاعدتنا في فهم النصوص وتحليلها ،ولدينا عقول نفكر بها ، فلا نقبل تفسيرات البشر
وتعليلاتهم إن كانت مخالفة لتلك الأسس والمبادئ والقيم ، فهل يُعقل أنّ الرسول صلى
الله عليه وسلم يبيح ضرب النساء بناءً على شكوى من سيدنا عمر ، ويترك أمر إلهي
بضربهن إن كانت الآية تعني بالفعل الضرب البدني؟ ، هذا الحديث يؤكد معنى (
واضربوهن ) في آية النشوز هو الإعراض عن ، أو المفارقة والترك والاعتزال، أو الهجر
خارج البيت، وليس الضرب البدني ، لأنّه لوكان المقصود الضرب البدني، لأباح الرسول
ضرب الزوجات بناءً على الآية ،وليس بناءً على شكوى سيدنا عمر  رضي الله عنه ، ولأنّه يتنافى مع قوله تعالى ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا
  لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً
 ورَحْمَة ) ، ويتنافى مع قوله (
وعاشروهن بالمعروف) ، ويتناقض مع قوله تعالى ( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ،
ويتناقض مع قوله تعالى ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) ، وقوله تعالى ( ولهن مثل
الذي عليهن بالمعروف)، ويتناقض مع جميع الأحاديث التي توصي بالنساء خيرًا.

 وللأسف بناء على هذا المفهوم الخاطئ أصبح الرجال
يمارسون ضرب زوجاتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم ، وأمهاتهم أحيانًا ، بل نساء لا
تربطهم بهن رابطة ، كما في حملة العقال ، ويصل الضرب أحيانًا إلى القتل ، وللأسف
الشديد نجد بعض قضاتنا يحكمون على قاتلي زوجاتهم أحكامًا غير معقولة ، من  هذه القضايا حكم قاض على قاتل زوجته ضربًا ثلاث
سنوات ومائتي جلدة ، وحكم قاض آخر على سارقي خروفين بسجن كل منهما ثلاث سنوات ،
وألفي جلدة لكل منهما، أي سرقة خروفيْن أهم من روح امرأة ، وقاض آخر من قضاتنا حكم
على  ذابح زوجته التي كانت تطعم طفلها
بالسجن خمس سنوات ، وهذان القاضيان خالفا شرع الله في قتل القاتل ، واتبعا مقولة
للإمام الزهري أوردها ابن قدامة في المغني ، وهي 
“لا يقتل الرجل في امرأته لأنّه ملكها بعقد النكاح” 

ونجد الإمام  الطبري وغيره من المفسرين  يستندون إلى أحاديث ضعيفة ليثبتوا  فضل الزوج ، ويوجب على المرأة تقديسه مثل
مرويات ” لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم
حقه عليها.”

للحديث
صلة.

suhaila_hammad@hotmail.com

 

 

 

 



[1]
. ابن
منظور : لسان العرب، 9/25

[2] .
طه: 77.

[3] .
الشعراء : 63.

[4] .
المزمل : 20.

[5] .
الحديد 13.

[6] – التحريم : 5.

[7] – د. عبد الحميد أبو سليمان : ضرب المرأة : وسيلة لحل الخلافات
الزوجية ،ص 28 ،29،المعهد العالمي للفكر الإسلامي نهيرندن ،فرجينيا ، الولايات
المتحدة الأمريكية.

[8] . النساء : 34-35]

[9] – أحمد بن حجر العسقلاني : فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب
النكاح ، الحديث رقم 5203، 10 377،طبعة سنة 1416ه1996م ، دار الفكر : بيروت ـــ
لبنان.

 

[10]  سنن ابن ماجه : تحقيق
الشيخ خليل مأمون شيحا، حديث رقم 1983، باب ضرب النساء.

[11] – [ حديث رقم 5204] باب ما يُكره من ضرب النساء .

[12] – المرفوع يقصد به: كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من
قول أو فعل أو

تقرير،
صح السند أو لم يصح، اتصل أو انقطع. واشترط الخطيب البغدادي -رحمه الله- أن
يكون الرفع إلى النبي
صلى الله عليه وسلم من صحابي. وبعض علماء الحديث يقصد
بالمرفوع: ما اتصل سنده فيجعله مقابلاً للمرسل. والمرفوع إذا توفرت فيه شروط الصحة أو الحسن وجب قبوله. وأما الموقوف فالمقصود به: قول الصحابي وفعله، هذا إذا أطلقت كلمة
الموقوف -أي قيل موقوف فقط ولم يزد عليه قولهم على فلان- وأما إذا
قيدت بقولهم على فلان
كقولهم -مثلاً- موقوف على الشافعي أو موقوف على سعيد بن
المسيب ونحو ذلك فهو كلام من ذكر. والموقوف على الصحابي قسمان:

الأول: ما كان للرأي فيه مجال
-أي يمكن أن يقوله الصحابي عن اجتهاد- فهذا ليس بحجة إلا إذا
وافقه الصحابة عليه، فإنه يكون إجماعًا الثاني: ما لا مجال
فيه للرأي، وهذا له

حكم
المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا إذا علم أن هذا الصحابي كان يأخذ من
كتب أهل الكتاب. والله أعلم.

 

  

Join the discussion