قراءة نقدية لرواية ” قبل اكتمال القرن “للقاصة العراقية “ذكرى محمد نادر”

قراءة نقدية لرواية ” قبل اكتمال القرن “للقاصة العراقية “ذكرى محمد نادر”

                                                     
  قراءة نقدية لرواية ” قبل اكتمال القرن “للقاصة العراقية “ذكرى محمد نادر”

د. سهيلة زين العابدين حماد
تعريف
 هذه دراسة نقدية طبقًا لنظرية التصور الإسلامي  ــــ التي أسهمتُ في التنظير لها وقمتُ بتطبيقها  ــــ  لرواية قبل اكتمال القرن الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة أندية الفتيات بالشارقة، قد كلفتني لجنة الجائزة بعمل دراسة نقدية لهذه الرواية عام 1422ه 2001م ، وألحقتها بمحاضرتي ” أخلاقيات الكتابة الأدبية التي ألقيتها ضمن فعاليات جائزة أندية الفتيات بالشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة في  يوم الثلاثاء الموافق21/8/1422هـ6/11/2001م
 هذا وقد نشرت هذه الدراسة النقدية في مجلة مشكاة الأدبية التي تصدر في المغرب في العدد الخاص بالأدب العراقي.                                             
مدخل 
رواية “قبل اكتمال القرن” للأستاذة “ذكرى محمد نادر ” رواية سياسية اجتماعية تستعرض الأحداث السياسية التي تعرضت لها العراق منذ أوائل القرن العشرين حتى التسعينيات منه ،وانعكاس تلك الأحداث على الحياة الاجتماعية ،وذلك من خلال عرض حياة ثلاثة أجيال لأسرة “الملا عبد الرحمن الرضواني”.
 والأستاذة “ذكرى محمد نادر” بدأت حياتها المهنية كصحفية ،وعملت في مجلة “فنون” ومجلة “ألف باء” العراقية وتعمل حاليا كمحررة ثقافية في مجلة “ألف باء”،وحازت على الجائزة الصحفية الأولى عام 1994م في مسابقة أجرتها نقابة الصحفيين العراقيين ،لها العديد من القصص المنشورة في الصحف والمجلات العراقية ،وتراسل أيضاً جريدة الوطن العمانية،ولها تحت الطبع مجموعة قصصية بعنوان ” حياة قيد الإعارة” ،وروايتها التي نحن بصددها الآن هي باكورة أعمالها الرواية،الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة الرواية لأندية الفتيات بالشارقة لعام 1422هـ /2001م.
وكتابة المرأة العربية للرواية الطويلة في أدبنا العربي قليلة جداً ، فالغالبية العظمى من أديباتنا تتجه إلى كتابة القصة القصيرة ،وإقدام الأستاذة “ذكرى “على كتابة رواية طويلة خطوة جريئة أحييها عليها.  
             

                 المحاور الأساسية للرواية
تدور رواية ” قبل اكتمال القرن ” في ثلاثة محاور أساسية هي :
1-المحور السياسي. 
2 -المحور الاجتماعي.
3-المحور الوجداني العاطفي.
                               أولاً: المحور السياسي   
تعد رواية “قبل اكتمال القرن” رواية سياسية اجتماعية في المقام الأول ،وإن كان الغموض يكتنف الأحداث التي شهدها العراق  منذ قيام الثورة عام 1958م حتى التسعينيات من القرن العشرين .
فالقاصة تحدثت عن الحكم العثماني للعراق ،وعن الصراع بين الإنجليز والأتراك قبيل الحرب العالمية الأولى إلى أن انتهى بانتصار الأتراك وهزيمة الإنجليز بتفصيل غير معتاد منها في الصفحات من 5-20 مع ذكرها أسماء القادة من الجانبين،التركي والإنجليزي ،وأسماء المواقع التي دارت بينهما مثل معركتي “طيسفون” و”اللج” اللتين هزم فيهما الإنكليز، وتحصنهم في ” كوت الإمارة”،وموقف الجد ” الرضواني” من هذا الصراع ،والذي كان مؤيداً للأتراك العثمانيين ،ومحاولات ابنه “عبد الرحمن” مقاومة الجانبين التركي والإنكليزي معاً،فهو يقول: “ليس هناك فرق كبير بين أقدام التركي المسمومة ،وأقدام الإنكليزي المطوقة برباط أبيض طويل وحذاء ثقيل واحتقار لنا يرتديه تحت خوذته الفلينية” ،ولعلَّ هذا القول يوافق وجهة نظر المؤلفة، فهي تعتبر الحكم العثماني للعراق احتلالاً فتقول: “بدأ الإنكليز قبل الحرب العظمى الأولى بإنزال قطاعاتهم في جنوب العراق ،صاعدين بسفنهم المعربدة أعلى نهر دجلة ساحقين في طريقهم كل ما يصادفهم من بقايا عثمانية متناثرة ،محتلين القرى الضعيفة الواهنة تحت إرهاب سنوات طويلة من الاحتلال التركي ،يخفق علمهم بألوانه البراقة ،يقف تحته قائدهم ضخم الجثة “طاوزند” بجذعه القصير وساقيه الطويلتين”  وبالرغم من ولاء الجد “الرضواني” للعثمانيين، إلاّ “أنَّه اقتيد متهماً بجرم لم يدركه ،ولم تسعفه خدماته الجليلة للتاج العثماني. “
 وأنا هنا لا أتفق مع الكاتبة على اعتبارها الحكم العثماني للعراق احتلالاً مثله مثل الاحتلال البريطاني ،لأنَّ الحكم العثماني للعراق كان يعني أنَّه ضمن دولة الخلافة الإسلامية التي تشمل جميع أنحاء الوطن العربي،فالدولة العثمانية حررت تونس سنة 982م /1574م ،كما حررت طرابلس الغرب من الاستعمار الأسباني،وجعلت النفوذ الصليبي يتراجع عن شمالي  إفريقيا نهائياً ، ،وكانت حصناً منيعاً للإسلام ،والعثمانيون فتحوا القسطنطينية ،وتوغلوا في بلاد البلقان ،وحموا الثغور الإسلامية  من غارات الروم ردحاً من الزمن ،وقد سيطر الأسطول العثماني في عهد السلطان سليم الثاني (974-982هـ / 1566-1574م) على مناطق واسعة امتدت من سواحل ماليزيا حتى سواحل المغرب العربي ،وفتحت في زمانه جزيرة قبرص سنة 977هـ/1571م ،كما فُتحت موسكو سنة 1571م ، كما رفض السلطان عبد الحميد  بيع فلسطين لليهود عندما ساوموه عليها مستغلين سوء الحالة الاقتصادية للدولة العثمانية ـ آنذاك ـ  ،بل نجد قوانين الدولة العثمانية تحرم على أي يهودي دخول فلسطين ،فعندما طرد اليهود من أسبانيا آوتهم الدولة العثمانية شريطة ألاَّ يذهب أحداً منهم فلسطين، ولذا تآمر الاستعمار الأوربي على إسقاط الخلافة الإسلامية لتفتيت وحدة العالم العربي وتجزئته إلى دول صغيرة تقاسمها الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين الذين كان نصيبهم ليبيا ،بينما بريطانيا فازت بنصيب الأسد ،إذ كان لها العراق والأردن وفلسطين واليمن وإمارات الخليج العربي إضافة إلى احتفاظها بمصر التي احتلتها عام 1872م،أمَّا فرنسا فقد كان من نصيبها سوريا ولبنان ،إضافة إلى احتفاظها بالجزائر وتونس والمغرب التي سبق وأن احتلتها،وكلنا يعرف كيف خدعوا الشريف حسين ملك الحجاز آنذاك على القيام بالثورة الكبرى ضد الدولة العثمانية ،وتمكنوا بالفعل من إسقاط الإمبراطورية العثمانية واغتنام أجزائها وتفتيتها إلى دول ،واضعين حدوداً سياسية لها ،وأعطت بريطانيا لليهود فلسطين بوعد بلفور عام 1917م.
فهل يعد الحكم العثماني للبلاد العربية احتلالاً ؟ وهل يتساوى بالاحتلال البريطاني؟
صحيح أنَّه كان للحكم العثماني سلبيات كثيرة منها فرض العزلة على ولاياتها ،مما أدى إلى سيادة الجهل والأمية بين سكان ولاياتها ،ولكنه لم يكن أسوأ من حكم عبد الكريم قاسم وصدَّام حسين ،ومما لاشك فيه أنَّ أحوال العراق فترة الحكم العثماني أفضل بكثير من  هي الآن ؟
      أعود إلى موضوع تفصيل المؤلفة للأحداث في الصراع العثماني البريطاني على العراق أثناء الحرب العالمية الأولى.
  ومن  التفاصيل الدقيقة لهذه الأحداث ، ذكرت لنا المؤلفة ماذا كان يأكل جنود الإنجليز ابتداءً من الديك الرومي في عيد الفصح إلى أكلهم الكلاب والقطط،ولست أدري كيف وصلت بهم الحال فجأة إلى أكل الكلاب والقطط وهم كما قالت” عاكفين على تربية حيوانات مختارة من نعاج يربطونها بأشرطة الهدايا، مطلقين عليها أسماء نساء أحلامهم ،وديوك رومية ،كان أحدها وقد ذبح ليلة عيد الفصح الرباني الساقط تحت رحمة الحصار التركي المحكم.”  
 وإن قلنا أنَّ شدة الحصار التركي وطوله على “كوت الإمارة “أدت إلى نفاذ النعاج والديوك الرومية ،فهي تقول إنَّ الإنكليز” اكتشفوا المكمن السري لمخزن حبوب ” الرضواني” ببراعة دليل هندي ” ،ثُمَّ قولها : ” مع اشتداد حر الظهيرة على رقابهم اختفت كل الحشائش وراحت الحيوانات لشدة جوعها تأكل نفاياتها القليلة” ،وهذا يعني أنه يوجد حيوانات ،فكيف تقول المؤلفة : ” لم يعد في المدينة ما يؤكل ،هربت القطط منذ حين ،وأُكل آخر الكلاب بقرف شديد” ؟
 وبعد هذه التفاصيل الدقيقة للصراع العثماني الإنجليزي على العراق في الحرب العالمية الأولى،نجد غموضاً شديداً يكتنف الأحداث ،لدرجة بتنا لا نعرف من وراء تلك الأحداث ؟ ولماذا حدثت؟ 
ففجأة وجدنا “الصفوان” يعلق وهو ساهم :”أنَّه أعيد فصله من وظيفته ،وأعيد شريط الاستجوابات ،كان في بدايتها لطيفة مستفسرة ،ثمّ ارتفعت وتيرتها لتصبح اتهامات” ،وتهمة “صفوان”التحريض السياسي ،ثم ترديد “صفوان” لأخيه “مرتضى” “سيشي بنا ” سأموت” ،ولم نعرف من هو الذي سيشي بهم ؟ وبماذا سيشي بهم ؟
وفجأة انهالت العصي على “الصفوان” ،وسحلوه من يديه المدماتيْن فوق الأشواك . مرَّ جسده قريباً من ” مرتضى” المكمم فمه بكلتا يديه،تجري دموعه من عينيه المفتوحتين على اتساعهما مليئتين بالخوف والندم … حمل الصفوان إلى سيارة متوقفة قرب البستان ،ربطت يداه وعصبت عيناه ،ثمَّ يأتي جارهم “حامد أبو حدبة” … وهو ينوح : ” قتلوه … إنَّه معلق أمام المقهى على عمود الكهرباء”  
وهناك إشارة بسيطة إلى أنَّ هذا الحدث إبَّان الحكم الجمهوري ،وذلك في مقولة “مرتضى” “هذه الجمهورية لم ترحمنا” 
  وهكذا قتل “الصفوان” ،ولا أجد مبرراً لهذا الغموض إن كانت هذه الأحداث في بداية الحكم الجمهوري أي في عهد “عبد الكريم قاسم” ،فلا خوف من التصريح بذلك ،لأنَّ الحكومة الحالية للعراق من حزب البعث القومي الاشتراكي ،هذا الحزب الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم ،فكما يبدوا أنَّ قتل “الصفوان “كان في عهد “عبد الكريم قاسم”  .  
 ويزداد الغموض في الأحداث التالية عند مطاردة السلطات ل”عامر” الذي لم نعرف تهمته ،فهو مطلوب للقبض عليه ،وقبض على “مراثي” و”سبل” لسؤالهما عنه ،وأخيراً تمكنوا من القبض عليه ،وهو يتسلق سور منزله ليلة زفاف “مراثي” ليعلن حبه لمراثي ،وأنَّه كان مخيراً بين مراثي والحزب. أيُّ حزب هذا لا نعرف ؟ربما حزب مناهض للحكومة ،ولذا قبض عليه .
 وأسر الجندي الاحتياط  ” المهلب الأيوبي “زوج “مراثي “سبع سنوات وثمانية أشهر وتسعة عشر يوماً بعد موقف بطولي ،وعاد من الأسر فاقداً الإحساس بكل شئ ،ولم تذكر الكاتبة من الذي أسره ،ولم تشر إلى الحرب العراقية الإيرانية ،ولكن كما يبدو أنَّه أُسر من قبل الإيرانيين أثناء الحرب العراقية الإيرانية ،لأنَّ الكاتبة لوَّحت بما يفيد ذلك عند قولها : ” انسلَّت “مراثي” قرب شجرة الياسمين المهملة بين أقراص نبات الخبَّاز المتعرشة فوق سيقانها الملتوية … الخضراء ،فاحت برطوبة عطرها في مساء الثالث عشر من شهر آذار لعام 1991م حيث انهمك المطر ملتذاً بلعبته ،فدأب بنثيث غير منقطع يتأرجح فوق أغصان النارنج البرتقالية الفجة ، كان “المهلب” العائد من الأسر من بضع سنوات لا يفقه من دنياه سوى ابتسامة بلهاء تنطق أثر عدم الذكرى…” ،ثمَّ أشارت بعد ذلك إلى حرب التسعينات والهجوم الصاروخي الأمريكي.
 ولا أرى هنا مبرراً لعدم التصريح بالحرب الإيرانية العراقية ،وصدام حسين يحتفل سنوياً “بقاديسيته”.
ويكتنف الغموض أسباب إصرار المحقق “نوَّاف الضامن” أن يكون زواجه سرياً من “سبل”مبيناً  لوالدها ” مرتضى” أنَّ ذلك من مصلحتهم ،جاعلاً “سبل” تجهض نفسها حرصاً منه على سرية زواجه منها.
  وكذلك نجد الغموض يكتنف الحرب التي شارك فيها ” الوليد” التي فقد فيها أحد ساقيه ،واختفى فيها ” الوضاح “؛إذ لم يعد مع الجنود العائدين ،فالمؤلفة لم تبين أنَّ هذه الحرب ،هي الحرب الخليجية الثانية التي احتل فيها صدَّام حسين الكويت .
 وممَّا تعاتب عليه المؤلفة أنَّها لم تبين نتائج القصف الأمريكي للعراق على السكان المدنيين ،ولم تبين نتائج الحصار على العراق طوال عشر سنوات على أطفال العراق الذين حرموا من الغذاء والدواء ،وكيف فقدت العراق في هذه الحرب مليون طفل ؟ كما لم تشر إلى حالات الإجهاض التي أصيب بها نساء العراق ،ونسبة التشويه في المواليد،وإصابة الأطفال بسرطان الدم  نتيجة تلوث الجو من  واليورانيوم المنضب والمواد الكيمائية نتيجة القصف الأمريكي للعراق على مدى عشر سنوات .
                              
                                 ثانياً: المحور الاجتماعي
لقد عرضت الرواية حياة أسرة “الرضواني” عبر ثلاثة أجيال كلها لم تخرج من بيت الأسرة الكبير المطل على النهر .
 فلقد تزوج الأولاد والبنات ،ولم يغادروا البيت الكبير إلاَّ” الوضاءة” في زواجها الأول والثاني.وجعلت المؤلفة جزءاً من حديقة البيت مقابر الأسرة ،مما زاد أجواء القصة كآبة وحزناً.
 وحياة هذه الأسرة حياة حزينة قاتمة تكاد تخلو من مظاهر البهجة والفرح ،فلقد ماتت ابنة ” الرضواني” الصغرى وهي معلقة من شعرها على وتد خشن لشجرة نبق في باحة المنزل عقاباً لها على حبها لهندي من جيوش ” طاوزند” ،وكان قد أمر بقتل هذا الهندي تحت قدميها وهي معلقة على وتد الشجرة.
 ونسجت المؤلفة من موتها أسطورة فتقول : ” يقال بأنَّ دموعها كانت تفيض من حافات قبرها ممتزجة برائحة اللوز الهندي الذي خضبت به شعرها ،وأشيع أنَّ بعض النسوة كن يطلين شعورهن المتساقطة بدموع الغرام تلك فتستطيل الضفائر حتى تغدو كموج النهر. “
 وهذه من بنات الجيل الأول ، كما كان انتحار ” خليل ” أصغر أبناء “الملا الرضواني “عندما أكتشف أنَّ زوجه حامل من البستاني فشنق نفسه،وكان مقتل “الصفوان ” كارثة كبرى على الأسرة الرضوانية ،وقد عاقر أخوه “مرتضى ” الخمر منذ مقتله ،ومن أبناء الجيل الثاني “طه” الذي أختطفه الموت مبكراً،و”تغلب”من أبناء الجيل الثالث الذي انتحر عندما علم بأنَّ أخته الصغرى “عُميرة”باتت مومساً،”وفي يوم الرحيل التغلبي ضرب ” الوضَّاح” رأسه بكل الجدران حتى نزَّ الدم من الخدوش المتورمة علَّه يطغى صوت الدوي المروع للإطلاقة ،حاول فقأ عينيه وهو يصرخ : من سأرى بعدك …يا تغلب …يا تغلب!” 
 و”الفضائل”أم “عامر”،وهي من بنات الجيل الثاني تحرق نفسها ،وتموت حرقاً ،وزوجها ” عبد الجليل الجراح” الذي يهيم حباً بأختها ” الوضاءة”،والذي عاقر الخمر منذ أن تزوجت “الوضاءة” ،وغادرت البلاد مع زوجها ،ومات بمرض سرطان الرئة.
 وهروب “عُميرة” عندما تحرش بها عمها “عبَّاس ” جنسياً ،وافتضح هذا الأمر أمام العائلة، إذ فرَّت خوفاً مما سيحدث لها من جراء ذلك ،ولكننا نراها تبيع شرفها لسائق مقابل دينار ،ثُمّ تمتهن البغاء  فيقتل أخوها “تغلب” نفسه عندما يعلم ذلك .
ومطاردة السلطات لعامر ،ثمَّ القبض عليه ،وأسر “المهلب” وعودته فاقداً الذاكرة ،وفقدان “الوليد” أحد ساقيه في حرب الكويت،وفقدان “الوضاح” في هذه الحرب ،وزواج “سبل” السري،ثمُّ إجهاض حملها ،كل هذه الأحداث جعلت أجواء القصة أجواءً حزينة قاتمة ،ممَّا جعل القصة ميلودراما.
 ويلاحظ أنَّ هذه الأسرة ليست لها علاقات اجتماعية مع أفراد خارج أسرتها ،بل حتى أزواج بنات الأسرة ،لا نعرف لهم أهل وأقارب ،”فعبد الجليل “زوج “فضائل” لا نعرف له أقارب ،وكذلك “نوَّاف الضامن”زوج “سبل”،و”مهلب الأيوبي”زوج “مراثي”وكذلك “البلورية”زوجة “مرتضى”،ولم تعرفنا المؤلفة إلاَّ على والدة “القادرية”المومس،حتى “الوضاءة” عندما تزوجت زميلها مدرس اللغة العربية لم نعرف سوى أنَّ له سبع أخوات ،ولكن لم تذكر شيئاً من جانب حياتهن ،ولم تنقلنا إلى بيته لنعرف هذا الجانب،وكذلك بالنسبة للزوج الثاني ،فلم نعرف أي شيء عن حياته وأسرته.
                                  ثالثاً:المحور الوجداني العاطفي
يعتبر المحور الوجداني من المحاور الأساسية للرواية ،فنجد في الرواية ترابطاً أسرياً بين أفرادها على اختلاف أجيالهم،وقد أخطأ بعضهم في التعبير عن حب بعضهم لبعض ،وارتكبوا المحرَّمات كإدمان “مرتضى ” للخمر لينسى ما حدث لأخيه ” الصفوان” ،يمزقه الألم والندم ، فهو يعتقد أنَّه سبباً في القبض عليه ، لأنَّ أخاه كان يقول له “سيشي بنا..سأموت …لابد أن نغادر هذا المكان،ولكن لم يستمع إليه ،فكان ما كان،بينما” شقَّت ” القادرية ” زوجة صفوان ثيابها، خمشت وجهها بأظافرها ،وهي تقول:  “أخ يا صفوان” .
و”فضائل”التي كان قلبها ولهاً على ابنها “عامر” المطارد من قبل السلطات ،والتي كان زوجها على الجانب الآخر مولعاً بأختها ” الوضاءة”،وكما يبدو لم تتحمل هذين العبئين، وعندما عيَّرها عباس بحب زوجها المتوفى لأختها حرقت نفسها وماتت حرقاً.
والصبي”تغلب” الذي أطلق الرصاص على نفسه عندما علم باحتراف أخته “عُميرة ” للبغاء . 
و”الوضَّاح” الذي حاول أن يفقأ عينه حزناً على موت أخيه “تغلب”.
 هؤلاء ارتكبوا محرمات في التعبير عن حبهم وكأنهم ليسوا بمسلمين ،قد يحدث هذا في مجتمعات غير إسلامية ،ولكننا نحن المسلمين نؤمن بقضاء الله وقدره ،وإذا واجهتنا مصيبة نقول ” إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون” ونلجأ إلى الله عزَّ وجل ،وليس للخمر أو الانتحار.
ونلحظ الترابط الأسري في لهفة الأختين ” مراثي” وسبل” على أخيهما “الوضاح” وطوافهما بصورته بين الجند العائدين من ساحة القتال علهم يتعرفون عليه ، ويعرفون منهم مصيره.وهذا الموقف يتناقض تماماً من موقفهما من أختهما ” عُميرة ” بعدما عرفتا مكانها ،فلم تحاولا لقاءها ،وإعادتها إلى بيتها،وتركها ممارسة ” البغاء” والتوبة إلى الله ،ولكن كما يبدو أنَّهما رضيتا بما سمعتا عنها،ولنا وقفة عند هذا الموقف.   
  كما نجد  حباً محرماً ،وهو حب “عبد الجليل الجراح” “للوضاءة”شقيقة زوجته “فضائل”فقد ” جُنَّ عبد الجليل بالوضاءة هياماً  “،وفي ليلة زفافها “لم يرجع عبد الجليل تلك الليلة إلى البيت ،دخل كل الحانات باحثاً في ثمالة الكؤوس عن وهم النسيان ،فكان مع كل قطرة يشربها يحرق جوفه شدة حبه المرير ،يوجع قلبه بتخيل الجسد الممتلك تواً لأصابع أخرى ، وشفاه رجل آخر” .
 وهذه العبارات تشير إلى وجود علاقة محرمة بينهما ،بينما سياق الرواية يبين عدم تجاوب” الوضاءة” مع زوج أختها وأنَّها كانت تتلافى نظراته لها. 
 ونرى قصة حب أخرى بين “عامر” و”مراثي”منذ طفولتهما،ولكنها قصة لم تتم ،فظل “عامراً” هارباً من بيته مطارداً  من قِبل السلطات ،ونجده يترك “مراثي” وحيدة ،عندما ضبطا في مشهد غرامي أمام العائلة ،وجعلها تواجه الموقف وحيدة، ويظهر فجأة ليلة زفاف “مراثي” على أستاذها “المهلب الأيوبي ” ليعلن حبه لمراثي،وأنَّه لم يتخل عنها لأنَّه كان بين خيارين الحب أو الحزب.
 كما نشأت علاقة حب بين ” مراثي” و”المهلب ” قبل زواجهما ،وكانت “مراثي” تقابله ،وكانا يتبادلان القبلات ،وفي أول قبلة لها “رفضت “مراثي” الطعام لئلا يفسد آثار قبلتها حتى أنَّها لم تجرؤ على سكب الماء فوق شفتيها نبهتها سبل إلى أنَّ عطر القبلة قد يتحول إلى عفونة ” ،”ومسلسل القبلات المسروقة خلف الستائر أو بين أغصان الشجر لم ينته.” 
 والغريب أنَّ المؤلفة ذكرت أنَّ “مراثي” لن تنسى أبداً مقولة عمتها عن عقاب الله للفتى الذي أغرم بقريبته ،وكان يقبلها خفية،وكان عامر كل ما يحاول تقبيل “مراثي ” يتذكر هو ومراثي كلام “فضائل ” وعقاب الله ،فيحجمان عن ذلك.
كما نشأت علاقة حب بين “سبل” و بين “طالب هندسة” ،وبعد ثلاث سنوات، وكانت تنتظره كل اثنين مدة خمس ساعات وعشر دقائق على مدى ستة أشهر ،ثُمَّ اكتشفت أنّه تزوج من أخرى،ثُمَّ نشأت علاقة حب بينها وبين  “نوَّاف الضامن” مما جعلها تقبل أن يكون زواجها منه زواجاً سرياً.
 كما نشأت علاقة عاطفية بين “هانيا” ابنة العمة “فضائل” وبين “الجهم ” ابن “مرتضى”
    وهكذا نجد أنَّ هذه الأسرة المسلمة جعلت القاصة منهم من انتحر ،ومنهم من أدمن الخمر ، ومنهم من احترف البغاء ، ومن بنات هذه الأسرة  من أجهضت نفسها بناءً على طلب زوجها،ومنهن من  تبادل القبلات مع رجال لا تربطهن بهم رابطة شرعية ،فلا دين يردعهم ،ولا قيم ولا فضائل تتحكم في تصرفاتهم ،بل نجد منهم من سب القدر ،وسب الدهر ،كقول “مرتضى: ” هذه الأيام بنت كلب ،أدرات ظهرها له وشاحت عنَّا” ،والقول “في ليلة القدر التعيس.”  
 لقد جعلت القاصة من شخوص روايتها أناس وجوديون عبثيون ،تسيرهم غرائزهم،وعندما يتسرب اليأس والسأم والضجر والهروب والضياع إلى نفوسهم منهم من يلجأ إلى الخمر مثل “مرتضى”،و”عبد الجليل”،ومنهم من يلجأ إلى الهروب والسقوط في هاوية “البغاء” مثل “عُميرة” ،ومنهم من يلجأ إلى الانتحار مثل شنق”خليل”لنفسه،وانتحار الصبي الصغير “تغلب”بإطلاق الرصاص على نفسه ،وانتحار”فضائل”حرقاً بعدما تملكها اليأس،ومنهم من يتخلى عن أمومته ويترك أطفاله بما فيهم طفلة رضيعة مثل ” البلورية” 
                                        البغاء 
البغاء ـ كما يقول الأستاذ شجاع مسلم العاني ـ “من الموضوعات الهامة التي أولتها القصة العراقية اهتماماً واسعاً يفوق اهتمامها بالموضوعات الأخرى التي عالجتها ،ويعود هذا الاهتمام إلى أمرين :
أولهما: الانفصال الشديد بين الجنسين ،والذي كان من نتائجه رواج الفكرة القائلة بأنَّ الجو العراقي لا يصلح لكتابة القصة بسبب قحول التربة الغرامية فيه .وقد أدى هذا الانفصال إلى حرمان الكتَّاب العراقيين من عنصر هام من عناصر الفن القصصي ،وهو المرأة ،فلا غرو أن تجد تجاربهم في هذا المجال غير أصيلة ،حتى ليختلط عليهم الأمر ،فإذا تحدثوا عن المرأة الحرة خلت حديثهم لا يخرج عن نطاق المرأة الساقطة ” .
أمَّا العامل الثاني : فهو أنَّ الأدب العراقي الحديث أدب هادف ذو رسالة اجتماعية إصلاحية ،وكان انبثاق هذا الأدب ضرورة أملتها الرغبة في الإصلاح والتغيير الاجتماعي ،ومنذ العشرينات وهذا الأدب يتجه نحو المجتمع العراقي ويعالج قضاياه،وبدأ الأدباء العراقيون ينكبون على الحياة العراقية نقداً وتصويراً”  ،وتصوير البغي ،وشيوع موضوعات البغاء في القصة العراقية ظاهرة ذات علاقة بالطابع الاجتماعي الغالب على هذه القصة.” 
والمؤلفة هنا لم تخرج عن الإطار العام للقصة العراقية ،فطرحت قضية البغاء  مع أنّه لا يوجد مبرر لجعل البنت الصغرى ” عُميرة “تمارس البغاء،فهي لم ترتكب ذاك الجرم الذي يجعلها تهرب من البيت ،ثُمَّ تبيع شرفها في نهاية ليلة هربها لآخر سائق أجرة بدينار أزرق،ولا يوجد مبرر توظيف البغي لإيجاد الجو الغرامي ،كما ذكر الأستاذ شجاع ،فالمجتمع العراقي في زمن هذه الرواية،ولا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين مجتمع يسود فيه الاختلاط بين الجنسين ،ولعل أحداث الرواية ،والعلاقات التي نشأت بين البنت الصغرى للرضواني وبين الجندي الهندي ،وكذلك العلاقة  التي نشأت بين “مراثي” و”المهلب”،وبين “الوضاءة ” وزجها الأول  زميلها مدرس اللغة العربية ،ثُمَّ زوجها الثاني ، وعلاقة “سبل ” ب “نوَّاف الضامن” توضح ذلك ،ثُمَّ أنَّ المؤلفة عندما طرحت البغاء ،لم تعالجه،بل نجدها تمجد المومس” عُميرة” التي لقبت ب” الباشا” فتقول عنها  :
” تضع نصف مواردها اليومية في بيت عمومي فتحته للفقراء ،يطعمهم ويؤيهم ليلاً ،كانت تدور بينهم مثل أم رؤوم تمنحهم بركة حبها ،وحتى التلاميذ الكثير ممن حملوا شهاداتهم يدينون بالفضل لجسدها ،بعضهم موجود الآن أسماؤهم كالطبل.” 

هذه الأقوال تجعل من عمل المومس عملاً مشروعاً ، وأنَّ المومسات من أهل البر ،كما نجد المؤلفة قد جعلت من مهنة “البغاء” مصرحاً بها رسمياً ،وذلك من خلال المظاهرة التي قام بها المومسات بقيادة “الباشا” التي وقفت” بجسدها الممشوق غير هيَّابة من أحد ، وهي ترفع صوتها بخطاب رنَّان مطالبة بحفظ حقوق راعيات المتعة فشَّلت المومسات حملة وزارية تدعوا بالتعقيم الإجباري لهن لتنقيته وتخليصه من آثارهن” .
وهذا يعني أنَّ البغاء مصرح به رسمياً من قبل الدولة ،فهل العراق فعلاً تصرح رسمياً بممارسة البغاء؟؟؟
هذا وقد ذكرت “الباشا” مطالب المومسات  بقولها:” منح أوراق شخصية لأبنائنا فيحمل الابن اسم أمه ،وأن نحظى بنقابة منتخبة تبحث عن مصالحنا وإلاَّ فإنَّنا سنقفل  في وجوهكم مصاريع أسِّرتنا ”  
 فالمؤلفة هنا لم تكتف بتمجيد “المومس” ؛إذ نجدها تطالب بإنشاء نقابة منتخبة  للمومسات تخدم مصالحهن ،مما يضفي الشرعية لهذه المهنة المحرمة في كل الأديان ،ويشجع على ممارسة البغاء، وكما يبدو أنَّ المؤلفة متعاطفة مع المومسات ،فهي تصف بيت الهوى الذي أنشأته ” عُميرة” بقولها : ” بيتاً للهوى الشهواني رفيع المستوى”  ،وتطلق عليهن اسم “فراشات” فهن تارة ” فراشات الرغبة” ،وتارة أخرى “فراشات اللذة”  ،وتارة ثالثة” فراشات الليل” .
 هذا ولم تكتف المؤلفة بوجود مومس واحدة في العائلة ،فلقد جعلت من القادرية” مومساً وهي “السلطانة “أي زعيمة المومسات ،وكانت تأتي إلى بيت “الرضواني ” ومعها بعض المومسات اللائي يجلسن عاريات ،ولستُ أدري كيف يزوج “الملا عبد الرحمن ” ابنه “صفوان” على ابنة مومس ،وكيف يسمح لأمها أن تأتي إلى هذا البيت ،وفيه بنين وبنات ،هذا البيت الذي علَّق فيه “الرضواني” ابنته الصغرى من شعرها على وتد من شجرة النبق لأنها أحبت رجلاً وتركها معلقة حتى ماتت، وشنق فيه “خليل” نفسه عندما علم بخيانة زوجته ،وأطلق الصبي الصغير “تغلب ” الرصاص على نفسه عندما علم بأنَّ أخته” عُميرة “صارت مومساً، والتي حملت فيما بعد لقب ” سلطانة” ” بعد وفاة السلطانة أم القادرية ،وبذلك جعلت المؤلفة أسرة الرضواني بطريق غير مباشرة زعيمة المومسات ! ” كما جعلت أرملة “الصفوان” ترتكب الفاحشة  فتقول :” كما أنَّ القادرية التي كفَّت عن جبروتها مذ عجزت أمها ” السلطانة” عن تدبير رجل يسر رغباتها”  
  وهذه إشارة من المؤلفة أنَّ ” القادرية ” وهي أرملة “الصفوان” كانت تمارس الفاحشة !!
 كما كانت زوجة “خليل” أصغر أبناء ” الملا الرضواني “خائنة  “…قد حملت من البستاني أول أبنائه ،قيل أنَّها ولدته فيما بعد عجلاً برأس آدمي مات على الفور وهو يخور” ، وعندما أدرك “خليل” ذلك شنق نفسه” في لحظة يأس وخذلان” .
                                   
                                     الجنس

تطرق جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية من كتاب القصة العراقيين إلى موضوعات جديدة يأتي في مقدمتها “قضية الحرمان الجنسي” والمؤلفة هنا قد تطرقت إلى هذا الموضوع بحديثها عن أرملة “صفوان” بأنَّ أمَّها “المومس سلطانة” عجزت عن تدبير رجل يسر رغباتها، ولكن المؤلفة لم تكتف بهذا؛ إذ نجدها سلَّطت الأضواء على الجنس في مواقف كثيرة ، كما أنَّها أسرفت في الإشارات الجنسية في وصفها ، وفي الحوار بين شخوص روايتها ، مع قلة الحوار في الرواية ، من ذلك قولها:
“اتكأت فتيات “القادرية الكبيرة” يشمرن الثياب عن أفخاذ بضة ،وأثداء ناهضة ،خدر خفيف داعب “الجهم” تلذذت عيناه باكتشافه الأخاذ :إنَّهن عاريات، همس لأخيه ،كانت عيناه ترمش بسرعة ، وبدأ عليه الانفعال، وأحس بشيء يدغدغ مثانته كأنَّها رغبة مباغتة للتبول ”  ،..”استدارت إحداهن بطريقة فاضحة ،أراد “الجهم” أن ينبه أخاه إلى منظر مؤخرة الفتاة” .
   وقول المؤلفة عن ” البلورية” زوجة مرتضى ” وبطنها المتعالي للمرة الرابعة فاضحاً أثر الزيارات الليلية ،الأمر الذي دعا ضابطاً لئيماً داس البيت في الأسبوع الماضي حينما نفت رؤيتها لزوجها المتغيب منذ شهور طويلة أن يقول مشيراً إلى بطنها المتكور :
سيكون لطيفاً لو أعلمتنا من صاحب هذه المتعة؟
 ،فعضَّت شفتها السفلى بقسوة ،وهي تصر على الكلمات المنبثقة من بين أسنانها:
الألطف أن تسأل والدتك عن متعة حملها بك … إنَّهم يقولون …
صرخ الضابط بها شاهراً عصاه.
قحبة!  .
إيرادها هذه العبارة بعد هروب “عميرة”  من بيت أسرتها” باعت عذريتها في نهاية تلك الليلة لآخر سائق أجرة ،حملت بيدها ديناراً أزرق ثمناً لغشائها المنتهك ،قال لها الرجل وهو يتجشأ في وجهها مشيراً بيده إلى أسفل بطنها : لم أكن أظن إنَّك ..كيف كنت سأعلم أنَّك بعد عذراء؟  
كما نجد المؤلفة قد فصَّلت في مشهد ل “عُميرة” بعدما أصبحت سلطانة ،ليرسمها الرسام وهي عارية.  
إيرادها عبارات تشير إلى العلاقات الجنسية مثل : ” متوهماً أنَّها كانت تحته” ،”نعمة أن تكون تحت جسد الرضواني”…الخ 
وإكثارها من عبارات “الفحولة” و”الرجولة” للإشارة أيضاً إلى العلاقات الجنسية كقولها :” رزق مرتضى ولداً آخر ،كان خاتمة رجولته ليستفز به بلورية العد الماضي ،ومجد الغرام المنسحق “،وقولها: ” عليه أن يخسر قضية فحولته لصالح جبروت الحب المشع من عيني الوضاءة” ،وقولها:” ما فائدة أن ترزق درزينة أولاد تنجبهم من سرير لا يمنحك سوى الصرير” ،وقولها : ” عليه أن يتخلى عن حلم الرجولة ينسل ممتداً عبر العصور يحمل بصمة فحولته في ذرية تحمل اسمه” ،وقولها” بمثابة وقود أخير لرجولته” ،وقولها : “سيشرب الوضَّاح الذكر الثالث ل “مرتضى” الرابع في سلسلة الفحولة العرجاء” ،وقولها:” الشاعرة بحاسة نسوية بحتة بثغاء أولى دفقات فحولة الملا.” ،وقولها “لمح “الصفوان” بطن زوجته متكوراً فكبر في ضميره فخر رجولته.”
قولها: “حتى أنَّه كان لا يصطبر أحياناً فيعاشرها تحت الخيمة تغزوه ضحكاتها فتصيبه الرعشة بنشوة غامرة.” 
سؤال الجهم لأخته سبل عن عذريتها بعد إطلاق سراحها من السجن بعد استجوابها : أريد أن أسأل عن عذريتك؟ فسؤال مباشر مثل هذا من أخ لأخته لم نتعود عليه كأسر مسلمة ،وإن كان يريد أن يطمئن على أخته ، فكان عليه أن يلمح لأخته مراثي أن تسألها ،فهي فتاة مثلها، وكل منها تبوح للأخرى بكل أسرارها. 
لقد استخدمت المؤلفة ” الأثداء” “والشفاه” في أكثر من موقف للإثارة الجنسية، وكذلك ” المثانة” ب النسبة للرجل. 
    فهذه المشاهد والعبارات الجنسية لم تثر الرواية ،ولم تقوي بنيانها ،بل هبطت بها إلى مستوى متدن ،كنتُ أتمنى أن لا تهبط إليه.
                                  بناء الرواية ولغتها الفنية 
إنَّ السمة السلبية العامة لأدب الرواد في العراق هي الإسراف في الوصف على طريقة الواقعية ،والطبيعة الروسية والفرنسية ـ كما يقول الأستاذ مؤيد الطلال  ـ ،والأستاذة “ذكرى محمد نادر” سارت على ذات النهج، فقد اعتمدت النمط السردي ،وأسرفت في الوصف الذي كان على حساب الحوار ،فلغة الحوار في الرواية قليلة جداً ،وهي عبارة عن جملة أو جملتيْن، ولعل يعود هذا إلى أنَّ  المؤلفة من كاتبات القصة القصيرة ،وهذه التجربة الأولى لها  في كتابة رواية طويلة ،ولا تزال تعيش في أجواء القصص القصيرة ، وعفواً إن قلت إنَّ لغة الحوار في الرواية في معظمها غير مهذَّبة ،فإمَّا تكون عبارات جنسية ،كما أوضحتُ ذلك ،أو عبارات سب وشتم  ،كما نلاحظ أنَّها اعتمدت التقطيع غير المتسلسل منطقياً ،أي التقديم والتأخير مما يشوش فكر القارئ ويربكه، ويفقد القصة عنصر المفاجأة ،بل نجدها سعت أحياناً ـ على حد تعبير الأستاذ مؤيد الطلال ـ إلى لي أعناق أبطالها ،وجعلتهم يعيشون ويتصرفون كنماذج مرسومة وفق المخطط المعد سلفاً ،أي أنَّ الحياة في هذه الرواية ليست عفوية ،أو منسابة انسياب مياه النهر.


 التقطيع غير المتسلسل منطقياً:
   ويظهر هذا في حدث احتراف ” عُميرة”  للبغاء، فقد أشارت الكاتبة إلى هذا في بداية الرواية ،وهي تعرف بتاريخ الأسرة الرضوانية فقالت: ” … حين افتتحت إحدى بنات الجيل “الرضواني” الثالث قبل نهاية هذا القرن ،بيتاً للهو الشهواني الرفيع. ” ،ثُمَّ أشارت المؤلفة إلى احتراف عميرة للبغاء عند ولادتها فتقول:” أنجبت البلورية عُميرة أول مومس في العائلة ” .وحديثها عن انتحار تغلب عندما علم باحتراف أخته للبغاء  قبل أن يحدث هذا الحدث، والذي حدث فيما بعد  ،كما نجدها لم تتحدث عن رد فعل موت تغلب على أخيه الوضَّاح لحظة حدوث الحدث ،وإنَّما أخرته وتحدثت عنه في الصفحة 139 فقالت : “في يوم الرحيل التغلبي ضرب الوضَّاح رأسه بكل الجدران…”
فهنا نجد تقديم وتأخير في الحدث وملابساته غير منطقي أفقده عنصر المفاجأة ،كما أفقد الرواية ميزة انسياب أحداث الرواية انسياباً طبيعياً ،وجعل المؤلفة تلوي أعناق أبطال وبطلات روايتها ليتصرفوا وفق مخطط معد سلفاً.
وأيضاً نجد التقديم غير المنطقي للحدث ،والذي أفقده عنصر المفاجأة إشارتها إلى زواج “سبل ” السري من “نوَّاف الضامن” قبل حدوثه ،وذلك عند سؤال “الجهم” لها عن عذريتها ،فتقول المؤلفة :”لم يكن يعرف أنَّها بعد أسابيع لا بأس بها ستمنح راضية بكارتها لنوَّاف الضامن ،وهي واقعة تحت تأثير مشاعر غير متضاربة لم يكن  الإكراه بينها.” 
قول المؤلفة عن “مرتضى”: ” رغم سنواته السبعين التي سيعيشها مضطراً إلى عزلة تسعيناتها”  فهي تعلن أنَّه سوف يعيش سبعين عاماً!
مواطن الخلل في بناء الرواية:
يلاحظ وجود خلل في بناء الرواية من ذلك:  
– السبب الذي أدَّى إلى احتراف “عُميرة” للبغاء غير مقنع،فهي هربت من بيت أهلها خوفاً من الفضيحة ،عندما تحرش بها عمها ،وهذا ليس ذنبها ، فكيف تسلم نفسها بكل سهولة في ليلة هروبها لآخر سائق تاكسي ،ثُمَّ تذهب إلى أحد بيوت البغاء الذي دلها عليه السائق!
 وكذلك موقف الأسرة  غير مقنع ؛ فلقد سكت الجميع  عن هروب “عُميرة”  واكتفوا ببحث “الجهم” عنها ليلة هروبها ،مع أنَّهم يعلمون بأنَّها ستحترف البغاء ،ولم يخرج الجميع للبحث عنها ،وإخطار الشرطة لتشاركهم في البحث عنها، وعندما عرفت أختاها “مراثي” و”سبل ” مكانها وأنَّها أصبحت تلقب بالباشا ،وأنها هي التي قادت مظاهرات المومسات ،ومع هذا لم تحاولا رؤيتها ، وإرجاعها عمَّا هي عليه ،وموقفهما هذا يتناقض مع موقفهما في البحث عن “الوضاح” ،والسؤال عنه جميع الجند العائدين من الحرب التي كان يقاتل فيها حاملتين صورته علَّ أحد هؤلاء الجند يتعرف عليه .
 ولكن كما يبدو أنَّ المؤلفة قد خططت أن تكون “عميرة” مومساً ،وأن تتزعم المومسات ،فالبحث عنها وإرجاعها يفسد هذا المخطط الذي رسمته،ولكن فاتها أنَّ هذا المخطط قد أحدث خللاً في بنيان القصة ،إذ كيف يقتل الصبي الصغير نفسه عندما سمع أنَّ أخته تبيع شرفها بثمن رخيص ،واخوتها البالغين لا يبحثون عنها ،وعندما علموا بمكانها لم يفعلوا شيئاً ،وكأنَّها لا تمُّت لهم بصلة .
 كما لم أجد مبرراً لوجود القمل في شعر الوّضاح ،وكلنا يعرف أنَّ القمل يأتي في المجتمعات الفقيرة جداً التي يسودها الجهل والتخلف ،والتي تفتقر إلى وسائل النظافة الجسدية ، والوضَّاح من أسرة عريقة ،تمتلك بيتاً يطل على النهر، أي أنَّها أسرة ميسورة الحال .أمّا وجود القمل في شعر “سبل” نتيجة الإهمال وعدم العناية لعدم وجود أم ترعاها ،فهو منطقي معقول ،ولكن غير المنطقي ترك “البلورية”  زوجة “مرتضى”أم مراثي وسبل وعميرة البيت بعد ولادتها لعميرة ، دون أن تسأل عن أولادها وبناتها ، ولم تبحث عن ابنتها “عميرة ” عندما هربت من البيت ،واحترفت البغاء.
 لقد ألغت المؤلفة دور الأب والأم في هذه الأسرة ،وجعلت الأولاد والبنات يهيمون في هذه الدُّنيا.
 – هذا ومما خلَّخل بنيان القصة ـ في رأيي ـ ظروف زواج “صفوان” من ابنة المومس “القادرية الكبرى”الملقبة بالسلطانة ،فكيف يتزوجها دون أن يعرف عنها شيئاً،فمجرد أن ينقذها من الغرق يتزوجها،وكذلك زيارة  هذه الأم  لابنتها ،ومعها بعض الساقطات اللائي يجلسن عاريات ،ويتلصص بعض الصبية الصغار من أبناء العائلة على رؤيتهن وهن على تلك الحال.
فالقادرية هذه مشكوك في نسبها ،ثم من يضمن أن لا تكون مثل أمها ،وقد كانت ترتكب الفاحشة بعد مقتل زوجها ،كما أشارت المؤلفة إلى ذلك، فكيف بأسرة عريقة قتلت ابنتها عندما أحبت ،وابنها لم يتحمل خيانة زوجته له فشنق نفسه أن تزوج أحد أبنائها بزعيمة المومسات؟
-أيضاً شنق “خليل” نفسه عندما علم بخيانة زوجته لا يتفق مع عادات وتقاليد غسل العار التي كانت  سائدة في البلاد في ريفها ومدنها ،والتي طبقها الجد ” الرضواني ” على ابنته التي علقها من شعرها على وتد لشجرة النبق الموجودة في حديقة المنزل ،وظلَّت معلقة حتى ماتت ،لأنَّها أحبت جندياً هندياً الذي قتله تحت قدميها وهي معلقة على الشجرة، فسير الأحداث وفق هذه العادات أن يقتل “خليل” زوجه ليغسل عاره ،لا أن يقتل نفسه ،ويتركها على قيد الحياة ،ولم تعلق المؤلفة على ذلك ،أو توجد مبرراً لمخالفة هذا التقليد الذي كان سائداً خاصة وأنَّ هذا الحدث كان كما يبدو في بداية النصف الثاني من القرن العشرين ،أي في الخمسينيات.
وكذلك انتحار “فضائل” حرقاً لا يتفق مع تركيبة الشخصية ،ففضائل تكاد تكون الوحيدة في شخوص الرواية التي تذكر الله وتُذكِّر به، فعندما لاحظت حب ابنها “عامر” لمراثي ،فكانت تقص على أولاد وبنات الأسرة “حكاية فتى أغرم بقريبته ،وكان يقبلها خفية ،فعلم بهما الله ،ووضعهما في الجحيم مسلطاً عليهما أحجار الجمر وألماً لا يقاوم”  “فصوتها كان صوت عميق التقوى ” 
والتي “كانت تتلو بخوف وخشوع آيات قرآنية مناشدة الرب في سلامة ولدها وأبناء الرضوانية ” عند ذهاب “الجهم” إلى ميدان القتال.
  فالتي  تقرأ القرآن بخوف وخشوع ،وتذكر الله وتعرف أنَّ جهنم مصير كل  من يقبل قبلة محرَّمة لا يتملكها اليأس إلى درجة القنوط من رحمة الله يقول تعالى : ( ومن يقنط من رحمةِ ربِّه إلاَّ الضَّالون) ،ولا يغيب عنها أنَّ  جهنَّم مصير من يقتل نفسه، لأنَّه يموت كافراً .
   كما نلاحظ أنَّ المؤلفة أكثرت من استخدام كلمة  “الرب” وهي كلمة يستخدمها إخواننا المسيحيون ،أمَّا نحن المسلمين فلا نعرَّف كلمة الرب” ب”ال ”  وإنَّما بالإضافة كقولنا : “ربنا ” و”ربه” و”ربها” “وربهم” و”ربهن” ،رب العباد، ونقول “الله عزَّ وجل ” الحق سبحانه وتعالى  ..الخ 
 فكلمة “الرب” خاصة بالمسيحيين ،وأسرة “الرضواني “التي هي أساس الرواية ومحورها أسرة مسلمة، ولا يوجد شخص مسيحي في الرواية، وكلمة الرب ،توحي للقارئ أنَّ هذه الأسرة مسيحية ،كما ظننتُ ذلك عند قراءتي لهذه الكلمة في الصفحات الأولى من  الرواية، ولو أحصينا عدد ورود هذه الكلمة نجدها كثيرة كقولها : –“احتاج “الملا” إلى صبر طويل ليشرح لهم ،لكنه بسرعة خياله استطاع أن يثير حماسهم بأحلام البطولة وانتزاع أرض الرب الأولى من أيدي المحتلين..” 
-“حيث تسبح غائصة كلمات الرب ” 
-“في حديقة الرب”  
-“وصوت العمة فضائل تتلو بخوف وخشوع آيات قرآنية مناشدة الرب في سلامة ولدها وأبناء الرضوانية” ،فهنا نجدها جمعت بين تلاوة القرآن وكلمة الرب في جملة واحدة ،وهذا لا يتفق مع سياق الجملة. 
-“غير الدبابير ونار الرب في ابتعاد فتاها الأول” 
-وكيف للرب أن يلقي بهما في النار” 
-“كان الشيخ يستجدي الرب أن يتفقده ببركة الموت”  
-ومع أنَّها لم تكن مصدقة تماماً كيف يمكن للرب أن يكون قاسياً” ،وهنا وصفت الله عز وجل بالقسوة ،وهذه ليست من صفاته جلَّ شأنه، فهو القاهر الجبَّار ،وهو الرحمن الرحيم.
 كما يبدو أنَّ المؤلفة متأثرة بقراءاتها المسيحية ،فهي لم تقتصر على إيراد كلمة” الرب “،إذ نجدها تكثر من عبارة “الصلب” فتقول :
“انقلب الصفوان على ظهره متوسداً التراب ،مصالباً يديه تحت رأسه” 
 -هذا ومما تعاتب عليه المؤلفة ،أنَّها لم تكتف بكل هذه المآسي والأحزان ،وأجواء الكآبة التي غلَّفت طابع الرواية نجدها أتت ببعض المشاهد والعبارات التي تثير القرف إلى النفوس ،مثل قولها: كان وشيش تبوله عالياً ” ،وقولها: “تغلب يقضي حاجته وهو جالس على الأرض يراقب مياه مثانته تسيل راسمة أشكالاً غريبة.” 
وكذلك رواية “عبد الجليل” ،وهو يحتضر عن ما حدث له ولجماعة معه في الصحراء التي يقول فيها : “..يتبولون القطرات القليلة المتجمعة في مثاناتهم بحرص مأساوي ليتناوبوا شربها لاعقين حبات العرق المالحة فتكوي شفاههم المتشققة اليابسة ملحوتها” .
وقولها عند أسر “المهلب” واستجوابه : ” كادوا أن يفقأوا عينيه فبالوا فيها حتى تورَّمت.” 
                  
                   رواية “قبل اكتمال القرن تحت مجهر التصور الإسلامي
رواية” قبل اكتمال القرن “تحكي قصة أسرة عراقية مسلمة عبر ثلاثة أجيال ،أسرة فيها من يصلي ،وفيها من يتلو القرآن ،وفيها من يذكِّر الصغار بنار جهنم إن قبَّل صبي صبية مثله،نرى في شخوص الرواية من هذه الأسرة ثلاث منتحرين ،منهم من انتحر شنقاً “خليل” بعدما اكتشف أنَّ زوجه حامل من البستاني  ،ومنهم من انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه “الصبي تغلب”عندما سمع أنَّ شقيقته الصغرى أصبحت مومساً ،ومنهم من انتحر حرقاً “فضائل”التي سئمت من حياتها بعد وفاة زوجها الذي كان يهيم حباً بشقيقتها ” الوضاءة” ،والقبض على ابنها “عامر” الذي كان دائما غائباً عنها لا تعرف أين وجهته،كما نجد الجد” الرضواني “قتل الجندي الهندي لأنه أحب ابنته الصغرى ،التي قتلها الجد أيضاً بتعليقها من شعرها على وتد شجرة إلى أن فارقت الحياة،كما كان من بنات هذه الأسرة “عميرة” قد امتهنت البغاء،وأصبحت زعيمة المومسات ، وكانت قبلها أم زوجة عمها تدعى ” القادرية” كانت زعيمة المومسات ، كما كانت زوج عم “عُميرة” ترتكب الفاحشة بعد وفاة عمها،كما كان من أفراد هذه الأسرة من عاقر الخمر وأدمنه هروباً من الواقع ،ونسياناً “مرتضى” و”عبد الجليل”،تبادل القبلات بين “مراثي”و”مهلب” قبل أن يربطهما عقد زواج،وأخذ المحقق”نواف الضامن” “سبل ” في حضنه،أثناء تحقيقه معها ،قبل أن يتزوجها،كما ورد على لسان بعض شخوص الرواية سب الأيام، وهناك من شقَّت صدرها عند مقتل زوجها ” القادرية”.
 هذا الحشد من المحرَّمات الكبرى التي ارتكبها خمسة عشر فرداً من أسرة واحدة أمر يسئ إلى الأسرة العراقية المسلمة المؤمنة الصامدة الآن في قتال الأمريكان والبريطانيين،والتي تهلل وتكبِّر في البيوت والمساجد  عند الغارات ،ولا ينام الفرد من هذه الأسرة إلاَّ بعد أن يقرأ ما تيسر من القرآن الكريم ،ويتشهد قبل أن ينام لأنَّه لا يعلم فقد لا يستيقظ من نومته أبداً ، ،وكذلك أمر لم أتعوده في القصص التي قرأتها لكبار الأدباء العرب ،حتى في قصص الأستاذ إحسان عبد القدوس الذي يكتب أدباً مكشوفاً لم يصل في رواية من رواياته إلى هذا العدد ممن ارتكبوا المحرَّمات من أفراد الأسرة الواحدة . 
 إنَّ الأسرة العراقية المسلمة كغيرها من الأسر المسلمة أسرة مؤمنة بقضاء الله وقدره ،أسرة تخاف الله وتراقبه، أسرة تغلغل في قلوب أفرادها قيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته، أسرة لا يلجأ فيها ثلاثة من أفرادها إلى الانتحار مهما تكالبت عليهم المصائب والمحن ،أسرة لا ترضى لبنت من بناتها ،أن تمتهن البغاء ،كما رضيت واستسلمت أسرة ” الرضواني”،ولكن كما يبدو أنَّ المؤلفة متأثرة بالمذهب الوجودي ، وبالعبثية الوجودية فجعلت شخوص روايتها وجوديون ينساقون وراء غرائزهم، لا ضوابط تضبطهم ،وإذا ما تعرَّضوا إلى محنة من المحن ،عجزوا عن مواجهتها ،فمنهم من لجأ إلى الانتحار ،ومنهم من لجأ إلى شرب الخمر .
فالانتحار دليل ضعف الإيمان بالله وبقضائه وقدره ، والفرق بين ملحظ الإيمان وملحظ الكفر كما يقول فضيلة الشيخ الشعرواي رحمه الله: ” ساعة ما تأتي المصيبة لأي إنسان تأتي المصيبة لمؤمن يقول : مصيبة لي ، إذن حين تقارن أي بلاء بأجر يهون البلاء ،وإنَّما الذي يضخِّم البلاء في أذهان النّاس أنَّهم ينظرون إلى البلاء ويغفلون أجره.”  ،فيلجأ بعضهم إلى الانتحار ،والانتحار قد حرَّمه الله جلَّ شأنه ،فيقول تعالى:( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم إنَّ اللهَ كَان بِكُمْ رَحِيماً. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَاً وَظُلْمَاً فَسَوْفَ نُصْلِيه نَارَاً وَكَانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرَا) ،ويقول سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفَسَ الِّتي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِّ.) 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ،ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا) ،وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
  وعن أبي كلابة عن ثابت بن الضحَّاك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل نفسه بشيء عذِّب به يوم القيامة . )وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي كلابة .
 وفي الصحيحين من حديث الحسن بن جندب عن عبد الله بن البجلي قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً نحر بها يده ،فما رفأ الدم حتى مات ،قال الله عزَّ وجل : ( عبدي بادرني بنفسه حرَّمتُ عليه الجنة، ولهذا قال تعالى : “ومن يفعل ذلك عدواناً وظُلما” ) أي من يتعاطى ما نهاه الله عنه متعدياً فيه ظالماً في تعاطيه أي عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكها فسوف نصليه ناراً .
 هذا عن الانتحار ،أمَّا لجوء  المرء إلى شرب الخمر لنسيان ما حل به من مصائب ،أو هروباً من المشاكل ،أو محاولة نسيان حبيب ،وشرب الخمر تحرمه جميع الأديان السماوية ،وهي من عمل الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين النَّاس كما جاء في قوله تعالى : ( إنَّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخَمْرِ والمَيْسرِ وَيَصُدَّكُمْ عنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُوُن) 
 ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا الخمر فهي أم الكبائر ) ،وذلك لما يتولد عنها من شرور أخرى ،أثناء تعطل الإرادة الضابطة والوعي الذي يزن الأمور ،وعلم النفس التحليلي يؤكد هذه الحقيقة ؛إذ يقرر أنَّ الخمر تخدر “الرقيب” الذي يقف بباب العقل الباطن يمنع فيه ما لا يجوز أن يخرج ،فتنفلت الشرور الحبيسة فيه في غفلة من هذا الرقيب.  
 وإدمان “مرتضى ” للخمر أدى إلى غياب الأب الذي لم يبحث عن ابنته عندما هربت من البيت، مما جعلها تمتهن البغاء .
والزِّنا من المحرَّمات يقول تعالى : ( الزَّانيةُ والزَّاني فَاجْلِدُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَاْفَةٌ في دَينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوُنَ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِين .) 
ونهى الإسلام عن الزِّنى نهياً مطلقاً ،يقول تعالى : ( ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) 
فاحتراف البغاء من المحرمات ،ومهما حاولت المؤلفة أن ترفع من شأن المومس ” عميرة” بأنَّها تضع نصف مواردها اليومية في بيت عمومي فتحته للفقراء يطعهم ويؤيهم ليلاً ،فالتي تبيع جسدها وشرفها وعرضها ملعونة ساقطة ،والمال الذي تأتي به فهو مال حرام.
وكذلك ضرب الخدود وشق الجيوب من عادات الجاهلية ،وتدل على عدم الصبر ،وعدم الإيمان بما قدَّر الله ،وهذا ليس من صفات المؤمنين فقد نهى الإسلام عنها، فعن ابن مسعود مرفوعاً : ( ليس منا من ضرب الخدود  وشقَّ الجُيُوب  ،ودعا بدعوى الجاهلية)،
 فما قامت به “القادرية” عند مقتل “صفوان” ،وما قام به “الوضَّاح” عند انتحار أخيه “تغلب” من عادات الجاهلية ،وينافي التوحيد، فعلى المؤمن أن يرضى بامتحان الله له بما ابتلاه، يقول عليه الصلاة والسلام : ( إنَّ عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم ،فمن رضي فله الرضا ،ومن سخط فله السخط.) حسَّنه الترمذي. 
وسب الدهر ينافي التوحيد فالدهر هو الله عز وجل ففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  قال الله تعالى : ((يُؤذيني ابن آدم يسب الدهر ،وأنا الدهر أقلب الليل والنهار )) 
 وفي رواية : ( لا تسبوا الدهر فإنَّ الله هو الدهر.) 
فمقولة “مرتضى “هذه الأيام بنت كلب ،أدرات ظهرها له وشاحت عنا ، قول ينافي التوحيد. 
وكذلك الحلف بغير الله شرك بالله عزَّ وجل ،ففي الحديث الشريف (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)،ولله أن يقسم بما شاء من خلقه ،ولكن لا يجوز للخلق الحلف بغير الله سبحانه وتعالى ،والحلف بغير الله للأسف شائع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ،وقد جاء على لسان أحد الجنود في الرواية التي نحن بصددها هذه العبارة “أحلف بشاربي أحلقه لأصير نصف امرأة إن كنتُ أكذب.” 
 مزالق عقدية:
  وهناك مزالق عقدية  تؤاخذ عليها المؤلفة ككاتبة مسلمة ،وهذه المآخذ أحصرها في الآتي :
1-قول المؤلفة ،وهي تصف مشاعر فضائل لحظة احتضار زوجها، وهي مدركة أنّه يتمنى رؤية “الوضاءة ” فأظهرت” الفضائل” له صورة الوضاءة “كشفت فضائل عن أكثر رغباته صدقاً وحرارة ،تجردت من كبريائها ،وقدمت إليه في اللحظة الأخيرة قربان المرارة لآلهة قاسية ،فمسحت الغبار عن الصورة الوحيدة” للوضاءة “تلمع عيناها الواسعتان بابتسامة نبوءتها.”  
 فعبارة “وقدَّمت  … قربان المرارة لآلهة قاسية” عبارة لا ينطق بها المسلمون ،فنحن ليس لدينا آلهة قاسية نقدِّم لها قرابين ،كآلهة الإغريق الوثنيين، أو أية أمة وثنية ،فنحن لنا إله واحد هو الله الخالق ،الرحمن الرحيم .
فإتيان كتاب وكاتبات مسلمين بمصطلحات وثنية ،ومسيحية في كتابة نصوصهم الشعرية والقصصية بات شائعاً ،وهذا ناتج عن أخذهم بما يأتي به الغربيون على علله وعلاته ،دون التفريق أنَّ هذا يتفق مع ديننا أو لا ،يتناسب مع نسق حياتنا ،أم لا؟ تتناسب مع سياق النص أم لا!
فالمؤلفة هنا تتحدث عن أسرة مسلمة ،والمصطلحات الوثنية ،والمسيحية التي سبق وأن أشرتُ إليها لا تتناسب عقائدياً ولغوياً مع سياق النص الذي بين يدينا.
2-أيضاً هناك مأخذ آخر تؤاخذ عليه المؤلفة في هذا النص ،وهو قولها بنبوءة ” فضائل” ،والتي أشارت إليها من قبل عند حديثها عن مولد “الوضاءة” فقالت : “سماها لشدة بياضها “الوضاءة” حملت في وجهها نبعي عسل ونبوءة ،كانت نبواتها نذيراً حارساً في الشدائد ،فتستعلم من أجراس تضرب صدغيها وأصوات الأرواح المحيطة بها بغلالات غير مرئية ،عن أحداث ستقع ،فتشعر بها قبل وقوعها لتتمكن ببراعة غير مسبوقة من فك ألغاز الريح وأخبار الطيور ،فتستدل على أبواب المحن المقبلة ،وتكتشف قبل غيرها أوكار الألم ،فيشتد أنينها ،وتضطرب الدموع في عينيها ،كانت هواجسها المتنبئة تبدأ قبل زمن قليل من وقوعها وأحياناً لا تدركها إلاَّ لحظات قبل الحدث .إلاَّ أنَّها كانت دائماً على صواب ،فأتاح هذا الأمل “للوضاءة” أن تحتل مكاناً جليلاً من اخوتها ،وتميزَّت عنهم ،ولم يكن أحد من البالغين قادراً على توبيخها ،فتربت كما لو أنَّ هالة من حصانة الحكمة تحميها من الزلل ،إلاَّ أنَّها لم تكن لتحميها من عذابات الحياة.”  
 وأقول هنا لا يعلم الغيب إلاَّ الله ،يقول تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو) 
وقوله تعالى: ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاَّ الله) 
وقوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض)  
وقوله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد) 
  هذه الآيات وغيرها تؤكد هذه الحقيقة ،ولست أدري كيف كاتبة مسلمة تدعي أنَّ إحدى بطلاتها تعلم الغيب ،وأنها معصومة من الخطأ والزلل ، والعصمة لله وحده ؟
 كما جعلت الحكمة هي الحامية لها من الزلل، والله وحده الذي يحمي خلقه.
 كما جعلتها تعلم لغة الطير والريح ،وهذه خاصية خص بها الله جلَّ شأنه نبيه سليمان عليه السلام.
والغريب أنَّها لوَّحت في عبارة سبق وأن أشرتُ إليها أنَّها كانت تتجاوب مع رغبات زوج شقيقتها ” عبد الجليل الجرَّاح” في وصفها لمشاعر عبد الجليل ليلة زفاف الوضاءة ،فتقول المؤلفة:  ” لم يرجع عبد الجليل تلك الليلة إلى البيت ندخل كل الحانات باحثاً في جوفه ثمالة الكؤوس عن وهم النسيان ،فكان مع كل القطرة يشربها يحرق جوفه بشدة لحبه المرير ،يوجع قلبه بتخيل الجسد الممتلك تواً لأصابع أخرى ،وشفاه رجل آخر ..”  
فهنا المؤلفة منحت إحدى بطلات روايتها بعض صفات الخالق جلَّ شأنه، وهذا يتنافى مع التصور الإسلامي للخالق عزَّ وجل  فهو (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) 
 ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى ،وعلينا أن ننزه صفاته من كل تحريف وتعطيل وتشبيه وتكييف وتمثيل . 
3-كما نجدها خالفت التصور الإسلامي للألوهية مرة أخرى عندما أعطت “لمرتضى” أحد شخوص روايتها صفة الخلق، وذلك بقولها : “رزق مرتضى ولداً آخر ،كان خاتمة رجولته ،خلقه ليستفز به بلورية العد الماضي ومجد الغرام المنسحق…” 
4-استخدامها للصلاة في موضع غير مناسب ،وغير صحيح ،فنحن نصلي ،وكلنا متجه إلى الله عزَّ وجل ،والقول ” فكان يُخمِّن أنّ جمالها لا بد سيضمن لها حبيباً لن يتورع عن الصلاة في حضرة هدوء عينيها.”  
5-قولها ” بكى الرضواني وهو على سجادة صلاة الغروب”  
فنحن المسلمون ليس لدينا صلاة تسمى “صلاة الغروب”، وإنَّما ” صلاة المغرب” ولا تصح صلاة بعد صلاة العصر إلى أن يؤذن المغرب ،فكيف تقع كاتبة مسلمة في مثل هذا الخطأ ؟
6-قول المؤلفة : ” فكانت حيرة الشيوخ مريرة قاسية في كل مرة يقلَّبون فيها أجساد القتلى يتساءلون إن كانوا يسجدون لرب إسلام آخر مختلف” 
هذا قول لا ينطق به مسلم مؤمن بالله عزّ وجل ،لأنَّ فيه اعتراض على قضاء الله وقدره ،وفيه شرك بالله ،فجميع المسلمين يؤمنون بأنَّه لا يوجد سوى رب واحد نعبده ونسجد له هو الله الخالق جلَّ شأنه، ولا يوجد رب إسلام آخر كما تقول المؤلفة.
7-قول المؤلفة على لسان “سبل” بعدما طلب منها زوجها “نوَّاف الضامن” أن تجهض نفسها : “إنَّه نبي كاذب” 
 فهذا يعني أنَّها كانت تعتبره نبياً ،وعندما طلب منها أن تجهض نفسها وصفته بأنَّه “نبي كاذب”، ولا يحق لأحد أن يطلق صفة النبوة على غير أنبياء الله.
8- حديث المؤلفة عن جنة سفلية فتقول: ” يعيشون في جنة الرحمة السفلية التي وعد الله بها الصالحين” ،
 وكلنا يعرف أنّه لا توجد جنة سفلية ،ولم يرد في القرآن الكريم ذكر لجنة سفلية، فلقد وعد الله عباده الصالحين بالخلود في جنات النعيم ،فلستُ أدري من أين أتت الكاتبة بهذا الاسم ؟ 
9- قول المؤلفة “فعلم الله بها”ت نفي العلم المسبق لله تعالى بالغيب، وتفيد أنَّه يعلم بالحدث بعد وقوعه ،وهذا يتنافى مع صفات الله سبحانه وتعالى. 
نظرة المؤلفة إلى الخالق جلَّ شأنه :
كما تبين لنا مما سبق أنّ نظرة المؤلفة إلى الخالق جلّ شأنه نظرة تخالف التصور الإسلامي للألوهية، إذ جعلت إحدى شخوص روايتها تعلم الغيب ،وهنا أعطتها صفة خاصة بالخالق جل شأنه ،فالله وحده الذي يعلم الغيب ،ولا يظهر غيبه على أحد ،كما جعلتها معصومة من الزلل ، والعصمة  المطلقة لله وحده، وقد عصم الله أنبياءه من الوقوع في الخطيئة ،وقد جعلت المؤلفة الحكمة هي الحامية لبطلتها  من الوقوع في الزلل،أي عطَّلت هذه الصفة عن الذات الإلهية، كما نفت العلم المسبق لله تعالى بالغيب. 
كما أعطت صفة الخلق لأحد شخوص روايتها ” مرتضى ” والله جل شأنه هو الخالق ،ولا خالق غيره ،كما جعلت إلها آخر للمسلمين يسجدون له غير الله جلَّ شأنه ،فهذا شرك بالله عزَّ وجل.
  هذه مزالق عقدية وقعت فيها المؤلفة ،وأتمنى أن تعلن تراجعها عنها ،وتحذفها من القصة .
 وكذلك قولها ” صلاة الغروب ” إذ ينبغي تعديلها إلى ” صلاة المغرب”، وإلغاء عبارة “الصلاة في حضرة عينيها.” ،وكذلك عبارة “جنة الرحمة السفلية”     
  نظرة المؤلفة إلى الإنسان:
 كما تبين لنا عند قراءتنا لرواية ” قبل اكتمال القرن”  أنَّ المؤلفة قد نظرت إلى الإنسان نظرة مادية بحتة، وأهملت الجانب الروحي فيه ،متأثرة بالمذاهب الغربية الحديثة ،وهذه نظرة تخالف التصور الإسلامي للإنسان، الذي نظر إليه كمادة وروح يقول تعالى : ( إذ قال ربَّك للملائكة إنَّي خالقُ بشراً من فإذا سوَّيتُهُ وَنَفخْتُ فيه مِنْ رُّوحي فقعوا لَهُ سَاجِدين)  ،ووازن بينهما فلم يجعل الروح تطغى على المادة كالرهبانية ،ولم يجعل المادة تطغى على الروح كما في الوجودية والفرويدية والشيوعية ،والواقعية الغربية بكل مسمياتها، والبرناسية “مذهب الفن للفن”، والسريالية “مذهب اللامعقول” ،والبنيوية ،وغيرها من المذاهب المادية الغربية ،وتتجلى هذه الموازنة في قوله تعالى : ( وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الآخرة ولا تنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيا وَأحْسِنْ كَما أحسنَ اللهُ إليْكَ ولا تَبْغِ الفَسَاد في الأرْضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدين.) 
ويقول جلَّ شأنه : ( يا أيُّها الذِّين أَمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيَّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتُدُوا إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبَاً واتَّقُوا اللهَ الَّذي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُون .) 
  فهذه الآيات تبين لنا كيف وازن الإسلام بين المادة والروح فلا يبخس للجسد حقاً ليوفي حقوق الروح فيحرم المباح ،ولا يبخس للروح حقاً ليوفي حقوق الجسد فيبيح المحرمات .
 وهنا تتجلى لنا معجزة الإسلام في مراعاته للإنسان، إذ وازن رغباته الحيوانية وسموه الملائكي فالإنسان في التصور الإسلامي من حيث طبيعته موحد بين النواحي المادية والروحية والحاجات النفسية. 
 والجانب الروحي في الإنسان يجعله يفكر في آخرته ويعمل لها ،كما يعمل لدنياه ،فلا يقتل ،ولا يزني ،ولا ينتحر ،ولا يشرب الخمر ،ولا يقبِّل امرأة أجنبية عنه، ويحضنها ،ولا يسب الأيام والدهر ،ولا يجزع عند الموت فيضرب الخدود ويشق الجيوب ،كما تصرف شخوص رواية ” قبل اكتمال القرن.”

المرأة في رواية “قبل اكتمال القرن”:
لقد نظرت المؤلفة إلى المرأة نظرة لا تمثل حقيقة المرأة العراقية بصورة خاصة ،والمرأة المسلمة بصورة عامة ، فتكاد تجرد المرأة من المواقف الإيجابية ،فالمرأة في الغالب سلبية في مواقفها ،مستسلمة لرغباتها ونزواتها ،فها هي زوجة خليل تخون زوجها ،وتحمل من البستاني ،و”القادرية” أرملة “صفوان” أمها مومس ،وتفتح بيتاً للدعارة ،وتتزعم المومسات، وابنتها ” القادرية” كانت ترتكب فاحشة الزنا ،وكانت أمها تيسر لها ذلك.
  و”عميرة” الصغيرة تحترف البغاء ،وتتزعم المومسات بعد وفاة أم القادرية .
 و”مراثي” التي كانت تحب “عامر” كانت تستسلم لعامر ،وهو يأخذها في حضنه ،وكذلك تستسلم لقبلات أستاذها “المهلب الأيوبي” قبل زواجها منه، وسبل التي أحبت طالباً في كلية الهندسة ،وكانت تنظره في الشارع كل اثنين على مدى خمس ساعات وعشر دقائق على مدى ستة أشهر دون جدوى ،ثم تذهب مع أختها إلى بيته ،ويصادف ذلك ليلة زفافه على أخرى ،وتقع مريضة ،وهي في شدة مرضها تريد الذهاب إلى المكان الذي اعتادت لقاءه فيه عله يأتي للقائها ،ثمُّ تحب “نوَّاف الضامن” وتقبل الزواج به سراً ،وعندما تحمل يطلب منها زوجها أن تجهض حملها ،فتستجيب لطلبه دون اعتراض .
 و”فضائل” التي يبدو أنَّ المؤلفة ترمز باسمها إلى الفضيلة ،تستسلم لحب زوجها لشقيقتها ” الوضاءة” الذي أدى به هذا الحب المحرم إلى إدمان الخمر حتى أصيب بسرطان الرئة الذي أودى بحياته ،لم تحاول أن تثني زوجها عن شرب الخمر، وتبين له حرمته من الناحية الشرعية ،وأن تخلصه من حبه لأختها، وتبين له أنَّ ذلك يتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف، فهي تقرأ القرآن ،وتعرف الحلال والحرام  ،ولكن نجدها بعد وفاة زوجها ،والقبض على ابنها “عامر” الذي كان دائما يهرب من البيت لأنَّ السلطات تطارده يتملك اليأس منها ،وتحرق نفسها ،وتموت حرقاً، ولستُ أدري هل تريد المؤلفة بانتحار فضائل أن ترمز إلى انتحار الفضيلة ،إن كانت ترمز إلى ذلك فهذه طامة كبرى ،ولا يوافقها أحد على ذلك ،فالفضيلة باقية وصامدة في وجه الفساد والشر .
  و”البلورية” لم تحاول أن تثني زوجها عن شرب الخمر ،وتجعله يهتم بتربية أولاده، وفجأة نجدها تتجرد من أمومتها ،وتترك أولادها السبعة بما فيهم الطفلة الرضيعة “عُميرة”، وذلك لأنَّها لم تعد تحتمل الحياة مع زوجها المدمن الخمر، فتهجر بيتها وأولادها دون مبرر ،وعند هروب ابنتها الصغرى من البيت ،لم تبحث عنها ،ولستُ أدري هل توجد أم كهذه مجردة من مشاعر الأمومة؟
والأختان “مراثي” و”سبل” تقفان موقفاً سلبياً من هروب أختهما الصغرى “عُميرة ” واحترافها للبغاء، حتى عندما عرفتا مكانها ،لم تحاولا لقاءها وإعادتها إلى البيت ،ودعوتها إلى التوبة  إلى الله .
 و”العوراء” التي تزوجها مرتضى بعد ترك البلورية البيت بيومين ،نراها دائماً تُعيِّر زوجها أمام أفراد الأسرة بضعفه الجنسي!
 كلها مواقف تنم عن ضعف شخصية المرأة العراقية وسلبيتها وجريها وراء نزواتها، ولا أظنها كذلك، وما رأيناه الآن من صمود المرأة العراقية ،ومشاركتها في مقاومة العدو ،والمرأة الشجاعة التي تقود معارك أم القصر التي استعصت على الأمريكان والبريطانيين ،ومع مرور أحد عشر يوماً على الغزو الأمريكي البريطاني لم يتمكنوا من الاستيلاء على مدينة أم القصر ،وهي مدينة صغيرة ،وكذلك البطلة “ميسون حميد عبد الله التي قبلت عربة مدرعة ،وكفى المرأة العراقية فخراً إنجابها لهؤلاء الأبطال الذين لقنوا القوات الأمريكية والبريطانية دروساً لن ينسوها ،وهزمتهم شر هزيمة ،وأربكتهم ،وجعلتهم يوقفوا زحفهم إلى بغداد ،والذي رأيناه أنَّ المرأة العراقية امرأة مؤمنة ملتزمة بحجابها ،وقد رأى جميعنا تلك المرأة العراقية المصابة إثر غارة أمريكية صرخت عندما قام المسعفون لها لكشف بعض أجزاء من جسمها المصابة لإسعافها ،فلم تكن تصرخ من الألم ،وإنَّما كانت تصرخ “لقد كشفتموني” والمرأة العراقية  امرأة صامدة إيجابية استطاعت أن تكيف أسرتها مع الحصار ،والاستعانة بالمواد التي تحتاجها أسرتها  والمفتقدة بسبب الحصار بمواد أخرى تقوم بتصنيعها   .
هذا ولابد أن أشير إلى  أنَّ لمراثي كان لها موقفاً إيجابياً عندما أسر زوجها ” مهلب”، فلم تستسلم لليأس ،وإنَّما قاومته باحترافها لمهنة المحاماة ،كما كان لها موقفاً إيجابياً مع أختها “سبل” في خروجهما للبحث عن أخيهما “الوضاح” بين الجند العائدين من المعركة ،وعرض صورته عليهم للتعرف عليه.
والخلاصة أنَّ القصة للأسف لم تمثل حقيقة المجتمع العراقي ،وما يتمتع به من قوة إيمان ،وصمود وتكاتف وتلاحم ،وحبه لأرضه ووطنه وتمسكه به لآخر قطرة من دمه ،فهو يؤثر الموت على تراب أرضه على أن يكون لاجئاً يعيش في مخيمات اللاجئين المقام لهم على الحدود الأردنية والسورية ،هذا ما بيَّنه لنا الغزو الصهيو أنجلو أمريكي على العراق الذي بدأ منذ التاسع عشر من شهر مارس عام 2003م. 

                                    
                                   الخاتمة
  وبعد فهذه ملاحظاتي المتواضعة على رواية ” قبل اكتمال القرن” ، وكل الذي أرجوه ألاَّ تغضب مني الأخت الفاضلة “ذكرى محمد نادر”، فهي تدرك أنَّ النقد أمانة في عنق الناقد خاصة إن كان النقد من وجهة النظر الإسلامية ،وهذه القراءة النقدية لن تقلل من موهبة المؤلفة الأدبية، وأهنئها على فوزها بالجائزة الأولى  ،كما أنَّ هذه القراءة النقدية لن تقلل من قيمة الرواية ،وحصولها على الجائزة الأولى في مسابقة الرواية الطويلة .
  وفي النهاية أقدم خالص شكري وعظيم تقديري لأندية الفتيات بالشارقة على إتاحة لي فرصة قراءة هذه الرواية ونقدها. 
                           وفقنا الله جميعاً إلى ما فيه الخير والصلاح 
                         والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
                                                               







Join the discussion