قراءات تاريخية في السقوط الأول والثاني لبغداد

قراءات تاريخية في السقوط الأول والثاني لبغداد

       نُكبت الأمة الإسلامية للمرة الثانية بسقوط بغداد ،ولو قرأنا عوامل سقوط بغداد الأول قبل 768عاماً في الثاني عشر من محرم عام 656هـ  ـ 1258 م وما أحدثه الغازي ببغداد ،وبين سقوط بغداد 7 صفر  عام 1242هـ ـ 9 إبريل عام  2003م
،وما أحدثه الغازي ببغداد  سنجدها واحدة في مضمونها وأبعادها إن اختلفت الأسماء والمصطلحات.فالتاريخ يعيد نفسه ،ونحن لم نعتبر من دروس التاريخ رغم أنّ الله عزَّ وجل قال لنا في الآية 111 من سورة يوسف: ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) وقوله في الآية 176 من سورة الأعراف : ( فاقصص القصص لعلَّهُم يتفكرون)
 وما أحوجنا اليوم إلى قراءة التاريخ قراءة متأنية متفحصة لنستفيد من أخطاء السابقين ،ولا نكررها ،ولنستفيد أيضاً من المواقف الإيجابية للسابقين لنا،ونأخذ بها ؛وآثرتُ أن تكون هذه المقدمة بقراءة تاريخية لسقوط بغداد على أيدي المغول سنة 656هـ وأسبابه ،ومقارنة لها بسقوط بغداد على أيدي مغول العصر عام 1424هـ وأسباب هذا السقوط ،وكيف واجه المسلمون الهجوم التتاري لمصر  عام 657 هـ  في عين جالوت،  وإيقاف زحفه ،وما الذي ينبغي أن نفعله تجاه مغول العصر الذين يهددون الآن دمشق ؟
وقبل أن نغوص في أعماق هذين الحدثيْن الخطيرين ،استأذن القراء الكرام في طرح المنهج الذي سأتبعه في هذه القراءات ،وهو منهج التفسير الإسلامي للتاريخ في الكتابة التاريخية ،هذا المنهج الذي يسعى كثير من المؤرخين المسلمين لتطبيقه في الكتابة التاريخية ،وإعادة كتابة التاريخ وفق هذا المنهج ؛إذ نجد أنَّّ كثيراً من المؤرخين العرب ممن تأثروا بالمناهج الغربية والاستشراقية في كتابة تاريخنا الإسلامي ،ولا سيما في كتابة السيرة النبوية العطرة، ،وهي مناهج مادية بحتة،تصب في منهج التفسير المادي للتاريخ ،وهي بدورها  تلغي البعد الغيبي في تاريخ السيرة النبوية بصورة خاصة .
التفسير الإسلامي للتاريخ:
التفسير الإسلامي للتاريخ يقوم على التصور الإسلامي للخالق جلَّ شأنه ،وللإنسان ،وللكون ،وللحياة،وللزمان والأحداث. ونظرته للزمان هو ماض وحاضر ومستقبل . والزمان الماضي  في نظر الإسلام غير ضائع وسوف يحاسب عليه الإنسان يقول تعالى :”وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”  ومن هنا ارتبط مفهوم الماضي عند المسلمين بالإيمان و بالمسؤولية التي ألقاها على كاهل الإنسان بعد أن زوده بالإحساس والإدراك بشريعته السماوية على أيدي رسله ،كما أن الزمن الماضي بالنسبة للمسلم مصدر العبرة والعظة والدروس المستفادة من تواريخ الأولين . 
أمَّا الزمن الحاضر فهو مرحلة يتحرك فيه نحو المستقبل على هدى من أحداث الماضي ،وهي مرحلة العمل وتعمير الأرض تحقيقاً لأمانة الاستخلاف المنوطة بالإنسان .وفي هذه المرحلة تتحدد خطى المستقبل ويعظم الثواب والجزاء . أمَّا الزمان المستقبل في مفهوم السلم هو يوم القيامة الذي تتحدد فيه المصائر وتكتسب من خلاله أعمال البشر سمة الخلود ،ويكون هذا دافعاً للأفراد والشعوب على العمل على إرضاء الله ومراقبته في أعمالهم وأقوالهم للفوز بالجنة فيعيش الإنسان في أمان واستقرار وسعادة .
والأحداث في مفهوم الإسلام هي من صنع الإنسان وفق مشيئة الله جلََّ شأنه (سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدورا) 
وقد عبَّر القرآن الكريم عن حركة التاريخ “بالسنن” ،وهكذا نجد أن المفهوم الإسلامي للزمان والأحداث تتمثل فيه نظرة الإسلام للخالق جلَّ شأنه وللإنسان ،وللكون ،وللحياة ،فالله هو الخالق “القاهر فوق عباده” ،وهو “فعَّال لما يريد” ،كل ما في الكون يسير وفق مشيئته وإرادته “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”،وأنَّ الإنسان خلق لعبادة الله ،ولعمارة الأرض ،وأنه مسؤول عن عمله يحاسب عليه ،وأن عليه أن يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ،وأن الدار الآخرة خير وأبقى ،وأن كل ما في الكون مسخر للإنسان لتحقيق الغاية العليا من خلقه وهي عبادة الله “وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون” وهذا خلاف لمزاعم القائلين بأن اكتشاف القوانين العلمية يغني عن الإيمان بالله ،وكذلك ما يزعم “ماركس ” وغيره من الماديين من أن المادة هي أصل الوجود ،وكل ماعداها انعكاس لها ،ومن ثمَّ الإيمان بحتمية التاريخ ،وهي أنَّ كل خطوة تؤدي حتما إلى الخطوة الموالية بطريقة حتمية ،وبالتالي فإنَّ المجتمع يتبع عجلة التاريخ ،ولكن لا يوجهها. 
خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ:
أهم خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ ألخصها في الآتي:
1- أنه يفرد للبعد الغيبي -ماض وحاضر ومستقبل -مساحات واسعة يجعله أحد شروط الإيمان .
2- ليست الأحداث التاريخية في القصص القرآني متسلسلة الحلقات في السرد ،وذلك لأن التاريخ فيه لم يقصد لذاته ،وإنما لاستخلاص العبرة منه .
3- الربط بين الدين وأحداث التاريخ في الأفراد والمجتمعات ،ويتضح هذا من قصص فرعون ،وأقوام نوح ولوط وعاد وثمود ،وبني إسرائيل وغيرهم ،وبيان ما حل بهذه الأقوام من عذاب في الدنيا لعدم إيمانها بالله وتكذيبها لرسله وأنبيائه.
4- ربط المعاملات بالعقيدة وتدخل الدين في الاقتصاد ،وتوضح هذا قصة أصحاب الأيكة.
5– التاريخ في القرآن الكريم وحد زمنية تتهاوى فيها الجدران التي تفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
6-لا منفاة بين البحث عن السنن أو القوانين وبين الاعتقاد بخالقها.
7- عدم قبول الخبر إلاَّ بعد التثبت من صحته “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”
8- جعل القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرين أساسين للكتابة التاريخية ،ولتتبع حركة التاريخ منذ أن خلق الله الكون إلى أن تقوم الساعة. 
من هنا نجد أن الفهم الجاد للسيرة يقتضي منهجاً يقوم على شروط ثلاثة ،وافتقاد أو تهديم أي منها يلحق ضرراً فادحاً في مهمة الفهم هذه.
الشرط الأول وهو أساسي الإيمان ،أو على الأقل احترام المصدر الغيبي لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ،وحقيقة الوحي الذي تقوم عليه. 
الشرط الثاني هو اعتماد موقف موضوعي بغير حكم مسبق يتجاوز كل الإسقاطات التي من شأنها أن تعرقل عملية الفهم.
الشرط الثالث :فهو تقنية صرفة تقوم على ضرورة الإحاطة جيداً بأدوات البحث التاريخي بدءاً باللغة وجمع المادة الأولية ،وانتهاءً بطرق المقارنة والموازنة والنقد والتركيب ..الخ 
والآن فلنعد إلى موضوع قراءتنا ،ولنطبق هذا المنهج في هذه القراءة ،وسائر قراءات هذا الباب ـ إن شاء الله.
وضع العالم الإسلامي عند الغزو المغولي :
  في أوائل القرن السابع الهجري (الثالث عشر ميلادي) كانت الدولة العباسية التي لا تزال قائمة في بغداد تشمل جزءاً من بلاد العراق يمتد من تكريت إلى الفاو ومن حلوان إلى عانة ،واقتصرت سلطة الخليفة في خارج رقعة بلاده الضيقة على المظهر الديني.
  وكان العالم الإسلامي منقسماً إلى دويلات كثيرة انشغل حكامها بالتوسع كل على حساب الآخر ،ولم يدرك هؤلاء الحكَّام خطر الغزو المغولي إلاّ بعد أن غارت جيوش المغول الجرارة على الدولة الخوارزمية ،ثُمّ لم تلبث هذه الغارات أن امتدت إلى بلاد الصين وتركستان وجزء من الهند وإيران وآسيا الصغرى وأوربا الشرقية .ولم يفكِّر حكَّام المسلمين المتنازعون في إقامة حلف إسلامي يصد التيار المغولي الجارف قبل أن يستفحل خطره.
  وفي بغداد نفسها قام النزاع بين القواد الذين طالبوا بزيادة أرزاقهم ،وتفاقمت العداوة والبغضاء بين السنة والشيعة ،واشتد خطر فيضان نهر دجلة ،فاختل الأمن وتدهورت الحالة الاقتصادية ،حتى إن نصف أراضي العراق قد أصبح خراباً كما يقول رشيد الدين.إضافة إلى إهمال نظام الري منذ بداية العصر العبَّاسي الثاني (232هـ) حتى تحولت أجزاء كثيرة من جنوبي العراق إلى مستنقعات بعد أن كانت أراضيها عماد ثروة الدولة العباسية وازدهار حضارتها . كما قامت في الشرق امبراطورية خوارزم شاه طمع في الاستيلاء على بغداد وانتزاع السلطة من الخليفة العباسي كما فعل بنو بويه والسلاجقة من قبله ،ولكنه اضطر إلى التراجع سبب هبوب عاصفة ثلجية عارمة ،وسبب تقدم المغول نحو بلاده ،وإحلالهم الهزيمة بجيوشه حتى اضطر إلى الهرب إلى جهات بحر قزوين حيث مات في إحدى جزره سنة 620هـ .
     وبعد هذه الحرب الخاطفة أو الاستطلاعية بعبارة أدق عاد المغول إلى بلادهم على أنَّ جلال الدين منكبرتي الذي عاد من الهند (622هـ) بعد أنَّ فرَّ إليها أمام المغول ،تراه يجمع فلول جيش أبيه علاء الدين خوارزم شاه محمد ،ويعيد سيطرته على العراقيين العربي والعجمي ،ويحارب أمراءهما ويخرب أراضيهما وينهب أموالهما ،بل يهدد بغداد نفسها ،حتى اضطر أمراء المسلمين إلى محاربته في السنة نفسها ،فنرى الملك الأشرف بن الملك العادل الأيوبي يتفق مع كيفان بن كيخسرو صاحب سلطنة الروم على محاربة جلال الدين منكبرتي ويحلان به الهزيمة ،وفي سنة 628هـ ( 1230 م) أغار المغول على جلال الدين منكبرتي وهزموه هزيمة نكراء ،ففر إلى الجبال حيث قتل على يد أحد الأكراد .
  هذا في المشرق الإسلامي ،أمَّا في الولايات الإسلامية الأخرى ،فقد كانت الجزيرة ومصر ،ومعظم بلاد الشَّام تحت سلطان خلفاء صلاح الدين الأيوبي ،ولكن انقسام الدولة الأيوبية بعد وفاة الملك العادل أخي صلاح الدين سنة (615هـ) بين أولاده الذين انشغلوا بالمنازعات والحروب ،وتهديد الدويلات الصليبية التي كانت لا تزال قائمة في سوريا وفلسطين لسوريا ومصر ، كل ذلك حال دون إقامة حلف إسلامي يستطيع الوقوف في وجه المغول ،لذلك لم يكن سقوط بغداد سنة 656هـ (1258م) حدثاً مفاجئاً ،وإنَّما كان نتيجة حتمية لضعف العالم الإسلامي ،وإتاحة الفرصة للمغول لشن غاراتهم وغزو البلاد الإسلامية الذي بدأ في سنة 617هـ . 
 يُضاف إلى ذلك غدر وخيانة الوزير ابن العلقمي الذي كان على اتصال بالمغول سراً ،وأطمعهم في البلاد ،وسهَّل عليهم ذلك ،وطلب أن يكون نائبهم ،وأضف إلى ذلك مصانعة الخليفة المستعصم للتتار وإكرامهم عملاً بنصيحة وزيره العلقمي  .
            وكانت النتيجة أن ( أحاطت التتار  بدار الخلافة العباسية في بغداد يرشقونها بالنِّبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت ترقص بين يدي الخليفة ،وكانت من جملة حظاياه جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها ،فانزعج الخليفة من ذلك ،وفزع فزعاً شديداً،وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه ،فإذا عليه مكتوب : إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم ،فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز ،وكثرت الستائر على دار الخلافة ـ وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها ،وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل إلى بغداد في ثاني عشر من محرم من سنة 656هـ  ،وكان شديد الحنق على الخليفة سبب ما كان تقدَّم من الأمر الذي قدَّره الله وقضاه ،وأنفذه ،وأمضاه ،وهو أنَّ هولاكو لمَّا كان أول بروزه من همدان متوجهاً إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة أن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مدارة له عمَّا يريده من قصد بلادهم ،فخذل الخلفة عن ذلك دويدراه الصغير أيبك وغيره ،وقالوا إنَّ الوزير إنَّما يريد بهذا مصانعة ملك التَّتار بما بعثه إليه من الأموال ،وأشاروا بأن يبعث بشيء من يسير ،فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكو خان ، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويدراه المذكور ،وسليمان شاه ،فلم يبعثهما إليه ،ولا بالاً به حتى أزف قدومه ،ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ،ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ،فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ،وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ،لا يبلغون عشرة آلاف فارس ،وهم وبقية الجيش ،كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعصى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ،وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله ،وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي ،وذلك أنَّه لمَّا كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ،ومحلة الرافضة التي حتى نُهبت دور قرابات الوزير فاشتد حنقه على ذلك ،فكان هذا ممَّا أهاجه على أن على الإسلام وأهله ما وقع الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بُنيت بغداد ،وإلى هذه الأوقات ،ولهذا كان أوَّل من برز إلى التتَّار هو ،فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه ،فاجتمع بالسلطان هولاكو خان لعنه الله ،ثُمّ عاد ،فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة،فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة ،والفقهاء والصوفية ،ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان ،فلمَّا اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلاَّ سبعة عشر نفساً ،فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين ،وأنزل الباقون عن مراكبهم ،ونُهبت ،وقتلوا عن آخرهم ،وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة ،فيُقال إنَّ اضطراب كلام الخليفة من هوْل ما رأى من الإهانة والجبروت ،ثُمّ عاد إلى بغداد ،وفي صحبته خوجه نصير الدين الطُّوسي ،والوزير ابن العلقمي وغيرهما ،والخليفة تحت الحوطة والمصادرة ،فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب ،والحلي والمصاغ ، والجواهر والأشياء النفيسة ،وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو ألاَّ يُصالح الخليفة ،وقال الوزير : “من وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلاَّ عاماً أو عامين ،ثُمَّ يعود الأمر إلى ما كان عليه الذي أشار بقتله الوزير ابن  العلقمي ،والمولى نصير الدين الطوسي   ،وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لمَّا فتح قلاع الألموت ،وانتزعها من أيدي الإسماعيلية ،وكان النصير وزيراً لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين ،وكانوا يُنسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي ،وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير ،فلمَّا قدم هولاكو وتهيَّب من قتل الخليفة هوَّن عليه الوزير ذلك فقتلوه رفساً،وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض من دمه ،خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم ،وقيل :بل خُنق ،ويُقال :بل غرق ،فالله أعلم ،فباءوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء ،والقضاة والأكابر ،والرؤساء ،والأمراء ،وأولي الحل والعقد ببلاده ،ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال ،والنساء والولدان ،والمشايخ والكهول والشبَّان ،ودخل كثير من النَّاس في الآبار وأماكن الحشوش ،وقنى الوسخ ،وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون ،وكان الجماعة من النَّاس يجتمعون إلى الخانات ،ويغلقون عليهم الأبواب ،ففتحها التتَّار إمَّا بالكسر ،وإمَّا بالنَّار ،ثُمَّ يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيُقتلون بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدَّماء في الأزقَّة ،فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.وكذلك في المساجد ،والجوامع والربط ،ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذِمة واليهود ،والنصارى،ومن التجأ إليهم،وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي ،وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً ،بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم . وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنّها خراب ليس فيها إلاَّ قليل من النَّاس ،وهم في خوف ،وجوع ،وذلة ،وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان ،فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل ،منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر ،فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبقى سوى عشرة آلاف ،ثُمَّ كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك ،وحكى لهم حقيقة الحال ،وكشف لهم ضعف الرجال ،وذلك طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية ،وأن يظهر البدعة الرافضة ،وأن يُقيم خليفة من الفاطميين ،وأن يبيد العلماء والمفتيين ،والله غالب على أمره ،وقد ردَّ كيده في نحره ،وأذّله بعد ،العزة القعساء ،وجعله حوشكاشاً للتتار بعد أن كان وزيراً للخلفاء ،واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال ،فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسَّماء.)
 وقد اختلف النَّاس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة ،فقيل ثمانمائة ألف ،وقيل ألف ألف وثمانمائة ،وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس ،فإنَّ لله وإنَّا إليه راجعون ،ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله ،وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرَّم ،ومازال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً ،وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء ،وعفي قبره ،وكان عمره يومئذ ستاً وأربعين سنة وأربعة أشهر ،ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام،وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد ،وله خمس وعشرون سنة ،وأسر ولده الأصغر مبارك ،وأسرت أخواته الثلاث فاطمة ،وخديجة ،ومريم ،وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل ،والله أعلم ،فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)
    وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي ،وكان عدو الوزير ،وقتل أولاده الثلاثة : عبد الله ،وعبد الرحمن ، وعبد الكريم ،وأكابر الدولة واحداً بعد واحد منهم الديودار الصغير مجاهد الدين أيبك ،وشهاب الدين سليمان شاه ،وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد .وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العبَّاس ،فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال ،تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ،ويؤسر من يختارون منم بناته وجواريه ،وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي بن النيار،وقُتل الخطباء والأئمة ،وحملة القرآن ،وتعطَّلت المساجد ،والجماعات ،والجماعات مدة شهور ببغداد )
ولمَّا انقضى الأمر المقدَّر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلاَّ الشاذ من الناس ،والقتلى في الطرقات كأنَّها التلول ،وقد سقط عليهم المطر ،فتغيَّرت صورهم ،وأنتنت من جيفهم البلد ،وتغيَّر الهواء ،فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام ،فمات خلق كثير من تغيِّر الجو ،وفساد الريح ،فاجتمع على النَّاس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطَّعون ،فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.)
ولمَّا نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير ،والقنى ،والمقابر ، كأنَّهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ،وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ،ولا الأخ أخاه ،وأخذهم الوباء الجديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى ،واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى ،الله لا إله إلاَّ هو له الأسماء الحسنى ،وكان رحيل السلطان المسلَّط هولاكو خان عن بغداد في جمادي الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه ،وفوَّض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر ،فوَّض إليه الشحنكية بها ،وإلى الوزير ابن العلقمي ،فلم يمهله الله ولا أهمله ،بل أخذه أخذ عزيز مقتدر ،في مستهل جمادي الآخرة عن ثلاث وستين سنة) 
هذه نصوص لابن كثير في البداية والنهاية يصف فيها كيف سقطت بغداد في أيدي المغول سنة 656هـ ـ 1258م ،وما قام به التتار من مذابح لأهل بغداد،وقد تعمَّدتُ إيراد هذه النصوص كما كتبها ابن كثير لنستخلص منها العبر ولنقارنها بسقوط بغداد في السابع من صفر عام1224 هـ الموافق 9إبريل سنة 2003م ،إذ سنجد التاريخ يعيد نفسه ونحن العرب والمسلمين لا نتعظ ولا نفيق تماماً كما حدث للخليفة العباسي فمائتي ألف مقاتل مغولي يدخلون بغداد يحاصرون قصره ،ويطلقون السهام من نوافذ القصر ،وهو غارق في ملذاته مع إحدى محظياته،وماذا فعل ؟ 
هل اتصل بأمراء الولايات الإسلامية ودعاهم إلى الاتحاد وتناسي الخلافات لمواجهة هذا العدو عند بدء زحفه إلى الولايات الإسلامية ؟ 
لم يفعل ذلك،وعندما دخلوا بغداد ورشقوا قصره ،كل الذي فعله استنكر ما حدث ،ـ تماما كما حدث الآن من قبل حكام الدول العربية والإسلامية ـ  وحمل بعض الهدايا الثمينة ،ولم يستطع الخليفة الكلام أمام هولاكو لجبروته وإهانته للخليفة عندما احتقرها  هولاكو عاد الخليفة إلى قصره ،وجمع الذهب والحلي النفيسة  وحملها إلى هولاكو ليرضى عنه  ،ولكن كان أحد رجاله ووزرائه (ابن العلقمي) يريد إسقاط خلافة بني العباس السنية واستبدالها بخلافة الفاطميين الشيعية ، فكان يكاتب سراً التتار ،وطمعهم في البلاد ،كما أوعز إلى هولاكو بقتل الخليفة ،فقتل هولاكو الخليفة ،وجميع آل عباس وذبحهم كما تذبح الخراف ،واستبيح نساء وبنات الخليفة  ، ،تماماً كما فعل الأكراد ،والمعارضة العراقية التي تحت رعاية أمريكا ،وبعض البلاد العربية التي سهَّلت هذا الغزو ،وفات ابن العلقمي،كما فات هؤلاء  أنَّ هذا العدو هو عدو للدين جاء ليقضي على كل من يقول “أشهد أن لا إله إلاَّ الله ،وأنَّ محمداً رسول الله “فلم يقتل يهودياً ولا نصرانياً،ولا مسلماً يستجير بهم وهذا يعطي مؤشراً إلى تآمر هؤلاء مع هولاكو ،وأنَّهم كانوا له عيوناً وجواسيس ساعدوه على دخول بغداد.والذي حدث أنَّ يهود البصرة أعانوا القوات البريطانية على دخول البصرة ،ويهود بغداد أعانوا على فتح أبواب بغداد للقوات الأمريكية.
وعندما نبحث في أحوال البلاد الإسلامية عند بدء الهجمة التترية نجد أنَّ الفرقة والانقسام قد مزَّقا جسد هذه الأمة ،وصار الأخ يقاتل أخاه ،ويريد أن يتوسع على حسابه ،وحتى عند بدء الاجتياح المغولي لم يعملوا على تناسي الخلافات والانقسامات ولم الشمل ،بل استمروا في منازعاتههم ومحاربة بعض البعض حتى سقطت بغداد،والمتأمل في أحوال الأمة الإسلامية منذ تآمر الاستعمار على إسقاط الخلافة العثمانية لتقاسم ولاياتها وتقسيمها إلى دول صغيرة وفق اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 م التي أوجدت الحدود السياسية بين الدول العربية ،وحرص الاستعمار الإنجليزي والفرنسي عند رسوم الحدود بين كل بلد وآخر أن يعطي لبلد جزء من البلد الآخر ليتنازع كل بلد مع جيرانه على الحدود ،فتفقد الدول العربية الاستقرار ،ويستمر العداء بينها فلا تتحقق الوحدة بينهم ،إضافة إلى زرع جسد غريب على الأمة في قلب العالم العربي بإقامة دولة “إسرائيل “في فلسطين ” حيث أنهى البريطانيون انتدابهم على فلسطين ،وسلَّموها لليهود ،ودارت حروب بين العرب وإسرائيل سنة 1948م ،وسنة 1956م ،وسنة 1967م ،وسنة 1973م ،ولمَّا وجدوا اتحاد العرب جميعهم في مواجهة العدو الإسرائيلي فرَّقوا بينهم باتفاقية كامب ديفيد التي ترتب عليها تحييد مصر عن القيام بدورها الريادي في قيادة الأمة ،وعزلها  مصر عن العالم العربي بضع سنين ،ثُمَّ ظهرت فلسفة جديدة تدعو إلى الصلح مع إسرائيل والاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها ،وتعطيل الجهاد في سبيل الله ،الذي أطلق عليه “إرهاب “،ولم يكتف بهذا بل عمل الأعداء إلى إثارة الخلافات بين العراق وإيران ،ودفعوا بصدام حسين إلى محاربة إيران على مدى ثمان سنوات فقد الطرفان فيها أكثر من مليوني قتيل ،وفي نفس الوقت أثاروا فتنة طائفية في لبنان أدت إلى اندلاع حرب أهلية استمرت ثمان سنوات ،للتمكن إسرائيل من احتلال لبنان ،ودخلت إسرائيل بيروت عام 1982م ،كما احتلت الجنوب اللبناني ،وتمكن اللبنانيون من لملمت شتاتهم ،وتضميد جراحهم ،وأخرجوا الإسرائيليين من بيروت ،وتكنت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله من تحرير الجنوب  ،والأمريكان  حرَّضوا صدام إلى غزو الكويت ،كما حرَّض الإنجليز من عبد الكريم قاسم على غزو الكويت ،ليضعوا أقدامهم في منطقة الخليج العربي ،بدعوى تحرير الكويت ،وحرص الأمريكان على عدم إقامة صلح بين العراق والكويت ،بل كانت دائماً تسعى إلى تأجيج الخلاف بينهما في المحافل الدولية ومؤتمرات القمة العربية والإسلامية ،لأنَّها تريد أن تستغل ما في النفوس من بشاعة غزو الكويت لاستخدام أرض الكويت نقطة انطلاق الجيوش الأمريكية والبريطانية إلى العراق ،إضافة إلى حرص الأعداء على تأجيج الخلاف ،في السودان بين الشمال والجنوب ،وقيام حرب أهلية بينهما ،وحاولوا مراراً إثارة خلافات بين مصر والسودان ،كما حاولوا مراراً إثارة فتنة طائفية في مصر بين المسلمين والأقباط،إضافة فرض عقوبات دولية وحصار اقتصادي على العراق والسودان وليبيا ،ورغم كل هذه المخاطر المحدقة بالأمة الإسلامية ،ورغم إعلان إدارة جورج بوش عن أهدافهم في المنطقة ،وأنَّهم يريدون تغيير خريطة المنطقة ، ورغم أنَّهم أعلنوا صراحة أنَّ حربهم على ما أسموه إرهاباً أعقاب أحداث سبتمبر التي افتعلوها متواطئين مع الموساد ليقوموا بحملتهم الصليبية على الدول الإسلامية ،والتي بدأوها بأفغانستان ،وقد أعطت الدول الإسلامية بما فيها الدول العربية الضوء الأخضر في حربها على أفغانستان ،وسمحت باكستان باستخدام أراضيها وأجوائها لضرب أفغانستان ،رغم أنَّ الباكستان علاقتها وثيقة بنظام طالبان ، وفي غزو أمريكا للعراق سمحت  بعض الدول العربية استخدام أراضيها وأجوائها ومياهها في ضرب العراق ظناً من هذه الدول أنَّها بهذا تجنب نفسها هجوماً أمريكياً على أرضها ،وهذا يذكرنا بموقف الخليفة العباسي الذي حمل بنفسه النفائس من ذهب وحلي ومجوهرات إلى هولاكو ليترك بلده ،ويرحل عنها ،ولا يصيبه بسوء ،ولكن هذا لم ينجه فقتله هولاكو هو وجميع أفراد أسرته واستباح بغداد أربعين يوماً ،فالذين يقدمون العون لأمريكا في محاربة جيرانهم لن يسلموا من هذا العدوان ،فهم ضمن مخطط مرسوم ،وموضوع ،وهم ما ضون في تنفيذه ،وقد قويت شوكتهم ،وازداد خطرهم على دول المنطقة ،وفي مقدمتها الدول التي قدَّمت العون لهم .
   والأمريكان (مغول العصر ) وزعيمهم ( هولاكو الأمريكان ) في غزوهم لأفغانستان والعراق لا يختلفون عن التتار في شيء ،وما شهدناه في ما أحدثوه في  أفغانستان والعراق لا يختلف عمَّا كتبه “ابن كثير ” عمَّا أحدثه المغول في بغداد.ومسيرة التتار من بغداد إلى دمشق مهددين مصر هي ذاتها مسيرة مغول العصر الذين بدأوا بتهديد سوريا وتوجيه لها اتهامات باطلة بدعوى امتلاكها لأسلحة دمار شامل ،ولم ينفض جنودها غبار صحراء العراق بعد .
والأسئلة  التي تفرض نفسها هل ستكون دمشق عين جالوت ثانية ؟
هل سيفيق العرب بعد سقوط بغداد في 7صفر 1424هـ كما فاقوا بعد سقوط بغداد في 12محرم سنة 656هـواجتياح المغول بلاد الشام ووصلوا إلى غزة ،وقد عزموا على الدخول إلى مصر ،فاتحد العرب ،وقدم المتطوعون العرب من الشام والعراق والحجاز إلى القاهرة ،وقدمت النساء حليهن ومجوهراتهن لتجهيز الجيش ،وانضوى الجميع تحت لواء قطز والتقوا بالتتار في عين جالوت وهزموهم   شر هزيمة ،وطردوهم من الشام ،ولاحقوهم في آسيا الصغرى وهزموهم ؟
وكيف تجتاز الهزيمة ،ونُحولها إلى نصر كبير ؟
وكيف تستغل قوة الأمة ومدخَّراتها في مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف دين الأمة وهويتها وتاريخها وتراثها وحضارتها؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها وعلينا أن نجيب عنها ،وأن نعمل بجدية لاجتياز هذه المحنة ،وإبطال مشروع الهيمنة الصهيو أمريكية.


————-
  1- سورة الإسراء:13.
2  – د. عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة النبوية “بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني مونتجمري وات ص 118،119 
ج1 ،مناهج المستشرقين،مكتب التربية العربي لدول الخليج ،الرياض، 1405-1985م.
 3 – د.حسن إبراهيم حسن :تاريخ الإسلام السياسي والدين والثقافي والاجتماعي ،ج 4 ،ص 134ـ 136.

الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد
 suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion