سُنَّةُ الاختلاف(2)

سُنَّةُ الاختلاف(2)

سهيلة زين العابدين حمّاد
السبت 24/3/ 2018م

بيّنتُ في الحلقة الماضية  أنّ فهم القرآن الكريم يختلف من عصر إلى عصر،
لأنّ العقل البشري في تطوّر مستمر، وما يستوعبه العقل البشري في عصرنا هذا، لا
يستوعبه العقل البشري في أزمنة المفسّرين والفقهاء الأوائل، وسأضرب مثلًا ب تفسير
ثلاث مفسرين من عصور مختلف لآية واحدة، وهي (والأرض مددناها)

ففسرها الإمام الطبري(توفي : 310هـ) بقوله:”
وقوله (وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا)يقول: والأرض بسطناها” أمّا الإمام ابن
كثير(توفي : 774هـ) فيفسر(والأرض مددناها) أَيْ
وَسَّعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا
، بينما نجد الشيخ محمد متولي
الشعراوي(توفي:  1419هـ) يفسرها بقوله:
والمد: معناه البسط، ومعنى ذلكّ أنَّ الأرضَ مبسوطةٌ، ولو فهمنا الآية، على هذا
المعنى لا تّهمنا كلّ مَنْ تحدّثَ عنْ كرويةِ الأرضِ(بالكفر) خصوصًا أنّنا الآنَ
قدْ استطعنا أنْ نرى الأرض  على هيئة كرة،
تدور حول نفسها بواسطةِ سفن الفضاء والأقمار الصناعية، فنقولُ إنَّ كلَّ مَنْ فهمَ
الآية الكريمة (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) بمعنى أنَّ الأرضَ مبسوطةٌ، لمْ يفهمْ
الحقيقة القرآنية التي ذكرتها هذهِ الآية الكريمة، ولكنَّ المعنى يجمع  الإعجاز اللغوي والإعجاز العلمي  معًا، ويعطي الحقيقة الظاهرة للعين والحقيقة
العلمية المختفية، عنْ العقولِ، في وقتِ نزولِ القرآن، عندما قالَ الحقُّ سُبحانهُ
وتعالى(وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا): أي بسطناها، أقالَ أيُّ أرضٍ؟ لا !!!!!!!!، لمْ
يحددْ أرضًا بعينها، بلْ قالَ الأرض على اطلاقها ..، ومعنى ذلكَ: أنّكَ إذا وصلتَ
إلى أي مكانٍ، يُسمَّى أرضًا، تراها أمامكَ ممدودة أي منبسطة .. فإذا كنتَ في
القطبِ الجنوبي أو في القطبِ الشمالي .. أو في أمريكا أو أوروبا أو في أفريقيا أو
آسيا .. أو في أي بقعةٍ، منْ الأرضِ، فأنّكَ تراها أمامك منبسطة ولا يمكنْ أنْ
يحدث ذلكَ إلّا إذا كانتْ” الأرض كروية”، فلو كانت الأرض مربعة أو مثلثة
أو مسدسة أو على أي شكلٍ هندسي آخر، فإنكَ تصلُ فيها إلى حافةٍ، لا ترى أمامكَ
الأرض منبسطة، ولكنكَ ترى حافة الأرض، ثم الفضاء، ولكنَّ الشكلَ الهندسي الوحيد،
الذي يمكنْ أنْ تكونَ فيهِ” الأرض ممدودة”، في كلِّ بقعةٍ تصل إليها هي
أنْ تكون الأرض كروية.”
 هذا
المعنى لم يصل إليه الإماميْن الطبري وابن كثير، لأنّه كما قال الشيخ الشعراوي أنّ
هذه الحقيقة العلمية كانت مختفية عنهما، وعقليهما لم يستوعبا أنّ الأرض كروية، فهل
يعني هذا أنّنا نُكفِّر الشيخ الشعراوي لأنّه قال بكروية الأرض خلاف ما قاله السلف
الصالح، وطبقًا لفتاوى بعض العلماء المعاصرين التي تكفِّر من قال بكروية الأرض
لتمسكهم بتفاسير العلماء الأوائل؟
  الذي
أريد قوله : إلى متى سنظل نُقدِّس آراء وأقوال العلماء الأوائل وتفاسيرهم للقرآن
الكريم المخالف بعضها  لما ما جاء في
القرآن الكريم رغم بيان مدى مخالفتها له وبعدها عن سياق آياته لمجرد كونها آراء
للسلف، وتسفيه ما عداها، واتهام من يُبيِّن خطأها بالجهل والعمالة للغرب؟
المصدر : جريدة المدينة http://www.al-madina.com/article/566559/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-(2)

Join the discussion