الآثار السلبية للدور الاستشراقي على مستقبل الدراسات الإسلامية

الآثار السلبية للدور الاستشراقي على مستقبل الدراسات الإسلامية

الآثار السلبية للدور الاستشراقي على مستقبل الدراسات الإسلامية
بقلم د. سهيلة زين العابدين حمّاد
هذه المادة لم يسبق نشرها ، وهي خاصة لقراء وقارئات المدونة الأعزاء
للدور الاستشراقي آثار سلبية على مستقبل الدراسات الإسلامية في المجتمعات الإسلامية، بل كان له أثره فى تدعيم حركتي التنصير والاستعمار فى الشرق، ويمكن إيجاز هذه السلبيات فى النقاط التالية:

1ـ مساهمة الدراسات الاستشراقية في إيجاد أرضية في كثير من بلاد المسلمين للدعوة التنصيرية، وقد كتب بعض المستشرقين، ونظَّـروا لكيفية التنصير مع المسلمين، مثل ما قام به المستشرق المنصر القس صموئيل ذويمر في معهده الذي أنشأ باسمه من قبل المؤتمر التنفيذي ليكون مركزاً للأبحاث مهمته إعداد الأبحاث وتدريب العاملين في صفوف المسلمين، لتعزيز قضية تنصير المسلمين1 ، وكذلك المستشرق البريطاني وليم موير، ويشهد على ذلك كتابه “شهادة القرآن على الكتب اليهودية والمسيحية” فهو كتاب تنفيذي في المقام الأول.
2ـ العمل على إحياء الفرق المنحرفة في تاريخ المسلمين كالباطنية، وقضوا السنوات في إخراج كتب تناولها ليؤثروا في المفاهيم الأساسية للإسلام، وذلك بثنائهم على البهائية والقاديانية إذ أشادوا بها لأنها ـ كما زعموا ـ جاءت بآراء حرة مستقلة ووصفوها بالعقلانية، والاستنارة والتجديد ليخدعوا بها بعض المسلمين، وليشوهوا تعاليم الإسلام، وللأسف هناك أقلية من المسلمين تأثرت بفكر هؤلاء الفرق المنحرفة واعتنقت عقائدها2.
3ـ مساهمة المستشرقين بقدر كبير في إحياء القوميات فى العالم الإسلامي خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، فقد نبَّش المستشرقون في الحضارات الجاهلية القديمة وأحيوا معارفها من ذلك بعث الفرعونية فى مصر، والفينيقية فى سوريا، والأشورية في العراق، والفارسية في إيران، والقومية الطورانية في تركيا، أما الجزيرة العربية فلقد بحثوا في أثار السابقين، واسموا دراستهم “التاريخ الحضاري للعرب قبل الإسلام” وتعمدوا بذلك إظهار الحضارات القديمة ليطفئوا نور الإسلام، وأنَّ الإسلام ليس وحده هو الذى قدم الحضارة الإنسانية، وترتب على مثل هذه الدراسات الآتى:
أ ـ تحسين سمعة الجاهلية القديمة وتمجيدرجالها،و بث النعرات الانفصالية فى الأمة الإسلامية.
ج ـ محاولة قطع صلة الأمة الإسلامية بماضيها الحقيقي الذي بدء بظهور الإسلام.
د ـ تهيئة بعض المسلمين لتقبل قيام حضارة له غير مهتدية بهدي الإسلام، كما نشأت في تلك الحضارات قديما.
4ـ سعي المستشرقين فى نشر بعض الأيدلوجيات الأجنبية فى الأراضي الإسلامية كالشيوعية، فلقد أشار المستشرق بندلي جوذي بالقرامطة، وأدعى أنَّهم والإسماعيلية الشيوعيون الأولون فى الإسلام، وذلك في كتابه “من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام” كما زعم المستشرق الفرنسى جاك أوسترى أنَّ هناك بعض الشبه بين الإسلام والشيوعية من حيث عالميتها، وتساميها على القوميات والعنصريات، وقد شبه كذلك نظام الدولة في الإسلام بنظام الدولة في النظام الشيوعى3 ، وقد تأثر بهذه الكتابات بعض الكتاب المسلمين وعملوا على نشرها مثل الكاتب الكبير “توفيق الحكيم” في سلسلة مقالاته التي نشرت في جريدة الأهرام “دفتر جيب” وذلك في الفترة من 21 إبريل حتى 15 سبتمبر عام 1981م.
5- تشجيع الاستشراق على نشر الليبرالية الغربية 4، وتبعيتها فى بلاد المسلمين، وقد حاول بعض المستشرقين أن يخدعوا بعض المسلمين بأنَّهم إذا أرادوا التقدم واللحاق بركب الأمم الصناعية ما عليهم إلا أن يتبنوا المنهج الليبرالي الأوروبي الذى قام وفرض بعد نقض كتب “العهد القديم والعهد الجديد” وهى أقدس كتب لديهم، وهم بهذا يريدون من المسلمين التجرؤ على كتاب الله ونقده وللأسف، فقد تأثر بعض الأساتذة المسلمين بهذه الدعوة فى مقدمتهم الأستاذ الدكتور طه حسين، إذ دعا طلاب كلية الآداب إلى نقد القرآن الكريم بوصفه كتاباً أدبياً، يقول فيه: هذا حسن، وهذا كذا، ونجده أعلن في آرائه التي ألقاها في الجامعة 5: أنَّه حاول دراسة القرآن الكريم دراسة فنية، وأثار الشبهات حول كلمة الكتاب، وكلمة القرآن، وقال إنَّ الكتاب غير القرآن، وإنَّه كان موجودًا قبل نزول القرآن، وأنَّ القرآن صورة عربية منه، وأنَّه أخذ صورًا من قبل كالتوراة والإنجيل، بل نجده يقول: “إنًّ هناك قرآناً مكياً له أسلوب، وقرآنًا مدنيًا له أسلوب آخر، القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة والخلو من المنطق  تعالى الله عما يصفون فهو لا يؤمن ـ كالمستشرقين ـ بأنَّ القرآن منزلًا من عند الله؛ إذ قال بخلق القرآن كما نعلم فى كتابه “الشعر الجاهلي” متأثراً بمرجليوث ،بل ومردداً لمزاعم مرجليوث، ومتأثراً كذلك بأستاذه المستشرق كازانوفا الذى كان يدرسه التفسير،كما نجده أنكر وجود سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل وبنائهما الكعبة.6
6- قيام بعض المستشرقين برصد الحركات الإسلامية المعاصرة، ودراسة أحوالها وأوضاعها ليمكنوا صناع القرار في البلاد الغربية من مكافحتها، وبذل كافة الوسائل لإطفاء نورها، وهناك عدد من المستشرقين مثل “هاميلتون جب” و “ميشيل رتشارد” و “يفرد سميث” وغيرهم كتبوا عدة دراسات عن هذه الحركات، وأحدث دراسة أعدها المستشرق الأمريكي “جون سبوزيتو” عن ظاهرة الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي، وهي على صلة وثيقة بالبيت الأبيض، ورجال الحكم الغربيين والإعلاميين حريصون على معرفة الحركات وزعمائها، وفى شهر مايو سنة 1992م صرح نائب الرئيس الأمريكي فى حفل الأكاديمية البحرية بولاية ماريلاند، بأنَّهم فى هذا القرن قد أخيفوا بثلاث تيارات: الشيوعية، والنازية، والأصولية الإسلامية.وقد سقطت الشيوعية والنازية ولم يبق أمامهم سوى الأصولية الإسلامية، فمن أخطر دراسات المستشرقين عن الإسلام وأهله، الدراسات التي تحذر الغرب من قدرات الإسلام الكامنة، وتنبه الغربيون إلى ثروات المسلمين الهائلة ليخطط الغرب مواصلة سيطرته على بلاد المسلمين، ومن أخطر الدراسات الاستشراقية تلك التي اعدها الألماني “باول شمتز” باسم “الإسلام قوة الغد العالمية” وقد لخص العوامل الإيجابية لدى المسلمين فى النقاط التالية:

أ ـ استراتيجية المنطقة الإسلامية ولا سيما الشرق الوسط.
ب ـ الخصوبة البشرية والاضطراد في عدد السكان المسلمين.
جـ ـ وفرة الثروات والمواد الخام فى العالم الإسلامي.
د ـ تعاليم الإسلام، هذا الدين الذي يوحد المسلمين على اختلاف أوضاعهم.
هـ ـ احتواء كثير من المسلمين ثقافياً عن طريق خدمة المستشرقين للتراث، وتحقيقه ونشره وفهرسته، وما إلى ذلك حيث أصبح كل باحث مسلم لا يستغني عن بعض جهودهم في أبحاثه ومكتباته، فيعتمد عليها أو يتناولها بالدراسة، وتأثر بها شعر أو لم يشعر، ويرجع هذا إلى نجاح الاستشراق في السيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي، وعلى الرغم من أن بعض الدراسات كانت تقترب من صفة النـزاهة والحياد إلا أنها في النهاية، وبكل المقاييس تبقى مظهراً من مظاهر الاحتواء الثقافي، وقد نجم عن هذا الاحتواء الآتي:

أ ـ شعور كثير من المسلمين بضعفهم، ونقص إمكاناتهم، وتأخرهم عن غيرهم في العصر الحديث ونسبة كل الإيجابيات إلى الغرب.
ب ـ تبعية كثير من الكتاب والباحثين فكرياً لهم، ودفاعهم عن مبادئهم ومناهجهم. 7
جـ ـ وضع أسس لمنهج البحث والتفكير المادي، فكتبوا وبحثوا ونقدوا في ضوء هذا المنهج، كما نجدهم قد طبقوا المناهج الفكرية المادية على كثير من علومنا الإسلامية سواء في التفسير المادي للتاريخ أو في كتاباتهم عن القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم فدعموا شهادتهم في هذه الجوانب الفكرية باسم المنهج العلمي ممّا أدى إلى رواجها واستسلام كثير من الكتاب لها ودفاع بعض المسلمين عنها. 8
7- لقد رسخ المستشرقون مبدأ العلمانية وصدروه إلى عالمنا الإسلامى سواء في الجانب الفكري أو السياسي، فأصبح من المسلمين من تبنوا مبدأ العلمانية، بل نجد هناك بعض الدول الإسلامية قد تبنت العلمانية وأعلنت أنَّها دولة علمانية، أو هناك من المسلمين من ينادي بعلمانية السياسة، ونحن لو رجعنا إلى أصل نشأة هذه الدعوة نجد أنَّ المستشرقين ممن روجوا لها ودعوا إليها ولا ننسى أثر ميكافيلي في ترسيخ العلمانية السياسية، وتجريد السياسة من معاني الدين والأخلاق وتبرير الوسائل باسم الغايات.
8- دعوة المستشرقين إلى الحرية الفكرية المزعومة التى دعوا إليها، ولم يلتزموا بها فى بحوثهم وكتاباتهم؛ إذ نجدهم صوروا المفكرين الإسلاميين مجرد نقلة للتراث اليوناني الفلسفي بناء على نظرتهم العنصرية المقسمة للشعوب إلى : ساميين وآراميين، فالساميون ومنهم العرب لا قدرة لهم على التفكير الفلسفي وتناول الأمور المجردة بخلاف الشعوب الآرية كما صرح بذلك “رينان” فى كتابه “تاريخ اللغات السامية” وكذلك “جوتيه” فى كتابه “المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية” ترجمة د. محمد يوسف موسى. 9
9- كان الاستشراق وراء طرح ونشر مصطلحات متعددة فى الجانبين الأدبي والنقدي مثل “الحداثة” و “البنيوية” و “الابستولوجيا المعرفية” و “الوجودية” و “النثرية” فى مجالات الأدب، و”الأصولية”و “السلفية”، فتجرأ بعض الأدباء والشعراء على الذات الإلهية، وفصلوا الفكر والأدب عن الدين، وتبنوا مذاهب فكرية لا تمت للدين الإسلامي بصلة، بل تدعوا إلى الإلحاد و إلغاء العقل.
10- لم يقتصر المستشرقون فى بحوثهم على علم واحد، وإنَّما تناولوا مختلف العلوم، وللأسف لم يلتزموا بالحيدة والموضوعية فى أغلب بحوثهم؛ إذ نجدهم سلكوا سبل التحريف والتشويه فى دراساتهم عن القرآن الكريم والطعن فى مصدره، وكذلك الطعن والتشكيك فى السنة المطهرة وصحتها، وامتد التشويه إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم والسنة النبوية المطهرة لأنهما المصدران الأساسيان للتشريع الإسلامي ولكل العلوم، وحسبنا قول وليم موير” إنَّ سيف محمد والقرآن هى أكثر العداء الذين عرفهم العالم حتى الآن عناداً ضد الحضارة والحرية الحقيقية”10 .
11- تأليف الكتب والمراجع والموسوعات العلمية فى موضوعات مختلفة عن الإسلام ونظمه مع التحريف الخفي، والتزييف المتعمد فى الوقائع التاريخية، وفى نقل النصوص من القرآن والسنة، وبيان سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإصدار النشرات الدورية والمجلات العلمية الخاصة ببحوثهم عن الإسلام والمسلمين، وإلقاء المحاضرات والخطب فى الجمعيات العلمية، وفي الجامعات وفي كل مكان، ونشر مقالات وبحوث في الصحف والمجلات الواسعة الانتشار وخاصة في أوساط المثقفين وترجمة كتبهم ومراجعهم وموسوعاتهم إلى اللغة العربية11 ، ويكفي أن نعرف أنَّ هناك مراكز وأقساماً عديدة مستقلة للدراسات الشرقية فى الجامعات العلمية في الغرب كله12 ، وأنَّ في القارة الأمريكية وحدها حوالي تسعة آلاف مركزاً للبحوث والدراسات الشرقية عامة، ومنها حوالي خمسين مركزاً خاصاً بالعالم الإسلامي13 ، وأنَّه منذ مائة وخمسين عاماً وحتى الآن يصدر فى أوروبا بلغاتها المختلفة كتاب كل يوم عن الإسلام، فقد صدر ستون ألف كتاب بين سنة 1800 ـ 1950م أى عبر قرن ونصف، وأنَّ المستشرقين يصدرون الآن ثلاثمائة مجلة متنوعة بمختلف اللغات في تراث الإسلام، وأن المستشرقين عقدوا خلال قرن واحد ثلاثين مؤتمراً عن المؤتمرات الإقليمية والندوات وبعض المؤتمرات مثل مؤتمر اكس فورد والذي ضم حوالي تسعمائة عالماً14 .وما هذا إلا خطة لتهيئة الرأي العام لقبول الغزو العسكري والاقتصادي والثقافي الغربي لبلاد الإسلام من جهة، ولدراسة أحوال العالم الإسلامى، وكل ما يتعلق بشؤونه ليساعدهم ذلك على السيطرة وبسط النفوذ من جهة أخرى.
12-قام المستشرقون والمنصرون بأدوار سياسية فى غاية الأهمية أدت إلى انتشار الاستعمار الأوروبي وسيطرته على العالم الشرقى بصفة عامة، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، فقدموا إلى أوروبا ما تحتاج إليه من تراث الشرق لفهم عقليته وأمزجته وتفاصيل حياته، ومواطن قوته، وكذلك مواطن الضعف فيه، وهكذا تسلل الأوروبيون إلى الشرق، واختلطوا بأهله تجاراً وقناصل، ورحالة ومنصرين ممهدين الأرضية لتكون صالحة، ومهيأة للاستعمار الغربي.
13- تبنى المستشرقون نظرية التهوين من شأن الإسلام، والنظرية العرقية تعبر تعبيراً حقيقياً عن موقف الغرب من الإسلام ومن العرب؛ إذ اعتبروا اختلافنا مع الغرب، ومعارضتنا لسياسته في الأوطان العربية تعبيراً حقيقياً عن عدم قابليتنا للتحضر، وعد قابليتنا للسياسة الاستعمارية إلى تصور في طبيعتنا العرقية وعقليتنا التى تتميز ـــــ من وجهة نظرهم ــــ بعدم فهم طبيعة الأمور التي شكلتها بيئتنا الصحراوية والتى طبعتنا بطابعها اللانهائي، وعدم قابلية التغير.
أمَّا الغرب في نظر الغرب فإليه ينسب كل محمدة فكرية أو غير فكرية، وما وفد إليه من ثقافة عربية فإنَّ مصدرها دائماً غير عربي، فهي إمَّا من اليونان أو الرومان، وما زالت تلك النظرة هى الأساس النظري التطبيقي لكل حكم تقييمي يصدرونه على العرب، أو تصدره الأكاديمية الاستشراقية على الإسلام أو العرب.ومن أهم أحكامها التي لا تزال مقياساً لكل حكم معياري قولهم: “بفوقية الغرب ودونية الشرق، وعقلية الغرب مجمعة وعقلية الشرق مفرقة”15.
فالشرقيون “الساميون” لا يمتلكون القدرة على التفكير البعيد في المستقبل، وهم أيضًا لا يمتلكون القدرة الكافية على التنظير العقلي والربط بين الجزيئات، وهذا ما سماه المستشرق البريطاني هاملتون جب بـ “عقلية ذرية” تتسم بتجزئة الأشياء، وعدم القدرة على تجميعها وتركيبها والنظر إليها بصورة شاملة16. ومن أهم الذين وضعوا أسس النظرية العرقية “ليون جوتيه”17 فى كتابه “المدخل لدراسة لفلسفة الإسلامية”18 ولقد سار فيه على نهج سلفه رنيان وبالغ فيه؛ إذ نشأت النظرية العرقية فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف الفرنسي رنيان، وهو أول من قرر أن الجنس السامي دون الجنس الأوروبي رتبة من ناحية المشاعر والعاطفة والروح العقلية والتفكير، ويقول فى كتابه “تاريخ اللغات السامية”: “أنا إذن أول من عرف أنَّ الجنس السامي إذا قوبل بالجنس الهندأوروبي يعتبر حقاً تركيباً أدنى للطبيعة الإنسانية”.
هذا ولقد استخدم المستشرقون النظرية العرقية ووظفوها في كتاباتهم عن العرب والإسلام للتقليل من شأن العقلية العربية والإسلامية وذلك لتحقيق هدفين فى غاية الخطورة:
أولهما: تبرير استعمار البلاد الإسلامية؛ إذ وصفوا المسلمين “الساميين” بخصائص عقلية وجنسية وثقافية لا تمكنهم النهوض بأنفسهم، وأنَّهم بحاجة إلى عون الغربيين الأوروبيين وأنَّ الدور الذى سيقوم به الأوروبيون إنما هو لصالح الحضارة الإنسانية، واستمرار هذا الخطاب عبر قرن من الزمان، وهو القرن التاسع عشر الذي اشتد فيه الاستشراق، واشتدت فيه مؤسساته ودعمت من قبل الحكومات الأوروبية المختلفة. 19
ثانيهما: العمل على إحباط المسلمين وإشعارهم بالدونية ليخضعوا بالتبعية لكل ما هو غربي، ويتمثل هذا في الغزو الفكري والثقافي والعلمي والاقتصادي الذي تشهده الأمة الإسلامية وتعايى منه.
والتبعية الفكرية والعلمية والاقتصادية للغرب من أهم عوامل ضعف المسلمين، والغرب بوسائله المتعددة وضغوطه السياسية والعسكرية لم يسمح ولن يسمح للمسلمين بالتحرر من هذه التبعية، وأكبر دليل على هذا الهزة الاقتصادية العنيفة التى تعرضت لها ماليزيا وأندونيسيا قبل عدة سنوات بعد ما تمكنتا من إقامة صروح اقتصادية وصناعية أعطت للأمة الإسلامية دوافع قوية للحذو حذوها وثقة بالعقلية الإسلامية.
واستمرَّت النظرة الإستعلائية الغربية على العرب والمسلمين إلى وقتنا الراهن ،ونجد بلفور البريطاني صاحب وعده المشؤوم لليهود بفلسطين لتكون وطناً قومياً لهم ،يوضح هذه النظرة في محاضرة ألقاها فى مجلس العموم البريطاني سنة 1910م – وبلفور يمثل نموذجاً لحكام الغرب يربط بين المعرفة والقوة، فالمعرفة تمنح القوة، والمزيد من القوة يتطلب المزيد من المعرفة، والمعرفة فى نظره تعني المسح الكامل لحضارة من أصولها إلى ذروتها، لذلك أنكب الأوروبيون منذ عصور سحيقة على دراسة الشرق والشرقي كأنَّها فى قاعة درس أو محكمة أو سجن أو فى دليل موجز لأغراض التحليل العلمي، وهذا يعني أنَّ الشرقي أعتبر شيئاً يدرس ويؤدب ويحكم ويضح -، والأمم الشرقية عند بلفور لم تؤسس من منطلق حكم الذات لأنَّها غير قادرة على ذلك، مما يحتم على المستعمرين أن يحكموها ويحتلوها ويعبروا عن آرائها وتطلعاتها، وهذا يستلزم ضرورة احتلال أوروبا للشرق، فاحتلال بريطانيا مثلاً لمصر هو ـ في رأيه ـ الأساس الفعلي للحضارة المصرية المعاصرة، ويكفي أنَّها أعادت للمصريين اعتبارهم كبشر عندما أقرت أنَّهم سكان لمستعمرات منتجة، فالدراسة الاستشراقية كانت مثقلة منذ البدء بالشعور بالفوقية والدونية أو الشعور بالتميز السلالي أو العرقي، وهذا النوع من الفهم كان عاماً فى أوروبا وتأثر به الكتاب والأدباء أمثال: فلوبير ونرفال وسكوت، وقد نضع هؤلاء الضوابط فى ما يمكن أن يقولوا عن الشرق، لأنَّ الاستشراق في الأساس رؤية سياسية للواقع، ورؤية روج المستشرقون بنيتها ليفرقوا بين المألوف (أوروبا، الغرب، نحن) وبين الغريب (الشرق ،المشرق، هم) وهذا يعنى أنَّ تلك الرؤية وجدت ثم أصبحت واقعاً يعيشه المستشرقون ويألفه الشرقيون، وبمرور الزمن غدا كل من الرؤية والواقع متممين لبعضهما البعض، يمنح أحدهما الآخر القدرة على البقاء والاستمرار بما يخدم فهم المستشرقين ومصالح بلادهم.
14- تنفيذ الإدارة الأمريكية لمخطط المستشرق اليهودي البريطاني والأمريكي برنارد لويس لتجزئة وتفتيت البلاد العربية الذي وضعه عام 1940م على أساس ديني وعرقي ومذهبي ،وبدأت بتنفيذه في العراق ،والسودان من خلال إثارة الحرب الأهلية في جنوب السودان ومشكلة دار فور ،ومحاولة إثارة فتنة طائفية في مصر ،كما أنَّ الإدارة الأمريكية قد بدأت بتنفيذ مخططه لنشر الديمقراطية في البلاد العربية.
من هنا كان اهتمام المستشرقين على كافة مدارسهم ومآربهم وانتماءاتهم الفكرية والعقدية بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكتبوا عن حياته العامة والخاصة، وتحدثوا عن بناء الدولة الإسلامية والتشريعات المدنية. وكان للمستشرقين الإنجليز بصفة خاصة اهتمام بالسيرة النبوية، فمنذ بداية القرن التاسع عشر أخذت مؤلفاتهم تظهر لتعالج هذا الموضوع الحيوي الهام.
وقد تبعهم كثير من المستشرقين الأوروبيين من فرنسيين وألمان وإيطاليين وغيرهم فى الاهتمام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .

Suhaila_hammad@hotmail.com

1. مؤتمر التنصير لعام 1978م ص 15.

2. ندوة أثر الاستشراق على العالم الإسلامي التي نظمها المعهد العالي للدعوة كلية الدعوة حالياً بالمدينة المنورة عرض وتقديم د. محمد فريد محمود عزت مجلة التربية العدد 101 يونية 1992م تصدر عن اللجنة الوطنية للثقافة والعلوم والتنمية بقطر ص 165.

3-المرجع السابق ص 166.

4-الليبرالية الغربية: فلسفة وصفية تجعل عقل الإنسان غير المرتبط بهدي الدين ورغبات الإنسان الجامحة المقياس الأوحد لكافة التصرفات الخاصة والعامة.

5-أنور الجندى: طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام. دار الاعتصام. ص141.

6-المرجع السابق ص 142 ، 143.

7-أثر الاستشراق على العالم الإسلامي مرجع سابق ص 166.

8-المرجع السابق ص 167.

9-المرجع السابق ص 68.

10-المرجع السابق ص 169.

11-محيي الدين الألواني: مزالق التحدى العقدى وسبل التغلب عليها، من ندوة التحديات الحضارية والغزو الثقافي لدول الخليج ص 156، 157.

12-المرجع السابق ص 158.

13-المرجع السابق ص 156، د. أكرم العمرى: موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية، مرجع سابق ص 56.

14-د. أكرم العمري: موقف الاستشراق ص 58.

15-د. محمد إبراهيم الفيومي: الاستشراق رسالة الاستعمار، دار الفكر العربي، القاهرة 1413 هـ ـ 1993م. ص 233.

16-د. أكرم العمري: موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية مرجع سابق ص 56 ، 57.

17-ليون جوتيه: أحد المستشرقين الفرنسيين الذين تأثروا بالنظرية العرقية، ولقد هيمنت عليه فكرة أن الفلسفة الأغريقية هي الأساس للفلسفة الإسلامية (د. محمد الفيومى: الاستشراق ص 236.)

18-كان هذا الكتاب مجموعة محاضرات ألقاها جوتيه عام 1907 ـ 1908م، بمدرسة الآداب العليا بالجزائر التي صارت كلية، وكان عنوان المحاضرة “الفلاسفة المسلمون والإسلام” د. محمد الفيومي مرجع سابق ص 236.

19-د. أكرم العمري: موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية ص 58.

Join the discussion