ندوة خطابنا الثقافي وصحافتنا الأدبية.. والانتقائية في النقل!!!

ندوة خطابنا الثقافي وصحافتنا الأدبية.. والانتقائية في النقل!!!

ندوة خطابنا الثقافي وصحافتنا الأدبية.. والانتقائية في النقل!!!

جريدة المدينة في الخميس, 29 مايو 2008
سهيلة زين العابدين حمّاد
نظم الأسبوع الماضي نادي مكة الثقافي والأدبي ملتقى فكرياً من نوع خاص حول «خطابنا الثقافي» قراءة لحاضره واستشراف لمستقبله

، وكرغبة أكيدة في تصحيح رؤية خطابنا الثقافي إلى المرأة قرر النادي أن تلقي امرأة كلمة المشاركين والمشاركات في هذا الملتقى لأول مرة في تاريخ خطابنا الثقافي الذي اعتاد أن يكون الرجل دائماً هو المتحدث باسم المرأة، وكان لي الشرف أن اخُتِرتُ من قبل إدارة النادي لألقي هذه الكلمة.
ورغبة أكيدة من نادي مكة الأدبي في تصحيح رؤية خطابنا الثقافي لمشاركات المرأة في المحافل العلمية والثقافية، تُرِك الخيار للمرأة المشاركة باعتلاء منصة الإلقاء لتلقي ورقتها أمام الحضور، وليس من خلف ستار، وليس في هذا خروج عن الدين، فلنقرأ ونتأمل معاً قوله تعالى في آية المباهلة، مباهلة نصارى نجران حول طبيعة المسيح عليه السلام، فبعد أن بيَّن الله جل شأنه هذه الطبيعة في الآية (59) من سورة آل عمران: (إنَّ مَثلَ عيسى عند اللهِ كَمَثَلِ آدمَ خلقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قالَ لهُ كُنْ فيكون) أخذ نصارى نجران يحاجون النبي صلى الله عليه وسلم في طبيعة المسيح عليه السلام، وكانت هذه المحاجة في السنة العاشرة للهجرة أي بعد فرض الحجاب على النساء بخمس سنوات، يقول تعالى في الآية (61) من سورة آل عمران: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ من العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنا ونِسَاءكم وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلَ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكَاذِبِين).
كتب التفسير والسيرة النبوية أشارت إلى أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لمباهلة نصارى نجران ومعه الحسن والحسين وابنته فاطمة رضي لله عنهم أجمعين، ولم يخرج معه أحد من نسائه لأنَّ الحجاب قد فُرض عليهن.
نستخلص من هذا أنَّ حكم تغطية الوجه قاصر على زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يشمل بناته رضوان الله عليهن، وبالتالي نساء المسلمين.
ومن هنا نجد أنَّ الصحابيات الجليلات شاركن في الحياة العامة، وفي المناظرات والمناقشات العلمية، والأدلة كثيرة من السنة النبوية، كما نجد أنّ من نساء الإسلام من علمَّن الرجال وأجزن العلماء، ومن هؤلاء العلماء الشافعي والسخاوي وابن تيمية وابن حجر العسقلاني والسيوطي، وغيرهم كثير، فإلقاء ورقتي على منصة الرجال لا مخالفة شرعية فيها، وإنَّما سبقني في ذلك عالمات فُضليات في مختلف العصور الإسلامية.
وبما أنَّ موضوع الملتقى الذي نحن بصدده هو خطابنا الثقافي فلابد لنا أن نصحح ما فيه من مفاهيم مغلوطة حول إقصاء المرأة وإبعادها عن المشاركة في الحياة العامة، فالله سمع إلى مجادلة امرأة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تحاوره دون أن يكون ساتراً بينهما، وسمى السورة التي نزلت فيها هذه الآية بسورة المجادلة، فالأحرى بنا نحن الخلق أن نستمع إلى شريكتنا وشقيقتنا، فلا نستنكر على امرأة اعتلت منصة الرجال، ومن قال إنَّها منصة الرجال، فهي منصة للمشاركين في الملتقى رجالاً ونساءً، ومن حقي أن اعتلي هذه المنصة بصفتي مشاركة مادمت ملتزمة بحجابي الشرعي، وقد اعتليُتُ هذه المنصة في مؤتمرات كثيرة شاركتُ فيها خارج المملكة، ولستُ الوحيدة التي اعتلت مثل هذه المنصة في المملكة، فنساء كثر قبلي اعتلينها في مؤتمرات عدة في مدن مختلفة، كما اعتلت ذات المنصة قبلي الدكتورة هتون الفاسي، فلا مبرر إذن لأنّ تكتب أدبية المدينة عني «امرأة اعتلت منصة الرجال»، فالهدف واضح من وضع هذا العنوان في ما نشيت رئيسي!!
الندوة كانت ثرية بأوراق العمل، وقد كان معالي الدكتور محمد عبده يماني متألقاً -كعادته- بورقته المتميزة رغم أنَّه كان غائباً، وألقاها نيابة عنه الدكتور محمود زيني الذي كان أميناً في نقل رؤية معاليه، وكان متألقاً في ردوده على المُداخلات، كما كان هناك عدد من الأوراق المتميزة.
أمَّا ورقة الدكتورة هتون الفاسي فلسوء حظي لم استمع إليها، لأنَّي كنتُ في الحرم الشريف، ولكن حضرتُ ما دار حولها من نقاش، وقيل لي إنَّ الدكتورة هتون صنفتني ضمن المنشقات عن التيّار الديني المتشدد، فطلبتُ المداخلة، وأعلنتُ احتجاجي على إطلاق عليَّ مصطلح منشقة، فأنا لستُ منشقة، وإنَّما متأملة، ومتراجعة لأنَّي كنتُ متأثرة بالخطاب الديني السائد، ولكن عندما عكفتُ أثناء دراستي في جامعة الأزهر على دراسة كتابات المستشرقين في السيرة النبوية والتشريعات المدنية، ودرستُ التفسير والسنة النبوية والسيرة النبوية وجدت المستشرقين يتهمون الإسلام بتهم تمثل بالفعل رؤية خطابنا الديني، ووجدتُ واقع نصوصنا المطبق في عهد الرسالة لا يتفق مع كثير مما جاء في خطابنا الديني، ولاسيما فيما يختص بحقوق المرأة، فوجدتُ نفسي ملزمة بتصحيح مفاهيم هذا الخطاب.
وقد عقَّب أحد المداخلين وذكر أنَّ من القسوة إطلاق كلمة منشقة، فلتكن المتراجعة، وكان على صحافتنا الأدبية أن توضح هذا.
وقد قالت لي الدكتورة هتون عندما سمعت اعتراضِك على مصطلح منشقة أدركتُ أنَّي أخطأت خطأ جسيماً، فتصنيف الخطاب النسوي السعودي تصنيف جديد لم تتبلور رؤاه، وأنَّها مستعدة لتصنيفك التصنيف الذي ترتضينه.
إنَّ تغيير الآراء والمواقف ليست عيباً، بل هي من سمات العلماء،ومن الخطأ أن يتشبث الإنسان برأيه، وهو يعلم أنَّه خطأ.
ولكن للأسف الشديد أجد صحافتنا الأدبية في جريدة الوطن لم تكن أمينة في النقل، وجعلت الدكتورة هتون صنفتني بأني منشقة عن التيار الديني، وحذفت «المتشدد»، والمشرف على ثقافة الوطن بالتالي أخرجني من المِلة، وهو بلا شك يدرك أبعاد إسقاط كلمة المتشدد، ولستُ أدري لمَ يريد إستثارة علماء الدين والناس أجمعين ضدي، هل أضحت الإثارة على حساب سمعة ومعتقدات الناس؟
كما لا حظتُ أنَّ صحافتنا الأدبية قائمة على الانتقائية، فأخذت من المداخلات التي تُعارضني، وتركوا المداخلات التي تؤيدني فقد انتقت المداخلتين المعارضتيْن لي وبدأت بهما تغطيتها للندوة، وتركت المداخلتيْن اللتيْن أيدتنني،بل حتى مداخلة الدكتورة نائلة ليمفون تركت ثقافة الوطن الشق الأول منها الذي فيه إشادة بي وانتقت الشق الثاني منها، ولا يفوتني أن أحيي الأستاذ الدكتور عزت خطَّاب، والأستاذ الدكتور محمود زيني على جرأتهما وشجاعتهما في إعلانهما تأييدهما لما جاء في ورقتي.
وانتقت الصحافة الأدبية من ردي على سؤال ووضعته في سؤال آخر، فكان هناك سؤال خاص عن حرمان المرأة من حق منح جنسيتها لأولادها من زوج أجنبي، وبقدرة قادر حولته للرد على مداخلة الدكتور الحارثي.
عموماً أنا لم أفسر القرآن من عندي، فآية المداينة ذكرتُ تفسير ابن القيم لها، وآيات المواريث هي التي نصت على الحالات التي ترث فيها نصف الرجل، وهي أربع، والثلاثين حالة التي فيها ترث مثله، أو أكثر منه، أو ترث فيها، وهو لا يرث، وهذا موجود في علم الفرائض، أمَّا حق المرأة في الولاية – فكما يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي للذين يعارضون ولاية المرأة تقف هذه الآية أمامهم جميعاً (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر).
كما نجد آية البيعة تعطي المرأة حق الولاية، فكما لها أن تُبايع، فلها الحق في أن تُبايع.
في النهاية أشكر نادي مكة الأدبي على هذه الندوة المتميزة، وأخص بالشكر رئيسه معالي الدكتور سهيْل القاضي، والشاعر والأديب الأستاذ فاروق بنجر وأعتب بشدة على الصحافة الأدبية على انتقائيتها، وكنت أتمنى أن تعطي صورة وافية عند تغطية الندوات والملتقيات.
Suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion