اتفق مع الدكتور العريان في مفهومه للاختلاط (1 ــ 2 )

اتفق مع الدكتور العريان في مفهومه للاختلاط (1 ــ 2 )

الخميس, 22 أكتوبر 2009
د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
لقد أدرك خادم الحرمين الشريفيْن الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بعمق فهمه لدينه ،وببصيرته الثاقبة أنَّ نجاح مشروعه العلمي العملاق الذي طالما حلم به لن يؤتي أكله وثماره المرجوة دونما مشاركة شقائق الرجال مشاركة فعالة ليكن جنباً إلى جنب مع أشقائهن الرجال
، ولقد شاركت المرأة المسلمة في بناء حضارة ونهضة الدولة الإسلامية في مختلف عصورها ،وكانت تعلم الرجال ،وتسمع من العلماء ويسمعون منها، ويجيزونها وتجيزهم ،والتاريخ تحدث عن مئات الراويات للحديث منهن أمهات المؤمنين ،وكثير من الصحابيات الجليلات ،كما تحدث عن المفتيات، ومئات العالمات والفقيهات ،واللائي علَّمن علماء وأجزنهم مثل الشافعي وابن تيمية ،والسيوطي والسخاوي وابن حجر العسقلاني، وابن سيد الناس ،وغيرهم ،ولم تكن آنذاك دوائر تلفزيونية مغلقة ،كما شاركت المرأة في العهديْن النبوي والراشدي، وما تلاهما من عصور ،في القتال وتطبيب الجرحى وتمريضهم ،وفي مهن فيها اختلاط كالرعي والزراعة والتجارة، ومختلف الصناعات ،ولم نقرأ في كتب السيرة ،والتاريخ أنَّه كانت مراعٍ ومزارع وأسواق خاصة بالنساء، ولا بوجود وكلاء ومدراء يديرون أعمالهن!


لذا أتفق مع الدكتور عصام العريان ـ القيادي البارز في جماعة الأخوان المسلمين ـ فيما صرَّح به لجريدة المدينة بأنّ مشاركة المرأة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية أمر طبيعي ،والفصل بين الجنسيْن أمر تعسفي ،وغير حقيقي ،وغير واقعي … فالأسواق والمستشفيات ،وغيرها من الأماكن مختلطة ،فالمحرَّم في مفهوم الاختلاط هو فقط الخُلوة بغير المحارم وأضيف الاختلاط في الحج ،وهو أكبر تجمع بشري في العالم لتأدية فريضة إسلامية ،وجُعل إحرام المرأة في وجهها وكفيها ،فإن غطَّت وجهها تُفدي ،وإن لبست النقاب والقفازين بطل إحرامها 
إ.نَّ الفهم الصحيح للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بهذا الموضوع ،يُزيل كل التباس ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُحرِّم لقاء الرجال بالنساء ،ولا دخول الرجاء بيوت الغائبين « المسافرين» ،وإنَّما أكَّد على تحريم الخلوة بالمرأة من غير المحرم التي غاب زوجها عن بيتها ،وظلَّت الإباحة للقاء ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلاَّ ومعه رجل أو رجلان ) ، ،فأكد على تحريم الخلوة ،وأبقى أصل الإباحة للقاء ،فوضع الضابط دون أن يمنع .وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يخلون رجل بامرأة إلاّ مع ذي محرم ) يشير إلى جواز لقاء المرأة بالرجل الأجنبي عنها في حضور محرم لها، أو عدد من الرجال.
بل هناك آيات قرآنية تجيز مشاركة النساء الرجال في المجالس والمنتديات العلمية مثل آية المباهلة التي نزلت في عام الوفود أي في التاسعة للهجرة ،أي بعد فرض الحجاب بأربع سنوات ،فالحجاب فرض في السنة الخامسة للهجرة ، أقول هذا القول لأنَّ المتشددين والغلاة المتطرفين يعطلون الآيات القرآنية التي نزلت قبل فرض الحجاب ،وكذا الأحاديث النبوية التي كانت مناسبتها قبل فرض الحجاب، ولما كانت آية المباهلة نزلت بعد آية الحجاب فهم يتجاهلونها ،حتى نجد كتاب السيرة المُحدثين مثل الدكتور أكرم العُمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة ،،والشيخ محمد الخضري في نور اليقين ، قد أوردا الآية دون أن يشيرا إلى خروج السيدة فاطمة للمباهلة ،بينما أوردها صاحب الرحيق المختوم ،وذكر رواية ابن كثير ،وكذلك أشار الدكتور مهدي رزق الله أحمد في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية والدكتور محمد أبو شهبة في السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة إلى خروج فاطمة رضي الله عنها للمباهلة ،ولم يقف أحد من هؤلاء عند هذا الحدث بالتحليل ،مع أنَّه حدث عظيم لما يتمخض عنه من أحكام هي موضع جدل وخلاف بين علماء المسلمين فيما يختص بحكمي تغطية الوجه والاختلاط .
فبعدما أوضح جل شأنه طبيعة المسيح عليه السلام في قوله تعالى : ( إنَّ مثَلَ عِيسى كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون . الحقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّنَ المُمْتَرٍين) [ آل عمران : 59،60] حاج نصارى نجران الرسول عليه الصلاة والسلام في طبيعة المسيح نزل قوله تعالى ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مِا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ َفَقُلْ تَعالَوْا نَدُعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ على الكَاذِبين). [ آل عمران : 61]قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية « فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له ،وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة ،وله يومئذ عدة نسوة « [ تفسير ابن كثير 1/378،دار المعرفة ،بيروت]
والسؤال هنا لمَ لم يصطحب الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا من زوجاته واصطحب معه ابنته، إن كان قوله تعالى ( وإِذّا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فاسأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ)يعم نساء المسلمين أجمعين ،كما يحاول خطابنا الديني فرضه على النساء أجمعين ،بالقول إن كان هذا مفروضًا على نساء النبي فمن باب أولى التزام نساء الإسلام أجمعين به ،فإن كان الأمر كذلك لما قال تعالى : ( نساءنا ونساءكم )ولاكتفى ب ( أبناءنا وأبناءكم و … أنفسنا وأنفسكم )،ولما أصطحب الرسول صلى الله عليه وسلم معه ابنته فاطمة ،ولقال آية ( وإذا سألتموهن متاعاً … ) إن كانت تخص نسائي ،فمن باب أولى أن يلتزم بها بناتي!!!
فالذين يُحرِّمون الاختلاط وكشف الوجه يستدلون بهذه الآية الخاصة بزوجات النبي صلى عليه وسلم ،ولم يكملوها : ( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوُبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤُذُوُا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أنْ تَنْكِحُوُا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إنَّ ذّلَك كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمَاً) [ الأحزاب : 53]، فهذه الآية وأحكامها خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم ،فنساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهن الزواج بعده ،فهل هذا ينطبق على النساء أجمعين ؟
   عندما نستخلص حكماً من آية فلابد لنا من إكمالها ،وذكر ما قبلها وما بعدها ،ولا نجتزئ منها الجزء الذي يؤيد الحُكم الذي نريده ،والآيات السابقة لهذه الآية توضح هذه الخصوصية ،يقول تعالى : (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )[ الأحزاب : 30-33]
فهل هذه الخصوصية تشمل نساء المؤمنين أجمعين حتى نوجب عليهن تغطية الوجه وعدم الاختلاط والقرار في البيت كما هي واجبة على أمهات المؤمنين ،والله جل شأنه يقول : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)؟


غدًا نواصل

Join the discussion