خاطرة أبي ليتك كنت هذا اليوم معي

خاطرة أبي ليتك كنت هذا اليوم معي

خاطرة أبي ليتك كنت هذا اليوم معي
 استميحك العذر يا أبي إن تحدثتُ اليوم عنك ،فلقد أتت اللحظة التي لم أستطع فيها التحكم في نفسي فأكبتُ أحاسيسي ،وأحجبُ مشاعري ،وأغفل حقك عليَّ ،هذه اللحظة هي أسعد لحظات عمري تمنيتك فيها أن تكون معي ..أتدري يا أبتي ما هي


؟ إنَّها لحظة الحصاد ،حصاد أول ثمرة من ثمار غرسة صغيرة ضئيلة بسيطة توليتَ أنتَ رعايتها وسقايتها والعناية بها ومنحتها كل ما يساعدها ويؤهلها على الإثمار باذلاً في ذلك ما تملك من مال وجهد وصحة حتى استطاعت في النهاية أن تطرح هذه الثمرة .
فلكم هو عزيز على نفسي إنَّك أنت يا أبي ـ يا أحب النَّاس إلى قلبي ،يا روح روحي،يا نور عيوني ،يا مهجة فؤادي ،يا بسمة وجداني كم هو عزيز على نفسي أنَّك في هذا اليوم لا تكون معي ..
أتدري يا أبتي ما هي ؟؟ إنّها لحظة الحصاد، حصاد أول ثمرة من ثمار غرسة صغيرة ضئيلة بسيطة توليت رعايتها وسقايتها والعناية بها ،ومنحتها بكل ما يساعدها ويؤهلها على الإثمار باذلاً في ذلك ما تملك من مال وجهد وصحة حتى استطاعت في النهاية أن تطرح هذه الثمرة.. 
  فلكم هو عزيز على نفسي إنَّك أنت يا أبي ..ـ يا أحب النَّاس إلى قلبي يا روح روحي يا نور عيوني ،يا مهجة فؤادي ،يا بسمة وجداني ـ كم هو عزيز على نفسي أنَّك في هذا اليوم لا تكون معي ،لا أنت معي .. أجل أنت معي.. بروحك أنت معي .. بل بجسدك 
أيضاً معي .. فلقد رأيتك أمامي ساعة استلامي لكتابي .. البسمة على شفتيك .. الفرحة في عينيك ..البشر لاح على وجنتيك ..محياك مشرق باسم ،عيناك لامعتان براقتان تنطقان ـ بصمتهما الناطق ـ بالتهنئة ،بنظراتك الحانية تلك التي تعودتها منك دائماً عندما أنجز عملاً يسرك .. صوتك وصل إلى مسمعي قائلاً لي .. مبروك يا أم أبيكِ  كما كنت تناديني .. فضممتُ الكتاب إلى صدري ،وقبَّلته فلقد رأيتك فيه ،بل حسبته أنت.. 
 كيف لا وصورتك متجسدة أمامي ،وأنا أقرأه ،وأقلب صفحاته ،وقد كنت معي ،وأنا أسطر كل حرف من حروفه ،وكل كلمة من كلماته ،فلن أعيد عليك مضمون هذا الكتاب لأنَّني أخبرتك به ساعة تسجيلي له كلمة بكلمة ،وحرفاً بحرف..
  لقد بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع كل نسمة عليلة داعبت ثرى لحدك ..بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع كل قطرة ندى بللت تراب قبرك .. بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع كل ضوء قمر ونور شمس أضاء قبرك ..بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع تغريدة كل بلبل ،وشدو كل طير رفرف فوق مرقدك … بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع شذا كل زهر ،وعبير كل ورد ،وأريج كل عطر امتزج بتراب مثواك …بعثتُ لك أحرفه وكلماته مع أمواج المحيط الأطلسي ،وأنا أكتب تمهيد هذا الكتاب في الشرفة المطلة على شاطئ المحمدية في بلاد المغرب العربي .. حيث هناك قررتُ كتابة هذا الموضوع ؛إذ آلمني ما رأيتُ عليه المرأة المسلمة في بلاد المغرب العربي ،وآلمني أكثر ما رأيته وسمعته عن المرأة السعودية هناك..
بعثتُ لكِ أحرفه وكلماته مع كل هؤلاء .. ألم تبلغك أحرفي وكلماتي؟؟
أنا لا أشك في أمانة التبليغ عند الشمس والطير والبحر والقمر… ولا ارتاب في صدق التبليغ عند الورد والزهر والعطر والقطر… ولا أشك في الضوء والموج والندى…لا ارتاب في الأريج والعبير والشدو والشذا…فهم جميعاً أكثر أمانة وصدقاً من بني البشر…
 عجباً ماذا دهاني ..كيف أبعث لك بأحرفه وكلماته ،وهي أحرفك أنت ،وكلماتك أنت..إنَّه كتابك يا أبي ..نعم …كتابك فهذا بفضل الله ،ثُمّ بفضلك أنت ، فلولا أنت لم أكن أنا ..ولولا ما بذلته من جهد ومال وتضحيات من أجل تعليمي لما استطعتُ أن أمسك بالقلم ،وأكتب كلمة واحدة..
 لقد كان بإمكانك أن تبعثني إلى الخارج للدراسة ،فالمال الذي أنفقته على تعليمي أكثر من الذي ستنفقه لو بعثتني إلى الخارج ،فلولا حرصك الشديد على أن أتلقى العلم هنا في مهد الإسلام ،رغم أن ذلك على حساب صحتك ،لأستلهم منه النور والهداية ،وليكون علمي مبنياً على أساس ثابت من الدين والعقيدة ليثبت أمام كل أعاصير الدنيا وأمواجها العاتية لإسقاطي في مغرياتها ،ولولا ملازمتي لك ،ومعاشرتي عن قرب وكثب لك ؛إذ رأيتُ فيك سلوك المؤمن بالله ، الحافظ لكتاب الله ،المتفقه في دين الله ،المتخلق بأخلاق كتاب الله ،لولا هذا كله يا أبي لما استطعتُ أن أكتب بصدق وإيمان وعقيدة عن هذا الدين الذي أحببته أكثر وأكبر من حبي لك ،وأنت أيضاً أحببته أكثر وأكبر من حبك لي ،وأفديه بروحي ودمي ،وادعوا الله أن يكتب لي الشهادة في سبيله ،وأخذتُ الكلمة طريقاً إلى الجهاد من أجله..
 أتدري يا أبي ماذا يقول بعض الناس عني ؟؟
 قالوا إنَّ هناك رجلاً يكتب لي ،وأعتقد أنَّه آن الآوان لأقول لهم : إنَّه إن كان هناك رجل يكتب لي فهذا الرجل هو أبي ،نعم أنت يا أبي ،إيمانك .. مبادؤك … ثباتك على الحق… علمك … تفقهك في أمور دينك …تربيتك الإسلامية لي ولإخوتي .. زهدك .. صمتك .. تقشفك .. قناعتك .. أمانتك … كرهك للمظاهر .. صدقك .. خوفك الشديد من الله ومراقبتك له في سرك وعلانيتك … طيبتك .. حبك لفعل الخير .. دأبك وإصرارك على تعليمي أنا واخوتي .. معاشرتك لكتاب الله ،فلا أراك إلاّ َ وتتلو القرآن في الثلث الأخير من الليل ،وفي الضحى ،وفي كل وقت وحين ، وحتى وأنت على فراش الموت لسانك لا ينفك عن ترديد آيات الله البينات … كل هذه المعاني استلهمتها منك .. حياتي معك ،وحياتك معي تمر بذاكرتي لحظة بلحظة ،وثانية بثانية ،وأخرج منها بكثير من الدروس والعبر أسجلها على الورق ،وكلما زاد تأملي وتعمقي فيها كلما زاد فهمي وإدراكي لها ،فها أنا ذي ابنتك ،قطعة منك ،وأنت قطعة مني لا يستطيع أحد انتزاعك مني ،ولا حتى اسمك…
 قالوا إنَّ اسمك بات طويلاً فاحذفي اسم أبيك واكتفي باللقب العائلي ، فقلتُ لهم : لا سيظل اسم أبي ملتصقاً باسمي ،فإن أردتم محوه فامحوا معه اسمي فلولا هو لم أكن أنا.
تُرى هل سيعذرني قارئي في حديثي هذا إليك..؟؟؟
أليس من حق الكاتب أن يعبر ولو لمرة واحدة عن أحاسيسه في مناسبة كهذه تجاه أحب الناس إلى قلبه؟؟؟
…………………………………………………………
  -هذه الخاطرة نُشرت في جريدة المدينة في عددها رقم 5464 الصادر في 9/5/1402هـ، وقد نشرت أيضاً في كتاب “من عمق الروح وصلب الفكر، وكتبتها عند إصدار أول مؤلف لي ،وهو ” مسيرة المرأة السعودية…… إلى أين ؟

Join the discussion