المذاهب الأدبية الغربية الحديثة وأثرها في الفكر الغربي

المذاهب الأدبية الغربية الحديثة وأثرها في الفكر الغربي

المذاهب الأدبية الغربية الحديثة وأثرها في الفكر الغربي

سهيلة زين العابدين حماد
لحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , إن المتتبِّع للحركة الأدبية في عالمنا العربي – منذ حملة نابُليون بونابرت على مصر في أواخر القرن الثامن عشر حتى وقتنا الحاضر
– يجد أن أدبنا قد تأثر تأثراً جدُّ كبير بالفكر الغربي ؛ إذ تبنَّى معظم أدبائنا العرب جميع المذاهب والتيارات الفلسفية الغربية الحديثة من كلاسيكية ورومانسية ورمزية وفُرويدية ووجودية وسريالية وبرناسية وبِنْيوية وواقعية بكل أنواعها وأشكالها كالواقعية الغربية والواقعية الماركسية والواقعية السحرية .. الخ . 
لقد أصبح أدبنا العربي – في بعضه – ملحداً ماركسياً , وفي بعضه الآخر جنسياً إباحياً , تظلله وثنية الإغريق وأساطيرهم لافتتان معظم الأدباء بالأدب الإغريقي , وانبهارهم بأساطيره , إضافة إلى تسليطهم الأضواء على جانب مُعْتِم في تاريخنا السياسي والأدبي , وذلك بإبراز الزنادقة الملحدين والماجنين والمتصوفين , ممن لهم انتماءات تنتهي إلى الحركات الباطنية والماسونية , وكأنَّ تراثنا لا يمثله إلا هؤلاء ! , ونتيجة لهذا فقد أدبنا العربي هويته الإسلامية , فالذين كتبوه مسلمون , ولكنهم تجردوا من إسلامهم وعقيدتهم حين دوَّنوه , مستجيبين لمقولة الدكتور طه حسين : “إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمناً وكافراً في وقت واحد , مؤمناً بضميره , وكافراً في عقله” ! . وهذه ازدواجية يرفضها العقل والمنطق ؛ لأنها تجمع بين نقيضين أو ضدين , والنقيضان والضدان لا يجتمعان , هذا أولاً , وثانياً لا يمكن فصل العقل عن الضمير , فإذا كان العقل كافراً كيف يكون الضمير مؤمناً ؟! . 
إن ما يكتبه الأديب – سواء أكان شعراً ونثراً – إنما يمثل عقيدته ؛ إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال فصْل عقيدته عن فكره وعن عطائه الفكري. 
هذا , ولما كان عطاء الأديب الفكري يعكس للمتلقي عقيدة هذا الأديب , فيتأثر به , ومن ثم يردد ما يقول , ويؤمن به , فتصبح عقيدته كعقيدة الأديب المتأثر به , فإنه من الضروري وضع مقياس لتقديم العطاء الفكري يوافق عقيدتنا نحن المسلمين , ويكون هذا المقياس هو الضابط الذي نضبط به درجة ما نأخذه من الآداب والثقافات والفلسفات الأخرى , فما يوافق منها عقيدتنا الإسلامية – ونظرة الإسلام إلى الإنسان والكون والحياة – نأخذه , وما يخالف ذلك نبعده , وبذلك نحمي أنفسنا من الوقوع في مزالق الكفر والإلحاد , فنحن لو فصلنا عقيدتنا الإسلامية عما نتلقاه – أو نفكر فيه , ونكتبه – فلن يكون هناك فارق بيننا وبين ماركس وإنغلز وسارتر وهيغل ونيتشه وفرويد وديكارت ودوركايم وليفي شتراوس ورولان بارت , بل نجمع بين هؤلاء جميعاً – على الرغم مما في فلسفاتهم من تناقض – ونعيش في فوضى فكرية وعقائدية كما هي حالنا الآن , أجل , فنحن نعيش الآن في فوضى فكرية وعقائدية ترتَّب عليها انعدام الأمن واختلال النظام في جميع شؤوننا المعاشية . 
إن كل ما في الكون يسير وفق نظام يضبطه ؛ فالكون له نواميسه وسُنَنه , فإذا ما حدث خلل في هذا النظام حدثت الزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات التي تدمر البيوت والمحاصيل , فيتساقط الألوف من القتلى أو الغرقى من جرائها , هذه الكوارث الطبيعية هي – بلا شك – تدمر وتهدم في لحظات ما بناه البشر في سنين . 
والفكر جزء من هذا الكون لا بد أن يكون هناك ضابط يضبطه , ويكبح جماحه ؛ لئلا يدمر صاحبه , ويدمر معه الآخرين , والضابط الذي يضبط الفكر هو العقيدة ؛ لذا نجد أن الصهيونية العالمية كانت وراء هذا الفوضى الفكرية والعقائدية التي تجتاح العالم ؛ لتقوض الأديان حتى يسهل عليها السيطرة على العالم . 
نشأة المذاهب الغربية
إنّ المذاهب الغربية التي نشأت في أوروبا – ابتداءً من الكلاسيكية والرومانسية إلى الفرويدية والرمزية والوجودية , والواقعية على اختلاف مسمياتها , والسريالية والبرناسية وغيرها – كان ظهور كل مذهب منها نتيجة للأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا , فهي تعبر عن عقيدة الإنسان الغربي وصراعاته النفسية والاجتماعية والفكرية , وما يعانيه من ضياع وخواء روحي , وهذا لا ينطبق علينا ؛ فهي لا تعبر عنا . 
إن ديننا ومعتقداتنا وتاريخنا وظروفنا الاجتماعية وأحوالنا النفسية تختلف كل الاختلاف عن الغرب ؛ فالغربيون يعانون خواءً روحياً ؛ لتعقُّد ديانتهم بسبب ما نالها من تحريف , ورجال الكنيسة فيها نصبوا أنفسهم وسطاء بين الناس وبين الله , فتمرد الناس على الدين , وقاوموه , وأصبحوا يرفضون كل ما هو ديني , وجاءوا باللادينية التي انبثقت منها جميع المذاهب المادية التي أنكرت وجود الله , ونظرت إلى الإنسان والحياة نظرة مادية بحتة , وغالت في تعظيم الإنسان والعلم , حتى وجدنا بعضها قد ألَّه الإنسان , وبعضها الآخر قد ألَّه العلم ! . 
ولكن ديننا الإسلامي لم تَنَلْهُ أيدي التحريف {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] , وهو دين سهل وواضح , الحلال فيه بيِّن والحرام فيه بين , ولا حاجة لنا فيه إلى وساطة تكون بيننا وبين خالقنا , بل نهى ديننا عن هذه الوساطة , وديننا الإسلامي دين مُصلح لكل زمان ومكان ؛ لذا نجده قد فتح باب الاجتهاد في المتغيرات دون المساس بالثوابت , فلماذا ننقم على الدين مثلهم ؟! , ونأخذ هذا الموقف المعادي منه أحياناً , المتخوف أحياناً أخرى ؟! , بل يصاب البعض منا “بأرتكاريا” كلما يُذكر الإسلام , ويرمز إلى كل ما هو إسلامي بالتخلف والرجعية , وكبت الحرية والإبداع !. 
تعالوا معاً نُطِلْ إطلالة سريعة على بعض هذه المذاهب ؛ لنعرف ظروف نشأتها , وموقفها من الله – جل شأنه – ومن الإنسان والكون والحياة , وهل هذه النظرة تتفق مع ديننا , وكيف تأثر بها كبار أدبائنا , وطُبع أدبهم بها ؟! . 
 -1الكلاسيكية 
الكلاسيكية – كما لا يخفَى عليكم – هي أقدم المدارس الأدبية الغربية , ولقد نشأت هذه المدرسة في فرنسا خلال المدة الواقعة بين عام 1630-1660م , والسبب في نشأتها أن كبار الأدباء الفرنسيين عندما قرأوا الآثار القديمة لقدماء اليونان والرومان – ووازنوا بينها وبين فنون الشعر الشعبي لأدباء القرون الوسطى – فبهرتهم روعة الآثار القديمة لهوميروس وأرسطو , وأرادوا أن يسيروا على منهج أرسطو , ومنهج أرسطو ينطلق من تصوره الوثني لله والإنسان والكون والحياة , وهو يختلف تماماً عن التصور الإسلامي ,      فهو يَدين بتعدد الآلهة , ويؤمن بالصراع القائم بينها من جهة , وبين الإنسان من جهة أخرى , ونحن نؤمن بإله واحد لا شريك له , فهو خالقنا {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ}[البقرة:255] , {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)}[الإخلاص] , {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى:11] , وعلاقة الخالق بالإنسان ليست علاقة صراع وعداء – كما هي في عقيدة الإغريق – وإنما هي علاقة محبة ورحمة وتكريم وتكليف وتمييز عن سائر مخلوقاته ؛ فلقد ميَّزه بالعقل (مناط التكليف) ؛ ولذا كلفه بأمانة الاستخلاف , وجعله خليفته في أرضه , وميَّزه بالإرادة والاختيار والتمييز بين الخير والشر {وَهَدَيْنَاهُ النَّجدَيْنِ} [البلد:10] , {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)}[الشمس] , وكرمه {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] , وقد أرسل له الرسل والأنبياء ؛ ليرشدوه طريق الخير والهداية , وسخر له كل ما في الكون من مخلوقات , وحثَّه على استغلال عقله ؛ ليُحسن استغلال ما سخر له في الكون , وبذلك استطاع أن ينشئ العلوم الحديثة , وبهذه العلوم استطاع الإنسان الوصول إلى ما أنجزه من اختراعات , إلا أن عليه أن يدرك أن هذا العقل – وجميع قوى الإنسان – هبة من الله (تعالى) , فلا يغتر بعقله , ولا يظن أن بعقله يستطيع أن يصل إلى كل شيء , فينفصل عن خالقه ؛ فهدف القرآن من التصور الإنساني هو التوازن في الطبيعة البشرية بين العقل والقلب , والروح والنفس والجسد , فالإنسان قوة من قُوى هذا الكون , ومن ثم فإن صلته بالله يجب أن تكون على أساس العبودية . 
  إنّ الكلاسيكية الإغريقية تتنافى تماماً مع عقيدتنا الإسلامية , بل تتنافى مع الأديان السماوية , حتى أن النصارى رفضوها عندما أعلن شاتوبريان – المتوفَّى سنة 1848م – رفضه للمذهب الكلاسيكي ؛ لأنه استقى أصوله من الأدب الإغريقي القائم على الوثنية , ودعا إلى صبْغ الأدب الرومانسي بالصبغة النصرانية , وألَّف لهذا الغرض كتاباً سماه “العبقرية المسيحية” , وقد استجاب لدعوته كثير من أنصار الرومانسية , فوجهوا آثارهم الأدبية وجهة نصرانية . 
وعلى الرغم من كل هذا نجد بعض أدبائنا أخذوا بها , بل فُتنوا بها , وأحيَوْا بعض الأساطير الإغريقية في آدابهم , والأكثر من هذا أن نجد لها أثراً على فكرهم , وفي مقدمة المفتونين بالعقلية الإغريقية وأساطيرها وفكرها الأستاذ “توفيق الحكيم” . 
أثر الكلاسيكية الإغريقية في فكر الأستاذ توفيق الحكيم 
عند دراستنا لمسرح الأستاذ توفيق الحكيم نجد أن للأسطورة مكاناً بارزاً في مسرحه ؛ إذ بلغ عدد مسرحياته الأسطورية خمس مسرحيات هي : إيزيس , الملك أُوديب , براكسا أو مشكلة الحكم , وشهر زاد , وبجماليون , التي تضمنت ثلاث أساطير . 
كما نجد أن موضوعات بعض مسرحياته مقتبَسة من أساطير إغريقية كمسرحية “السلطان الحائر” , التي اقتبسها من أسطورة “اختيار هرقليس” , ومسرحية “الطعام لكل فم” التي اقتبسها من الأسطورة الإغريقية القديمة التي صاغ منها إيخلولوس (524 – 456 ق.م.) ثلاثيته المشهورة الإرستيا , ونجده قد حشر الأسطورة اليابانية في مسرحية “أهل الكهف” , وقد اعترف الأستاذ “توفيق” بالأثر الإغريقي في هذه المسرحية , فقال – في مقدمة مسرحية “الملك أوديب” – : “كان الذي قصدته من وضع “أهل الكهف” هو إدخال عنصر التراجيديا في موضوع عربي إسلامي , التراجيديا بمعناها الإغريقي القديم الذي احتفظت به , الصراع بين الإنسان وبين قوة خفية هي فوق الإنسان” . 
هذا , ويلاحظ الأثر الإغريقي في كتابه “عصفور من الشرق” , إذْ أورد قصيدة الشاعر الإغريقي “أناكريون” في القرن السادس قبل الميلاد , وعُنوان القصيدة “إلى إيروس” . 
ولم يقتصر الأثر الإغريقي على الإعجاب بالأساطير الإغريقية وتطعيم أدبه بها ؛ إذ امتد إلى تأثيرها في فكره , ففي كتابه “التعادُلية” جعل مهمة الإنسان في الحياة محاربة القدرة الإلهية , فيقول في (ص56) – عن موقفه من حرية الإنسان – : “الإنسان – عندي – حر في اتجاهه , حتى تتدخل في أمره قوى خارجية , أسمِّيها أحياناً “القُوَى الإلهية” .. حرية الإرادة في الإنسان – عندي – إذن مقيدة , شأنها في ذلك شأن حرية الحركة في المادة” . 
ويقول – في (ص60) – : “قد حاولت تفسير موقفي من حرية الإنسان ووحدانيته فقلت في كتابي “فن الأدب” هذا الموقف من قضية العصر , وقد وقفته , وتأملته .. فالإنسان عندي ليس إله هذا العالم , وهو ليس حراً , ولكنه يعيش ويريد ويكافح داخل إطار الإرادة الإلهية .. هذه الإرادة التي تتجلى للإنسان أحياناً في صور غير منظورة من عوائق وقيود , على الإنسان أن يكافح لاجتيازها , والتغلب عليها” ! ثم يقول : “إن قضية العصر اليوم – وهي التي تقوم على حرية الإنسان , سواء باعتباره فرداً أو باعتباره جماعة – إنما تتحد وتتلاشى في أمر واحد هو إنكار الله , إنكار القوى غير المنظورة التي تؤثر في مصير الإنسان” , ثم يقول – في (ص62) – : “إن فكرة الشعور بالقوى الأخرى التي تواجه الإنسان – وتؤثر في إرادته وحريته – تدفع به في نهاية الأمر إلى أن يحشذ غرائز حربه ونشاطه وكفاحه لا ضد نفسه , بل ضد هذه العوائق المستترة وهذه القوى الخفية , فالشعور بعجز الإنسان أمام مصيره , وهو عندي حافز إلى الكفاح لا إلى التخاذل .. أهل الكهف كافحوا ضد الزمن , ولَبِثَ أحدهم متعلقاً بالحياة بتاريخ الزمن بسيف بتَّار هو القلب إلى آخر لحظة , وشهر زاد جاهدت محاوِلة أن ترد إلى الصواب زوجها الذي أراد أن ينبذ أرضه وآدميته , وأن تعيد إليه إيمانه ببشريته .. و”سليمان” جاهد ضد إغراء القدرة التي كادت تخرس صوت الحكمة ! .. وهكذا كان الإنسان – عندي – يجاهد دائماً ضد العوائق الخفية التي شعر بتأثيرها في حريته وإرادته ومصيره” ! . 
هذا بالحرف ما قاله الأستاذ توفيق الحكيم في كتابه “التعادلية” , وهو يعبر فيه عن عقيدة الإغريق في صراع الإنسان مع القوى الإلهية , وهنا ابتعد الأستاذ توفيق الحكيم عن التصور الإسلامي عندما جعل مهمة الإنسان في الحياة الدنيا هي محاربة القوى الإلهية ؛ فالله – سبحانه وتعالى – خلق الإنسان ليس لمحاربته , وإنما لعبادته : {وَمَا خلَقْتُ الجنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] ؛ فمهمة الإنسان العليا هي عبادة الله , وما يعترضه من عوائق وعقبات هي بمثابة امتحان وابتلاء على الصبر على طاعته والبعد عن معصيته , وقدرته على أداء أمانة الاستخلاف التي كلفه الله بها . 
ولكن الأستاذ توفيق الحكيم جعل للإنسان إرادة تعادل إرادة الله , وجعل مهمة الإنسان في الحياة هي محاربة ومكافحة الإرادة غير المنظورة , وهي الإرادة الإلهية ! , والغريب أن الأستاذ توفيق يقول – في مقدمته للملك أوديب – إنه قد أسلم هذه الأسطورة , ومن أسلمته لها أنه جعل أوديب يفقأ عينه حزناً على انتحار زوجه , عندما علم أنها أمه , فأراد أن تستمر حياته معها كزوج بعدما علم أنها كذلك , وكأن الإسلام يبيح الزواج من المـــحرمات ! . 
وقد يكون الأستاذ توفيق قد تأثر بالفيلسوف الملحد “نيتشه” , عندما ذكر أن القوى الخفية والقوى الإلهية تضع عوائق أمام الإنسان , عليه أن يجاهدها ويكافحها ويحارب ضدها , وهذا المعنى نجده عند “نيتشه” في حملته على فكرة “الألوهية” ؛ لكوْنها – في نظره – عقبة تحُول دون تأكيد الإنسان لذاته . 
هذا , ويظهر التأثير الوثني الإغريقي في فكر الأستاذ توفيق الحكيم في كتابه “راقصة المعبد” ؛ إذ يوجد نص يبين لنا هذا التأثير , فلنقرأ ما كتبه الأستاذ توفيق : “صرت على غير هدى في حانات باريس وملاهيها حتى الهزيع الأخير من الليل .. ولم أجرؤ على العودة إلى السكن قبل الساعة التي قدرت أن النوم يقهرني فيها قهراً , ودخلت , لعت ثيابي تواً .. وألقيت بجسمي على الفراش , غمضت عيني , استعنت بعزيمة ماضية على طلب النعاس , خيِّلَ إليَّ أني نجحت .. فلقد رحت في اغماءة عميقة .. ومضى وقت لست أدرى أهو دقيقة أم ساعة , وإذ أنا أنتفض انتفاضة أيقظتني , وكأنما شيء قد وخزني في قلبي , فقمت أصيح في جوف الظلام : يا إله الفن ! .. لماذا تفعل بي ذلك ؟! , لماذا تصنع بي ذلك دائماً” ! , ثم يقول : لماذا يا إله الفن يروق لك دائماً أن تجرح وتذل هذا القلب الذي هُيئ لخدمتك؟! , وغرقت في الصمت .. ولكن (إله الفن) مازالت تطن في أذني , كان لها حقيقة واقعة .. وطفقت أردد : إله الفن.. نعم , إنه – وحده – الذي أتوجه إليه مستجيراً من أثقال حياة , يقودها بالسلاسل في موكبه الحافل .. ونظرت أمامي في الظلام .. وقلت إنك في المعبد .. آه ! , لو ألقيتَ إليَّ نظرة من فوق عرشك” . 
ولعل هذا يفسر لنا أهداف الأستاذ توفيق الحكيم من أحاديثه الأربعة السابقة – بجريدة “الأهرام” – (إلى الله أو مع الله) ؛ فالتأثير الإغريقي الوثني باقٍ وظاهر في حواره مع الله , ويؤكد هذا النص الذي بين أيدينا . 
ولم يتوقف التأثير الإغريقي الوثني في فكر الأستاذ توفيق الحكيم عند هذا الحد ؛ إذ نجده قد جعل من الشيطان شهيداً , وذلك في قصة سمّاها “الشهيد” , وفيها يعلن إبليس رغبته في التوبة ! , فيذهب إلى البابا – في ليلة ميلاد المسيح – مبدياً رغبته في التوبة , فيرفض توبته , فيذهب إلى حاخام اليهود , ولكنه يرفض دخوله في اليهودية ؛ لأن اليهود ليس من عاداتهم دعوة الغير إلى دينهم , فيذهب إلى شيخ الأزهر , فيستقبله , ويصغى إلى قوله , ثم يقول له : إيمان الشيطان عمل طيب , ولكن إبليس .. ! , ويرفض شيخ الأزهر طلب إبليس , وعلل الأستاذ توفيق الحكيم رفضه بقوله : “وتأمل شيخ الأزهر العواقب” ! .. لو أسلم الشيطان فكيف يُتلى القرآن ؟! , هل يمضي الناس في قولهم “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” ؟! , لو تقرر إلغاء ذلك لاستتبع الأمر إلغاء أكثر آيات القرآن! .. فإن لعن الشيطان والتحذير من عمله ورجسه وسوسته يشغل من كتاب الله قدراً عظيماً , كيف يستطيع شيخ الأزهر أن يقبل إسلام الشيطان دون أن يمس بذلك كيان الإسلام كله؟!”. 
ويصور الحكيم حالة إبليس بأنه توَّاق “للخير والإيمان” , وصعد إلى جبريل – عليه السلام – طالباً منه التوبة , ولكنه حرَّمها عليه .. وختم قصته بقول إبليس : “إني شهيد .. إني شهيد” ! , وهذه القصة تتنافى مع ما جاء في قوله – تعالى – في سورة “ص” : {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجدَ لِمَا خلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خيْرٌ مِّنْهُ خلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخرُج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لأَمْلأَنَّ جهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجمَعِينَ(85)} . 
وتأثير الكلاسيكية الإغريقية لا ينحصر في الأستاذ توفيق الحكيم , وإنما امتد إلى صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأدونيس وغيرهم . 
فمثلاً يقول صلاح عبد الصبور في قصيدة “الناس في بلادي” : 
الشيطان خالقنا ليجرح قدرة الله العظيم ويقول – في نفس القصيدة – : “كم أنت قاسٍ موحش أيها الإله” ! . 
ويقول – في قصيدة سماها “الإله الصغير” ! -: ذات يوم كنت أرتاد الصحاري كنت وحدي حيـث أبصـرت إلهي أسمـر الجبهة وردي ! ورقصنا – وإلهـي – للضحـى خداً .. لخدِّ ! ثــم قمنــــا – وإلهــي – بيـــن أمــواج وود ! وإلهــي كــان طفــلاً , وأنا طفــلاً عبدتــه ! 
أما أمل دنقل فأعلن أنه في خصومة مع الله , فيقول : “خصومة قلبي مع الله , وليس سواه” , كما مجد العصاة والكافرين بالله ؛ لأنهم عصوا أمر الله مثل ابن نوح ومثل الشيطان , فيقول – في قصيدة “كلمات سبارتكوس الأخيرة” – : المجــــد للشيطــــان معبــــود الريــــاح مَن قال “لا” في وجه مَن قالوا “نعم” مَن علــم الإنســــان تمزيــــق العـــدم مَـــن قــــــــــال “لا” فلــــــم يَمُـــــــتْ وظــــــــل روحـــــــاً أبديـــــة الألـــــــم 
أما أدونيس – وهو علي أحمد سعيد , الذي سمَّى نفسه “أدونيس” , وهو يمثل “تَموز” الإله القديم الذي انطلق ما بين النهرين من بابل وآشور , وقد دعاه الإغريق والفينيقيون “أدونيس” – فيقول أدونيس – في قصيدة “الإله الميت” ! – : “وبدلت إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة بإله ميت” . 
ويقول – في قصيدة “موت” – : نمــــوت إن لـــم نخلـــق الآلهــة ! نمــــوت إن لـــم نقتـــل الآلــهة ! يا ملكـــوت الصخــــرة التائهــــــة 
ويقول – في قصيدة “هذا هو اسمي” -: طفل يشب وللأرض إله أعمى يموت ! 
ويقول : ورأيت الله كالشحــــاذ في أرض عـــلي ! 
ويقول : سقـــــــط الخالــــــــــــق في تابــــوتــــه سقـــــوط المخلــــــــــوق في تابوتــــــه ! 
هذه نماذج من أثر الوثنية الإغريقية في فكر بعض أدبائنا , وكما رأينا فإن أدبهم يقطر بالوثنية , مع أنهم مسلمون مؤمنون بالله (!!!) , باستثناء أدونيس الذي أعلن أنه “علماني” . 
فهؤلاء وغيرهم يكتبون وفق المذهب البرناسي “الفن للفن” , الذي يرجع – في أصوله البعيدة – إلى ما دعا إليه “أرسطو” من وجوب استبعاد الأخلاق من الشعر , وكذلك الإرشاد والتوجيه , فكما رأينا أن منهم مَن مجد الشيطان وجمَّل صورته , وجعله شهيداً مظلوماً , بل صرح بعضهم أنه الخالق , هؤلاء الأدباء يُعَدون من رموزنا الأدبية , فإن عبد بعض أبنائنا “الشيطان” فلِمَ لا نستبعد أن ذلك من أثر ما قرأوه لتوفيق الحكيم وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وغيرهم , إلى جانب العوامل الأخرى ؟!. 
2 – الرمزية : 
لقد انبثقت الرمزية عن نظرية “المُثُل” عند أفلاطون , وهي نظرية تقوم على فكرتين أساسيتين: 
أولاهما : إنكار الحقائق المحسوسة التي لا تزيد عن كوْنها صوراً ترمز إلى حقائق مثالية بعيدة عن عالمنا المحسوس . 
وثانيتهما : أن عقل الإنسان الظاهر الواعي عقل محدود , وأن الإنسان يملك عقلاً باطناً غير واضح , أرحب من ذلك وأحفل بعشرات المرات . 
ولقد آمن الرمزيون بهذه النظرية , ونادَوْا بأن العالم الخارجي الواقعي ليس جديراً بأن يكون مجالاً للشعر على الإطلاق , وأن العقل الواعي غير صالح ؛ لأن يكون مقوماً لهذا الشعر , وحَكماً عليه , ولقد تأثر المذهب الرمزي – إلى حد كبير – بالفيلسوف الفرنسي هنري برجسون , وبالطبيب اليهودي النمساوي سيجموند فرويد , اللذين تحدثا عن العقل الباطن , وقد نادى الرمزيون بنظرية إدراك الأشياء من خلال الحواس الخمس , وقالوا إن الألوان والروائح والأصوات تتداخل وتتجاوب وتتعاون , وبذلك تستطيع الحواس أن تولِّد عند الإنسان وقْعاً نفسياً موحداً . 
وقد أدخل بعض الأدباء الإنكليز ضرباً من التجديد , حيث صبغوها بالصبغة الصوفية المنتشرة عندهم , وطفق شعراؤهم يحوِّلون الشعر الرمزي إلى صلاة خاشعة , تنتشي بها النفوس الهائمة . وقد أدت هذه المدرسة الإنكليزية إلى ظهور الكثير من المدارس المنبثقة عن الرمزية , وذلك كالسريالية والتجريدية والتعبيرية . 
والسريالية قائمة على غياب العقل وعالم اللاوعي , والتخلص من قيود المنطق المعتادة والعلاقات السببية في التفكير والتعبير , وقد اعتبرت – ضمن وظيفتها الكبرى – التخلص من كل ما يعوق الحرية المطلقة , ويكبح جماح التلقائية في التعبير والإبداع الفنيين , وقد أسسها أندريه بريتون (1896-1966م) . 
الرمزية والسريالية تحت مجهر التصور الإسلامي 
عند عرض هذين المذهبين على التصور الإسلامي نجد أنهما قد اختلفا في نظرتيهما إلى الإنسان ؛ إذ ألغيا عقل الإنسان الواعي , بينما نجد الإنسان في التصور الإسلامي مميزاً عن سائر المخلوقات بالعقل , والعقل مناط التكليف , التكليف بأمانة الاستخلاف , فإذا ما ألغينا العقل عند الإنسان يعني هذا أننا أسقطنا عنه التكليف بأمانة الاستخلاف , وبإسقاط التكليف عن الإنسان نلغي كل النظم الاجتماعية التي تحقق للإنسان القيام بمهامها , وفي مقدمتها النظام الأسرى , والسرياليون اعتبروا النظام الأسري والنظم الاجتماعية تعوق الإبداع , وتقف حجر عثرة في طريق المبدعين . 
إن إسقاط التكليف عن الإنسان يجعله هو والحيوان سواء , يعيش في إباحية مطلقة , وقد حدد القرآن الكريم موقفه من عالم “اللاوعي” – في سورة الشعراء – إذ يقول (جل شأنه) : {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(227)} , الغاوون هم الهائمون مع الهوى , لا منهج لهم ولا هدف , وكل من الشعراء وأتباعهم يهيمون في كل وادٍ من وديان الشعور والتصور والقول دون أن يلتزموا بتصور ثابت يخضعون له , وبما أنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم , ومشاعر يفضلونها على واقع الحياة الذي يعيشون – فهم يقولون ما لا يفعلون ؛ لأنهم يعيشون في عوالم موهومة , وهم بهذا خرجوا عن منهج الإسلام ؛ لأن الإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع , ولا يهربوا منها إلى الخيال الموهوم , وقد وصف الله – عز وجل – هذا الصنف من الشعراء بالظالمين . 
أثر الرمزية في الأدب العربي 
لقد تأثر كثير من الأدباء بالرمزية , وبعضهم أسرف في استخدامها ؛ لدرجة أنك تشك في ذكائك ومقدرتك على الفهم , وهناك من الأدباء مَن استخدم الرمزية للرمز إلى الله – جل شأنه – وإلى الأنبياء والرسل , ونرى هذا واضحاً في أدب الأستاذ نجيب محفوظ . 
الرمزية في أدب الأستاذ نجيب محفوظ 
عند قراءتنا لأدب الأستاذ نجيب محفوظ نجده قد تأثر بالرمزية وبفلسفة هنري برجسون وبالواقعية الاشتراكية والفرويدية والوجودية . ومادمنا بصدد الحديث عن الرمزية فسأتوقف عندها . 
من المآخذ التي يؤاخذ عليها الأستاذ نجيب محفوظ أنه رمز – في بعض قصصه – إلى الله بالأب , وسأتوقف عند كتاب جورج طرابيشي “الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية” , واخترت هذا الكتاب بذاته ؛ لأن الأستاذ نجيب محفوظ أقر المؤلف على ما كتبه من تفسيرات لأعماله الرمزية , وذلك في رسالة بعثها له , ونُشرت في الغلاف الخلفي للكتاب , يقول فيها الأديب نجيب محفوظ للمؤلف : “بصراحة .. أعترف لك بصدق بصيرتك وقوة استدلالك , ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها”. 
وهذا يعني أن جميع تفسيرات المؤلف يوافقه عليها الأستاذ نجيب محفوظ . 
ويصحبنا جورج طرابيشي في هذه الرحلة إلى “أولاد حارتنا” , و”زعبلاوي” , و”الطريق” , و”الشحاذ” و”ثرثرة فوق النيل” , و”حارة العشاق” , و”حكاية بلا بداية ولا نهاية” ؛ ليبين لنا – من خلال هذه الروايات والقصص – أبعاد الرمزية عند الأستاذ نجيب محفوظ , وأنه رمز فيها إلى الله “بالأب” , وقد بيَّن جورج طرابيشي ما يرمز إليه الأستاذ نجيب محفوظ في شخصيات “أولاد حارتنا” , حيث إن الأستاذ نجيب محفوظ رمز إلى الله بجبلاوي ! {تعالى الله عما يقول علواً كبيراً} , واشتق اسم جبلاوي من (جبَلَ) , أي خلَقَ , ورمز إلى “إبليس” بإدريس ابن جبلاوي من زوجه الحرة , ويرمز إلى أبينا آدم “بأدهم” ابن جبلاوي من زوجه “الأَمَة” , أما أمنا “حواء” فرمز إليها “بأميمة” – وهو تصغير لأم – وأميمة هذه “أَمَة” أيضاً , ورمز إلى الجنة بحديقة بيت جبلاوي , ورمز إلى أنبياء الديانات السماوية الثلاث (اليهودية والنصرانية والإسلام) , فرمز إلى سيدنا موسى – عليه السلام – بجبل , وسماه “جبل” ؛ لأن الله كلَّمه عند جبل سيناء , ورمز إلى سيدنا عيسى – عليه السلام – “برفاعة” , وسماه “رفاعة” ؛ لأن الله رفعه إلى السماء , أما سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – فرمز إليه “بقاسم” , وسماه قاسماً ؛ لأنه يكنّى – عليه الصلاة والسلام – بأبي القاسم ! . 
تطرق الأستاذ نجيب محفوظ إلى الخالق – جل شأنه – من خلال قصصه
مما سبق يتضح لنا أن الأستاذ نجيب محفوظ رمز إلى الخالق – جل شأنه – بالأب , جاعلاً له الزوجة والابن , وهي نظرة مضادة للإسلام ؛ فالله – جل شأنه – {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] , وقد نهى – جل شأنه – نهياً صريحاً عن تشبيهه بخلقه , فقال : {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ}[النحل:74] . 
إنّ معرفة الله – في التصور الإسلامي – تتطلب الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه , وبما وصفه به رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – بدون تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل , فلا يمثل بصفات خلقه ؛ لأنه – سبحانه وتعالى – لا سَمِيَّ له , ولا كفؤ له , ولا نِدَّ له , ولا يقاس بخلقه , فالرمز إلى الله “بالإنسان” مضاد تماماً للنظرة الإسلامية إلى الخالق – جل شأنه – وتشبيهه “بالأب” منافٍ أيضاً لما جاء في قوله – تعالى – : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)}[الإخلاص] , وقوله – جل شأنه – في سورة الأنعام [101] {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} , وقوله – تعالى – في سورة الجن [3] {وَأَنَّهُ تَعَالَى جدُّ رَبِّنَا مَا اتَخذَ صَاحِبَةً وَلا ولَداً} . 
وكما يبدو فإن الأستاذ “نجيب محفوظ” قد تأثر بالنظرة النصرانية المحرفة إلى الخالق – جل شأنه – التي تقول بالثالوث : الآب والابن والروح القدس . 
ننتقل إلى مذهبين آخرين هما : الفرويدية والوجودية . 
-3  الفرويدية 
   نسبة إلى اليهودي النمساوى “سيجموند فرويد” الذي وُلد عام 1856 , ولقد عمل طبيباً للأمراض الباطنية وباحثاً في علم الأعصاب , وفي حوالي عام 1890م بدأ فرويد يمارس طريقة الطبيب النمساوي صديقه جوزيف بردير في العلاج القائم على استعمال الكلام وحده , ونشر – بالاشتراك معه عام 1895م – “دراسات حول الهستيريا” , ومن مؤلَّفاته أيضاً مشروع علم نفس علمي , وعلم النفس المَرَضي للحياة اليومية , النكتة وعلاقتها باللاوعي , وثلاث محاولات في النظرية الجنسية , ودروس في التحليل النفسي , والتحليل النفسي للهستيريا , والكف والعرض والحصر . 
ولقد أخذ فرويد عن “داروين” حيوانية الإنسان , واعتبر أن الحياة النفسية للإنسانية ليست حيوانية فحسب , ولكنها تنبع من جانب واحد من جوانب الحيوان هو الجنس المسيطر على كل أفعال الإنسان , أي جعل غرائزه هي التي تحكمه وتسيطر على كل نشاطه , والجانب المسمى “الروح” لا وجود له على الإطلاق ! , وهنا يلتقي مع “ماركس” التقاءً كاملاً في تصور النفس الإنسانية ؛ لذا نجد أن الشيوعية قد أيدت نظريات “فرويد” النفسية ؛ فهي أكثر خطراً من “الإباحية” التي دعا إليها “البيان الشيوعي” ؛ فقد قال فرويد – في حزم وتأكيد – : “إن الإنسان لا يحقق ذاته بغير الإشباع الجنسي , وكل قيد يقيده من دين أو خلق أو مجتمع أو تقاليد – إنما هو قيد باطل غير مشروع , وهو – في الوقت ذاته – مدمر لطاقات الإنسان” . 
والصهيونية العالمية رأت في نظريات فرويد والبيان الشيوعي بُغيتها لإطلاق الغرائز لهدم الأخلاق , وانهيار القواعد والقيم الدينية , واضمحلال الشعوب ؛ ليسهل لهم السيطرة على العالم , فقد جاء – في بروتوكولات صهيون – ما نصه : “يجب علينا أن نعمل على انهيار الأخلاق في كل مكان , فتسهل سيطرتنا على العالم , إن فرويد منا , وسيظل يعري الإنسان , ويعرض علاقته الجنسية في ضوء الشمس ؛ حتى لا يبقي – في نظر الشباب – شيء مقدس , ولا يبقى لدى الشابات أمر يستحيين من إتيانه , ويصبح هَمّ النساء والرجال آنذاك إرواء الغريزة الجنسية , وحينئذ تنهار الأخلاق” ! . 
وعند عرضنا لهذه النظرية على التطور النفسي نجد الآتي : 
أولاً : عدم توافُقها مع قوة الدوافع الأولية للسلوك الإنساني تماماً , ويُقصد بالدوافع الأولية “تلك الدوافع التي لم يكتسبها الفرد من بيئته عن طريق الخبرة والمران والتعليم , وإنما هي عبارة عن استعداد يُولَد الفرد مزوَّداً به ؛ ولهذا فهي تسمى – أحياناً – بالدوافع الفطرية , وهذا النوع من الدوافع يعتمد – في إثارته – على الحالات الجسمانية الداخلية . 
فالأغراض التي تتطلب الدوافع الأولية تحقيقها تتفاوت من حيث ضرورتها لحفظ حياة الفرد , ومن حيث قدرته على الاصطبار عليها ؛ فالجوع والعطش – اللذان يعتبران من الظواهر العضوية والفطرية , واللذان يعدان من أبرز العوامل في الدفاع عن حياة الإنسان – نجد أنهما يتطلبان غرضاً لا يستطيع شخص ما أن يعيش بدونه , ولا أن يصطبر عليه مدة طويلة . 
ولو قارنَّا ذلك بالميل الجنسي لوجدناه أقل أهمية بالنسبة للفرد , وحياته لا تتوقف على تحقيقه , كما أنه يستطيع أن يصبر عليه مدة طويلة , فالإنسان يستطيع أن يعيش طوال حياته بلا زواج , ولكنه لا يستطيع أن يعيش بلا ماء ولا طعام , ولا لعدة أيام . 
ثانياً : لقد انحطَّ فرويد بالإنسان , وجعله مرتبة دون الحيوان , ففي الوقت الذي جعل الدافع الجنسي هو الذي يحرك سلوك الإنسان , وأنه يأتي في مقدمة الدوافع الفطرية – أثبتت التجارب أن الدافع الجنسي يأتي في المرتبة الرابعة بالنسبة للحيوان , يتقدمها دافع الأمومة بنسبة 22.8% , ثم العطش بنسبة 20.4 , ثم الجوع بنسبة 18.2% , وأخيراً الدافع الجنسي بنسبة 13.8% ! . 
ثالثاً : لقد خالف فرويد قواعد وأصول البحث العلمي عندما استند على أسطورة في نظريته وهي أسطورة “أوديب” . 
رابعاً : من الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها فرويد أنه لم يراعِ أن نظريته تتحدد بحدود الثقافة التي عاش فيها ؛ فلقد استخلص فرويد نظريته من معالجة أفراد من الطبقة المتوسطة في مدينة فيينا , كانت هذه الطبقة تتعرض لعوامل الكبت الجنسي وأنواع المحرمات الاجتماعية بالنسبة للعلاقة بين الجنسين , فهم ليسوا بأسوياء , وفيهم ما فيهم من عُقد نفسية جعلت همهم الأكبر والدافع الأول لسلوكياتهم هو الدافع الجنسي . 
هذا نقد نظرية فرويد من المنظور النفسي فماذا عن نقدها من المنظور الإسلامي ؟! . 
إن هذه النظرية – كما رأينا – أهملت الجانب الروحي في الإنسان , وركزت على أنه جسد فقط , والإنسان – في التصور الإسلامي – جسد وروح : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجدِينَ(29)} [الحِجر] , وقد وازن الإسلام بين المادة والروح , فلا يبخس للجسد حقاً ليوفي حقوق الروح فيحرم المباح , ولا يبخس للروح حقاً ليوفي حقوق الجسد فيبيح المحرمات , ويتضح هذا التوازن من قوله – تعالى – : {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} [القصص:77] , وقوله – تعالى – : {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)}[المائدة] , وهنا تتجلى لنا معجزة الإسلام في تحقيق هذا التوازن ؛ فالإنسان – في التصور الإسلامي – موفق بين النواحي المادية والروحية والحاجات النفسية . 
فالإسلام لم يغفل عما يُحدِثه التجاذب الفطري بين الجنسين من مشاعر وخواطر وأفكار وسلوك , والإسلام لا ينكر الجنس , وما يدور حوله من مشاعر وأفكار ؛ لأن منهجه – الذي يسير عليه في معالجة النفس الإنسانية – هو الاعتراف بالطاقة البشرية كلها . فالإسلام عمل على تهذيب التجاذب الفطري بين الجنسين بالزواج ؛ لتكون هذه العلاقة علاقة نظيفة وفي النور , لا مستقذَرة ولا مختلَسة في الظلام , ومشاعر الجنس – ككل شيء في حياة الإنسان – تحكمها الأخلاق الإسلامية ؛ فالإسلام لا يسير على نهج خاص في المسائل الجنسية , وعلى نهج آخر في بقية الأمور , وإنما هو نهج واحد هو الجمال , جمال الأداء وجمال الإحسان , وجمال الفكر يعني الإحسان , يعني النظافة ؛ فلقد كتب الله الإحسان على كل شيء حتى الذبيحة : “وإذا ذبحتم فأحسِنُوا الذِّبْحَة , وليُحِدّ أحدُكم شَفرتَه , وليُرِحْ ذبيحته” . 
فإذا كان الإحسان مطلوباً في الذبيحة فمن باب أَوْلَى أن يكون الإحسان مطلوباً في الجنس , وإحسان الجنس أن يكون حلالاً نظيفاً , ونظافة الجنس لا تكون إلا بالحلال : {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)}[المؤمنون] . 
وهكذا نجد كيف وازن الإسلام بين رغبات الجسد ومتطلبات الروح , وكيف هذب العواطف والغرائز الإنسانية , ولم يكبتها , بل وضع لها الضوابط ؛ لتسير في المسار الآدمي الإنساني الذي يميزها عن السلوك البهيمي الحيواني . 
وقبل أن أتحدث عن أثر الفرويدية في الأدب العربي أتحدث عن الوجودية ؛ لأن هذين المذهبين متلازمان , كل منهما يكمل الآخر , والأديب الذي أخذ بالفرويدية أخذ – أيضاً – بالوجودية , فهذان المذهبان يسيران في خط واحد , وهما من أخطر المذاهب على الدين والقيم والأخلاق . 
4 – الوجودية 
في العِقْد الثالث من القرن العشرين ظهرت الوجودية الملحدة على يد “جان بول سارتر” الفرنسي الذي نادى بها في كتابه “الوجود والعدم” سنة 1934 , وهي مذهب فلسفي أوروبي يُقصر وجود الإنسان على الحقيقة اليقينية الوحيدة التي نادى بها “ديكارت” , وهي تقول : “أنا أفكر فإذاً أنا موجود” , وبذلك ينحصر الوجود اليقيني للإنسان في تفكيره الذاتي الذي لا يوجد شيء سابق له أو خارج عليه . 
    وعلى هذا فإنه لا يوجد عند الإنسان إله يُعبد , كما لا توجد عنده مُثُل متوارَثة أو قيم أخلاقية لها صفة اليقين , وأن كل ما يتناقله الناس ويتوارثونه ما هو إلا تراث بالٍ , على الإنسانية أن تتخلص منه , وتتحرر من قيوده ؛ لينطلق الإنسان في الحياة حراً قادراً على أن يحقق ذاته , ويمارس وجوده , ويغدو سيد نفسه , وبناءً على ذلك فإن الوجوديين – وعلى رأسهم سارتر – ينكرون وجود الله (سبحانه) , ويقولون بأن “الإله” خرافة ضارة !! , وتقوم وجودية سارتر على العبثية , ويقول عن الخلق إنه “موجود يُولد بدون سبب , ويستمر بالضعف , ويموت بالصدفة” , ويقول – في كتابه “الكينونة والعدم” – : “الكينونة هي بدون سبب ولا علة ولا ضرورة” . 
كما تقوم وجودية سارتر على الحرية , وهي – حسب تعبيره – : “مورد القيمة الأوحد , ولا يمكن أن يكون لها هدف غير أن تريد ذاتها , تريد الحرية للحرية” , فهي تطلق حرية الإنسان دونما ضوابط , مما جعلها لا تعترف بالأخلاقيات الدينية والقيم . 
وتقوم وجودية سارتر – أيضاً – على المسئولية والالتزام , ونتج عن ذلك ثلاث مشكلات : القلق والُهجران واليأس , فالقلق أمر طبَعي بالنسبة للإنسان , ولا يستند – في حياته ومشكلاته – إلى الله , يرجع إليه , ويعتمد عليه , ويؤمن بقضائه , وقد يترك له التصرف في شئونه , ولا يَدين بضرب من ضروب القيم الأخلاقية والسلوكية التي ورثها عن آبائه وأجداده . 
أما الهُجران فهو ناجم عن إحساسه بأنه وحيد لا عون له غير نفسه , ولا سند يعتمد عليه سوى ذاته , وأن عليه أن يتحمل بسبب ذلك أفدح المسؤوليات , وأن ينقذ نفسه من الغرق , واليأس نتيجة طبيعة للقلق والهجران , وأثر حتمي من آثارهما , وهكذا نجد وجودية سارتر الملحدة قد حكمت على الإنسان بوجود عبثي , مما أدى بالوجوديين إلى طرح هذا السؤال : هل الوجودية تقتضي الحكمة التخلص من الوجود عن طريق الانتحار ؟! . 
الوجودية تحت مِجهر التصور الإسلامي 
عند وضعنا للوجودية تحت مجهر التصور الإسلامي تجدها قد خالفته في : 
1- نظرتها إلى الخالق – جل شانه – إذ أنكرت الوجودية الملحدة وجود الله , وهنا خالفت التصور الإسلامي تمام المخالفة ؛ فالله خالق الكون وما فيه من مخلوقات وكائنات , وأدلة وجوده لا تعد ولا تحصى , وحسب المرء أن ينظر إلى نفسه {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}[الذاريات:21]. 
فالوجودية قد قامت على أسس باطلة ؛ لأنها أنكرت وجود الله , وما قام على باطل فهو باطل ؛ لذا تجدها تسعى إلى تهدم الإنسان بإشاعة الإباحية والإلحاد واليأس من الحياة والهروب منه بالانتحار , بينما تسعى التربية الإسلامية إلى بناء الإنسان بناءً متوازناً متكاملاً , يشمل الروح والعقل والفكر والجسد , بناءاً قوامه الإيمان بالله والخوف منه ومراقبته طمعاً في ثوابه وخوفاً من عقابه , وحباً له ورغبة في رضاه . 
2- خالفت الوجودية الإسلام في قولها بعبثية الخلق ؛ إذ حدد الإسلام الغاية العليا من خلق الإنسان , وهي عبادة الله {وَمَا خلَقْتُ الجنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] . 
وقد حمَّله الله أمانة الاستخلاف , ولم يخلق الله الخلق عبثاً : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجعُونَ} [المؤمنون:115] . 
3- لقد اهتمت الوجودية الملحدة بالفرد , وأهملت المجتمع , في حين نجد أن الإسلام قد وازن بين الفرد والمجتمع , فلم يطغَ المجتمع على الفرد , وفي الوقت نفسه لم ينزوِ الفرد تحت طغيان المجتمع. 
4- اهتمامها بقضية الموت وقضية التناقض الداخلي (واقعيته وفرديته) على أساس أن الإنسان سوف يموت , ولا بد من إعداده للموت , ولكنها لم تضع ملامح هذا الإعداد , بل اكتفت بإظهار خيبة أملها فيما فعل الإنسان بنفسه ! . 
أما الإسلام فقد جاء كعنصر ساحق لآلام الإنسان , وكتغيير نفسي عظيم , حقق له توحُّده الذاتي , وشيّد أمامه أروع أمل في الخلود المطلق في النعيم ؛ لذا فإن الموت في حياة الإنسان المسلم له هدفه ووظيفته , وعليه فإن موقف القرآن الكريم يتسم – دائماً – بالمعالجة المتوازنة فكرياً ونفسياً , دونما طغيان قيمة على قيمة , أما الإنسان المسلم فيملك أن يصنع أشياء كثيرة , وأن ينشىء أحداثاً ضخمة , وأن يؤثر ويتأثر بما يملك , ويحس الوجود في الماضي , والاستقرار في الحاضر , والامتداد في الآتي , وإنه لقادر – إذن – على مواجهة الحياة والأحداث , وعلى هذا فإن التربية الإسلامية القرآنية تسعى إلى ما يريد الإسلام تحقيقه للإنسان المسلم؛ إذ تهتم بالفرد المسلم الذي يؤمن بالعلم , ويشجعه , إلا أنه – قبل كل شيء – إنسان عابد صالح , مهمته العليا عبادة الله , ومكلف بأمانة الاستخلاف , ولم يُخلق عبثاً . 
5- إطلاقها حرية الإنسان دونما ضوابط , مما جعلها لا تعترف بالأخلاقيات الدينية ولا بالقيم ؛ إذ اعتبرت الحرية المطلقة هي أساس القيم , وشيء يدفع الإنسان إلى اعتناق أي قيمة أخرى . 
أما التربوية الإسلامية القرآنية فقد منحت الإنسان حرية كاملة , ووضعت لها ضوابط حرصاً على كيان المجتمع , وتنحصر هذه الضوابط في ثلاثة أمور هي : حفظ الأعراض , والأموال , والأنفس , وهذه الأمور هي أساس القيم في التربية القرآنية , فعندما تتمكن هذه التعاليم من نفس الفرد ومشاعره تصبح بمثابة ضابط خلقي يحكم المرء نفسه – إذا ما أقدم عليه – عندما يقف أمام أمور مشتبهات . 
أثر الفرويدية والوجودية الملحدة في الأدب العربي المعاصر 
لقد ظهرت الفرويدية والوجودية الملحدة في أدب بعض الأدباء العرب مثل الأساتذة نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس والدكتور يوسف إدريس والدكتورة نوال السعداوي وغادة السمان وغيرهم , وكذلك نجد هذين المنهجين في شعر أدونيس ونزار قباني وغيرهما . 
أثر الفرويدية والوجودية في أدب الأستاذ إحسان عبد القدوس 
يغلب على قصص الأستاذ إحسان عبد القدوس الفرويدية والوجودية , فمن خلال دراستي لاثنتين وخمسين قصة ورواية للأستاذ إحسان عبد القدوس , وجدت أنه ركز على الغريزة الجنسية , لدرجة أنه جعل سلوك شخوص قصصه – رجالاً ونساءً , فتياناً وفتيات – يدور في فلك الغريزة الجنسية , لا أسرة ولا زواج ولا احترام لرباط الزوجية , ولا أمومة ولا أبوة ولا بنوة ولا أخوة ولا عمل ولا سعي على طلب الرزق , ولا دين ولا عبادة ولا صوم ولا صلاة ولا قيم ولا أخلاق ولا مبادئ , شيوعية وإباحية وحرية مطلقة وتحلُّل وانحلال , و”الرجل” – في معظم قصص الأستاذ “إحسان” – لا يقدس الحياة الزوجية , ولا يحترمها ؛ فالخيانة تجري في عروقه مجرى الدم , ولا يوجد رجل – في قصص الأستاذ إحسان – إلا وله وكر يمارس فيه شهواته ونزواته , باستثناء شريف الهنداوي (اليهودي الديانة) , فلم يحدثنا الأستاذ إحسان عن أي خيانة له , بل لم يجعل له وكراً يصطاد فيه النساء كما جعل ذاك الوكر لأبطال قصص من المسلمين , الرجل – في قصص الأستاذ إحسان عبد القدوس – وحش كاسر يفترس النساء والفتيات والصغيرات والأرامل والمطلقات والحوامل والعذارى!. 
الأستاذ إحسان عبد القدوس والعبثية السارترية
لقد تغلغلت الوجودية السارترية في فكر الأستاذ إحسان ؛ فلم يكتفِ بالحرية المطلقة , وما ينجم عنها من قلق وجبرية حرية الإرادة , وإنما امتدت إلى العبثية , فتسرب اليأس والوهم والشك والسأم والضجر والهروب والضياع إلى نفوس أبطال وبطلات قصصه , فها هو الحائر بين الحلال والحرام يقع مريضاً فريسة للشك , وآخرون يعجزون عن مواجهة مشاكل الحياة , فيلجأون إلى الخمر والحشيش , وإذا تمكن اليأس منهم لجأوا إلى الانتحار – كما في قصة “الله محبة” ! – وقصة انتحار صاحب الشقة وانتحار الصبي الصغير في الطريق المسدود , ومحاولات عديدة الانتحار في “أيام الحلال والحرام” , والأمثلة كثيرة لا حصر لها. 
كما أنه ألغى الغاية من خلق الله للإنسان وهي عبادته – جل شأنه – إذ استبدل بعبادة الله عبادة الجسد , فجعل الرجل وكأنه خلق للمتعة الجسدية , وقال بعبثية الخلق ؛ فالإنسان لا عمل له ولا نشاط , فمادام سيموت فلماذا يعمل ويجهد ويكافح؟! , إذن في الخمر والجنس , وإذا ما واجهته المشاكل أو اعترضت طريقه العقبات لتحقيق ملذاته فلينتحر ! . 
أما الدين وعبادة الله واللجوء إليه وخلافة الإنسان لله في الأرض فهذه لا وجود لها في قصص الأستاذ إحسان . 
وبعد .. فهذه بعض المذاهب وأثرها في أدبنا العربي , وكما رأيتم – من النصوص الأدبية التي قدمتها لكبار أدبائنا – تمثل الفوضى العقائدية والفكرية التي يعيشها أدبنا العربي , فهو خليط من الوثنية الإغريقية والنصرانية والفرويدية والوجودية والماركسية , إنه يمثل المذاهب القائم عليها , ولا يمثل ديننا وقيمنا ومُثلنا , وكما رأيتم أن تلك المذاهب قامت على تحديد علاقة الإنسان بالله . كما قامت على علاقة الإنسان بالكون والحياة وعلاقة الله بالكون والحياة , وعلى نظرتها للإنسان بتركيزها على جانبه المادي وإهمال جانبه الروحي , ومادامت هذه المذاهب قد قامت على أساس “الدين” فلا بد أن نناقشتها من المنظور الديني . 
وما دمنا مسلمين – نؤمن بالإسلام ديناً وعقيدةً – فلا بد أن يكون المنظور الديني الذي نُقوِّم به هذه المذاهب والأدب القائم عليها هو “المنظور الإسلامي” . 
……………………..
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المنار الجديد التي تصدر بالتعاون مع التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية ،العدد (12)في عام 2003م 

Join the discussion