ندوات ومحاضرات

فلسفة تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة

By 4 weeks agoNo Comments

المنتدى العالمية للوسطية فعاليات منتدى الوسطية للمؤتمر الدولي الخامس “قضايا المرأة في المجتمعات الإسلامية وتحديات العصر” 25 -26/7/2009م محاضرة فلسفة تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة إعداد                              د. سهيلة زين العابدين حمَّاد              أُلقيت في العاصمة الأردنية في 26\7\2009م                        (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لعلكم تتَذّكَّرُون)     هذه الآية الكريمة  تقرر أنَّ نظام الكون قائم على الزوجية  والمعرفة والتقدم العلمي الذي كان متوفراً في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يمكِّن على أي نحو من الكشف عن نظام (الزوجية) في الوجود ، بل إن ما كان في حوزة الناس آنذاك من استقراء واطلاع لم يكن كافياً للكشف عن ظاهرة (الزوجية) في (الأحياء) فضلاً عن ميادين الوجود المختلفة ، وإنَّ الكشوفات الكونية المتسارعة ؛ تميط اللثام في كل يوم عن أشكال من التزاوج والاقتران والارتباط في ميادين الحياة كافة ، وعلى مستويات مختلفة ، ابتداءً بالذرة ، وانتهاءً بالمجرة ؛ مما يُضيف شواهد جديدة على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- .       إنَّ ظاهرة الزوجية ليست دليلاً على وحدانية الخالق (جل وعلا) فحسب ، وإنما هي دليل على نقص المخلوقات وافتقارها لغيرها ، حيث لا تتحدد معاني الأشياء وقيمها الحقيقية من خلال ذواتها ، وإنَّما من خلال كونها أجزاءً في تركيبات أعم ، وفي هذا الصدد فإنه يمكن القول : إنه عند تدقيق النظر لا يخلو شيء عن تركيب ! .  لولا معرفة الناس بالقبح لما كان للجمال أي معنى أو قيمة إضافية ؛ ولذا قالوا : إنَّ للشوهاء فضلاً على الحسناء ؛ إذ لولاها لما عُرف فضل الحسناء .              ومن حكمته جل شأنه في إقامة نظام الكون على نظام الزوجية الإخصاب أوضح نتائج التزاوج بين الأشياء ، وهو أوضح ما يكون في التقاء الأزواج من الإنسان والحيوان ؛ فمن خلال لقاء الزوجين يتم حفظ النوع واعتناؤه بنسل على درجة كبيرة من التنوع والتعدد .        ولا يقلّ الإخصاب في الأشياء المعنوية والمادية عنه في الكائنات الحية ؛ فمن عناصر الأرض التي لا تزيد عن المائة إلا قليلاً يوجد بين أيدي الناس اليوم ما يزيد على مليونين من المصنوعات ! ، وعلى الرغم من صرامة القوانين والخصائص الكيميائية يوجد في الأسواق ما يزيد على ثمانين ألف نوع من المركبات الكيميائية ، كما أنه يطرح منها في الأسواق كلّ عام أكثر من ألفي نوع جديد ! .        هذه الخصوبة الهائلة هي نتيجة مباشرة لألوان التزاوج التي تتم بين العناصر المختلفة .  ومما لا ينبغي أن يعزب عن البال أن اللقاء السعيد بين العناصر المختلفة يجب أن يتسم بالمزيد من العناية والدقة والتجربة ، إذا ما أردنا إنجاباً وخصوبة على مستوى عالٍ من الجودة ؛ ولهذا السبب أخذ التقدم في علوم الكيمياء يعتمد على الرياضيات أكثر فأكثر ، وقد كان من قبل يعتمد على التجربة ، حيث تمنح الرياضيات مستويات من الدقة ، لا توفرها التجربة .     وقد أصبح من مقاييس التقدم العلمي الشائعة : قدرة دولة من الدول على إنتاج (المواد الجديدة) ذات المواصفات الفائقة ، والمواد الجديدة لا تتخلق إلا من خلال التزاوج بين عناصر لم يسبق لقاؤها على النحو الجديد ، وبالنسب الجديدة .        إنَّ قاعدة اللقاء في ظاهرة الزوجية الكونية هي التخالف ، وليست التوافق ، فاللقاء الخصب المنجب يجب أن يتم بين متخالفين ومتباينين ، ومن ثم : فإن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التخالف ، على المستويات العضوية والعقلية والنفسية ، وهذا التخالف هو الشرط الأساس لوجود ظاهرة (التكامل) والتعاون ، حيث يظهر لكل واحد من الزوجين : أن كمال البنية المشتركة بينهما وهو الأسرة لا يأتي من أيٍّ منهما على انفراد ، وإنما من خلال اللقاء الإيجابي بينهما ، وتكميل أحدهما للآخر .     ليس إدراك التكامل في ظاهرة الزوجية في الخلق متيسرَ الإدراك واللمس في كل وقت ؛ إذ كثيراً ما تتغلب علينا النظرة الأحادية ، فنتعامل مع الأشياء على أنها عناصر مفردة ، ونغفل عن كونها عناصر في تراكيب أعم ! ولأضرب لذلك بعض الأمثلة :  أ – إنَّ تضخم الجانب العاطفي لدى المرأة على النحو المعروف يُنظر إليه عادة على أنه الحلقة الأضعف في تركيبها النفسي ، كما أننا ننظر النظرة نفسها إلى ما نحسّه من تضخم (عقلانية) الرجل وبرودة عواطفه .      فإذا نظرنا إلى كل منهما على أنَّه طرف في تركيب واحد هو الأسرة أدركنا أنَّ ما خلناه نقصاً هو في الحقيقة مظهر كمال ، وعامل توازن وانسجام ،فطبيعة وظيفة المرأة في رعاية الأطفال ذوي الشفافية والرهافة المطلقة .. تتطلب مشاعر وعواطف كالتي عند المرأة ، وطبيعة وظيفة الرجل في قيادة الأسرة ، ومعاناة طلب الرزق ، وخوض المواقف الصعبة .. تتطلب من قوة الشكيمة وتماسك الشخصية كالذي نجده عند الرجل . إنَّ حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام  علاقة تكاملية وليست علاقة تنافسية كما هي عند الغرب . بمعنى أنَّ كلاً منهما يكمل الآخر . فالإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنَّهما شيء واحد هو الإنسان ، وأنَّ هذا الإنسان جنسان أو قُل جزآن متكاملان هما الرجل والمرأة ، وأنَّهما ليسا متساويين في التكوين والقدرات ، وبالتالي فيستحيل أن يتساويا في الحقوق والواجبات ، لأنَّ المساواة في أي شيء بين المختلفين نقص في العقل ، وظلم في الحكم . وإنَّ من حكمة الله الخالق جل وعلا أنَّه لم يجعل الاختلاف بين الرجل    والمرأة في التكوين الجسمي والنفسي اختلاف تضاد ، بل جعله اختلاف تكامل . فطبيعة الرجل الجسمانية مكملة لطبيعة المرأة ، وكل منهما لا يستغني عن أن يكمّل نفسه بالآخر، ولذلك أصبح الزواج ضرورة إنسانية ، نظراً لأنَّ الجنسين لا يمكن أن يستقل أحدهما عن الآخر .  كذلك فإن بقاء الجنسين في هذه الحياة لا يكون إلى عن طريق هذا التكامل ، ولو استقل كل منهما عن الآخر ليكون منافساً له – كما تصوره النظرة التنافسية العلمانية التي تدعي المساواة – لفنيَ بنو الإنسان ، وانتهت الحياة .     إنَّ قوة الرجل الجسمانية والنفسانية تناسب مواجهة ظروف الحياة الخارجية للأسرة لحمايتها وتموينها ، وإنَّ ضعف المرأة الجسماني والنفساني يناسب الطمأنينة والسكينة التي تحتاجها الأسرة في جوها الأسري الداخلي .     ولذلك فالعلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة تحيط الأسرة بسياج أمني لحياتها المعيشية ، وجوّ مخملي لطيف لحياتها النفسية والاجتماعية .    إنَّ المرأة ليست أقل ولا أكثر من الرجل في قيمتها الإنسانية ، ولا منزلتها الإيمانية ، فهما سواء في القيمة ، ولكنهما مختلفان في الدور والوظيفة .     إنَّ كلاُ من الرجل والمرأة إنسان مكلف في الإسلام ، ولكن وظيفة كل منهما في الحياة تختلف باختلاف طبيعته الجسمانية والنفسانية ، واختلاف إمكاناته الفطرية التي فطره الله عليها.  هذا هو عدل الإسلام ، ورحمة الإسلام ، وحكمة الإسلام .   إنَّ الرجل والمرأة لكل منهما في الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم دوره الذي يكمل دور الآخر ، ووظيفته التي لا تتعارض مع وظيفة الآخر ، وقُل إن شئت إنَّهما شيء واحد جزآه يكمل بعضهما الآخر .    لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الأمور التي تتصل بالإنسان من حيث هو إنسان ،ولمعرفة كيف فرق بينهما في بعض النواحي التي تنشأ من تبيان طبائعهما واختلاف وظائفهما لتحقيق صالحهما وصالح كل من الأسرة والمجتمع . المساواة بين الذكر والأنثى في القيمة الإنسانية     لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية ؛ حيث خلق الله الإثنيْن من طينة واحدة ،ومن معين واحد فلا فرق بينهما في الأصل والفطرة ،ولا في القيمة والأهمية ،والمرأة هي نفس خُلقت لتنسجم مع نفس وروح خلقت لتتكامل مع روح وشطر مساو لشطر ،قال تعالى : ( أَيُحْسَبُ الإِنْسَان أنْ يُتْرِك سُدَى . أَلَمْ يَكً نُطْفَةٌ مِنْ مَّنِيِّ يُمْنَى .ثُم كَانَ عَلقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ منْه الزَّوْجَيْن الذَّكَر والأُنْثَى.)  وقال تعالى : ( واللهُ خَلَقَكُمْ مِِّنْ تُراب ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعلَكُمْ أَزْواجاً)    والإسلام يقرر أنَّ قيمة أحد الشخصيْن لا ترجع إلى كوْن أحدهما ذكراً والآخر أنثى ،بل ترجع إلى الكفاية الشخصية ،يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)      وسواسية الناس في القيمة الإنسانية في الإسلام تشمل الذكور والإناث ؛إذ أجاب الإسلام عن ما دار في المجامع الكنسية من جدل حول ماهية المرأة ،وكنهها ،وهل هي إنسان ذو نفس وروح خالدة ؟ وهل تُقبل منها العبادة ؟ ،وهل تدخل الجنة ،وأخيراً قرر المجتمعون :  ( أنَّ المرأة مجرد حيوان نجس لا روح له ولا خلود ،ولكن يجب عليها العبادة والخدمة ،كما يجب تكميم فمها كالبعير وكالكلب العقور لمنعها من الضحك والكلام لأنَّها أحبولة الشيطان) ولقد أجاب الإسلام على هذه التساؤلات،معلناً إنسانية المرأة  في قوله تعالى : ( يا أَيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى ) ،وقوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من نَّفسٍ واحدة وجعل منها زوجها لِيَسْكُنَ إليْها )  ،وقوله تعالى : ( يا أيُّها النَّاس اتقوا رَبَّكُمْ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفس ٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاء)  وأوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في قوله : ( إنَّما النساء شقائق الرجال )    كما نفى عن المرأة تهمة الخطيئة الأزلية في قوله تعالى : ( وعصى آدمُ ربََّه فغوى)  كما أعلن مساواتها بالرجل في الأجر والثواب في قوله تعالى : ( فاستجاب لهم ربُّهم أنّي لا أُضيعُ عمل عامل منكم من ذكرٍ وأُنثى بعضكم من بعض )  ،وقوله تعالى : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصًّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً) ،وقوله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّه حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)  مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية والفكرية والدينية والعمل    كما ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحرية السياسية والفكرية والدينية ،وحرية العمل ،ولم يفرّق بينهما في أي منها ،فلكل فرد عاقل رشيد رجلاً كان أو امرأة أن يشترك في إدارة شؤون الدولة ،وأن يُراقب سيرها وينفذ أعمالها ،فلها حق مبايعة الإمام لقوله تعالى : (( يا أيها النَّبيُ إذا جاءك المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنكَ على أنْ لا يُشْرِكنَ باللهِ شيئاً ولا يَسْرِقَنَ ولا يزْنِينَ ولا يَقْتُلنَ أوْلاَدَهُنَّ ولا يأتِين بِبُهْتانٍ يفترِينَهُ بين أيديِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولاَ يَعْصِينَكَ في معْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسَتغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفُورٌ رَّحيم)    هذا نص قرآني واضح وصريح ،ولا يحتاج إلى اجتهاد أو تأويل  قد خصَّ الله جلَّ شأنه فيه النِّساء بالبيعةِ تأكيداً على أنَّ بيعتَهنَّ مستقلةٌ عن بيعة الرِّجال ،أي ليست تابعة لمبايعة الرجال ،وإنَّما متممة ومكملة لها ولا تكتمل البيعة إلاَّ بها . ومن هذا المنطلق فالمرأة لها حق مبايعة الحاكم في أنظمة الحكم القائمة على المبايعة ،وحق  الانتخاب في الأنظمة القائمة على الانتخابات .  كما ساوى بين المرأة والرجل في حق الشورى يوضح هذا قوله تعالى في الآية 159 من سورة آل عمران :  ( فَبِمَا رَحمَةٍ مَّن اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك فَاعفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ  وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ) واضح من الآية هنا أنَّ الخطاب   جاء بصيغة العموم ،أي يشمل الذكور والإناث،وإلاَّ لكانت دعوته صلى الله عليهم خاصة بالرجال دون النساء إن اعتبرنا أنَّ قوله جل شأنه ( وشاورهم في الأمر) قاصر على الرجال)؛إذ لا يمكن تجزئة الخطاب هنا إلى جزئين جزء يشمل الرجال والنساء ،وهو الخاص بالدعوة ،أمَّا الجزء المتعلق بالشورى فهو خاص بالرجال فقط،وذلك من أجل أن نحرم المرأة من حق الشورى!ولو كان الأمر كذلك لاستثنى الله جلَّ شأنه النساء منها،وقوله تعالى في  الآية 38 من سورة  الشورى  : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبَّهم وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)   فالخطاب هنا جاء بصيغة العموم أيضاً ،ولو قصرنا قوله تعالى ( وأمرهم شورى بيْنهم ) على الرجال دون النساء ،فهذا يعني أنَّنا قصرنا الصلاة والزكاة والصدقات التي هي من الإنفاق على الرجال أيضاً ،وأسقطنا ذلك عن النساء ،وهذا يتنافى عمّا جاء به الإسلام.     وساوى الإسلام بين المرأة والرجل في حق الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوضح هذا قوله تعالى : ( والمُؤْمِنُون والمُؤْمِنات بَعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروفِ وينهوْن عن المُنكر)،وقد ولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الشفاء من بني عدي الحسبة ،كما جعلها مستشارة له، وقد اعتبر بعض الفقهاء الحسبة نوع من أنواع القضاء. ومن هنا كان لها حق الإفتاء كالرجل دون تحديد من تفتي لهم فهناك من الفقهاء من قصر فتوى المرأة للنساء ،والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت تفتي في زمني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مختلف القضايا ،ولم تقتصر فتواها على الشؤون النسائية .     كما ساوى بين المرأة والرجل في حق إجارة المحارب  ،يوضح هذا قوله تعالى : ( وإنْ أحدٌ مِنَ المُشْرِكين أستجاركَ فأجره حتى يسمعَ كلامَ اللهِ ثُمَّ أبْلِغْه مَأْمَنَهُ ) وقد مارست المرأة المسلمة هذا الحق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكلنا يعرف قصة أم هانئ أخت على بن أبي طالب رضي الله عنهما التي أجارت محارباً يوم فتح مكة ،وأراد أخوها علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه قتله ،فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقالت له : هذا ابن أبي وأمي يريد قتل من أجرته ،فسألها عمن أجارت ،وسمته له ،فقال لها عليه الصلاة والسلام :  (أجرنا من أجرت يا أم هانئ)،ولم تُخفر إجارة امرأة ،ويقابل الإجارة في عصرنا الحالي ما يُسمى بحق اللجوء السياسي. المساواة بين المرأة والرجل في الأهلية القانونية آيات قرآنية أعطت للمرأة الأهلية القانونية ( والليلِ إذا يغْشى .والنَّهارِ إذا تَجَلَّى .ومَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأنْثى .إنَّ سَعْيَكُمْ لشتَّى . فأمَّا مَنْ أَعْطى واتَّقى. وصَدَّقَ بالْحُسنى .فسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرى. وأمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى .وَكَذّبَ بالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرى.)    [ الليل: 1-10]                                                                             ( مّنْ عمِلَ صالحاً مِنْ ذكرٍ أوْ أُنْثى وهُوُ مُؤْمِنٌ فلُنُحْيِيَنَّه حياةً طيِّبةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بأَحْسَنِ مَا كانوا يَعْمَلُون)   [ النحل: 97] ( والمُؤْمِنُون والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطيِعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم)   [ التوبة :71]                             (وابْتلُوا اليتامى حتَّى إذا بلَغُوا النِّكَاحَ فإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)  [ النساء:6]     (للرِّجالِ نصيبٌ مِّمَّا ترًكَ الوَالِدان والأقْرَبُون،وللنساء نصيبٌ ممَّا ترك الوالدان والأقربون  ممَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبَاً مَّفْرُوضاً) [النساء: 7]    (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيهِما جَزاءً بِمَا كسبا)     [المائدة :38]                                                      ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)                                                                ( يا أيُّها النَّبيُّ إذا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ باللهِ شيئاً ولاَ يَسْرِقَنَ ولاَ يَزْنِين ولاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ولاَ يَعْصِينَكَ في معْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسْتَغْفِر لّهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رحيم.)                               المساواة بين المرأة والرجل في الأهلية الحقوقية وفي التصرفات المالية :          ويقصد بها ممارسة الشؤون المالية والمدنية من بيع وشراء ورهن وقرض وإقراض ووقف ،وإبرام للعقود وفسخها ،وعقد الشركات والقيام بالتجارة والوكالة والتوكيل ،ورفع الدعاوى ،محتفظة بحقها في التملك تملكاً مستقلاً عن غيرها ،فللمرأة المتزوجة في الإسلام شخصيتها المدنية الكاملة ،وثروتها الخاصة المستقلتان عن شخصية زوجها وثروته ،ولا يجوز للزوج  أن يأخذ من مالها قل ذلك أو كثر ،قال تعالى : ( وَإِنْ أَرَدُتم استبدال زَوْجٍ مكان زَوْجٍ وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوُا مِنْهُ شيئاً أَتَأْخُذونه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً وكيفَ تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً )   وقال جل شأنه : ( وَلاَ يَحِلُّ لكم أنْ تأخذوا مِمَّا آتيُمُتوهُنَّ شيئاً) ،وإذا كان لا يجوز للزوج أن يأخذ مما سبق أن آتاه لزوجته ،فإنَّه لا يحل له من باب أولى أن يأخذ شيئاً من مالها الأصيل إلاَّ أن يكون برضاها ،وعن طيب نفس منها ،يقول تعالى : ( وَآتُوا النساء صَدُقَاتِهِنّ نِحلة فَإِنْ طِبَنَ لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هَنِيئاً مريئاً) ،ولا يحل لزوج أو أخ أو ابن أو أي كائن كان أن يتصرف في أموالها إلاَّ إذا أذنت له بذلك ،أو وكَّلته في إجراء عقد بالنيابة عنها ،وفي هذه الحالة يجوز أن تلغي وكالته ،وتوكل غيره إن شاءت.  هذا وقد انفردت الشريعة الإسلامية عن القوانين كلها بإعطاء المرأة كامل حقوق الأهلية التي يتمتع  الرجل بها.  ومن هنا نجد أنَّ الإسلام قد ساوى بين المرأة والرجل في الحقوق التالية: 1- حق الإنسانية. 2- حق الحياة . 3- حق الحرية. 4- حق تحمَّل أمانة الاستخلاف. 5- حق التعليم ،فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة. 6- حق  العمل ،والأجر فيه. 7- حق في التكاليف الدينية،وحق رواية الحديث الذي هو المصدر الثاني من مصادر التشريع ،كما أؤتمنت على سر الهجرة ،وعلى حفظ النسخة الوحيدة للقرآن الكريم. 8- المساواة في الأجر والجزاء والعقوبات والحدود والقصاص. 9- حق الزواج ،واختيار الزوج ،ويفسخ عقد الزواج إن أُكرهت المرأة عليه،وليس من حق الأب أو الأخ أن يُحرم الفتاة من حقها في الزواج بعضل ،أو حجر.  10- حق الطلاق إن استحالت العشرة الزوجية،وحق حضانة أولادها ،ولها حقوق مالية على مطلقها في فترة العدة والحمل والرضاعة ؛إذ عليه أن يؤمن لأولاده ،وهم في حضانة الأم السكن ،وكل ما يلزمهم من نفقات ،وعليه أيضاً  أن يؤمن لهم خادمة إن كان بقدوره ذلك. 11- في الحقوق المالية ،فلها ذمة مالية مستقلة،ولها أن تتصرف في مالها كما تشاء دون إذن أحد ،ولها حق البيع والشراء والرهن والقرض والإقراض ،والتأجير والإيجار،وأن تباشر إدارة أموالها وممتلكاتها بدون وصاية من أحد ،فلها حق الولاية على أموالها وعلى نفسها مادامت بالغة رشيدة،كما لها حق امتلاك المهر الذي يقدمه لها الزوج عند الزواج ،كما لها حق الميراث ،وفي أربع حالات فقط يأخذ الرجل ضعف نصيبها ،وفي عشر حالات تأخذ مثله ،وفي أكثر من ذلك تأخذ أكثر منه ،وفي حالات هي ترث ،وهو لا يرث،مع مسؤولية الرجل زوجاً كان أو أباً ،أو أخاً الإنفاق عليها ،وعلى الزوج أن ينفق على زوجه حتى لو كانت غنية. 12- حق المشاركة في الحياة العامة والمناظرات العلمية والفكرية والدينية والمؤتمرات . 13- حق حضور الاحتفالات والولائم والأعراس. 14- في الحقوق السياسية المتمثلة في حق الشورى والبيعة والانتخاب والترشيح ،وتولي مناصب قيادية،كما أعطاها الإسلام حق إبداء الرأي ومراجعة الخلفاء والحكام ،وتقديم النصح لهم ،وانتقادهم ،كما أعطاها حق المشاركة في القتال والغنائم ،وإعطاء اللجوء السياسي المتمثل في إجارة المحارب،وهذا الحق لم تعطه المواثيق الدولية لا للرجل ولا للمرأة ،والإسلام سبق المجتمع الدولي في منح هذه الحقوق للمرأة بأربعة عشر قرناً . 15- كما كفل لها حق الحماية في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة ، وكذلك عدم قتال المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال من أهالي المحاربين لهم،وعدم تدمير منازلهم وحرق نخيلهم هذا الإعلان سبق الإعلان الدولي لحماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة ب 1383سنة.        ولا تستطيع المرأة ممارسة هذه الحقوق والتمتع بها ما لم تكن ذات أهلية قانونية مستقلة  ،فالإسلام كفل للمرأة هذه الأهلية وحافظ عليها. الفروق بين المرأة والرجل في الحقوق القائمة على اختلاف دوريهما      لقد كرَّم الله بني آدم ذكوراً وإناثاً على حد سواء : ( ولقدْ كَرَّمنا بَني آدم )،ومن قبيل توزيع المهام طبقاً لتوزيع الأدوار فقد الله جل شأنه  خص الرجل بالنبوة ،وهذا لا يعني أنَّه أفضل من المرأة ،لأنّ هذا من قبيل توزيع المهام التي تنسجم مع خصائص المكلف التي أوجدها الله فيه طبقاً للمهام المكلف بها  ،والمرأة هي المنجبة للأنبياء والمربية لهم ،وقد خص الله السيدة مريم بنسب النبي عيسى عليه السلام إليها ،وأن تنجبه دون أن يمسسها رجل ،أليس في هذا تكريم للمرأة؟       واختلاف الحقوق بين الرجل والمرأة القائمة على اختلاف دور كل منهما أدى إلى إيجاد سوء فهم للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بها ،واعتبر الرجل بموجبها أنَّه المخلوق الأعلى والمرأة هي المخلوق الأدنى ،وأنَّه الأفضل عند الخالق جل شأنه ،منتقصاً المرأة ومقللاً من شأنها ،وبحكم تحكمه في تفسير القرآن الكريم ،وجمع وشرح الأحاديث النبوية ،واستنباط الأحكام الفقهية ،وانفراده بالفتوى والقضاء قرون عديدة أقر هذه المفاهيم الخاطئة ،وبنى عليها أحكاماً فقهية ،وأصدر بموجبها أحكاماً قضائية،وسأضرب أمثلة على ذلك:وسأبدأ بحديث  “نقصان عقول النساء”     عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ،قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في أضحى أو فطر ـ إلى المصلى فمرَّ على النساء ،فقال : ( يا معشر النساء ،ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنَّ )، قلن : وما نقصان عقلنا يا رسول الله؟  قال : (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟)،قلن : بلى، قال : فذلك من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لم تصلِّ ،ولم تصم ؟قال : ( فذلك من نقصان دينها)                                                       “رواه البخاري ومسلم”      هذا الحديث يبين الاختلاف بين المرأة والرجل لاختلاف دوريهما في الحياة  ،ولكن  المرأة المسلمة عانت أمرَّ المعاناة من سوء فهم هذا الحديث النبوي الشريف ،والسؤال الذي يطرح نفسه : ما المقصود بنقصان عقول النساء الوارد في هذا الحديث ؟وهل الإسلام ينظر إلى المرأة على أنَّها مخلوق ناقص الأهلية؟ ليس المقصود من “ناقصات عقل ” هو أنَّ المرأة دون الرجل عقلاً ،وإنَّما المقصود هنا أنَّ من ذكاء المرأة وحذاقتها  بغلبة العاطفة التي تتميز بها على الرجل بحكم أمومتها وزوجيتها  تتمكن من أن تستحوذ على عقل الرجل الحازم،وهذا مدح لها ،وتقرير بذكائها،فمن ذكائها أنَّها  بعاطفتها الرقيقة  تذهب بحزم ذوي العقول والألباب! “فالمرأة إنسان مثل الرجل تماماً ،وإنسان مكلف كامل الأهلية  محملٌ بأمانة الاستخلاف ،يقول تعالى : ( وإذ قالَ رَبُّكَ للملاَئِكِةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خليفة) ،ولقد سبق وأن بينت الحقوق التي تساوت مع الرجل بها.  فلو كانت المرأة ناقصة عقل بالمفهوم الشائع لنقصان العقل لما ساوى بينها وبين الرجل في الحدود والقصاص والعقوبات،والتي أسقطها عن الصغير والمعتوه والمجنون  ؛إذ كيف تكون أقل من الرجل عقلاً وتتساوى معه في العقاب والحدود والقصاص  ،هذا يتنافى مع عدل الخالق جل شأنه الذي من صفاته العدل ،وقد حرَّم الظلم على نفسه ،وجعله بين خلقه محرماً ،ثمَّ أنَّ الخالق خلق الإنسان ـ ذكر أو أنثى ـ في أحسن تقويم ،ولم يقل جل شأنه أنَّه خلق الذكر دون الأنثى في أحسن تقويم .    ولو كانت المرأة دون الرجل عقلاً لما قُبلت شهادتها  ـ كما يقول ابن القيِّم ـ على شريعة الله ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بروايتها للحديث،ولما أخذ ربع الأحكام الفقهية من أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ،ولما قبلت منها الفتوى،ولما أخذ الرسول صلى الله عليه برأي السيدة خديجة عندما نزل عليه الوحي لأول مرة ،وذهب معها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ،ولما أخذ برأي زوجه أم سلمة رضي الله عنها في موقف صحابته من صلح الحديبية ،ولما اؤتمنت على سر الهجرة ،واؤتمنت على حفظ النسخة الوحيدة للقرآن الكريم ،ولما أعطيت حق البيعة ،ونزلت آية البيعة بصيغة الخطاب للنساء ،وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم ،وعلى عقد تأسيس الدولة الإسلامية ،كما بايعته عند هجرته إلى المدينة ،وفي بيعة الرضوان،وفي فتح مكة ،ولما قبلت إجارتها للمحاربين ،ولم تُخفر لامرأة أجارة،ولو كانت ناقصة عقل لما ولى عمر بن الخطاب الشفاء من بنت عبد الله من بني عدي الحسبة ،وجعلها مستشارة له؟؟؟ وهنا قد يتساءل البعض  : ولكن كما جاء في الحديث : شهادة امرأتين برجل واحد ؟ لو كانت مماثلة للرجل في العقل كيف تكون شهادة اثنتين برجل واحد أي أنَّ عقلها نصف عقل الرجل ؟ وأقول هنا  : هذا أيضاً من ضمن المفاهيم الخاطئة ،فهذه الآية خاصة بالمداينة   لتوثيقها ،وليس في مقام الشهادة التي يقضي القاضي بها ويحكم ،يقول تعالى :  ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بِديْنٍ إلى أجلٍ مُسَّمى فاكتبوه وليكتُبْ بينكم كاتبٌ بالعدلِ ولا يأب كاتبٌ أنْ يكتبَ كما علَّمَهُ اللهُ ) إلى قوله تعالى : ( واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وامْرَأَتَان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذّكِّرَ إِحَدَاهُمَا الأُخْرى) فهذه الآية ـ كما يقول الدكتور محمد عمارة ـ   تتحدث عن أمر آخر غير “الشهادة” أمام القضاء ،تتحدث عن ” الإشهاد” الذي يقوم به صاحب الدَّيْن للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه ،وليس عن الشهادة التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين ،فهي موجَّهة لنصيحة  صاحب  الدَّيْن ،وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع” ،فهي ليست تشريعاً موجهاً إلى القاضي ـ الحاكم ـ في المنازعات ،وقد فقه ذلك علماء مجتهدون ،وفصلوا القول فيها ،منهم  شيخ الإسلام ابن تيمية ،وتلميذه العلامة ابن القيم من القدماء ،والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ،والإمام محمود شلتوت من المحدثين والمعاصرين ،فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم : قال عن البينة التي يحكم القاضي بناءً عليها ..التي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” البينة على المدعي ،واليمين على المدعي عليه ” رواه البخاري والترمذي وابن ماجه :  ( إنَّ البينة في الشرع ،اسم لما يُبيِّن الحق ويظهره،وهي تارة تكون أربعة شهود ،وتارة ثلاثة ،بالنص في بينة المفلس ،وتارة شاهدين ،وشاهد واحد ،وامرأة واحدة ،وتكون نُكُولاً ـ النكول الامتناع عن اليمين ـ ويميناً ،أو خمسين يميناً ،أو أربعة أيمان ،وتكون شاهد الحال ،فقوله صلى الله عليه وسلم : ” البيِّنة على المدعي ” أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه ،فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له ” هذا ما جاء نصه في كتاب السياسة الشرعية لابن القيم ،وقد أورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان [ الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه] “فهذا في الإشهاد على عقود المداينة للتوثيق ،وليس الشهادة في المحاكم ،لأنَّ المرأة غير ممارسة للبيوع والمداينات ،وقد بين ابن القيم أنَّ المرأة إذا تعلمت ،ومارست هذه الأعمال فيكتفى بشهادة امرأة مقابل شهادة الرجل لأنَّ الهدف هو : ( أن تذكر إحداهما الأخرى ) لعدم ممارستها للبيوع ،وإطلاعها ومعرفتها بالمعاملات المالية ،ولكن إن تمكَّنت من ذلك يكتفى بشهادة امرأة ورجل أو امرأتيْن ،أو رجلين.”  وأقول هنا : ممَّا يؤكد على شهادة امرأتين برجل واحد في المداينة لذاك السبب  مساواة المرأة بالرجل في شهادات اللعان ،بأربع شهداء من الرجال أو النساء ،بل نجد الشرع اكتفى بشهادة امرأة واحدة في الأمور المختصة بالنساء كإثبات البكورة وغيرها،ولم يكتف بشهادة رجل واحد في الأمور المختص بها الرجال  ،كل هذا يؤكد على كمال أهلية المرأة ،بل الذي يؤكدها رواية المرأة للحديث التي تعد شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويقول ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: (وليس في القرآن ما يقتضي أنّه لا يُحكم إلاّ بشاهديْن ، أو شاهد وامرأتين ،فإنّ الله سبحانه وتعالى إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب ،ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به ،ومن هنا نجد ابن القيم يستدل بالمساواة في الشهادة بقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أُمةً وسطاً لتكونوا شُهَداءَ على النّاسِ وَيَكُونُ الرسول عليكم شهيداً) على أنَّ المرأة كالرجل في الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة ،فالمرأة كالرجل في رواية الحديث،التي هي شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم،وإذا كان ذلك ممَّا أجمعت عليه الأمة ،ومارسته راويات الحديث النبوي جيلاً بعد جيل ـ والرواية شهادة ـ فكيف تقبل الشهادة من امرأة على رسول صلى الله عليه وسلم ،وعلى شرع الله ،ولا تُقبل على واحد من النَّاس؟؟ إنَّ المرأة العدل ـ كما يقول ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية  ـ كالرجل في الصدق والأمانة والديانة. قد يتساءل البعض ولكن هناك من الفقهاء من قالوا بعدم قبول شهادة المرأة في الجنايات وجرائم القتل ،فلو كان المعنى كما تقولين فعلى أي أساس بنوا حكمهم هذا؟     وأقول هنا إجابة عن هذا السؤال : لا يوجد نص من القرآن أو السنة ينص على ذلك ،هذا مجرد اجتهاد من الفقهاء ،والاجتهاد يحتمل الصواب ،ويحتمل الخطأ لأنَّه جهد بشري ،وأنا اعتبر هذا الاجتهاد من أخطاء مجتهديه لأنَّه يعني هذا إسقاط العقوبة على مرتكبي الجرائم والجنايات في المجتمعات النسائية ،فإن ارتكبت جريمة ما في مجتمع نسائي لا يُعاقب مرتكبها ما لم يعترف لعدم قبول شهادة النساء اللواتي شهدن الجريمة ،وتفسيري لهذا الاجتهاد الخاطئ هو المفهوم الخاطئ للحديث الذي نحن بصدده ،إنَّ معاناة المرأة المسلمة في بيتها ،في مجتمعها ،في المحاكم،في الدوائر الحكومية المختلفة  يكمن في هذا المفهوم الخاطئ لهذا الحديث الشريف ،لقد جاءتني عشرات القضايا والمشاكل من سيدات ،لو بحثنا في جذورها تجد أنَّها تعود لخطأ هذا المفهوم .       (  للذكر مثل حظ  الأنثيين)                                                            هذه الآية أيضاً توضح أنَّ الحالات التي يرث فيها الذكر ضعف الأنثى يكون لاختلاف دوريهما فبحكم أنَّ دوره في الحياة يتطلب منه الإنفاق عن الإناث المسؤول عنهم فيأخذ ضعف من هو مكلف بالإنفاق عليهن  في الميراث ،ولكن  الرجل لأنَّه يريد أن يجعل من نفسه المخلوق الأفضل لدى خالق عمّم مفهوم أخذ الرجل ضعف المرأة في الميراث ،مع أنَّ الآية أوضحت أنَّه لا يأخذ الضعف إلاَّ في أربع حالات فقط،وفي هذه الحالة يكون الوارث مسؤولاً عن نفقة من يأخذ ضعف نصيبها ، وهناك أضعاف هذه  حالات  ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً فالأب والأم لكل واحد منهما السدس في ميراثهما من ابنهما المتوفى،وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل ،مثل البنت التي ترث أكثر من الأب حتى لو كانت رضيعة ،وكان الأب أي جدها  مصدر ثروة أبيها ،وهناك حالات ترث فيها المرأة ،ولا يرث نظيرها من الرجال،وهذا القول ليس من عندي،كما زعم البعض ،وإنَّما توضحه الآيتان (11) ،(12) من سورة النساء ، يقول تعالى في سورة النساء في تكملة آية ( للذكر مثل حظِّ الأُنثييْن ) ،وهي آية رقم (11) من سورة النساء ( يُوصيكمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَييْن فَإنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثنتيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا َما تِرِكَ وإِنْ كانت واحدِةً فَلَهَا النًّصَّفُ وَلأَبِوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ممَّا تَرَك …)   فهذه الآية توضح أنَّ الرجل إن توفى ،وله ابنة وأبويْن ، فالابنة تأخذ النصف ،والأبوان يأخذ كل منهما السدس ،فهنا البنت أخذت أكثر من جدها الرجل ،الذي تساوى في نفس الوقت مع زوجه بأن كان نصيب كل منهما السدس من ميراثهما من ابنهما المتوفى ،وتكملة أنصبة المواريث يوضحها باقي الآية (11) ،وكامل الآية (12) من سورة النساء .   وهكذا نجد الكثير اعتبروا ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) هي القاعدة الأساسية للميراث ،فانتقصوا المرأة واعتبروها نصف الرجل ،ولم يكملوا الآية ،والآية التي تليها ،فهم ساروا على طريقة ( ولا تقْربوا الصلاة …) .   وإن التمسنا العذر للعامة ،لكن لا نستطيع أن نلتمس العذر لعلماء وفقهاء بنوا أحكاماً فقهية على قصر الميراث على الأربع حالات التي يأخذ فيها  الذكر ضعف الأنثى ،وتركوا الحالات الكثيرة التي تأخذ فيها الأنثى مثله ،والأكثر من العشرة حالات التي تأخذ فيها أكثر من الرجل ،والحالات حيث هي  ترث،ولا يرث الرجل!! أحكام فقهية بُنيت على مفاهيم خاطئة: وسأتطرق هنا إلى الأحكام الفقهية التي بُنيْت على المفاهيم الخاطئة لهذه الآية ،وآية المداينة التي جاء فيها شهادة امرأتيْن برجل واحد ،وحديث نقصان عقول النساء الذين أوضحت مفهومها الصحيح  1- الحكم على المرأة بنقصان عقلها وتسفيهه ،والتشكيك في أقوالها وسلبها حق الأهلية والولاية على نفسها ومالها ،وأصبحت تُعامل معاملة القاصر في أمور يستفيد الرجل من بسط ولايته عليها كالولاية على نفسها ومالها ،في  حين يعاملها معاملة كاملي الأهلية عند ارتكابها جريمة أو جنحة ،أي يجعل عليها الغُرم في كل الأحوال ،وله الغُنم في كل الأحوال،والمرأة في الإسلام كاملة الأهلية ،ولها ذمة مالية مستقلة مثلها مثل الرجل تماماً ،وقد أزال عنها تهمة القصر الدائم التي ألحقتها بها الأديان والشرائع السابقة له. 2- تقرير  دية المرأة نصف دية الرجل ،ويبرر ذلك ابن قدامة في المغني بقوله : “ولأنَّ عقلها نصف عقله ” [  – ابن قدامة: المغني ،9/ 378.] ونجد صاحب الشرح الكبير على متن المقنع يؤكد هذا القول ،فيقول ” ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب ،لأنَّ عقلها نصف عقل الأب [   – الشرح الكبير في حاشية المغني ،9/ 379.]  علمًا بأنَّه لا يوجد نص قرآني أو حديث نبوي ينص على أنَّ دية المرأة نصف دية الرجل لأنًّ عقلها نصف عقله ،كما يقولون ،بل الآية القرآنية رقم 92 في سورة النساء  تنص على ( ومن قتلَ مؤمناً خطاً فتحرير رقبة مؤمنةِ ودية مسلمة إلى أهله )والمؤمن هنا تشمل الذكور والإناث أي على العموم،وقد أوضح مؤخراً فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي خطأ هذا الحكم ،وقال بمساواة المرأة بالرجل في الدية بموجب المفهوم الصحيح للآية الكريمة ،والغريب نجد أنَّ الفقهاء جعلوا دية الطفل الذكر ضعف دية المرأة البالغة الرشيدة!!! بل نجد الإمام أبا حنيفة،وهو لا يعود إلى عصور التراجع الحضاري  يقول :”لا قصاص في الطرف بين مختلفي البدل : “فلا يقطع الكامل بالناقص ،ولا الناقص بالكامل ،ولا الرجل بالمرأة ،ولا المرأة بالرجل ،ولا الحر بالعبد ،ولا العبد بالحر ،ويقطع المسلم بالكافر ،والكافر بالمسلم ،لأنَّ التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أنَّ الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء ،ولا الكاملة بالناقصة ،فكذا لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة ،ولا يؤخذ طرفها بطرفه ،كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى “[ ابن قدامة : المغني ،9/379]ولستُ أدري كيف يصدر هذا القول من الإمام أبي حنيفة ،والمرأة مثل الرجل إنسان مكلف ،فهي تتفق معه في الإنسانية والتكليف ، وسواءً كان المقتول مسلماً ،أو كافراً له عهد بقول الله تعالى في الآية 92 من سورة النساء : ( وإن كان من قومٍ بيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) ،وسواءً كان حراً أو عبداً ،لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل عبده قتلناه ،ومن جدعه جدعناه ) [ رواه سعيد ،والإمام أحمد والترمذي ،وقال حديث حسن صحيح غريب] بل الكل يتساوى لمساواتهم في الإنسانية ،والإسلام قرر حق المساواة في الإنسانية ،يقول تعالى : ( يا أيُّها النَّاس إنَّ خلقْناكُمْ من ذكرٍ وَأُنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِل لِتَعارَفُوُا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتقاكُمْ) ،فالقول يُقتل الذكر بالأنثى ،والأنثى بالذكر ،وهو قول عامة أهل العلم ،منهم : النخعي والشعبي والزهري ،وعمر بن عبد العزيز ،ومالك ،وأهل المدينة والشافعي ،وإسحاق ،وأصحاب الرأي وغيرهم [- ابن قدامة : المغني ،9/378.] 3- حرمان المرأة من حقها في الولاية العامة والقضاء ؛ إذ  نجد المناوي في فيض القدير  يقول إنَّه بيَّن سبب منع المرأة من الولاية العامة والقضاء  : ( وذلك لنقصها وعجز رأيها ،ولأنّ الوالي مأمور بالبروز للقيام بأمر الرعية ، والمرأة عورة لا تصلح لذلك ،فلا يصلح أن تتولى الإمامة ولا القضاء) كما استدل بقول الشوكاني : ( وفيه دليل على أنَّ المرأة ليست من أهل الولايات ،لا يحل لقوم توليتها ،لأنَّ تجنَّب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب.واستدلال بعض المعارضين  أيضاً بقول الحافظ في الفتح : ( ويؤيد ما قاله الجمهور إنَّ القضاء يحتاج إلى الرأي ورأي المرأة ناقص ولا كمال ،ولا سيما في محافل الرجال ) 4- عدم قبول شهادة المرأة في الجنايات ،وقد أوضحتُ هذا في الحلقة الماضية.   وبموجب هذه الأحكام الفقهية التي بُنيت على مفاهيم خاطئة صيغت أنظمة وقوانين في الدولة تلحق النساء بالأطفال والقصر ،وتعامل معاملتهم !!!!               القوامة والنشوز     المتمعن في كتب التفسير والفقه لبعض المفسرين والفقهاء يجد للأسف الشديد التعامل السائد مع المرأة بدونية وانتقاص يتنافيان تماماً مع نظرة الإسلام للمرأة التي كلها تكريم وتقدير وإعلاء لشأنها ،فالله جلَّ شأنه جعلها في مرتبة متساوية مع شقيقها الرجل ،فنجد  ابن كثير( ت : 774هـ) يضع المرأة في مرتبة دون الرجل عند تفسيره لقوله تعالى : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضِ وَبَمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهمْ ﴾ فيقول : ” يقول تعالى : ( الرجال قوامون على النساء) أي الرجل قيِّم على المرأة ،أي هو رئيسها وكبيرها ،والحاكم عليها ومؤدبها إذا أعوجّت .ويفسر قوله تعالى (بما فضَّل بعضهم على بعض ) أي لأنَّ الرجال أفضل من النساء ,الرجل خير من المرأة ،ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال ،وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ” رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ،وكذا منصب القضاء،وغير ذلك .       ويفسر قوله تعالى : ( وبما أنفقوا من أموالهم ) أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن ،في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،فالرجل أفضل من المرأة في نفسه ،وله الفضل عليها والإفضال فناسب أن يكون قيِّماً عليها ،كما قال تعالي : ( وللرجال عليهن درجة )     ويفسر قوله تعالى : ( واللاتي تخافون نُشوزهن )أي والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن ،والنشوز :هو الارتفاع ،فالمرأة الناشز : هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المُعرضة عنه ،المُبغضة له ،فمتى ظهر منها إمارات النشوز فليعظها ،وليخوفها عقاب الله في عصيانه ،فإنَّ الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته ،وحرَّم عليها معصيته ،لما له عليها من الفضل والإفضال ،وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجدَ لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها.”     ولقد رجعتُ في تفسير هذه الآيات للطبري ( ت 310هـ ) ، ،فيقول 🙁 الرجال قوامون على النساء : الرجال أهل قيام على النساء في تأديبهن والأخذ على أيديهن ،فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم .    ويفسر ( بما فضَّل الله بعضهم على بعض) : يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن ،وإنفاقهم عليهن أموالهم ،وكفايتهم إياهن مؤنهن ،وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن ،ولذلك صاروا قوَّامين عليهن ،نافذي الأمر عليهن ،فيما جعل الله إليهم من أمورهن. ويفسر قوله تعالى : ( واللاتي تخافون نُشوزهنّ) فإنه يعني : استعلاءهن على أزواجهن ،وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن ،والخلاف عليهم فيما لزمهن طاعتهم فيه بغضاً منهن ،وإعراضاً عنهم .      ويقول ابن كثير في السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنَّه قال :” يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه ،قال ” أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ،ولا تضرب الوجه ،ولا تقبح ،ولا تهجر إلاَّ في البيت “وقوله : ( واضربوهن) أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ،ولا بالهجران فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح .     وهنا نجد ابن كثير يورد رواية تناقض ما أورده بشأن أسباب نزول آية القوامة ،عن أبي الحسن البصري أنّه جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أنَّ زوجها لطمها ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” القصاص” ،فأنزل الله عزّ وجل ( الرجال قوَّامون على النساء) ،فرجعت بغير قصاص.      فنجده هنا أعطى للقوامة معنى القهر والضرب والاستعباد ،كما نجده يزعم بأنّ الله أقر ضرب الزوجة ،وأقر ضرب الوجه ،في حين نجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن ضرب الوجه ،فكيف ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر أقرَّه الخالق؟     وهل يُعقل أنَّ الله يقر ضرب الزوج لزوجه ،وهو القائل : ( ولهن مثل الذي عليهن ) ،وقوله : ( هُنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن)  ،وقوله : ( وعاشروهن بالمعروف ) ،وقوله ( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ؟ معنى كلمة الضرب     وكلمة الضرب لها معاني كثيرة ،منها : المفارقة والترك والاعتزال  ،وهذا المعنى الذي يتفق مع هذه الآية،وتؤكده السنة النبوية الفعلية حين فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت زوجاته حين نشب بينه وبينهن الخلاف ،ولم يتعظن وأصررن على عصيانهن وتمردهن رغبة في شيء من رغد العيش ،فلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ” المشربة” شهراً كاملاً تاركاً ومفارقاً لزوجاته ومنازلهن مخيراً إياهن بعدها بين طاعته والرضا بالعيش معه على ما يرتضينه من العيش ،وإلاَّ انصرف عنهن وطلَّقهن في إحسان ( عسى ربه إن طلقكًنَّ أن يُبدله أزواجاً خيراً منكنَّ)  ،وهو عليه أفضل الصلاة والسلام لم يتعرَّض لأي واحدة منهن خلال ذلك بأي لون من ألوان الأذى الجسدي ،أو اللطم ،أو المهانة بأية صورة من الصور ،ولو كان الضرب بمعنى الأذى الجسدي والنفسي أمراً إلهياً ودواءً ناجعاً لكان عليه السلام أول من بادر إليه ويفعل ويطيع.     كما نجد ابن كثير  يورد حديث ” لا تضربوا إماء الله ” ,وأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ذئرت النساء على أزواجهن ،فرخص رسول الله في ضربهن ،فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم ” رواه النسائي وابن ماجه .    وليقر ابن كثير ضرب الزوجة نجده يستدل بحديث ضعيف ,وهو : ” لا تسأل الرجل فيما ضرب زوجته”. فنجد هنا تضارب في المعنى ،وفي الأحاديث التي أستدل بها ،وفيها خلط بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة.   كما نجده يستند إلى أحاديث ضعيفة ليثبت فضل الزوج ،ويوجب على المرأة تقديسه مثل حديث ( لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)     نلاحظ هنا أنَّ الإمام الطبري  لا يختلف كثيراً عن ابن كثير ،وإن كان أخف وطأة منه ،وذلك لأنَّه نسبياً أقرب لعصر النبوة من الإمام  ابن كثير الذي عاش فترة التراجع الحضاري التي مرَّت بالأمة ،فتأثر بالفكر السائد في عصره،الذي يقول عنه  الدكتور محمد عمارة في كتابه التحرير الإسلامي للمرأة ( ويكفي أن نعرف أنَّ كلمة ” عوان” التي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بها النساء في خطبة حجة الوداع ،والتي تعني في لسان العرب : النَّصَف والوسط” أي الخيار ،وتعني ذات المعنى في موسوعات مصطلحات الفنون  ..قد أصبحت تعني ـ في عصر التراجع الحضاري ـ أنَّ المرأة أسيرة لدى الرجال ،أنَّ النساء أسرى عند الرجال … وأنَّ القوامة هي لون من ألوان القهر لأولئك النساء الأسيرات ! حتى وجدنا إماماً عظيماً مثل ابن القيِّم يعبر عن واقع عصره ـ العصر المملوكي  ـ فيقول هذا الكلام الغريب العجيب : ” إنَّ السيد قاهر لمملوكه ،حاكم عليه ،مالك له ،والزوج قاهر لزوجته ،حاكم عليها ،وهي تحت سلطانه ،وحكمه شبه الأسير”.      والإمام ابن كثير عاش في العصر المملوكي ،وتأثره بالفكر السائد في عصره غلب عليه في تفسيره ،فجعله يفسر آيتي القوامة والنشوز بما يناقض ما جاء في القرآن الكريم من مساواة المرأة بالرجل في الإنسانية ،فقوله الرجل أفضل من المرأة يتناقض مع عدل الله في خلقه ، ومع قوله تعالى : يا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكًمُ الَّذِي حَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [ النساء : 1]   وقوله جل شأنه : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ،فجعل هنا مقياس الأفضلية التقوى ،وليس الذكورة.   وقوله صلى الله عليه وسلم : ” إنَّما النساء شقائق الرجال”   ،وقوله صلى الله عليه وسلم ” أيها الناس إنَّ ربكم واحد ،وأباكم واحد، كلكم لآدم ،وآدم من تراب ،وليس لعربي على عجمي ،ولا لعجمي على عربي ،ولا لأحمر على أبيض ،ولا لأبيض على أحمر فضل إلاَّ بالتقوى ،ألا هل بلغت ؟ ! اللهم فاشهد .ألا فيبلغ الشاهد منكم الغائب ”           الخاتمة       وبعد  هذا العرض السريع لطبيعة دوري المرأة والرجل وما ترتب عليهما من اتفاق واختلاف يتضح لنا أنَّها قد تساويا في الحقوق المتعلقة بإنسانيتهما ،واختلفا في بعضها نتيجة لاختلاف دوريهما ،ولا أفضلية لأحدهما على الآخر إلاَّ بالتقوى ( إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم)                         

Leave a Reply