كي تستمر الجمعيات الخيرية في عطائها

كي تستمر الجمعيات الخيرية في عطائها

د. سهيلة زين العابدين حمّاد
نُشر في العدد الأول من  مجلة ” بر جدة” رمضان 1441ه/ إبريل
2020م

   العمل الخيري هو
مجموعة من الأعمال الخيرية التي يقوم  بها
بعض الأشخاص، أو المؤسسات الذين يتحسسون آلام الناس وحاجتهم الأمر الذي يدفعهم إلى
تقديم التبرع بجهودهم وأوقاتهم وأموالهم لخدمة الناس بهدف تقديم الخير والمنفعة
لهم إضافة إلى تخفيف المعاناة عن الناس سواء كانوا فقراء، أو كبار سن، أو ذوي الهمم
(ذوي الاحتياجات الخاصة) ، أو أيتام، أو ضحايا كوارث طبيعية أو حروب.
  والعمل
الخيري موجود في كل المجتمعات، وفي كل العصور والأزمان، ويُسهم في النهوض بالمجتمعات،
ويتعاون مع الحكومات في تضييق هوة الفقر في تلك المجتمعات، وغير مرتبط بدين بعينه،

فنزعة الخير نزعة إنسانية فطرية تختلف قوتها باختلاف البيئة والقيم والمبادئ التي
تربى عليها الفرد، وهو من أهم وسائل التكافل الاجتماعي للنهوض بالمجتمعات وتضييق
فجوة الفقر فيها بمساعدة الحكومات على مساعدة الفقراء المعدمين  في تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتأمين حياة
كريمة لهم، بتوفير فرص عمل شريفة لهم، ولعل مشروع ” بنك الفقراء ” جرامين”
الذي أسسه المواطن البنجلاديشي محمد يونس نموذج يُحتذى للأعمال الخيرية الذي حقّقت
نهوضًا بالأحوال المعيشية لملايين الفقراء في مختلف دول العالم؛ إذ قدّم شخص واحد
بتأسيسه  لبنك “جرامين” الائتمان
لملايين الفقراء حول العالم. وأصبحت المؤسسة التي بدأت في قرية جوبرا في بنجلاديش في
عام 1976 بقرض يبلغ 27 دولارًا أحد أهم البرامج المناهضة للفقر في العالم. ويضم
البنك حاليًا ما يزيد على 2500 فرعًا، ويعمل لديه حوالي 26 ألف موظف، وأقرض البنك
مليارات الدولارات للملايين من الفقراء بمعدل استرداد قدره 98%..
   وتُشكِّل الجمعيات
الخيرية في العالم على تنوع أنشطتها واختلاف مجالات عملها دورًا اجتماعيًا هامًا
في إطار تلبية حاجات المجتمع والاستجابة لمتطلباته وهي من خلال هذا الدور تسهم في
نشر قيم الخير وتعزيزه بين أفراده وجماعاته، هذا ويبلغ عدد الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية طبقًا
لإحصائيات 2019م ( 1050) جمعية منها: 230 جمعية تعاونية، و150 مؤسسة خيرية، و530 لجنة
تنمية، ومؤخرًا أعلنت بعض الجمعيات الخيرية إفلاسها، منها
(جمعية فتاة ثقيف)، ويرجع
إفلاس تلك الجمعيات إلى عدة أسباب منها:
  1.    أنّ الكثير من أصحاب الشركات ورجال الأعمال
    والداعمين كانوا يقدمون منحًا للجمعيات الخيرية، وتبرعات، وزكاة أموالهم ولم
    يستطيعوا الوفاء بها.
  2.   فرض التأمين الطبي على موظفات الجمعيات
    الخيرية وأسرهم وهذا يكلف كل جمعية مبالغ كبيرة شهريًا .
  3. افتقارها
    إلى مصادر التمويل الذاتي الذي يضمن لها الديمومة والاستمرارية.
  4. افتقار
    بعضها إلى الشفافية في بيان مواردها ومصاريفها لمموليها من خلال تقارير سنوية
    عن ميزانيتها معدة من قبل محاسب قانوني معتمد يوضح مصارف المبالغ التي تدخل
    للجمعية لكسب ثقة مموليها.
        وحتى تستمر الجمعيات الخيرية في عطائها ونشاطها،
أقترح الآتي:
أولًا: أن تتولى وزارة
الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية دفع
التأمين الطبي على موظفي
الجمعيات الخيرية وأسرهم، أو تُسهم بنصيب منها.
ثانيًا: أن يشرف على ميزانيات الجمعيات الخيرية
محاسبون قانيون معتمدون، وتصدرها الجمعيات في تقارير سنوية مبينة بنود مواردها ومصارفها
مع عرض أنشطة الجمعية وإنجازاتها، وتزود مموليها بنسخ منها مع إكسابهم عضوية
جمعيتها العمومية.
ثالثًا: أن تزيد وزارة الموارد البشرية والتنمية
الاجتماعية من قيمة المعونة السنوية للجمعيات الخيرية.
رابعًا: إعفاء الجمعيات الخيرية من الضريبة
المضافة.
خامسًا:
تمكينها من مصادر التمويل الذاتي الذي يضمن لها الديمومة والاستمرارية بتزويدها بصناديق
الأوقاف الاستثمارية، خاصة أنّ  الهيئة
العامة للأوقاف قد أطلقت أولى مبادراتها التنموية المتمثلة في مشروع الصناديق
الاستثمارية الوقفية بالتعاون مع هيئة السوق المالية، حيث تهدف الصناديق إلى
الإسهام في تلبية الاحتياجات المجتمعية والتنموية، ورفع مساهمة القطاع غير ربحي في
الناتج المحلي، كما تلتزم الصناديق بالمتطلبات الواردة في لوائح صناديق الاستثمار
الصادرة من هيئة السوق المالية، حيث الصناديق الاستثمارية الوقفية
:
       
   
صناديق غير محددة
المدة
.
            
 
جميع
وحداتها موقوفة وغير متداولة
.
            
 
المساهمة
متاحة للجميع
. وفق شروط وضوابط تضعها
الهيئة العامة للأوقاف.
           
يصرف ريعها للجهات المستفيدة من الصندوق
وفق شرط الواقف لتستفيد منها الجمعية الخيرية، وضمان استمراريتها وعدم إفلاسها
.
إنّ الناظر في وضع دول
الغرب اليوم يرى الكثير من المؤسسات والمراكز البحثية العلمية، وكذلك الكثير من
المؤسسات الصحية والتعليمية والخيرية تستند في تأسيسها على أمانات وقفية استمدت
جذورها من الرقي الذي وصل إليه الوقف إبّان  ازدهار الحضارة الإسلامية في الوقت الذي يلاحظ
فيه تعطل هذه السنة في المجتمع الإسلامي؛ إذ يكاد يقتصر الوقف على دور العبادة أو
الإنفاق على طلبة العلم الشرعي، وكذلك الوقف العائلي، بينما كان الوقف الخيري يشمل
مناحي كثيرة ، مثل وقف سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ إذ أصاب أرضًا في خيبر،
وأوقفها على  الفقراء، وذوي القربى، وفي
الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها
بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه، ولكنّها لا تُباع ولا تورث ولا توهب وعيّن
ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ناظرة عليها، وهي أوّل ناظرة وقف في الإسلام،
ووقف سيدنا  عثمان رضي الله عنه بئر رومة ليُسقى
منها المسلمون مجانًا، فعن عثمان  بن عفان
رضي الله عنه  ” أن النبي صلى الله عليه
وسلم قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: ” من يشتري بئر رومة
فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي ”
 وكانت البئر ملكًا لرجل من مزينة يسقي عليها بأجر، ويعنت الناس بسعره،
فحث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة على شرائها محفزًا لهم بثوابها العظيم عند
الله في الجنة، فاشتراها عثمان رضي الله عنه ووقفها لله.
البريد اليكتروني: Suhaila_hammad@hotmail.com









Join the discussion