تغييب دور الصحابيات الجليلات في تأسيس دولة الإسلام الأولى في مناهجنا الدراسية(3)

تغييب دور الصحابيات الجليلات في تأسيس دولة الإسلام الأولى في مناهجنا الدراسية(3)

سهيلة
زين العابدين حمّاد
نُشر
في جريدة المدينة في عدد يوم الأحد بتاريخ 9/3/ 2020م

    أواصل الحديث عن تغييب
معدي مناهج التاريخ دور الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن في تأسيس دولة
الإسلام الأولى وبنائها الحضاري، ومن المؤسف تجاهل هذه المناهج مشاركة المرأة في
القتال كما تجاهلوا دورها في الهجرة والبيعة، وتحملها الحصار والتعذيب، فكان أول
شهيد في الإسلام امرأة، كما عرّضت حياتها للمخاطر لمساندة الرسول(ص) وحمايته من
الأذى.

  فلقد كان للمرأة حق في غنائم الحروب لمشاركتها
في القتال، وقيامها بمداواة الجرحى، وسقياهم، فها هي نسيبة بنت كعب” أم
عمارة” رضي الله عنها في موقعة أحد تلقّت الضربات عن الرسول صلى الله عليه
وسلم  لما انهزم المسلمون، وأخذت ترمي
بالقوس، وتقاتل أشد القتال، وتتلقى الضربات عنه وهي حاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت
ثلاثة عشر جرحًا أبلغها جرحًا في عاتقها، وظلّت تداوي هذا الجرح عامًا كاملًا، وتمضي
الأيام، وتظل الفدائية التي تخدم الإسلام بكل ما تستطيع في الحرب والسلام، فشهدت
مع رسول الله(ص) بيعة الرضوان في الحديبية، وهي بيعة المعاهدة على الشهادة في سبيل
الله، كما شهدت يوم حنين، كما شاركت بالقتال في حروب المتمردين الممتنعين عن دفع
الزكاة، وفي موقعة اليمامة في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه،
ومن
قاتلن في أحد خُناس بنت مالك بن المضرب، ومن
اللائي شاركن  في القتال مع الرسول(ص) أم سليم بن ملحان، وأم
حرام بنت ملحان، وأم الحارث الأنصارية، والربيع بنت معوذ عفراء، وأم سنان الأسلمية،
وأم سليط، ليلى الغفارية، وكعيبة بنت سعيد الأسلمية، وحمنة بنت جحش، وأم زياد
الأشجعية، ورُفيدة الأسلمية أول طبيبة جرّاحة وممرضة في الإسلام،
نشأت في عائلة لها صِلَة قوية بالطب، فوالدها “سعد الأسلمي” كان طبيب ومعلمها
الخاص حيث اكتسبت رُفيدة منه خبرتها الطبية. وقد كرست حياتها للتمريض ورعاية
المرضى، وأصبحت طبيبة متخصصة. وعلى الرغم من استحواذ الرجال وحدهم بعض المسؤوليات
كالجراحة وبتر الأعضاء، مارست رُفيدة الأسلمية مهاراتها في المستشفى الميداني
والتي كانت تقام في خيمتها أثناء العديد من 
المواقع الحربية؛ حيث أمر الرسول(ص) بنقل الجرحى إلى خيمتها،
ومنهم سعد بن معاذ، وقد
استخدمت رُفيدة مهارتها
وخبرتها الطبية في تطوير أول وحدات العناية المتنقلة لكي تلائم الاحتياجات الطبية
للمجتمع لتوفير الرعاية والاستقرار للمرضى قبل إجراء العمليات الجراحية. وقد قادت
رُفيدة مجموعة من الممرضات المتطوعات في المعارك لعلاج الجرحى. وشاركت رُفيدة في مواقع
بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها من المواقع، وخلال فترات السلام، استمرت في جهودها
الإنسانية بتوفير المساعدات للمحتاجين من المسلمين.
    وفي كل
عام تمنح الكلية الملكية للجراحين في إيرلندا وجامعة البحرين جائزة رُفيدة
الأسلمية للطالب المميز. ويحدد الفائز بالجائزة فريق من كبار الأطباء، ونحن نتجاهل
مجرد ذكرها في مناهج السيرة النبوية!!!!
 لم تكن رُفيدة الأسلمية فقط هي
من تداوي الجرحى، بل كان هناك غيرها من نساء الصحابة ممن يذهبن للقتال مع النبي(ص)،
ويداوين الجرحى، منهن أم عطية، والرُّبَيِّع بنت معوذ وأم سليم وغيرهن.
كما نجد معدي مناهج التاريخ عند حديثهم عن صلح الحديبية تجاهلوا
أخذ رسول الله(ص)المشورة من أم المؤمنين أم سلمة(ر) في أمر هام من أمور الدولة،
عندما رفض صحابته رضوان الله عليهم التحلل من الإحرام، فأشارت عليه أن يبدأ بنفسه،
وسوف يتبعونه، فأخذ برأيها.
   كما كان من الصحابيات رضوان الله عليهن راويات للحديث، كما
شاركن في الحياة العامة في مختلف مجالاتها الفكرية والثقافية والعملية والمهنية،
في الرعي، والزراعة والصناعة، وصناعة النسيج، والتجارة، فقد تولت سمراء بنت نُهيك
الأسدية(ر) أمر السوق في مكة المكرمة على عهد الرسول(ص)،كما روى الطبراني، و
روي
أنَّ أم المؤمنين زينب بنت جحش الأسدية كانت امرأة صنَّاع اليد تدبغ وتخرز وتتصدق
في سبيل الله[ابن سعد الطبقات 8/110،ابن الأثير: أسد الغابة 5م463-465،ابن حجر :الإصابة
8/92رقم 486.] وكانت تصبغ ثوبها بالمغرة[ابن الأثير: أسد الغابة 5/638.] وقال أنس
بن مالك: كانت امرأة بالمدينة عطَّارة تسمى” الحولاء”، وكانت قد زارت
بيت أم المؤمنين عائشة(ر) تشكو أمر زوجها، فدخل رسول الله(ص)، وقال إنِّي لأجد ريح
الحولاء، فهل أتتكم، وهل ابتعتم منها شيئًا؟[
ابن الأثير: أسد
الغابة 5/432-433.] وكانت الصحابية المعروفة” أم شريك ” تفتح بيتها
للضيفان، فينزل عليها المهاجرون وغيرهم، وكان ذلك شأنها: تدبر منزلها، وتجعله داراً
لضيافة القاصدين[ابن حجر:الإصابة 4/455]
 كما عمل بعض الصحابيات في تجميل النساء واقيينهن،
مثل أسماء مقينة أم المؤمنين عائشة(ر) عند زواجها على الرسول(ص)[
ابن الأثير: أسد
الغابة 5/394-394.]
 فكيف يتجاهل معدو مناهج التاريخ هذه
الأدوار العظيمة التي قام بها الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن في تأسيس
الدولة الإسلامية وبنائها الحضاري، ويُغيّبون دورها وكأنّها لم تكن؟
المصدر: جريدة المدينة https://www.al-madina.com/article/676246

Join the discussion