جيران الرسول صلى الله عليه وسلم بين التهجير وقلة التعويضات وانعدام البديل

جيران الرسول صلى الله عليه وسلم بين التهجير وقلة التعويضات وانعدام البديل

جيران الرسول صلى الله عليه وسلم  بين التهجير وقلة التعويضات وانعدام البديل
                    بقلم/د. سهيلة زين العابدين حمّاد 
    جمعينا نحن أهالي المدينة المنورة، نتنمى أن تكون المدينة أجمل مدن العالم، ونُقدِّر أهمية توسعة خادم الحرميْن الشريفين الملك عبد الله للمسجد النبوي الشريف، ولكن  حصلت بعض  التجاوزات والأخطاء من المخطّطين والمنفِّذين للمشروع  أدّى إلى إلحاق الضرر بأهل المدينة المنورة لا تُرضي عدالة خادم الحرميْن الشريفيْن الذي أراد ويريد الخير للمدينة وأهلها،


وعملًا  والتزامًا بمقولة الملك عبد العزيز– رحمه الله- في خطبة له في المدينة المنورة:” إنّ من حقكم علينا النصح لنا، فإذا رأيتم خطًأ من موظف، أو تجاوزًا من إنسان فعليكم برفع ذلك إلينا لننظر فيه، وإن لم تفعلوا ذلك، فقد خُنتم أنفسكم ووطنكم وولاتكم”. أستأذن القائمين على تخطيط وتنفيذ المشروع بطرح تلك التجاوزات والأخطاء؛ إذ تجاوزوا المادة (18) من النظام الأساسي للحكم التي تنص على: “تكفِل الدولة حرية الملكية الخاصة وحرمتها، ولا ينزع من أحد ملكه إلا للمصلحة العامة على أن يُعوّض المالك تعويضًا عادلاً” .ويظهر هذا التجاوز في التالي:
1. إجمالي المباني المزمع إزالتها هي(14300)مبنى،و310 فندقًا،و175 مسجدًا، و(106)مدرسة،
و(5000) دكانًا، مع تحويل مزارع المدينة التاريخية في قباء والميقات وعلى الأودية إلى ملكية عامة في حين  تتطلب توسعة الحرم النبوي الشريف وساحاته نزع ملكية(1470)مبنى فقط، فلماذا تُنتزع ملكية هذا الكم المهول من المباني ومرافقها؟ وفي هذا مخالفة للمادة(18)من النظام الأساسي للحكم، لتجاوز نزع ملكية كل هذه المباني والمزارع الصالح العام، لأغراض استثمارية، ومثل هذا لم يحدث من قبل في أي مدينة من المدن عبر العصور المختلفة بإزالة المدن القديمة بكاملها بآثارها التاريخية، وتحويلها إلى ملكية عامة، بل توجد قوانين تحمي المدن القديمة، وتمنع إزالتها، ولا يوجد في أكبر مدن العالم شارع بعرض(300)م،كما هو مخطط لمد أربع شوارع بهذه العرض في المدينة،منها(درب السُّنة)وأسأل هنا هل درب السنة الذي سلكه رسول الله ، كان بعرض (300)مترًا، وكيف تريدون إحياء درب السنة، وهو قائم وموجود، وستزيلون مسجد الجمعة من أجله،فقد أعيد ترقيم إزالته؟
2. لم يحترم القائمون على تنفيذ المشروع حرمة الملكية الخاصة؛إذ يُفاجِئون أصحاب العقارات بترقيم عقاراتهم بأرقام الإزالة، إنّ سيدنا عمر رضي الله عنه عندما أراد نزع ملكية بيت العبّاس رضي الله عنه لصالح توسعة المسجد النبوي الشريف، لم يباغته بنزع ملكية بيته، إنّما عرض عليه الأمر، وخيّره بإعطائه المال الذي يريده عوضًا عن بيته، أو موقعًا يختاره يبني له بيتًا فيه كما يريد من مال بيت المسلمين، أو يتصدق به، فرفض العباس، واحتكما إلى أُبّي بن كعب رضي الله عنه، فحكم للعباس، فتصدّق ببيته لصالح التوسعة، وبنى له عمر رضي الله عنه بيته المعروف بالزرواء من مال بيت المسلمين.
3. لم يلتزم المُثمِّنون بما ورد في المادة(18)وهو تعويض المالك تعويضًا عادلًا، فقد كشف رئيس لجنة التثمين العقاري بغرفة المدينة عن وجود أكثر من 300 قضية منظورة لدى ديوان المظالم تشمل تظلمات من ضعف التقديرات لنزع الملكيات لصالح التوسعة الكبرى للمسجد النبوي.[جريدة المدينة الصادرة في 4/3/2014]؛ لذاعلّق عضوا لجنة التقديرات من الغرفة عضويتهما وعملهما في اللجنة اعتراضًا منهما على ضعف التقديرات؛ إذ وجدا تدني مبالغ التقديرات عن القيمة الحقيقية للعقار تجاوزت الضِعف في بعض المواقع التي تم الوقوف عليها خلال شهر من تاريخ عمل اللجنة، فقد خالفت اللجنة ما ورد في المخطط الشامل للمدينة أنّ تقدير المتر الواحد في منطقة الحرم سيكون أربعمائة ألف ريال، كما لم تراع ارتفاع مؤشر العقارات بنسبة 252 % قبل البدء في تنفيذ المشروع، فما بالكم الآن؟ ولم يقدّروا القَيمة الفعلية لِسعْر المتر بناءً على الواقع ومكانة جوار رسول الله ، وارتفاع الأسعار المتوقع للأراضي والعمائر في ظل زيادة الطلب عليها، وقلة المعروض، وارتفاع تكلفة البناء، مع حرمانه من دخل عمارته المنزوعة، والصرف على معيشته وأسرته من قيمة التعويض طوال فترة بناء الجديد، التي قد تفوق الخمس سنوات نتيجة تعقيدات أمانة البلدية، إضافة إلى تعقيدات المحكمة إن كان العقار المنزوع وقفًا، وأكثر من 90% من الأوقاف الأهلية بالمدينة المنورة منزوع ملكيتها في هذا المشروع، ولكن لا تُعطى مهلة إلّا شهر واحد للإخلاء، قبل إجراءات الإفراغ،واستلام التعويض دون إيجاد بدائل لمساكنهم ومدارس لأولادهم، والدراسة المسائية حل غير منطقي،خاصة للطالبات،فمساحة المناطق العمرانية في المدينة تبلغ 99 كم²، وعندما يُنتزع ملكية أكثر من(25) كم² في وقت واحد ماذا يبقى فيها، ولم تُخطط أحياء بديلة بكامل مرافقها؟ أين يجد عشرات الألوف من الأسر سكنًا بديلًا خلال شهر، والمدينة فيها أزمة سكن قبل البدء في مشروع التوسعة، فكيف الحال الآن، وكم سيبلغ إيجار الشقة؟وهل بمقدور كل المهجّرين من مساكنهم دفع إيجار شقة قد يفوق المائة ألف ريال؟، فلا أستبعد أن نرى مشهد الخيام منتشرًا في المدينة المنورة، ولا نلومن من سيسكنونها، وإنّما نلوم المخططين الذين لم يسألوا أنفسهم عندما ينزعون ملكية أكثر من ربع المناطق العمرانية دفعة واحدة قبل إيجاد البديل،هل ما سيبقى من مبان ومرافق وخدمات عامة سيستوعب سكان المدينة بأكملهم والحجاج والمعتمرين؟ وأين سيسكن فقراء الحجّاج والمعتمرين ـــ وهم يمثلون الغالبية العظمى ــــ بعد إزالة جميع المباني القديمة القربية من الحرم وما حوله، فقدراتهم المالية لا تسمح بسكنى مبان حديثة وفنادق خمسة نجوم؟
          إنّ تطوير المدينة  ليس بحمو ذاكرتها التاريخية بهدم كل قديمها وكثير من حديثها، ولكن بتخطيط      أحياء جديدة على أحدث الطرز المعمارية بشوارع عريضة وحدائق عامة وميادين واسعة، بها كامل الخدمات والمرافق العامة توصل بالحرم والمناطق التاريخية المتبقية بمترو أنفاق؛ لذا أناشد المسؤولين عن هذه التوسعة أن يقتصر نزع الملكيات على المساحة المطلوبة لتوسعة الحرم وساحاته فقط،ويتم تخطيط أحياء جديدة بدلًا من الأحياء المُنتزع ملكياتها،وتوفير كل المرافق والخدمات فيها، مع صرف تعويضاتها المالية المنصفة والمجزية لهم، والتي تُرضيهم، وإبقائهم في عقاراتهم القديمة إلى أن يتم بناء الجديد.
Suhaila_hammad@hotmail.com
المصدر: جريدة البلاد العدد 20849 ، الصادر في يوم الخميس 10 جمادي الآخرة 1435ه، الموافق 10 إبريل 2014م.
Join the discussion

1 comment
  • بارك الله فيكم ايتها السيدة الفاضلة ..انا استغرب فعلا عدم وصول نداءاتكم لصاحب القلب الكبير الملك التقي خادم الحرمين الشريفين