1-تصحيح الخطاب الإسلامي للمرأة

تلقي النساء العلم في المسجد النبوي الشريف وتدريسه في القرون الهجرية الأولى

By 1 month agoOctober 29th, 2022No Comments

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

نُشر في المدينة المنورة بتاريخ 20 أكتوبر عام 2022م

 في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي نبغ الآلاف من العالمات المبرزات والمتفوقات في أنواع العلوم وفروع المعرفة وحقول الثقافة العربية الإسلامية، وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه “الإصابة في تمييز الصحابة”، لثلاث وأربعين وخمسمائة وألف امرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات. وذكر كل من الإمام النووي في كتابه” تهذيب الأسماء واللغات”، والخطيب البغدادي في كتابه ” تاريخ بغداد”، والسخاوي في كتابه ” الضوء اللامع لأهل القرن التاسع”، وعمر رضا كحالة في” أعلام النساء”، وغيرهم ممن صنف كتب الطبقات والتراجم، تراجم مستفيضة لنساء عالمات في الحديث والفقه والتفسير وأديبات وشاعرات .

  ولقد تفوقت المرأة المسلمة على الرجل في جوانب  كثيرة في علوم الحضارة الإسلامية، وخاصة في جانب علم الحديث ومعرفة رواته، ويسجل تلك الشهادة أئمة علم الحديث والمصطلح، فيقول الإمام الذهبي:” وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها”. ويؤكد هذا الحكم على تزكية النساء في علم الحديث الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث يقول :” لا أعلم في النساء من اتهمت ولا تركت.”

و كان حرص النساء على طلب العلم الشرعي والاهتمام به منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة رضي الله عنهما أنّ النساء قلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “اجعل لنا يومًا كما جعلته للرجال قال: فجاء إلى النساء فوعظهن وعلمهن.”

  وقد كان عطاء بن رباح رحمه الله يقول عن السيدة عائشة رضي الله عنها : “كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس، وأحسن الناس رأي”.

  وكذلك كل أمهات المؤمنين – رضوان الله عليهم – جميعًا، وأغلب نساء الصحابة أيضًا، فتلك الأعداد الهائلة من النساء اللواتي ساهمن في الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية ليس بوسعي استيعابهن جميعًا في هذا المقال، ويمكن للمستزيد الرجوع إلى تلك الكتب، وإنّما سوف أذكر نماذج قليلة وتراجم يسيرة من النساء العالمات من بعد عهد الصحابة رضوان الله عنهم اللاتي تلقيْن علومهن في المدينة المنورة:

السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنه (ت:126ه/744م) كانت من الأدب والفصاحة بمنزلة عظيمة مع ما هي عليه من التقوى والورع والعبادة، وكان منزلها مألف الأدباء والشعراء، فهي بذلك من أول من أنشأوا “الصالون الأدبي” بمفهومنا المعاصر، وهي أوّل ناقدة أدبية، وكانت كثيرة التفقه والتدبر في شؤون الدين الحنيف، وقد اعتبرها المؤرخون من أشهر فقهاء وعلماء جيل التابعين. ولدت السيدة سكينة سنة 47 هجرية، وأمها هي الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبي، وعند ولادتها أطلق الإمام الحسين عليها اسم «آمنة» تيمنًا باسم جدتها أم النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنّ أمها اختارت لها اسم «سكينة» بعد أن شعرت بأنّ نفوس أهلها وأسرتها كانت تسكن إليها من فرط فرحها ومرحها وحيويتها، كما قيل عن سبب تسميتها باسم «سكينة» نظرًا لما ظهر عليها وهي طفلة صغيرة من أمارات الهدوء والسكينة، وقد غلب هذا اللقب على اسمها الحقيقي، وعرفها الناس في زمانها والأزمنة اللاحقة باسم «سكينة». وعندما وقعت معركة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الحسين رضي الله عنه كانت سكينة في الرابعة عشرة من عمرها، ولما أراد الإمام الحسين توديع أهله قبل ذهابه إلى كربلاء ظلت في مكانها باكية، فلاحظ ابنته على هذا الحال، فتوجه إليها يكلمها ومصبرًا لها، وقد عاشت حياة حافلة بالعلم والأدب والنشاط الاجتماعي، فكانت السيدة سكينة سيدة نساء عصرها وأوقرهن ذكاءً وعقلًا وأدبًا وعفة، تزين مجالس نساء أهل المدينة بعلمها وأدبها وتقواها، منـزلها ندوة دائمة للعلم والفقه والحديث، وهو ما جعل بعض المؤرخين يطلقون عليها لقب «سيدة نساء عصرها وعقيلة قريش»، وكانت من الأدب والفصاحة بمنزلة عظيمة مع ما هي عليه من التقوى والورع والعبادة، وكان منزلها مألف الأدباء والشعراء، وهي بذلك تعد من أول من أنشأ «الصالون الأدبي» بمفهومنا المعاصر. بيان وفصاحة كانت رضي الله عنها ذات بيان وفصاحة وذكاء، ولها السيرة الجميلة والكرم الوافر، متصفة بنبل الفعل وجميل الخصال وطيب الشمائل، ذات عبادة وزهد، كلما كبرت في سنها تزداد قربًا من الله. ومما يروى عن السيدة سكينة ما رواه ابن الجوزي عن سفيان الثوري قال: أراد علي بن الحسين الخروج إلى الحج أو العمرة فاتخذت له اخته سكينة بنت الحسين سفرة أنفقت عليها ألف درهم وأرسلت بها إليه فلما كان بظهر الحرة أمر بها ففرقت في الفقراء والمساكين. وفى الثلث الأخير من حياتها حرصت السيدة سكينة على تعليم المسلمين فضائل وأخلاقيات بيت النبوة، كما كان لها تأثير كبير في شتى ميادين العلم والفقه والمعرفة والأدب، الأمر الذي جعل المؤرخين يضعون اسمها في قائمة المجددين في علوم الإسلام وحضارته العظيمة. وتوفيت السيدة سكينة في المدينة المنورة .

السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما  حفيدة  حفيد (سبط) رسول الله عليه الصلاة والسلام المولودة بمكة سنة 145هـ/762م نشأت بالمدينة المنورة حيث درست بها في شبابها في كبريات حلقات العلماء في عصرها في المسجد النبوي، مثل الإمام مالك بن أنس، ودرّست الحديث النبوي والفقه حتى لُقبت بِ” نفيسة العلم، ورحلت إلى مصر مع أبيها وزوجها وابنها وبنتها في رمضان عام 193ه/809م، وعُرفت بعلاقتها الأخوية والعلمية يتناقشان معًا في قضايا مختلفة تتعلق بالفقه وأصوله، كان يزورها في بيتها بإذن منها، وأوصى الشافعي أن تصلي عليه في جنازته، فمرت الجنازة بدارها، حين وفاته عام 204ه/819م وصلّت عليها إنفاذًا لوصيته. ويذكر أنّ الإمامَ أحمد بن حنبل كان يحضر مجالس السيدة نفيسة. فهذه العالمة تتلمذ عليها اثنان من كبار العلماء المسلمين في العالم، الشافعي وابن حنبل .قال الذهبي عنها: السيدة المكرمة، الصالحة، ابنة أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن السيد، سبط النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، العلوية الحسنية، صاحبة المشهد الكبير المعمول بين مصر والقاهرة. ولي أبوها المدينة للمنصور، ثم عزله وسجنه مدة، فلما ولي المهدي أطلقه وأكرمه ورد عليه أمواله، وحج معه.

 وتحولت هي من المدينة إلى مصر مع زوجها الشريف إسحاق بن جعفر بن محمد الصادق فيما قيل ، توفيت بمصر في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين. [ الذهبي. سير أعلام النبلاء للذهبي .10/  106، 107.]

فاطمة ابنة الإمام مالك بن أنس وجاريتها

 وكذلك ما روي عن الإمام مالك رحمه الله حين كان يقرأ عليه( الموطأ ) فإنْ لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب، فيقول أبوها للقارئ : ارجع فالغلط معك، فيرجع القارئ فيجد الغلط.

والغريب أنّه كان لمالك رحمه الله تعالى ثلاثة أبناء ذكور هم يحيى ومحمد وحمّاد، فلم يشتهر بالعلم منهم إلّا ابنته فاطمة رحمها الله.

وكذلك ما حكي عن أشهب أنّه كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأنّه اشترى خضرة من جارية وكانوا لا يبيعون الخضرة إلّا بالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز، فأتنا نعطيك الثمن، فقالت : ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ قالت: لأنّه بيع طعام بطعام غير يد بيد، فسأل عن الجارية، فقيل له إنّها جارية العالمة الفقيهة فاطمة بنت مالك بن أنس رحمه الله تعالى.

البريد الاليكتروني : Suhaila_hammad@hotmail.com

رابط المقال : https://www.al-madina.com/article/810910/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D8%AA%D9%84%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89

Leave a Reply