حديث الذكريات

حديث الذكريات ٦

By 2 months agoApril 26th, 2021No Comments

توقفّتُ في الحلقة الماضية عند السؤال الثاني فكان نصه : أهم ملامح وسمات المنهج العلمي الذي انتهجه المؤرخون المسلمون القدامى في تسجيل وكتابة أحداث التاريخ في العصور الإسلامية .       ولقد استوقفني في ما كتبته الدكتورة سيدة كاشف بهذا الصدد قولها في صفحة 67 : ( ومن الملاحظ أنَّ معظم المؤرخين في ديار الإسلام كانوا يوردون عدة روايات تاريخية متناقضة دون التعرَّض لنقدها ،أو لترجيح بعضها على بعض ،فضلاً عن الاستطراد الذي يخرج المرء عن الموضوع الأساسي إلى الكلام على موضوعات جانبية . ولاشك أنَّ هذه كانت أموراً عادية في العصور الوسطى لأنَّ مناهج البحث العلمي في التاريخ وتنظيمها إنَّما يرجع إلى القرنين التاسع عشر والعشرين.)  وهي هنا تنسب منهج البحث العلمي إلى الأوربيين ،ومعروف أنَّ  الحسن بن الهيثم قد سبق فرانسيس بيكون في استخدامه وليس كما يدعي الغرب ،وقد استقى ابن الهيثم هذا المنهج من القرآن الكريم فمعروف أن الإغريق قد بنوا حضارتهم وفكرهم على الجدل والسفسطة والتلاعب بالألفاظ ،وكانت هذه سمة العلم في العالم آنذاك ،إذ كان يفهم العلم من خلال معان كيفية ذات أصل فلسفي بحت ،وجاء الإسلام وحرَّم الجدل والفلسفة والتلاعب بالألفاظ موجهاً العقل البشري إلى استخدام منهج علمي متكامل في البحث في الكون ؛إذ دعا إلى النظرة العلمية البحتة إلى الأشياء ،وأرشد إلى المنهج الصحيح في المعرفة فقال تعالى (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين “البقرة 111″وقال تعالى ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاَّ الظن وإن أنتم إلاَّ تخرصون )” الأنعام : 148 “،وقد حثَّنا الله عز وجل على ألاَّ نخطو خطوة إلاَّ بالعلم وقد وهبه الله أدوات البحث والنظر يقول تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)”الإسراء :36”   ورغم هذه الحقائق القرآنية التي سار على نهجها علماؤنا الأوائل ،إلاَّ أننا نجد معظم  الغربيين يزعمون أنهم أصحاب المنهج العلمي ،مع أنَّ جوزيف هيل في كتابه “تاريخ الحضارة الغربية قد أقر أنّ الطريقة التي أتبعها ابن الهيثم في بحوثه وكشوفه هي المنهج العلمي ،وهو بهذا يكون قد سبق بيكون الذي ينسب إليه هذا المنهج ،إلاَّ أننا نجد   وللأسف تؤكد هذا الزعم الدكتورة سيدة كاشف في كتابها مناهج بحث المقرر في معظم الجامعات العربية ،والذي  يؤكد مزاعم أخرى للمستشرقين فيها تجنِ كبير على الإسلام . كما نجد الغرب نسب إلى إسحاق نيوتن اكتشاف الجاذبية الأرضية ،وللأسف درِّس لنا هذا ،مع أنَّ ابن سيناء سبق إسحاق نيوتن بسبعة قرون في معرفة قانون الجاذبية ،إذ أدرك أنَّ الأجسام حينما تهبط فإنها تتجه نحو المركز أي نحو مركز الأرض ،ثمَّ أدرك أنَّ الأجسام المختلفة تتجاذب على نسبة ما بينها من الأقدار “الكبر والصغر” وعلى نسبة ما بينها من الأبعاد ،إنَّ الجسم الأصغر ينجذب نحو الجسم الأكبر. ومعظم المؤرخين المسلمين  الأوائل كانوا محدثين ،وقد طبَّقوا علم الجرح والتعديل على الروايات التاريخية ،وهو منهج علمي بحت .وعلماء الإسلام قد ربَّاهم القرآن ،فكيف يتركون المنهج العلمي في كتاباتهم ،وقد ربُّوا عليه؟ فلقد اعتنى علماء السنة بوضع قواعد وضوابط يعرفون بها صحة المرويات ،واتبعوا منهجاً دقيقاً ،والمصادر المهمة في هذا الشأن هي كتب “مصطلح الحديث ” ،أو ” أصول علم الحديث” ،وأسس هذا العلم موجودة في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنُوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وكان الخلفاء الراشدون أوَّل من سن للمحدثين التثبَّت في الرواية واحتاطوا في قبول الأخبار “فقد جاءت الجدة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث .فقال : ما أجد لك في كتاب الله شيئاً ،ثُمَّ سأل الناس فقام المغيرة ،فقال حضرتُ رسول الله يعطيها السدس ،فقال له : هل معك أحد ،فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها ) ،وكذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقف مشابه مع أبي موسى الأشعري ،وبناءً على هذا ظهر علم نقد الأخبار ،والسؤال عن الرجال والرواة فدوِّنت أخبارهم ورحلاتهم ،وسنيو ولادتهم ووفياتهم وشيوخهم وتلاميذهم ليعرف المتصل والمنقطع من الأسانيد ،وظهر كذلك علم الجرح والتعديل ،وهو الكلام في عدالة الرواة لمعرفة الثقة من غيره. كما دوَّنوا علم علل الأحاديث سواءً علل الإسناد أو علل المتون. وقد دوَّن العلماء هذه القواعد ،وظهرت في كتب خُصصت لهذا الشأن ،مثل كتاب ” الكفاية في علم الرواية “للخطيب البغدادي ،وغيرها كثير . فهذه الكتب تبيِّن طرق نقد الأخبار ،وكيفية الموازنة والترجيح بينها عند التعارض ،كما أنَّ علماء الجرح والتعديل قد قاموا بجهد في هذا الميدان من أمثال : أحمد بن حنبل ،والإمام البخاري ،وأبي حاتم الرازي ،وأبي زرعة ،حيث تكلموا في الرجال ، وفي نقد المتون للأحاديث ،,بيان عللها . ودوَّنوا ذلك في مؤلفات خصصت لهذا الشأن ،فكتب البخاري ثلاثة كتب هي التاريخ الكبير ،والتاريخ الأوسط ، والتاريخ الصغير ، وقد كتب كل من خليفة بن خيَّاط ،ومحمد بن سعد كتاباً في الطبقات ، كما كتب ابن حبَّان كتاباً في الثقات ،وكتاباً في المجروحين من المحدثين ،وأيضاً كتب الخطيب البغدادي كتاباً جامعاً في أسماء العلماء والرواة الذين نشأوا في بغداد ، أو وردوا عليها أثناء رحلاتهم العلمية ، كما كتب ابن عساكر كتاباً مماثلاً سمَّاه تاريخ دمشق [1] ولكن هذا لا ينفي أنَّ كتاب :تاريخ الأمم والرسل  للطبري ، وطبقات ابن سعد ،ومغازي الواقدي ، وغيرها بها روايات تحتاج إلى نقد وغربلة ، كما نجد أنَّ الإسرائيليات قد تسربت إلى بعض كتب التاريخ ،وممَّا ينبغي لفت الانتباه إليه أنَّ معظم كتب التاريخ قام بتحقيقها مستشرقون ، مثل تاريخ الطبري ، وقد استغرق تحقيقه ثلاثين عاماً ، وقام بجمعه عدد من المستشرقين ،وقد تكون روايات وضعت في هذا الكتاب ،ونُسبت للطبري ، فالمستشرقون غير أمينين في دراساتهم لتاريخنا وتراثنا ، فهل سيكونون أمينين على تاريخنا وتراثنا؟   هذا مضمون ما كتبته بشأن الرد على الدكتورة سيدة كاشف فيما كتبته عن عدم تطبيق المؤرخين القدامى للمنهج العلمي في كتاباتهم التاريخية .ولا أستطيع كتابة نص ما كتبته في ورقة الامتحان ، ولكنَّها لا تخرج عن هذا المضمون.   وممَّا لاشك فيه أنَّ ما كتبته في ورقة الامتحان من ردود على الدكتورة سيدة كاشف من قبيل المغامرة ،فقد ترسِّبني أستاذة المادة لنقدي أستاذتها وكتابها الذي قرَّرته ،ولكن أستاذة المادة كانت أستاذة بحق ،فقدَّرت إجاباتي ،وأعطتني تقدير ممتاز.      

                                                               Suhaila_hammad@hotmail.com         [1] محمد بن صامل السلمي : منهج كتابة التاريخ الإسلامي وتدريسه ، ص 93ـ 97 بتصرف وإيجاز.

Leave a Reply