حديث الذكريات

حديث الذكريات ٢

By 6 months agoApril 26th, 2021No Comments

التحصيل العلمي جهاد …مثابرة… تـفـوق …مــعـانــاة    كــانـت رحلتي مع العلم رحلة جد شاقة ،فلقد تعلمتُ   القراءة والكتابة ومبادئ الحساب في مدرسة الأستاذة شرف علمي ـ رحمها الله ـ ،وكانت قد بدأت تطوير كتابها ،وتحويله إلى مدرسة نظامية تدرس فيها المناهج الدراسية المقررة على البنين ، وذلك لافتتاح مدارس خاصة آنذاك  فتحتها بعض السعوديات من أهالي المدينة المنورة ممن درسن خارج المملكة ،وهنَّ الأستاذة عبيدة الأيوبي ؛إذ درست في سوريا ،والأستاذتان زينب سالم أبو عوف ،وزبيدة سالم أبو عوف ،وقد درستا في الأردن ،كما كانت الأستاذة سعاد ،وهي مصرية الأصل ،وقد حصلت على الجنسية السعودية ،قد فتحت مدرسة ابتدائية ،في الوقت ذاته كانت السيدة زينب مغربل ـ رحمها الله ـ  وهي سعودية قد حوَّلت كُتَّابها إلى مدرسة ابتدائية ،وبذلك كان مجموع المدارس الابتدائية الخاصة للبنات في المدينة المنورة خمس مدارس ،ولم تكن ـ آنذاك ـ ولا مدرسة حكومية للبنات في المدينة ،بينما كانت توجد في الرياض وجدة  ومكة المكرمة مدارس الرئاسة العامة لتعليم البنات ،فالمدينة المنورة للأسف لم تنل حق السبق في كل شيء ،حتى بالنسبة للبنين ،فلم تكن فيها حتى سنة 1389هـ أربع مدارس متوسطة ومدرسة ثانوية واحدة هي ثانوية طيبة ،والمعهد العلمي الثانوي ،وكان خريجوه يدخلون كلية الشريعة ـ وقد تخرَّج أخي سامي منه ، ولكن عودلت شهادته بالثانوية العامة ـ قسم أدبي ـ والتحق بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض .  وكانت أول مدرسة حكومية للبنات افتتحت في المدينة المنورة في الثمانينات من القرن الماضي الهجري  ، وأدمجت فيها المدارس الخاصة باستثناء مدرسة الأستاذة شرف علمي ،وقد عملت أصحاب تلك المدارس معلمات في مدرسة الرئاسة التي عينت الأستاذة عبيدة الأيوبي مديرة لها ،وقد كانت الأستاذة سعاد  معلمة مواد دينية ،والأستاذة زينب أبو عوف معلمة مواد لغة عربية ،والأستاذة زبيدة أبو عوف معلمة رياضيات ،أمّا الأستاذة زينب مغربل فكانت مراقبة ،وبعد عامين ـ افتتح أول معهد معلمات للمرحلة المتوسطة ،وفي العام الذي يليه افتتحت الرئاسة أول  مدرسة متوسطة للبنات  . الـمـرحـلـة الابـتـدائـيـة  وعند افتتاح الرئاسة للمدرسة الابتدائية الأولى للبنات تقدمت سميحة وسهام لامتحان الدور الثاني بمواد سنة رابعة تبعاً لنصيحة معلماتهن ؛ إذ وجدهن متفوقات متميزات ،ومستواهن يفوق مستوى من يدرسن في فصول أعلى ،وقبل الامتحان بأسبوع فاجأت سميحة وسهام ،وقلتُ لهما: – أنا لم أفهم شيئاً من أخي سامي من شدة خوفي منه لم أفهم الحساب !    فقد كان يريد من يُدَّرِّسه أن يفهم منه ،مثلما هو يفهم من أول مرة ،ويعطي عدة دروس في يوم واحد، وكان يعطيهن مسائل حسابية معقدة ،وقد يعطي المنهج كاملاً لمادة واحدة في يوم واحد  ،فأخذتا تشرحان لي ،وكنتُ أفهم منهما.  وتقدمتا للامتحان ونجحتا ،وأصبحتا في السنة الخامسة ،أمَّا أنا فقد أجري لي امتحان تحديد مستوى ،ووضعت في الصف الرابع ،وحزنتُ كثيراً ؛إذ كنتُ أريد أن أكون في السنة الخامسة مع سميحة وسهام ،ومستواي العلمي كان يؤهلني لذلك ،فقلتُ للمعلمة : -أنا درست منهج سنة رابعة ،وأريد أن تمتحنيني فيه ،أنا مستواي سنة خامسة.   فوافقت المعلمة وأجرت لي امتحاناً ،ونجحتُ فيه، ووضعت في الصف الخامس مع سميحة وسهام ،وكنتُ في منتهى السعادة .  وبعد مضي شهر من بدء الدراسة وجدت معلماتنا أنَّ مستوى ثلاثتنا أعلى من طالبات سادسة ابتدائي ،واقترحن علينا أن نتقدم لامتحان سنتي خامسة وسادسة ابتدائي ،ووافقنا ،ولكن النظام لم يسمح بذلك.    وكانت سميحة وسهام متفوقتان في أشغال الإبرة ،و “التريكو” ،والخياطة ،كما كانت سهام متميزة في الرسم ،وكانت ترسم لوحات في غاية الروعة ،وكان معرض المدرسة يقوم على إنتاجهما، وبالمناسبة كانت سميحة  وسهام تخيط لنا جميع ملابسنا حتى فساتين السهرات، ،وكانت تملك موهبة تصميم الموديلات ،أمَّا أنا فلم أكن أتقن هذه الأعمال . أذكر في سنة خامسة حادثة طريفة وغريبة أيضاً ،كان امتحان مادة التدبير المنزلي هي أول مادة تقدمنا فيها في الامتحان النهائي ،وكان امتحاناً عملياً ،وقد قسم فصلنا إلى مجموعات ،وكل مجموعة تسحب بالقرعة الصنف الذي تعده ،فكان  لمجموعة سميحة صينية كنافة وكانت سميحة قائدة لفرقتها ،وهي تولت إعداد الكنافة وخبزها على الفحم، وكانت الكنافة رائعة الطعم ،ولونها الذهبي زاد من لذتها ،وبذلك حصلت على الدرجة الكبرى ، وإلى الآن تتميز سميحة بصينية الكنافة ،والذين يتذوقونها لا ينسون طعمها. وكانت سميحة تجيد كل أنواع الطبخ، وكانت تطبخ لنا وهي طفلة عندما تكون أمي مريضة ،فأمي كثيراً ما تجهض ،وتنزف كثيراً فتصبح صحتها ضعيفة جداً لا تقوى على الحركة ، وأمي رحمها الله  ربَّتنا على الاعتماد على النفس منذ الصغر ،وجاء لمجموعة سهام “بوفتيك” ،وكانت سهام قائدة لفرقتها ،وقد تعبت كثيراً في تحضير البوفتيك ،وقليه ،وسهام تجيد فن القلي  ،فكانت هي التي تتولى في بيتنا قلي “السمبوسك” في رمضان ،وكثيراً ما تقضي العيد وقدماها مربوطتان بالشاش لاندلاق زيت القلي المغلي عليهما، وهي إلى الآن تتميز بإتقان القلي إلى جانب إتقانها لجميع أنواع الطبخ ،ولاسيما المعجنّات ،أمَّا أنا فلقد  جاء لمجموعتي المحشي ،ولم أكن أجيد الطبخ مثل سميحة وسهام ،لأنَّني لم أكن أدخل المطبخ معهما ؛إذ كنتُ أساعد أمي في تنظيف البيت ،ولكن لديَّ معلومات في الطبخ ،فأتقنتُ طبخة المحشي على قدر سني ،وأتميز الآن بطبخ المحشي ،وأصناف الأرز :الكابلي ،والبخاري ،والبريان ،والزوبريان، والسليق ،والعربي  ،والمقلوبة ،وهي طبخة عراقية تعلمتها من عمتي نفيسة رحمها الله ؛إذ كانت مقيمة في العراق ، وأصناف أخرى لا حصر لها. وعند انصرافنا من المدرسة قالت إحدى الزميلات لسهام : – أبله رضا لم تعطك الدرجة النهائية في مادة التدبير المنزلي .   فغضبت سهام ،وأصَّرت على عدم إكمال الامتحان ،ورفضت الذهاب معنا إلى المدرسة لأداء الامتحان ،وأخذت تشتغل بالتريكو “صديرية ” لأخينا سامي وكان يومها أول أيام الامتحان التحريري والشفوي ،وكان في اليوم الأول علينا ثلاث مواد :توحيد وفقه ،وحديث، وسألتنا المعلمات عن سهام، فقلنا لهنَّ : -سهام “زعلت” من أبلة رضا لأنَّها لم تعطها العلامة النهائية في مادة التدبير المنزلي . فكانت “أبلة “رضا موجودة ،فقالت في دهشة واستغراب : من قال لها هذا ؟ -قلنا “فوزية هاشم”. -قالت: ما حدش يعرف الدرجات ،إزاي تقول لها كده ؟ سهام  واخدة  الدرجة الكبرى . وعندما عدنا إلى البيت أخبرنا سهام بذلك ،فأكملت الامتحان ،ولكن كان ترتيبها الحادية عشرة ،لأنها نقصت 90 درجة ،هي درجات مواد اليوم الأول ،وكان ترتيب سميحة  الأولى ،وكنت أنا الثانية ،ولكن لم أكن الثانية ،وإنَّما كنتُ الخامسة ،وفوجئت بذلك ؛إذ وجدتُ درجتي في مادة النحو “القواعد “17 درجة من ثلاثين ،فذهبت إلى معلمة القواعد “أبلة جمالات رسلان ” وهي من مدينة الزقازيق بمصر، وقلتُ لها معاتبة : -كده يا أبلة  جمالات تعطيني 17 من 30 في القواعد ،وأنا مجاوبة كل الأسئلة إجابة صحيحة ؟ فقالت في استغراب: مين قال كده ،دنتِ واخدة 30 من 30؟ -فقلتُ لها هذه الشهادة ،وهذه درجة القواعد. فذهبتْ على الفور ،إلى الخزانة المحفوظة فيها أوراق الإجابة ،وأخرجت ورقتي ،ووجدتُ درجتي 30 من 30 ، وذهبت إلى مربية الفصل  وأخبرتها بالخطأ، وصحح الخطأ ،وقالت لي : -أنتِ الثانية . والحقيقة أنَّه كان خطأً مقصوداً ،فمربية الفصل تربطها صلة قرابة بالطالبة التي جعلتها الثانية ،فتعمدت إنقاصي 13 درجة لتجعل قريبتها الثانية ،ولكن تلك الطالبة أخذت هديتي ،وكانت مروحة صغيرة تعمل ببطاريات ،وأصررتُ على  أن أذهب إلى بيت هذه الطالبة ،وآخذ هديتي منها ،وذهبت معي أختي سميحة ،وقلت لها: – كان يوجد خطأ ،فأنا الثانية لستِ أنتِ ،فاعطني هديتي. وأخذتها منها، كلمَّا أتذكر هذه الحادثة أضحك ،ولكن الطفل الصغير يعتز بأشيائه ،والمروحة أصبحت من حقي ،وهي هدية نجاحي ،وهي أول هدية نجاح أستلمها ،فكيف أتنازل عنها لواحدة أخذتها مني غصباً، فكما يبدو كان هناك اتفاقاً بينها وبين مربية الفصل  ،علماً بأن هذه الطالبة كانت تكبرني كثيراً ،فكنتُ أنا أصغر طالبة في الفصل ،وكانت جميع الزميلات تكبرنني بسنوات كثيرة . والأطرف من هذا ما عملته سهام ،فلقد رفضت أن تقدم في الدور الثاني المواد التي تغيبت فيها المواد التي لم تحضرها، وعند بدء الدراسة دخلت معنا فصل سادس ابتدائي ،فنادتها ” “أبلة سعاد” معلمة المواد الدينية ،وقالت لها : – أبلة عُبيدة  عايزاك.  فذهبت سهام إلى المديرة ،وقالت لها: – أنا متأكدة إنك أهل لأن تكوني في سادسة ابتدائي ،ولكن هناك ثلاث مواد لازم تختبري فيها . – فقالت سهام : أنا ما سقطت حتى أختبر في دور ثاني ،عشان كده ما اختبرت . – فقالت لها المديرة: طيب ترضي أنا امتحنك بدون أن يعلم أحد من زميلاتك؟ – فقالت سهام : موافقة. – فقالت لها :استعدي غداً للامتحان. وامتحنتها ،والحقيقة أنَّ الأستاذة عبيدة كانت في غاية الكرم واللطف والظرف وقالت لنا: – ما قمتُ به هو تقديراً مني لذكاء وجد واجتهاد سهام ،وحرام أن تعيد السنة ،وهي بهذا التفوق. – مرض أمي ورحلة العلاج إلى القاهرة   كانت الوالدة ـرحمها الله ـ تعاني من كثرة النزيف والإجهاض بعد ولادتها لأختي ” عُرينة” ،فكان حملها لا يثبت ،وقد أرجع  ذلك الأطباء إلى نشاط الغدة الدرقية ،وتضخَّمت الغدة الدرقية في رقبتها ،ونصحها الأطباء بضرورة إزالة الغدة الدرقية المتضخمة لأنَّها هي السبب في النزيف والإجهاض ،فرأى والدي ـ رحمه الله ـ أن تُعالج في القاهرة ،حيث يوجد أطباء مهرة ،كما كان جدي ـيوسف ـ والد أمي مقيماً في القاهرة ،وكذلك خالي أسعد وخالتي ذكية ،وبعدما أدينا امتحان السنة الخامسة ابتدائي سافرت أمي إلى القاهرة للعلاج ,وسافر برفقتها أخي سامي، وكان طالباً في الجامعة  ،وأختي عُرينة لأنَّها كانت صغيرة ،وبقيتُ أنا وسميحة وسهام مع أبينا ـ رحمه الله ـ وكانت الأخبار تأتينا عن الوالدة ،وقالوا لنا العملية نجحت ،وبدأ والدي رحمه الله يجهز لإقامة “عزومة” بمناسبة سلامة شفاء الوالدة ،وجاءتنا في هذه الأثناء خالتنا “نائلة ،وكانت حاملاً ،وجاءتنا لتضع حملها عندنا ،وكانت مقيمة في تربة ،حيث استأجر زوجها مزرعة هناك ،وكان يعمل بها ،ولكن خالي عبد العزيز علم بوجودها عندنا ،وهو يعلم أنَّ أمنا في القاهرة للعلاج ،فطلب منها أن تذهب إليه في جدة ،لأنَّنا كلنا كنا صغاراً لا نحسن رعايتها أثناء الوضع .وكانت عمتنا سعاد تأتي إلينا ،وأحياناً تبيت معنا ،وكنا ـ كعادة أهل المدينة ـ ننام في الصيف في أسطح المنازل ،وكنا  قبل غروب الشمس نمد المراتب على الأسرة ،وكنا أحياناً كثيرة ،نأخذ معنا مذياعاً صغيراً يعمل بالبطارية ،ونستمع إلى أغاني أم كلثوم  قبل النوم ،وكانت نسمات الليل لهادئة تداعب وجوهنا، وكانت السماء مزينة بالنجوم المتلألئة ، التي اختفت الآن من كثرة التلوث ،وما أجمل السماء في الليالي القمرية!  وكانت عمتنا سعاد ـ رحمها الله ـ  أحيانًا تبيت عندنا ،وكانت تشرب الشاي بكثرة ،وكنا لا نشرب الشاي على الإطلاق ،ولكنها كانت تعمل الشاي ،وتطلب منا أن نشربه معها  ،فتعودنا على شرب الشاي ،وعندما قدمت أمنا من القاهرة وجدتنا مواظبات على شرب الشاي .    وبدأت الدراسة ،والوالدة لم تأتِ من رحلة العلاج ،وكنا نذهب إلى المدرسة ،وكان والدنا ـ رحمه الله ـ يقوم بطهي الطعام ،وكان يجيد الطهي ،لأنَّه كان يطهو الطعام لنفسه في بلادي الهند والسند ،ولم نره يطبخ قط ،إلاَّ في هذه المرة ،وكان كل ما يطبخه لذيذاً حتى ولو كان محروقاً ،فمرة طبخ لنا الدباء الخضراء ” القرع “،وأخذه النوم ،والطعام على النار ،فحرق ،ولم يكن أمامنا إلاَّ أن نأكل هذا الطعام المحروق ،فكان لذيذاً ،لأول مرة في حياتنا نأكل أكلاً محروقاً ،ولذيذاً!     وجاءت أمنا في حالة على غير التي سافرت عليها ،وزنها قد زاد بعد أن كانت نحيفة رشيقة ،وعندما صعدت الدرج كانت تنهج نهيجاً شديداً ،والقصة أنَّ الطبيب أجرى لأمي  العملية ،ومعها سعال شديد ،والعملية  في البداية نجحت ،ولكن كان الأهل يزورون الوالدة في المستشفى حاملين معهم” باقات” الورود والزهور ،وروائح “العطر ” تفوح منهم ،وكانت هذه الروائح تثير ،وتهيج الكحة ، فتفتَّقت خياطة جرح العملية ،ونُقلت على الفور لغرفة العمليات ،وأُجريت لها عملية أخرى ،ووقع الطبيب ـ وكان الدكتور “عدلي ياسين “،وكان من كبار الجراحين في مصر  ـ في خطأ  طبي كبير ؛إذ استأصل أحد حبال الصوت أثناء العملية ، بعدها لم تستطع الوالدة الكلام ،ولا التنفس ،ففُتحت فتحة في وسط الرقبة ، ووُضع ما يسمى بالصفيرة تتنفس من خلالها ،ولا يُسمع صوتها إلاَّ إذا أغلقت الفتحة بقطعة أخرى على هيئة حرف u،وكنا نحرص أن تكون من الفضة الخالصة ،وكانت غير متوفرة ،وكنا نطلبها من لندن ،وفي الفترة الأخيرة توقف المصنع الذي يصنعها عن تصنيعها ،وكنا نطلبها بطلبية خاصة يصنعها المصنع خصيصاً للوالدة ، وقد طلبنا كمية منها لتكون عندها على سبيل الاحتياط ،وكان لابد من تعقيم الصفيرة يومياً بغليها على النار، وتربط هذه الصفيرة في عنق الوالدة ، وظلتْ هذه الصفُيرة في رقبة أمي إلى أن توفاها الله ، وكان لوجود هذه الفتحة التي لا تتنفس إلاَّ منها مضاعفات خطيرة ،أخطرها أنَّ الهواء الذي كانت تتنفسه الوالدة غير نقي ،لأنَّ الشعيرات الدقيقة الموجودة في أنوفنا تقوم بتنقية الهواء من الجراثيم قبل أن يدخل الرئة ، لذا كانت الوالدة ـ رحمها الله ـ تمرض بسرعة ،ولا سيما في مواسم الحج حيث يتلوث الجو من كثرة الازدحام  ،والميكروبات، وعندما أدَّت فريضة الحج مرضت مرضاً شديداً بسبب هذه الفتحة ،كما كان وضعها الصحي يتطلب أن تكون في جو رطب في فصل الصيف لأنَّها تشعر بجفاف شديد، ولكن الوالدة ـ رحمها الله ـ تحمَّلت هذا الجفاف سنين طويلة لأنَّ الوالد يرفض السفر خارج المملكة ،وكان يقول لنا : إن أردتم السفر سافروا ،ولكن سأبقى أنا هنا في المدينة ،ولم توافق الوالدة  ،ولا نحن على السفر ،وتركه لوحده .  وانقطعت   سهام عن  الحضور في المدرسة لتبقى مع الوالدة ، وكانت سميحة أيضاً كثيراً ما تتغيب عن المدرسة ، فكنتُ أقوم بشرح لهما الدروس التي تتطلب الشرح ،مع أنَّهما في غاية الذكاء ،وكانتا تستوعبان الدروس بسهولة ويسر، وهذا من فضل الله عليهما. الـمـرحـلـة الـمـتـوسـطـة السنتان الخامسة والسادسة ابتدائي هما السنتان الوحيدتان اللتان درستهما في مدرسة ،وباقي سني الدراسة حتى التخرج من الجامعة كانت دراستي  منزلية ، وقد عانيت في العشر سنوات هذه أمر المعاناة ،ولا سيما في المرحلة الجامعية ،فبعد حصولنا على الشهادة الابتدائية ،لم تفتح مدرسة متوسطة ،وإنَّما فتح معهد متوسط لإعداد المعلمات ،تتخرج منه الطالبة لتكون معلمة في المرحلة الابتدائية ،ولا تستطيع إكمال دارستها في المرحلة الثانوية ،وكنتُ أنا وشقيقتاي نطمح إلى  إكمال دراستنا إلى المرحلة الجامعية ،وما فوق إن تسنى لنا، واحترم والدنا رغبتنا ،وكانت الأستاذة شرف علمي قد فتحت فصولاً للمرحلة المتوسطة ،وكانت الأستاذة خيرية الزهاوي قد قدمت من العراق ،واستقرت في المدينة ،وكانت تدرس في مدرسة الأستاذة شرف ،والتحقتُ أنا وشقيقاتي بمدرسة الأستاذة شرف ، ولكن وجدنا المستوى  العلمي لبعض المعلمات هابطاً جداً ،بل يدرسن خطأً ،ولا سيما في مادة الرياضيات ،وأخبرنا والدنا بذلك ،فقال لنا ،ادرسن في البيت ،واذهبن للمعلمات اللواتي يدرسن في معهد إعداد المعلمات ،وكانت إحداهن تسكن قرب منزلنا في ” الرومية “في عمارة الدكتور خليل الرحمن التي كانت ملاصقة لفندق التيسير ،وذهبنا إليها ،وكانت معنا بهيجة جليدان ،وفوجئنا بأخ المعلمة يدخل علينا ،فاندهشنا ،وانتابنا الخوف والقلق ،وخرجنا  من عندها ،وأخبرنا أبينا بذلك ،ولم نذهب إليها ، ـــ وكان عمري وقتها عشر سنوات  ــ وبقينا ندرس في البيت ،ولكن كانت مادة اللغة الإنجليزية جديدة علينا ،وكنا بحاجة إلى من يدرسنا هذه المادة ،وكذلك مادة الرياضيات ،خاصة الجبر ،وكانت هذه مادة جديدة علينا أيضاً ،واقترحت  والدتي على  والدي بأن يحضر لنا أساتذة يدرسوننا هذه المواد فوافق والدي أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي خصص للنساء يومًا يعلمهن فيه، كما تلقى العلم عالمات كثيرات في عصور إسلامية مختلفة عن علماء ، وعلماء تلقوا العلم من نساء منهم الإمام ابن تيمية، والإمام السيوطي ، و ابن حجر العسقلاني ،وغيرهم كثير  ،خاصة أننا ثلاثة وليس بواحدة ،ويجلس والدنا معنا أثناء الدروس ،وكان زميلاتنا اللواتي واصلن الدراسة يدرسهن أساتذة فمن زميلاتنا اللائي كنا معنا في الابتدائية عفاف عثمان بري ،وهي طبيبة نساء الآن ،ومعزز إسماعيل أكبر ،ورقية عبد الكريم خريجي، وهي ربة بيت ،وابنة خالي فريال شفيق عبد الجوَّاد، وفوزية هاشم  ،أمَّا الزميلات اللائي حصلن على الابتدائية قبلنا بعام ،والتحقنا بمعهد إعداد المعلمات ،وكان عليهن دراسة منهج البنين ، فكن يدرسن المنهجيْن هن الأستاذات :عائشة درويش حكيم ،وأصبحت  مديرة إحدى المدارس الثانوية في المدينة المنورة قبل تقاعدها ،وأمل محمد كامل زاهد ،وهي سيدة أعمال الآن، وهما قد أتمتا الدراسة الجامعية بالانتساب في كلية الآداب  بجامعة الملك سعود بالرياض ـ قسم تاريخ، وفاطمة عبد الكريم خريجي، وهي ربة بيت ،فكان  جميعنا يدرسهن أساتذة لعدم توفر مدرسات مؤهلات يدرسننا .  وكان يدرسنا أساتذة  على درجة عالية من العلم والخُلق ،وهم الذين يدرسون في مدارس البنين ،وبلا شك استفدنا كثيراً منهم، وكان والدي رحمه الله يسألهم أسئلة تعجيزية في مواد تخصصهم لا يعرفون إجابتها، وكان أساتذة الرياضيات يندهشون عندما كان يحل والدي مسائل معقدة في الجبر ذات ثلاث مجاهيل ذهنياً وشفوياً.   وكان أحياناً يأتينا أساتذة ليسوا على مستوى جيد ،مثل مدرس الرياضيات في ثالثة متوسط ،كان عراقياً اسمه الأستاذ ” خالد” كنتُ أنا وسميحة وسهام نحب كل المواد ،وكنَّا متميزات في مادة الرياضيات ،وكنا نستخلص النظريات الهندسية من خلال رسم الشكل الهندسي الخاص بها ،وكان الأستاذ خالد يقول لنا : أرسمن هذا الشكل واكتبن الاستنتاج ،وصغن النظرية ،فكنا نفعل ذلك ،وكان الأستاذ يأخذ دفاترنا ليصححها ،وتبين لنا أنَّه كان يأخذها ليريها للموجهين على أنَّه هو الذي كتبها أي يقدمها كدفتر تحضير الخاص به ،وعلى ما أظن كان يقدم دفتر سهام ،لأن خط سهام جميل جداً ،وكان رسمها أكثر دقة لأنَّها تتقن الرسم، وكان يدرس الطلبة منها ،أخبرتنا بذلك فريال ابنة خالي شفيق ،وكانت معنا في نفس السنة الدراسية ،إذ اكتشفت هذه الحقيقة ،وكان هو يدرّسها ،وكان أحد أقاربها عرف ذلك وأخبرها ، وكما يبدو أنَّه رأى اسم واحدة منا مكتوب على الدفتر ، فلمَّا عرفنا ذلك أردنا أن نتأكد ،فجاء كالعادة وطلب منا استخلاص النتائج وكتابة البرهان ،واستنتاج صياغة النظرية ،فتظاهرنا بعدم المعرفة ، وقلنا له هذه النظرية صعبة لا نعرف الإجابة  ،فاشرحها لنا يا أستاذ ،فارتبك، ونظر في الساعة ،واستأذن بالانصراف، منتحلاً سبباً ليبرر انصرافه ،فتأكدنا من صحة ما قيل لفريال .   وكان ثلاثتنا الثلاثة الأوائل ،وكنتُ أنا الثالثة دائماً، لأنَّني كنتُ ارتبك  في النصف الأول من  الساعة الأولى من الامتحان  ،والارتباك يضيع من الوقت ،وينسيني بعض المعلومات ،كما كنتُ لا أجيد فن الرسم ،هذه المادة الوحيدة التي نجحتُ فيها بالتعويض في شهادة المتوسطة، والغريب أنَّ سميحة أيضاً أكملت في هذه المادة في الشهادة الإعدادية ،فأحضر لنا أبينا أستاذ رسم يدرسنا الرسم في أولى ثانوي ،لأنَّنا إذا رسبنا في هذه المادة فسوف نعيد السنة ،وكانت فرصة لسهام لتدرس الرسم على أسس علمية ،فارتفع مستوى رسمها ،كما استفادت سميحة من دروس الرسم ،وتفتقت موهبتها في الرسم عندما أنجبت ؛إذ كانت تساعد بناتها في الرسم والتلوين ،وأصبحت متميزة في فن التلوين ،أمَّا أنا فأتذوق الرسم ،وأملك ملكة نقده ،ولكن لا أملك ملكة إبداعه . ****** من ذكريات الدراسة أذكر حادثة  حدثت في امتحان الرياضيات في السنة أولى متوسط ،وكنا نختبر في المتوسطة الثانية للبنين ،وهي متوسطة  عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ،وجاءتنا مسألة في مادة الحساب سؤالها : كم عدد الطوبات التي بُني بها الحائط ؟ وكان جميع الزميلات لم يعرفن الإجابة، وكنتُ أنا أعرف الإجابة وكذلك سميحة وسهام ،فقامت معلمة الرياضيات في مدرسة الأستاذة شرف ،وكانت من المراقبات علينا ،وحلَّت المسألة على السبورة أثناء الامتحان ،وكان الحل : عدد الطوبات أربع طوبات، فكان الجواب خطأ ،وأجبتُ وفق معرفتي ،وجاءت المعلمة ورأت إجابتي ،وقالت لي : -هذا خطأ ! لمَ لم تنقلي الإجابة من السبورة؟ -فقلتُ لها : أنا أكتبُ ما أعرفه.  وبعد انتهاء الامتحان ،وتسليم الأوراق سألت سميحة وسهام عن الجواب ؟فقالتا لي نفس الجواب الذي كتبته ،والغريب أنَّ جميع الزميلات كتبن الجواب أربع طوبات ،فقلتُ لهن : -بالمنطق هل أربع طوبات تبني حائط لغرفة ارتفاعها كذا ،وعرضها  كذا؟  لا أذكر الآن كم كان ارتفاع وعرض الحائط، وهذه الحادثة تُبيِّن ضعف مستوى المعلمة ،وهذا الذي اكتشفناه في بداية العام الدراسي ،وانسحبنا من المدرسة. الـمـرحـلـة الـثـانـويـة  وعندما صعدنا أولى ثانوي انضمَّت للدراسة معنا إحدى الزميلات ،وهي ذاتها التي أخذت هدية نجاحي في سنة خامسة ابتدائي ،ولكن وجدناها سوف تؤخرنا في الدراسة ،لأنَّها تأخذ وقتاً أطول في الفهم، فطلبنا منها الانفصال عنَّا ،وكان الذي يدرسنا اللغة الفرنسية الأستاذ” حكمت الخانجي ” وهو مدرس اللغة الفرنسية بثانوية طيبة ،وكان المدرس الوحيد لهذه المادة في المدينة المنورة  ــ آنذاك ــــ ،فبعد انفصالنا عن الزميلة العزيزة ،لم يأت الأستاذ حكمت لتدريسنا ،بينما كان يذهب إليها ليدرسها، وكان على معرفة بأهلها ،وكما يبدو أنَّها حرَّضته على عدم تدريسنا نكاية فينا لأنَّنا لم نواصل الدراسة معها ،فذهب له والدي في المدرسة ،وسأله عن أسباب انقطاعه، فقال له : -لن أدرس بناتك ،ليس لديَّ وقت ،ويوجد لدي طلبة وطالبات كثر. – فقال له أبي : سأشتكيك على الله.    وانصرف، وأخبرنا أبينا بأنَّ الأستاذ حكمت أعتذر عن تدريسنا، وفجأة وبعد صلاة العصر جاءنا الأستاذ حكمت ليدرسنا، فتعجبنا ، وتملَّكَّتنا الدهشة ،فقال لنا : – لقد اعتذرتُ لوالدكن عن تدريسكن ،فلم يتوسل إليَّ ،ولم يرجوني ،وكل الذي قاله : أشتكيك على الله ! و رجل في صلاحه وتقواه يشكوني على الله ماذا تكون حالي؟؟ ،لذا أتيتُ لأدرِّسكن. وأحببتُ مادة اللغة الفرنسية وتفوقتُ فيها ،ولا سيما في كتابة مواضيع الإنشاء، وكان الأستاذ حكمت يقول لي : لا يوجد عندي طالب ولا طالبة يكتب مواضيع إنشاء مثلك ،وكان يأخذ مواضيعي ،ويقرأها على الطلبة ،فاللغة الفرنسية لغة أدبية ،للأسف انقطاعي عنها بعد حصولي على الثانوية أنسانيها، وقبل رحلتي إلى باريس حاولتُ استعادتها ،وبدأتُ أتذكرها ،ولكن انقطاعي عنها ثانية ضيَّعها مني ،أمَّا اللغة الإنجليزية فكنتُ متفوقة فيها جداً أنا وأخواتي ،وحتى في السنة الثانية ثانوي تخصصتُ أنا وسميحة وسهام في اللغة الإنجليزية ؛إذ كان النظام آنذاك أن توجد مادة تخصص ،كما كنتُ أجيد كتابة مواضيع الإنشاء باللغة الإنجليزية ،وكذلك باللغة العربية ،وكنتُ متفوقة في اللغة الإنجليزية في المرحلة الجامعية مع أنَّني في مرحلة الجامعة كنتُ أدرسها بدون مدرس ،وكنت أحصل على تقدير ممتاز ،وعندما درستُ في جامعة الأزهر السنتين التمهيديتين للماجستير والدكتوراة ،طُلب منا أن نحصل على “توفل ” بمستوى 450 درجة حتى يسمح لنا بتسجيل رسالة الماجستير ،فتقدمتُ للجامعة الأمريكية في القاهرة في إجازة الصيف، لاختبار تحديد مستوى ،ووضعت في مستوى التوفل ،ودرستُ فترة بسيطة ،ولم استمر في الجامعة الأمريكية ،فالمعلمة كانت تشرح لنا باللغة العربية ،ولم يكن مستواها عال في التدريس، فأخذتُ أبحث في مكتبات القاهرة عن كورسات التوفل ،واشتريتُ عدداً كبيراً منها ،وقررتُ أنا وسهام  أن ندرسها في البيت بدون معلمة ،ولا معلم، وتقدمتُ للامتحان في “امدست”،وكانت الأسئلة تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية ،ووفقني الله أن أحصل على ال450 درجة من أول امتحان.  أمَّا سبب تخصصي أدبي رغم تفوقي في المواد العلمية فيرجع هذا إلى ضعف مستوى بعض الأساتذة في بعض المواد العلمية ، فلقد تخصصتُ  علمي في البداية أنا وأختاي ، وبدأنا الدراسة ،ولكن أستاذ الفيزياء لذي كان يدرسنا سنة أولى هو الأستاذ “وليد حيدر” قد انتهى عقده ، وكان أردنياً ، فدرسنا الفيزياء الأستاذ عصام مدرس الرياضيات ، وبالصدفة كان في المنهج بعض الموضوعات التي درسناها في السنة الأولى ، وكان عن العدسات ،ووجدنا فارقًا كبيرًا بين شرحه وبين شرح الأستاذ وليد ، ورأينا أنّنا لو استمرينا في الدراسة فسنجد صعوبة ، فرأينا أن نحوِّل إلى أدبي ،وكنتُ حزينة جداً ،وأنا أودع كتب علمي ،وكان من أساتذة مواد اللغة العربية الذي درَّسنا في الثانوية الدكتور محمد العيد الخطراوي قبل حصوله على الدكتوراة ، وكنتُ أجيد فن إلقاء الشعر ،وكان يبكي وأنا ألقي قصيدة فلسطين التي مطلعها : أخي قد جاوز الظالمون المدى                   فحقَّ الجهــد وحـق الفـدا     ونظراً لتفوقنا أخذ بعض  زميلاتنا يتربصن بنا ،ويتهمننا بالغش ،وكن يقلن لعضوات لجنة المراقبة :  ـ بنات حمَّاد يقسمن  منهج المادة ثلاثة أقسام ،كل واحدة منهن تدرس قسم ، ثُمَّ يغشش بعضهن البعض  في الامتحان ،وأسماؤهن تبدأ بحرف السين ،وهذا يساعدهن في عملية التغشيش؛ إذ يجلسن  خلف بعضهن بالترتيب في لجنة الامتحان، وهذا بالطبع لم يحدث قط ،  فكانت المراقبات تنشغل بمراقبتنا عنهن ،وكانت كل مراقبة تراقب كل واحدة منا ،وكان بعض الزميلات يخرجن الكتب ويكتبن الإجابة منها ، وكنا نراهن يفعلن ذلك ،ولكن لم نخبر عنهن. ********** المرحلة الجامعية هذا ما سأحدثكم عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فإلى لقاء.

Leave a Reply