سيرة الوالد

ترجمة فضيلة الحافظ والعالم العلامة الإمام الشيخ
زين العابدين محمد حماد

هو
زين العابدين بن محمد بن محمد صالح  بن
إبراهيم بن محمد صالح، بن محمد زين بن محمد سعيد بن عبدالحفيظ، بن  حماد أفندي 
بن  عبدالله، بن الشيخ  قاسم بن الشيخ برهان بن الشيخ حبيب بن الشيخ  صالح بن الشيخ  إسحاق بن الشيخ إبراهيم، بن الشيخ  يعقوب بن الشيخ 
عثمان بن الشيخ  هاشم بن الشيخ  إسماعيل بن الشيخ  سليمان بن الشيخ  جمال الدين بن نور محمد بن الشيخ  عبدالله بن الشيخ  نوح، بن الشيخ  نعمة الله، بن الشيخ حبيب، بن الشيخ  إسحاق، بن الشيخ  شهاب الدين، بن الشيخ  محيي الدين صغير، بن الشيخ محيي الدين كبير، بن
الشيخ  عز الدين، ان الشيخ  أبو بكر، بن الشيخ  إسماعيل بن الشيخ  عبدالله، بن الشيخ  نصير الدين، بن الشيخ سراج الدين، بن الشيخ خير
الدين، بن الشيخ أبو السعود  بن الشيخ أبو
عاصم بن أبو محمد، بن الشيخ وجيه الدين أبو حفص، بن الشيخ عمر، بن الشيخ أبو
القاسم، بن الشيخ محمد، بن الشيخ وجيه الدين، بن الشيخ ضياء الدين، بن الشيخ شهاب
الدين أبو محمد، بن الشيخ وصي الدين، بن الشيخ رضي الدين ، بن الشيخ مسعود، بن
الشيخ أبو القاسم، بن الشيخ عبدالرحمن، بن أبي بكر رضي الله عنه، واسمه عبدالله بن
أبي قحافه، واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. [المرجع:
شجرة العائلة والمنقولة من أوراق فضيلة الشيخ أبو بكر حماد، وكان قاضي جدة في عهد
الدولة العثمانية. وفضيلة الشيخ أبو بكر حماد هو عم الشيخ زين العابدين حماد، حيث
أن محمد صالح حماد خلّف محمد حماد، وأبو بكر، وعمر، وإبراهيم.]
وأم
الشيخ زين العابدين هي حفصة بنت عبدالقادر بن مصطفى إلياس.
ولد
الشيخ زين العابدين حماد في عام 1311هـ بالمدينة المنورة، وتوفي في اليوم الثامن
والعشرين من شهر شوال عام 1395هـ .  ودفن
بالبقيع بالمدينة المنورة عن عمر يقارب الأربعة والثمانين عامًا.
قضى
جل حياته في خدمة الإسلام ونشر الدعوة، حيث حفظ القرآن الكريم وهو في سن التاسعة
من عمره، واستطاع أن يؤم الناس في صلاة التراويح بالمسجد النبوي الشريف وهو في سن
الثانية عشرة من عمره، وقد حفظ القرآن على عدة قراءات، وكان فقيهاً ومحدثًا وعالمًا
بالتاريخ، وكان فقيهًا ملمًا بالمذاهب الفقهية وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة،
وقد تتلمذ على عدة مشايخ في المسجد النبوي الشريف، منهم فضيلة الشيخ عبدالقادر
بري، وفضيلة الشيخ صالح بري، وفضيلة الشيخ إبراهيم بري، وفضيلة الشيخ عارف بري،
وفضيلة الشيخ ملا سفر، وفضيلة الشيخ عبدالجليل مدني، وفضيلة الشيخ زين العابدين
مدني، وفضيلة الشيخ عبدالعزيز مدني، وفضيلة الشيخ عبدالقادر شلبي، وفضيلة الشيخ
أحمد بساطي، وفضيلة الشيخ عبدالباقي الهندي، وفضيلة الشيخ أحمد كماخي، وفضيلة الشيخ
عمر كردي، وفضيلة الشيخ السيد زكي برزنجي. وهؤلاء هم أشهر علماء المدينة في تلك
الفترة.
كان
من آل حماد أئمة وخطباء في المسجد النبوي الشريف اللتان متوارثتان أبًا عن جد حتى
تصل إلى جدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، والذي أعطاه حق الإمامة الرسول صلى
الله عليه وسلم ، وذلك عندما مرض قال عليه أفضل الصلاة والسلام ( مروا أبا بكر
فيصل بالناس ) ، ويُصرف لآل حماد إلى الآن  
من وقف الأئمة والخطباء ، وكان والدي ــ رحمه الله ـــ آخر الأئمة
والخطباء  بالمسجد النبوي الشريف  بالمدينة المنورة ؛ حيث انتهت إمامته بالمسجد
النبوي   بنهاية الحكم العثماني للمدينة المنورة ، فقد
عيّن الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية في دورها الثالث أئمة وخطباء الحرم
النبوي الشريف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان والدي حنفي المذهب ، وبعدئذ نشط
في عمله الدعوي ليبلغ علمه لأكبر عدد ممكن من الناس .
عرض عليه القضاء عدة مرات
ورفضه لقوله صلى الله عليه : “( قاض في الجنة وقاضيان في النار) فكان يخشى أن
يكون أحد القاضيين الذيْن في النار ، وقد سمعته يقول هذا لأمي ــ رحمها الله  ــ   وهو يخبرها برفضه القضاء بعد انصراف الذين عرضوه
عليه  ، وكنت وقتها طفلة صغيرة لم أتجاوز
السابعة بعد ،وقد آثر بيع الأقمشة على ولية القضاء ؛ حيث كان له  دكانًا 
لبيع الأقمشة في سوق القمّاشة 
بالمدينة المنورة ، ـــ هذا السوق الذي التهمته النيران بأكمله فيما بعد
ـــ، وآثر أن يعيش حياته مبلغًا للدعوة وناشرًا لدين الاسلام، حيث قضى أكثر من
ثلاثين سنة في الهند ينشر الاسلام وتعاليمه في ربوع القارة الهندية، متنقلًا من
غربها إلى جنوبها إلى شرقها، وقد أسلم على يده عدد كبير .
كما
حفظ القرآن عليه عدد لابأس به من أبناء الهند، وقد قضى أكثر أيامه في بلاد
البنغال، حيث كان يستقل قارباً صغيرًا  لكي
يعلم المسلمين أمور دينهم ويعلم من أراد أن يسلم الاسلام، وقد درس عليه عدد كبير
من أبناء البنغال، فكان يتنقل من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، حتى أنّه في بعض
الأحيان كان يأكل الطعام مستخدمًا ورق الموز بدلًا من الآنية، ويستخدم صحون الطين
لوضع شوربة العدس أو العدس فيها، وكان يقضي أيامًا طوال في ظروف صعبة يتحمل فيها
مشاقًا جسيمة من أجل أن يعلم أهالي تلك البلاد التي كانت تفتقر إلى علوم الحديث
والفقه وتفسير القرآن، وكان رحمه الله مجيدًا لهذه العلوم.
وقد
حدثت له عدة مجادلات ومناقشات بين علماء تلك المنطقة، حتى أنّه في أحد الأيام سئل
سؤالًا عن فتوى أفتاها على أي أساس بنى هذه الفتوى، وكان قد نسي الحديث الذي بنى
عليه الفتوى من أي مصدر استقاه وأخذ يطالع في المكتبة التي كانت معه في قاربه الذي
كان عبارة عن سكن له ومكتبة وقاعة للدروس، فأخذ يفتش بين الكتب فلم يجد ذلك الحديث
حتى أتاه النوم ونام ورأى والده في المنام يقول له: يا عابدين إنّ الحديث في حاشية
 ابن عابدين في صفحة كذا في مجلد كذا، فقام
من النوم وبحث عن الحديث فوجده كما قال له والده في المنام، فحمد الله على هذا
النصر الذي أيده الله به لأنّه كان في موقف جد خطير، ذلك لأنّ أبناء البنغال إذا
حدثت بين العلماء مناقشة ولم يستطع العالم أن يثبت رأيه بدليل نصي من القرآن أو
السنة يضربونه بالنعل. لذا كان موقفه صعبًا جدًا ولكن الله أراد له التوفيق
واستطاع أن يثبت رأيه بحديث نبوي.
كان
زاهدًا في الدنيا لم يجر وراء المال، ولم يجر وراء الكسب، وكان كل همه هو نشر
العلم بين أبناء المسلمين، فتنقل بين أرجاء القارة الهندية واشتهر اسمه هناك، وكان
إذا أفتى بالفتوى وختم عليها بخاتمه  تصبح
عامة على معظم أبناء المسلمين في القارة الهندية.
وكان
طلبته من جميع أنحاء الهند يتوافدون عليه في مواسم الحج، وكان يضيفهم في داره ولا
يأخذ منهم أجرًا ، ومن أراد أن يدفع  فيدفع،
ومن لم يدفع فلا يسأله أجرًا بل كان يطعمهم طوال مدة سكناهم  ، ولا يأخذ منهم إلا الذي يستطيعون أن يدفعوه
له.
تزوج
في أول حياته من ابنة عمه فاطمة ابنة الشيخ عمر حماد، وأنجب منها عمر، وخديجة،
والحسين، ومديحة، وتوفيت فاطمة كما توفي أبناؤها على أثر مرض معد، ثم تزوج من
بهيجة بنت يوسف بن حمزة عبدالجواد، وأنجب منها سامي، وسميحة، وسهام، وسهيلة،
وعرينة وفؤاد، وقد توفي فؤاد وهو صغير.
وكانت
زوجته بهيجة تساعده على ذلك الاحسان لحجاج بيت الله الحرام القادمين إليه من شبه
القارة الهندية؛ إذ كانت تقوم بإعداد الطعام، وكانت أيضًا تذهب إلى دار أبيها
حينما يسافر إلى الهند، حيث أنّه لما تزوجها مكث معها عدة شهور ، ثم رحل بعدها إلى
الهند، فذهبت إلى دار والدها ومكثت هناك أكثر من ثلاث سنوات حيث كانت سفراته إلى
الهند تستغرق عدة سنوات، والثلاثين سنة التي قضاها في الهند لم تكن متواصلة، وإنما
كانت متقطعة حيث كان يسافر سنوات عديدة ثم يعود إلى المدينة، ويستقر في المدينة
سنوات ثم يكر راجعًا إلى الهند.. وهكذا فإنّ عدد السنين التي قضاها في الهند حسب
ما قاله لنا نحن أبناؤه  حوالي ثلاثين سنة.
كان
الشيخ زين العابدين مجيدًا للغة العربية وعلى الأخص علم النحو، حيث كان يحفظ ألفية
ابن مالك ويعرف شرحها بإتقان ؛ إذ درس شرح ابن عقيل، ومعظم شروح ألفية ابن مالك،
كما كان عالمًا بالتاريخ أيضًا.
 وكان يحب الزراعة ، وكان يمارسها بنفسه في بستان
الفيروزية ، وينفق جل ما يأتيه من مال على تحسين تربتها لتكون صالحة للزراعة، وكان
مهتمًا بهذه البستان لحب والده  له ــ رحمه
الله لها ، وكان يقول هذه النخلة ،  ــ
وهي  من نوع الروتانا ،وكانت طويلة جدًا
تعلو القصر الذي كان من ثلاثة أدوار ـــ قد غرستها مع أبي رحمه الله.
قضى
حياته في المدينة المنورة في خدمة حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ حيث تمسك بهذه المهنة وكان أحد أعضاء هيئة الأدلاء بالمدينة
المنورة، وكان يقوم بخدمة حجاج بيت الله وزوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلى الأخص الحجاج التابعين لآل حماد، حيث كانت التقارير في تلك الأيام معروفة،
فكان تقرير آل حماد يشمل مدنًا من الباكستان والهند، فكان هو وأخوه الشيخ
عبدالحفيظ حماد يقومان بخدمة حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقضى معظم حياته في المدينة ناسكًا متعبدًا حيث كان يصلي التراويح في المدينة؛
إذ يختم في كل ليلة مصحفًا كاملًا، وبهذا فإنّه كان يختم ثلاثين مصحفًا في كل
رمضان، ولما تقدمت به السن أخذ يقصر في صلاة التراويح رويدًا رويدا حتى أضحى يصلي
ويختم مصحفًا واحدًا في رمضان، إلا أنّ القرآن دائماً على شفتيه، فهو لا يفارقه
ليل نهار، فكان يقرأ  القرآن نظرًا
يوميًا   ساعات طويلة  حتى لا يتفلت منه ، وليكسب أجر النظر إلى
القرآن الكريم .
كان
الشيخ زين العابدين خفيف الظل يحب البهجة والسرور، فكان إذا جلس في مجلس لا يمل
مجلسه، فتجده تارة يتجه إلى الوعظ، وتارة يتجه إلى الإرشاد، وتارة يتجه إلى
التعريف بكتاب الله، وتارة يتجه إلى النكتة الظريفة البريئة، وكان معروفًا بين
أصحابه بالفوازير، وكان معظمها يدور حول القرآن الكريم، كما كانت لديه فوازير
مسلية لا يمل الفرد من سماعها، حيث كانت تتصل بعضها بالحساب وبعضها في اختبارات في
الذكاء، وكان رحمه الله كثير البر والإحسان محبًا للخير، ساعيًا فيه يحب الإصلاح
بين الناس.

وكان
محبوبًا بين من يعرفونه وعلى الأخص بين أبنائه ؛ إذ اعتنى بتعليمهم وعلمهم القرآن
، وجدّ في تعليم بناته حتى أنهى معظمهن دراستهن الجامعية، وأصبحت إحدى بناته وهي
سهيلة  حاصلة على شهادة الدكتوراة ،وكاتبة
إسلامية معروف قلمها بين الكتاب المسلمين، لها مؤلفات عدة ولها صولات وجولات في
الصحف والمجلات العربية والإسلامية.
كما
أنّ زوجته كانت تساعده في تعليم بناتها، خاصة وأنّ تعليم البنات في تلك الأيام كان
صعبًا ؛ حيث لا توجد مدارس للبنات، وكن يختبرن من المنازل، فكان رحمه الله حينما
انتهين من دراستهن الثانوية ، تزوجت ابنته سميحة وسافرت مع زوجها إلى الولايات
المتحدة الأمريكية حيث أكملت دراستها الجامعية 
، وكان يسافر مع ابنتيه سهام وسهيلة إلى الرياض حيث انتسبتا إلى جامعة
الملك سعود ، وكان يصاحبهما إلى الرياض لكي يؤديان الامتحان، وكان رحمه الله يجلس
أمام باب الجامعة لينتظرهما حتى ينتهيا من الاختبار ويأخذهما  إلى الفندق؛  
ويشتري لهما الطعام من السوق لأن طعام الفندق لم تستسيغانه، وكان سنه في
تلك الأيام في  الثمانين من عمره..
وبالرغم
من كبر سنة، وبالرغم من قلة صحته، كان يضغط على نفسه لكي يصاحب ابنتيه  ليستطيعا تأدية الامتحان، وكان يصرف بسخاء على
تعليمهن، كما أن ابنه الوحيد سامي حينما تخرج من الجامعة وأراد أن يشتغل في
المدينة فلم يجد مجالًا فقال له: اشتغل حيث شئت، وحدث أن توظف بمؤسسة الخطوط
السعودية ومكث بها قرابة ستة سنوات، وحينما استقال وأراد أن يتوظف في شركة أرامكو
ذهب إلى المدينة واستأذن والده فقال له والده: اذهب وتوظف وفقك الله، إلا أنّ ابنه
كان واقفًا في أحد الأيام ورآه وهو يأتي حاملًا زنبيلًا في يده مملوء باللحمة
والخضار وما      يتطلبه لوازم البيت
اليومية ، وحدث أن سقط الزنبيل من يده وتبعثر اللحم والخضار على الأرض، وكان ذلك
نتيجة لضعفه وارتجاف يده، فقال له ابنه: يا والدي كيف تقول لي اذهب وفقك الله وأنت
في أمس الحاجة إلي، فلماذا لم تطلب مني أن أبقى معك؟ فرد عليه قائلًا: إذا أردت أن
تمكث أنت باختيار نفسك فهذا ما أتمناه ،ولكن لا أريد أن أجبرك. فقال له ولده
متسائلًا: لماذا يا والدي لم تجبرني، فقال له: إذا مت غدا تقول أبي هو الذي أجبرني
أن أمكث في المدينة، ولو أطلق لي الفرص لكنت اليوم في المنصب الفلاني أو المنصب
الفلاني، فلا أريد أن أكون حجر عثرة أمامك.
فقال
له ابنه: لا أريد أن أكون في  منصب كبير أو
وزير وإنّما أريد أن آخذ رضاك.
فقال
الشيخ زين العابدين لابنه: إذا أردت أن تبقى فابق.! فآثر ابنه المكوث والبقاء معه
عن السفر.
وهذه
القصة وردت هنا لتبين كيف كان الشيخ زين العابدين حماد رحمه الله يؤثر أبناؤه على
نفسه، فآثرهم بالتعليم ولم يبخل عليهم، حيث كان في سن متأخرة ، وكان ضعيفًا لا تساعده
صحته في السفر خارج المدينة، خاصة وكان في آخر حياته لا يريد السفر خارج المدينة
لأنّه يريد أن يموت فيها.
إلا
أنّ حبه لبنتيه ورغبته الصادقة في تعليمهما دفعه إلى  السفر إلى الرياض حتى تخرجتا من جامعة الملك
سعود، وآثر ابنه سامي على نفسه فتركه يتوظف حيث يشاء بالرغم من أنّه في أمس الحاجة
إليه، لذا فكان الشيخ رحمه الله أبًا عطوفًا رحيمًا محبًا لأبنائه منكرًا لذاته
أمام مصلحة أبنائه، فكيف لا يكون كذلك.
وكان
والده رحمه الله عطوفًا عليه محبًا له آثر حياة ابنه على حياته.
يحكي
الشيخ زين العابدين حماد  ـــ رحمه الله
ـــ  أنه سافر مع أبيه فضيلة الشيخ المرحوم
محمد حماد إلى الشام أيام سفر برلك، وحدث أن مرض الشيخ زين العابدين بحمى التيفود،
وأحضر له والده المرحوم الشيخ محمد حماد طبيبًا لكي يعالجه، وحينما حضر الطبيب قال
له إنّ الحمى شديدة، ولا يمكن علاجه لأنّه سيموت قريبًا، فما كاد أن يسمع والده
بهذا الخبر إلا وتوجه إلى القبلة وأخذ يصلي ويدعو الله ويقول: يا رب إنّي وهبت
عمري لولدي، يا رب لا أريد أن أعيش وابني الحافظ العالم يموت أمامي، وإنّي وهبت
عمري إليه.
وكان
الشيخ زين العابدين في غيبوبة لا يسمع إلاّ القليل، وقد سمع دعاء أبيه، وبعد ساعات
أفاق الشيخ زين العابدين وطلب الطعام فأكل وشفي، وبعدها بأيام توفي والده الشيخ
محمد حماد في مدينة دمشق، ودفن بحي المهاجرين فيها، وكان يقول الشيخ زين العابدين
رحمه الله “أنا عايش بعمر والدي”.
وهذه
القصة كان يرويها كثيرًا في كل مناسبة يذكر فيها والده رحمه الله.
من
هنا نجد أنّ المرحوم محمد حماد كان عطوفًا شغوفًا على أولاده آثر منكرًا ذاته،
أمام مصلحة أبنائه؛ إذ آثر حياة ابنه على حياته، وبالتالي كان ابنه مثله تمامًا،
حريصًا على تربية أولاده والتفاني في ذلك.
رحم
الله المرحوم فضيلة الشيخ محمد حماد حيث كان معروفًا في المدينة من كبار علمائها؛  ،ورحم الله فضيلة الشيخ زين العابدين حماد
وأسكنهما فسيح جناته. إنه سميع مجيب. ورحم الله زوجته الفاضلة السيدة بهيجة يوسف
عبدالجواد التي كانت مثالًًا للمرأة الصالحة المطيعة التي تفانت هي الأخرى في
تربية أبنائها، وكانت مثال الأم الحنونة الشفوقة بكل ما تعنيه هذه الكلمات من
معاني.
وكانت
مثالًا للمرأة الصامدة المكافحة حيث صمدت وكافحت في سبيل تربية أبنائها حيث كان
زوجها زاهدًا في الدنيا، لا يجري وراء الثراء ولا يجري وراء المناصب، وكان دخله
محدودًا وكان ذلك بإرادة منه ، فصبرت حتى ربّت أبناءها ، ولم تطلب الدنيا ولم ترغب
فيها وإنما صبرت حتى أدت رسالتها على الوجه الأكمل. رحمهما الله جميعا وجزاهما
الله عنا خير الجزاء.
                  
                        سير ذاتية لبعض أجدادي
     
  .
سأسرد في الصفحات القادمة سير بعض
أجدادي الذين توفرت لدي معلومات عنهم  من
بعض المصادر، وتميزوا في علوم الدين ، وحفظ القرآن الكريم  ، والإمامة والخطابة في المسجد النبوي الشريف
التي كانت تتوارث من جيل إلى جيل عن آبائهم وأجدادهم ومنهم أدباء وشعراء ، وفي
مقدمة هؤلاء :
               سيرة العالم العلامة والحبر
الفهامة المغفور له سماحة جدي الشيخ محمد حماد
   
        هو محمد بن محمد صالح وينتهى نسبه الى
سيدنا عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي الله عنهما ، كان الشيخ محمد حماد رحمه
الله حافظًا لكتاب لله ، خطيبًا وامامًا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ
كان خطيبًا مفوهًا بليغًا يهز مشاعر المسلمين في خطبه. وكان عالمًا جليلًا ويعتبر
من كبار رجال الدولة العثمانية؛ اذ كان باش كاتب المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة
، وله اتصال بكبار رجال الدولة العثمانية ، وكان وكيلًا للوزير عزت باشا،  وله اتصال بالسلطان عبد الحميد الثاني رحمه
الله. وحينما سافر الى الشام في سفر برلك أثناء الحرب العالمية الأولى استقبله
كبار رجال الدولة في مدينة دمشق . تزوج من حفصة بنت عبد القادر الياس وأنجب منها
محمد صالح وزين العابدين وعبد الحميد وعبد الحفيظ ونفيسة وسعاد وفردوس وآمنة
وحميدة . عاش رحمه الله في الفترة ما بين 1840 إلى 1917م ـ ولم يكن من أعيان
المدينة  المنورة فقط  ، بل كان من أهم أعيان الدولة العثمانية ،وكان
قائم مقام  ،و يمشي في موكب كبير ، وبلغت
شهرته العلمية مختلف الولايات العثمانية ، وكان له قصر بقرب الحرم النبوي الشريف
بنى في وسط بستان تقدر مساحته بحوالي 12ألف متر مربع وهو قصر ” الفيروزية
”  وقد أوقفه على ذريته وقد استفادت
ذريته منه فائدة كبيرة ،وقد نزعت أمانة المدينة المنورة  ملكية هذا القصر،  يقع جزء منه في مواقف السيارات التي تقع شمال
الحرم النبوي الشريف وجزء منه في عمارة طيبة رقم 2 وكان القصر يتكون من ثلاثة
ادوار ويعتبر تحفة بالنسبة للبناء القديم . وكان رحمه الله يكنى بجناب العالم
الأفندي باش كاتب المحكمة بالمدينة المنورة. توفي في دمشق ودفن في حي المهاجرين
سيرة
جدي سعيد بن عبد الحفيظ
حماد

سعيد بن
عبد الحفيظ
حماد  الشيخ الفاضل الأديب الشاعر الناظم الناثر حاز
من مراتب
الأدب أعلاها وبلغ من ذروة الفصاحة
علاها ولد بالمدينة المنورة سنة ثمان عشرة ومائة

وألف ونشأ
بها وأخذ عن أفاضلها ونظم ونثر فمن شعره قوله هذا التخميس

النفيس:
ناديت لما
الحب عني أعرضا … وحشا الحشا سقماً أذاب وأمرضا

وسطا عليّ بما من الجفن انتضى … أحمامة الوادي بشرقيّ الغضا
إن كنت مسعدة
الكئيب
فرجعي
أنا أنت لكن
من هواه يزينه … لا كالذي مثل الغرام يشينه

ودليل ما قد قلت فيك يبينه … أنا تقاسمنا الغضا فغصونه
في راحتيك
وجمره في أضلعي

وكان كثير الملاطفة حسن الأخلاق وكانت وفاته بالمدينة المنورة في
رمضان سنة ثمان وسبعين
ومائة وألف رحمه الله
تعالى
. [
المصدر :  محمد خليل  بن علي المرادي : سلك الدرر في أعيان القرن
الثاني عشر
, ج4/
64 ،دار ابن حزم ط3 – 1408هـ
]



سيرة
جدي  فضيلة الشيخ الخطيب  صالح بن محمد سعيد بن حماد


الشيخ  الخطيب صالح بن محمد سعيد بن حماد .
الأديب الذي حاكى نظمه الدرر، واللبيب الذي لآلئ نثره كلها غرر، قد
انفرد في فن المحاضرة،
وانتهى إليه علم حسن
المذاكرة، قد أخذ عن أفاضل الشيوخ وشيوخ الفضائل، وأذعن له

الخاص والعام
بأنه من السادة الأفاضل، وكان مثابراً على القراءة والإقراء، وأجازه
شيوخ عصره ووصفوه بأوصاف الفضلاء البلغاء، وأذنوا له بالإفادة
والتدريس، وبالإفتاء
على مذهب سيدنا محمد بن
إدريس، لما رأوا من تحقيقه وجودة فهمه وتدقيقه، وقد نظمه

صاحب اللآلي
الثمينة، في سلك تراجم أدباء المدينة، فقال فيه يصف حاله ويذكر أدبه
وكماله: مبدي الكلمات الرائقة، التي هي بالحسن للقلوب شاثقة،
والنظم النفيس، الذي
ليس لجناسه جنيس، والنثر
الذي يلمه بنان الأفهام في أطباق مجامع القلوب، وتشرب

الأرواح
طرباً منه راح معان في كأس الأبداع مصبوب، مع صدق لهجته ووضوح محجته،
وانتشار فضل أأشرقت كمل بدوره، وذكاءه أناله من العلم عرائس
خدوره، وحسن معاملات
وأخلاق تشهد له بأنّه
الإمام الهمام الفيلق الغيداق. فمما أبدته خزائن أذهانه من

جملة كلمه
وعقيانه، مجيباً عن القصيدة التي مدحه بها عمر أفندي المدرس
:
تجلت لنا
ذات السنا
المتألق

تميد بقد بالملاحة مشرق
بأبهى محيا زانه در مبسم تحيي بأشهى
من حميا
مروق 
تتيه دلالاً في حلي وحلة وتزهو جمالاً قد حلا بترقرق

رشيقة شكل زينت بمحاسن بديعة حسن أتقنت بتأنق
ترق بظرف تسترق به النهى
     وترنو بطرف للقلوب
مـــفــوق
شمائلها سلاماً رق معنى لسامع   وأبدت كلاماً دق معنـــى لذاـئق
فهمت بها لما
فهمت خطابها   وقابلتها مذ أقبلـت بتشـــــــــــــــوق
وقبلتها حباً لها وقبلتها          وأمهرتها روحي
وجسـمي وما بــقي
ولم لا ومهديها السراج ضياؤنا أخو الفضل بل رب الكمال المحـقق
مجيد لأفراد المناقب أجمعا مجيـــد إلى أعـلى المراتــــــب
مرتـقي
همام له الباع
الطويل تفضلا يفيــض بـه من بـــــــــحره المــــتدفق
أديب أريب لا يجارى بحلبة 
البـــديع وفي
الإبـداع أبرع مـــــــفلق
فيا بارعاً وشى الطروس بنثره  ونظم كما الدر النضيد المنســـــــــق
ومن سخرت أعلى المعاني له  متى دعاها أجابته بغير تـــــــــــعوق
أتت بنت فكر منك
تخطب خطة يضيق نطاق عن نداها ومنـــــــطقي
ولولا الحيا من وجه جاك سيدي مطلت بها
فالمطل حيلــــــــــة
مملق
فدونكها  خجلاء عطا فحلها
         بحلي قبول
بالتفضل أليــــــــق
ودم وابق
واسلم في
هناء
وغبطة برغم حسود لا يغيظك أحـــــــمق

ولم يزل هذا
المترجم مستوياً على
عرش أدبه، متصاعداً في
ترقيه نحو بلوغ أربه، إلى أن قصد الدار الآخرة، وسكن غرفته

السامية
الفاخرة، وذلك في أوائل القرن الثالث عشر رحمه الله تعالى
.
[ المصدر : عبد الرزاق البيطار : حلية البشر
في تاريخ القرن الثالث عشر
، 2/731-732]



                 سيرة الأديب الشاعر  جدي محمد سعيد بن حماد .
هو من الكمل الأمجاد، الذين أصبح لسان الفضل وهو لعلاهم حماد، فالحق أنه في
الأقدمين، من النفر
الأكرمين، و ”
السابقون السابقون، أولئك المقربون ” ، فقد أتى في الأدب بمحاورات،
كالأنجم الزاهرات، ومحاسن، ماؤها العذب غير آسن، فمما نطق به
لسان يراعه، وأبداه فم
محبرته من محبر إبداعه،
قوله
:
يا سعد عرج
على سكان ذي سلم … ينبوك عن جيرة
حلوا حمى الحرم
فسل خبيراً
بهم ينبيك عن ثقة … ليس المعبر عن رؤيا

بمتهم
فكم ترعرع في
بحبوح روضتها … غصن تروحه الأرواح بالنعم

تكسو معاطفه أنوار بهجتها … مطارفاً حكتها في صنع محتكم
كأنها الزهر
في الزرقاء إذ برزت
في هيكل بالبها والزين منتظم
وقوله من
أخرى
:
فاح نشر
الربا وقد عم طيبه
وتغنى بغصنه عندليبه
مذ تراءت
أنامل السحب تولي … من نثار الحيا فحيا

خصيبه
وتمشت أرواحه
ساحبات … من ذيول البلال ما تستطيبه

في بساط يريك
أنوار
بسط … فوق متن الوهاد ماس قضيبه
وعليه من
أبدع الله منها … كل وصف فلا يرى
ما يعيبه
تتهادى بقامة
مثل بان … وعليه بالجور يجنى كثيبه

ذات فرق يلوح كالصبح لما … شق عنه الدجا فبان مشيبه
قد أماطت
نقابها عن محيا … أي لب يسبى
به لا يذيبه
فاسقني صاح
صرف راح التصافي … كي يداوى من الحشا ما يريبه

وله من موشحة:
شعشعت أرجاء
ذي سلم … حين حيت من حمى الحرم

غادة تسبي
حجى الأمم
مثلها في الخلق لم يشم
من رآها يقسم
… بر فيها القسم

إنها في
الحسن قدس
الله سره برعت … إذ لأسباب البها
جمعت

أفرغت في
الزين مذ طلعت … بدر تم حف
بالأنجم
ثغرها
المبتسم … لؤلؤ منتظم

ذات فرق صبحه
انبلجا … تحت فرع خلته
السبجا
في محيا يخطف
المهجا … إن بدا للشمس تنكتم

وصفه
المستعظم … ليس
يحصيه فم
يا له لما
انجلى فجلا … عن فؤادي الهم والوجد

رونق للطرف
منه جلا
جل من أنشاه من عدم
روضة المزدحم
… ناضر معتصم

بت تحييني
رواسمه
وتحييني بواسمه
وترويني مباسمه
… وعيون الصفو لم تنم

والوفا منسجم
… ما
حكته الديم
حيها من ليلة
سلفت … عن وجوه قط ما انكسفت

سجها بالفيض
لي وكفت
من صنوف البسط والنعم
لم يعبها ندم
… لم يرعها سدم

وله من قصيدة
يمدح
بها السيد عمار المغربي رحمهما الله
تعالى
:
تسعى إلي
بمنظر متبلج … الشمس تدهش
من سناه وتفقد
ذي ناظر ساج
كحيل فاتر … فعل الظبى يعزى إليه ويسند

ناشدتها بالود هل أنت التي … يا هذه الأرواح فيكي تنقد
أم أنت يا
بدر البيسطة من غدت
أحرارنا وهم لحسنك أعبد
فرنت بصارم
لحظها ذاك الذي … أبداً بغير قلوبنا لا

يغمد
ثم انثنت
تختال في حلل الصبا … تيهاً يذوب لها الأصم الجلمد

وتبسمت عن مبسم عذب الجنا … يفتر عنه لؤلؤ متنضد
تشدو بلفظ رق
حتى خلته … سحراً ينفثه
الحيا ويعقد
تبدي من
القول البديع بدائعاً … جيد الزمان بعقدها متقلد

مفهوم ما تبديه يا هذا استفق … ألمثل فضلي في البرية يجحد
وله مخمساً
قمر تلألأ في الدجى من حجبه … يزهو على الغيد الحسان بعجبه
رفقاً بصب قد
أقر بذنبه
يا محرقاً بالنار قلب محبه
مهلاً فإنّ
مدامعي تطفيه

من أجل من
أهوى تركت
مصالحي … أعرضت عن قول العذول
الناصح

إن شئت
تقتلني وأنت مسامحي … أحرق بها
جسدي وكل جوارحي
واحذر على
قلبي فإنك فيه

توفي رحمه
الله في أوائل القرن
الثالث عشر ودفن بالمدينة. [
المصدر : عبد الرزاق البيطار :حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر 3/1218-1220
]