مصطلح “حروب المرتدين” في مناهج الدراسات الاجتماعية والمواطنة (2)

مصطلح “حروب المرتدين” في مناهج الدراسات الاجتماعية والمواطنة (2)

سهيلة زين العابدين حمّاد
نُشر في جريدة المدينة نُشر يوم 22/12/ 2019م


 بيّنتُ قي الحلقة الماضية خطأ المؤرخين القُدامى والمعاصرين بإطلاقهم مصطلح”
حروب المرتدين” على حروب المتمردين الممُتنعين عن دفع الزكاة في عهد سيدنا
أبي بكر رضي الله عنه، وكما بيّنتُ
سابقًا أنّ سيدنا أبا بكر رضي الله عنه لم يحارب الممتنعين عن دفع الزكاة لارتدادهم
عن الدين، وإنّما لامتناعهم عن دفع الزكاة، فقد وُصفت هذه الحركات من الناحية
السياسيَّة بأنَّها عصيانًا مدنيًا وحركات انفصاليَّة عن الدولة الإسلامية في المدينة
المُنوَّرة التي أسَّسها الرسول صلى الله عليه وسلم

،  وهي عودةٌ حقيقيَّةٌ إلى النظام
القبلي الذي كان سائدًا في 
الجاهليَّة، وبلا شك هذه الحقائق التاريخية لم تغب عن معدي مناهج الدراسات
الاجتماعية والمواطنة، ولكنهم للأسف استخدموا مصطلح” الردة” وقرروا أنّ محاربة
سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لارتدادهم عن الإسلام، وليس لعصيانهم للدولة وإثارة
الفتنة، فالصدِّيق رضي الله عنه لا يمكن يفعل ذلك، وهو يعلم تمام العلم أنّه لا توجد
آية في القرآن الكريم تنص على قتل المرتد، كقوله تعالى:(إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ
ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّمْ
يَكُنْ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾[النساء:137]  وكذلك الآيات السابق ذكرها في الحلقة الماضية.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير آية(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ
قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[الأعراف:164]”
كأنهم
يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصح، بل استمر على
اعتدائه وطغيانه، فإنّه لا بد أن يعاقبهم الله، إما بهلاك أو عذاب شديد
.فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم(مَعْذِرَةً
إِلَى رَبِّكُمْ) أي: لنعذر فيهم
.(وَلَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ) أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع
فيهم الوعظ، وأثّر فيهم اللوْم
.وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر: ليكون معذرة، وإقامة حجة على
المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.”  
فالآية لم تنص على معاقبة المرتدين بالقتل، وإنّما تنص
على معاقبة الله لهم بهلاك أو عذاب شديد، وفضيلة الشيخ السعدي أوضح هذا في تفسيره
للآية ولم يُخالف كلام الله بالقول بقتلهم، كما جاء في بعض المرويات  المنسوبة إلى رسول صلى الله عليه وسلّم التي
تقول بقتل المرتد، وأقول منسوبة لمخالفتها للقرآن الكريم، والرسول صلى الله عليه
وسلّم لا يخالف القرآن الكريم، فتلك المرويات
لا تتفق مع الآيات الكريمات السابق ذكرها التي
لا تنص على قتل المرتد أو عقوبته بأية عقوبة دنيوية، فلا يؤخذ بها، لأنّ السُنّة
الصحيحة لا تناقض القرآن الكريم، ومن قواعد صحة المتون المتفق عليها من قبل علماء
الحديث، أن يكون متن الحديث موافقًا للقرآن الكريم، وتلك الأحاديث مخالفة له، فكيف
نأخذ بها لمجرد ورود بعضها في الصحيحين رغم مخالفتها الصريحة للقرآن الكريم؟ ولكن
للأسف ترك أولئك القائلين بقتل المرتد كلام الله وأخذوا ببعض الروايات المنسوبة
إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم المخالفة للقرآن كرواية البخاري” من بدّل
دينه فاقتلوه” لورودها في الصحيحين، فاجتهادات أولئك الفقهاء بقتل المرتد لا داعي
لها، لأنّ لا اجتهاد بوجود النص، وتوجد لدينا نصوص قرآنية كثيرة حسمت القضية، ولم
تنص على تطبيق حد، أو أية عقوبة دنيوية على المرتد، فالإسلام أقر بحرية العقيدة،
وعدم الإكراه في الدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهذا المرتد قد يعود إلى
الإسلام في أية لحظة، إن توفرّت لديه القناعة بالدين، وكثر الذين ارتدوا، وألحدوا،
وعادوا إلى الإسلام، خاصة أيامنا هذه التي تنامت فيها ظاهرة الإلحاد في عالمنا
العربي والإسلامي بالتزامن مع ما أسميت بثورات الربيع العربي، ويرجع هذا إلى عدة
أسباب في مقدمتها مخطط صهيوأمريكي غربي لدفع الشباب العربي المسلم إلى الإلحاد
لجعلهم بلا ولاء ولا انتماء، ولا هوية، وليكون ولاءهم لإسرائيل وأمريكا والغرب.
إضافة إلى مخالفتها للواقع التاريخي، فتلك الأحاديث
لا تتفق مع واقع الأحداث وقتها، ولا مع “صحيفة المدينة” التي تضمنت بنودها احترام
حرية التدين لسكان المدينة على اختلاف دياناتهم.
  فاستخدام مصطلح
حروب المرتدين”، أو” كواجهة الردة”
التي تحمل مضمون وجوب قتل المرتد قد ساعد جماعة الأخوان، وما انبثق عنها من منظمات
وجماعات إرهابية مسلحة مثل القاعدة  وداعش في
تكفير المسلمين وتبرير قتلهم بمبرر ردتهم لبسط نفوذ تلك الجماعات على أراض عربية
وإسلامية لإعلان قيام ما أسموها بدولة الخلافة، والتي هي ضد الدولة الوطنية، وهذا
يتعارض مع النظام الأساسي للحكم، ورؤية المملكة 2030، وأهداف هذه المناهج فيما يختص
بتنمية الحس الوطني، فلابد من إعادة النظر في المصطلحات التاريخية، والتحقق من
صحتها بدلًا من ترديدها بأخطائها، وما تحمله من دلالات خطيرة.
Join the discussion

1 comment
  • نعم، كنت اعرفها بحرب الردة، و رايت لأول مرة، خلال قراءاتي لبعض الكتب، من استعمل كلمة pacifier (تهدئة المدينة المنورة) بهذا الخصوص. و منذ ذلك الوقت كنت اتردد في صحة القولين. و شكرا على التوضيح.
    لكن بخصوص حكم المرتد في الاسلام، ربما يختلف المنصوص مما اثبتم هنا، او ربما انا المخطئ.
    شكرا جزيلا لك