هل يُبيح الإسلام الموسيقى والغناء ؟ (3)

هل يُبيح الإسلام الموسيقى والغناء ؟ (3)

سهيلة زين العابدين حمّاد
نُشر في جريدة المدينة يوم السبت الموافق 5/1/2019م


توقفتُ في الحلقة الماضية عند  ترك الذين يُحرّمون الموسيقى والغناء حديثين
صحيحين في صحيح البخاري أباحا الغناء والموسيقي،
ويستشهدون
في تحريمهما بحديث هشام بن عمّار، وهو يعتقد بالحلولية، والحديث من معلّقات الإمام
البخاري؟

هذا  لو
سلّمنا جدلًا بصحة هشام بن عمّار، فلا يُستدل به على تحريم المعازف، لأنّ المعازف
تُحرّم إن كانت في مجلس فيه الناس يتعاطون الخمر، ويُمارسون الزنا، ولم يأت نص على
تحريم المعازف منفردة . كما أنّ اعتماد الإمام البخاري هشام بن عمّار من رواته،
وهو مطعون في عقيدته،  يؤكد لنا أنّ ليس
جميع رواة البخاري ثقات يُسلّم بصحة رواياتهم، فقد بيّن  ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري
بشرح  صحيح البخاري (110)حديثًا للبخاري من
التي انتقدها الدارقطني، وخصّص لها فصلًا، ومن ضمنها حديث” لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة”، كما خصّص فصلًا عن رواة البخاري الذين فيهم طعن بالضعف
والتدليس والإرسال والقطع وعددهم(464) راويًا.[انظر مقدمة فتح الباري، الصفحات
570، 571، 604، 607]وممن طُعن فيهم عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب وسعيد المقبري،
وهما من رواة حديث” النساء ناقصات عقل ودين.
هذا ومن أدلة إباحة الغناء مزامير داود
عليه السلام،
لقد كان فضل الله سبحانه على داود كبيرًا؛
حيث كان حسن الصوت، وعندما كان يصدح بصوته الجميل ويسبّح لله تعالى ويحمده كانت
الجبال والطير تسبّح معه، فمزامير داود هي تسابيح لله، وضروب دعاء، وأناشيد فيها
حمد وسجود وتمجيد له سبحانه، وهي ما كان يتغنّى بها داود عليه السلام من الزبور،
وقد شبّه الرسول صلّى الله عليه وسلام حسن صوت داود وجمال نغمته بصوت المزمار،
والذي هو آلة موسيقية يستخدمها المغنّي
.
كما أنّه عليه الصلاة والسلام  مدَح صوت أبي موسى الأشْعري -وكان حلوًا- وقد
سمِعَه يتغنَّى بالقرآن، فقال له: “لقد أوتيتَ مِزْمارًا من مزامير آل داود”
متفق عليه
.
من أدلة إباحة الإسلام للغناء والموسيقى أنّ القرآن
الكريم يُقرأ من قبل معظم المقرئين بمن فيهم  من أئمة

 
  الحرميْن الشريفيْن طبقًا لمقامات سبعة من مقامات
الغناء والموسيقى  وهي : البيات، والرست، الجاهركاه،النهاوند،
الصبا، السيكاه، الحجاز
.
يقول الشيخ إبراهيم
الأخضر القيم، شيخ قراء القرآن الكريم في المدينة المنورة :” وأمر الحلال
والحرام في القراءة بالموسيقى والمقامات ليست هي القضية، فالقضية أنّ لدي معالم
محددة جدًا لا ينبغي تخطيها بتاتًا لجعل صوتي مسرحًا للقرآن الكريم، والمعالم
تتركز في قوانين التجويد، وأحكام التجويد، والوقف والابتداء والالتزام التام بهذه
القوانين
.
الصوت الحسن يزيده حسنًا،
كما جاء في الحديث «زينوا القرآن بأصواتكم»، فمن يريد أن يقرأ بالمقامات أو غيرها
فيمكنه ذلك، لكن المهم أن يتمسك بالقوانين والثوابت.
 هذا وتوجد قراءات لإمام الحرمين الشريفين الشيخ محمد أيوب – رحمه الله- من
سورة الأنفال مقام السيكا الحجازي بنجكاه، وآخر سورة الأنعام بمقام الرست، وسورة
الرحمن بمقام الرست، وسورة ياسين بمقام البنجكاه، وغيرها كثير، كما توجد قراءات لآخرين
على تلك المقامات  
وأتساءل هنا : لمَ التضييق على النّاس بتحريم ما
أباحه الخالق جل شأنه، وقد نهى الله عن ذلك بقوله:( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ
لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ)[المائدة: 87]، والغناء
والموسيقى من الطيّبات التي تريح النّفس وتُروِّح عنها؟ وإن قالوا نُحرِّم الغناء
والموسيقى سدًا للذرائع، فأقول: إنّ في سد الذرائع اعتراض على ما أباحه الله
وشَّرعه، فالله أعلم بشؤون خلقه، وبالأصلح لهم، وهو خالقهم، والإسلام صالح لكل
زمان ومكان، والخالق هو المشرِّع، فلا يأتي أحد من البشر، ويتجرأ على الله،
فيُحرِّم ما أباحه  لهوى في نفسه بدعوى درء
المفاسد وسد الذرائع، فهناك ضوابط وضعها الخالق، أو بوحي منه إلى نبيه محمد صلى
الله عليه وسلم علينا أن نلتزم بها.  هذا
ونجد المحرّمين للغناء والموسيقى سدًا للذرائع، هم أنفسهم  الذين يُبيحون للرجل ما حرمه الله إرضاءً
لشهواته ونزواته كالزواج بنية الطلاق دون إعلام الزوجة، وإباحة استرقاق الأسيرات
ومضاجعتهن دون عقد زواج، وكذلك مضاجعة إمائهم بدون عقد زواج
.
المصدر: https://www.al-madina.com/article/607881/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%A1-(3)

Join the discussion