مراجعات على الدكتور يوسف زيدان (10 ج1) حول زعمه أنّ لليهود حق في الأراضي من النيل إلى الفرات

مراجعات على الدكتور يوسف زيدان (10 ج1) حول زعمه أنّ لليهود حق في الأراضي من النيل إلى الفرات



د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الثلاثاء 27/2/2018


    
أواصل مراجعاتي لدكتور يوسف زيدان حول ما ذكره في برنامج ” كل
يوم” مع الإعلامي القدير الأستاذ عمرو أديب عند قراءته لكتاب د.”
إسرائيل ولفنسون” تاريخ اليهود في بلاد العرب ” أنّه جاء في السفر الأول
سفر التكوين” ولنسلك يا إبراهيم أعطي هذه الأرض من النهر إلى النهر الكبير
نهر مصر”، وقد استوقفتني مقولته هذه لأنّها 
تُردد مزاعم  حول دولة الصهاينة
المحتلين  في مملكة إسرائيل الكبرى التي
رسم لهم حدودها الرب.
وتتلخص هذه
المزاعم في ادعائهم

بأنّ الله قد رسم لهم مملكة وحددها تحديدًا جغرافيًا  دقيقًا من النيل إلى الفرات؛ إذ جاء في سفر
التكوين “في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً:” لنسلك أعطي
هذه الأرض من نهر مصر إلى نهر الكبير”،[1]
تؤكد التوراة هذا الوعد بقولها “وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض
كنعان ملكاً أبدياً” [2]

 
وكما سيتبين ويتأكد  لنا أنّ
التوراة هذه ليست التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، وإنّما كتاب عزرا
الوراق، فهذا النص يتعارض مع العدالة الإلهية؛ إذ كيف يُعطي لإبراهيم أرض كنعان ،
فإن أراد أن يعطيه أرضًا فلا يعطيه أرضًا يملكها الغير.
 
 فالتوراة التي بنى اليهود حقوقهم
في فلسطين على أسفارها، وخاصة أسفار موسى الخمسة قد ثبت لديهم زيفها، وأنَّها ليست
التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام، وذلك بعد عرض التوراة على النقد التاريخي،
وما أثبتته الحفائر الأثرية من تناقض مع ما ورد في التوراة، وسأوضح هذه الحقائق من
خلال الآتي:
أولاً: إنَّ
التوراة المتداولة والمعتمدة عليها دولة الاحتلال الصهيوني  في ادعاء حقوقها التاريخية الباطلة ليست هي كتاب
الله الذي  نزل على سيدنا موسى عليه
السلام، فإنَّ توراة سيدنا موسى عليه السلام قد سُرقت، أو أخفيت قبل السبي
البابلي، لأنَّ التوراة الأصلية أصغر بكثير من التوراة المتداولة، وقد نُقشت على
اثني عشر حجرًا، وكانت تُعبِّر عن الشريعة فقط، وأنَّه كانت على الأرجح مكتوبة
باللغة المصرية القديمة التي كان يتقنها سيدنا موسى عليه السلام، أمَّا التوراة
التي عند اليهود فهي مكتوبة باللغة الآرامية ، وقد كتبها عزرا الوراق، وهو رئيس
الكتبة الذين حرَّفوا التوراة وبدَّلوها، وقد ارتبط اسمه بكتابة التوراة، ويذكر
Hosmer  أنّ عزرا 
– في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد –  هو الذي قاد جماعة من اليهود إلى فلسطين ؛ حيث
استعاد بها الحياة اليهودية ، وهو الذي أبرز أجزاء كثيرة مما سُمّي فيما بعد
بالعهد القديم، وقد أكمل الكهنة الذين جاءوا بعد عزرا ما بدأه هذا الكاهن ، وفي
عهد المكائيين كانت أجزاء العهد القديم قد وُجِدت تقريبًا  ولكنها لم تكن وضعت في نظامها المعروف الآن،
كما أنّها لم تكن في مستوى واحد من حيث الإجلال والتقدير . [3]،
وذكره السموأل بن يحي المغربي(توفي سنة 570هـ)،”وما كتبه عزرا من الذاكرة
فحرَّف ما حرَّف، وشوَّه ما شوَّه ،وبدَّل ما بدَّل.”
ثانيًا: أنَّ
التوراة جمعت على مدى 1100سنة كان آخرها القرن الخامس الميلادي، ونتيجة لامتداد
زمن التأليف إلى أكثر من ألف عام، وطوال عصور الجمع فأحبار اليهود أنفسهم يختلفون
في أسماء وعدد أسفار العهد القديم ،لأنَّ 
النتيجة المحتومة لامتداد زمن التأليف إلى أكثر من ألف عام، وطوال عصور
الجمع خضعت خلالها الأسفار لمؤثرات كثيرة عملت فيها بالزيادة والنقصان والحذف
والإضافة، بل يتنافس رجال اللاهوت حول بعض الأسفار وهل هي حقاً من أسفار العهد
القديم أم دخيلة عليه، وخاصة سفرى الجامعة “ونشيد الإنشاد”[4]
والأخير هو عبارة عن غزل فاحش نسب إلى سيدنا سليمان عليه السلام وهو لا يليق البتة
بنسبته إلى نبي من أنبياء الله.
وكان من نتيجة التفاوت العظيم بين
عقليات اليهود المختلفة، ومعتقداتهم على مر هذه السنوات الطوال التي امتدت إلى
أكثر من ألف عام أن أدخل يهود مصر بعض الأسفار الجديدة على العهد القديم، والتي لا
أصل لها باللغة العبرية، وقد كتبت هذه الأسفار باللغة اليونانية لأول مرة في
“العهد القديم” والسبب في ذلك هو زوال سلطان اليهود السياسي عام 70
ممَّا حداهم إلى تدوين تراثهم الروحي والعقلي كتابة.[5]
 والوصايا التي تنسب إلى موسى عليه السلام والتي
يقال إنَّها عشرة أو إحدى عشرة وصية كما في سفر من الأسفار المعتمدة ليست لموسى؛
إذ أنَّ ما جاء فيها لا يتفق مع حياة الإسرائيليين البرية التي كانوا يعيشونها في
أيامه، وهذه الوصايا التي بين أيدينا صورة متطورة نتيجة تطور الشعب اليهودي من
حياة البداوة المتنقلة إلى حياة الزراعة المستقرة، ونحن نلمس في هذه الوصايا على
صورتها الحالية تلك العادات والتقاليد المطبوعة بطابع الإسرائيليين في القرن
الثامن قبل الميلاد، ومن الناحية التشريعية نجد أنَّ “سفر الخروج” الذي
يطلق عليه سفر”هبريت” أي خروج قد حوى القسم الهام من التشريع الشعبي،
فهو يهتم بالأفراد وحياتهم ومعاملاتهم، وهو أشبه ما يكون بشريعة
“حمورابي” مع وجود بعض الفروق التي ترجع إلى تفاوت الثقافة بين الشعبين،
وبمقارنة شريعة حمورابي بالوصايا نجد العلاقة قوية جدا بينهما[6]،
وقد نقل اليهود هذا التشريع عن الكنعانيين.
ثالثًا: ولما
جاء السبي البابلي حاول كتاب العهد القديم التوفيق بين سفر التثنية مع مصدري
“يهوذا” و “الوهيم” “الوهيم اسم في العبرية لله مثل
اللهم. ووحدوا التثنية مع هذين المصدريين، وأدخلوا أيضًا تغيرات هامة على سفري
الخروج والعدد، وبالتالي نستطيع أن نجزم أنَّ التوراة التي بأيدينا لا تمت بصلة
إلى موسى، وليست هي التي أنزلها الله عليه، فقد بدئ في جمعها من التراث الشعبي
الشفهي بعد موت موسى بـ 250 سنة ، كما أشارت إلى ذلك دائرة المعارف البريطانية،
ومما يدل على ذلك ما جاء في الفقرة السادسة من الإصحاح الرابع من سفر التثنية
بخصوص وفاة موسى عليه السلام؛ إذ لا يمكن أن يكون هذا الخبر الخاص بوفاته صدر عنه
شخصيًا وهو حي، فهو يقول “لا يعرف شخص قبره حتى يومنا هذا”.[7]
رابعًا
:منذ أن خضعت التوراة للنقد في القرن السادس عشر كأي كتاب بدأ فريق من العلماء
المسيحيين في دراسة التوراة دراسة نقدية، وخرجوا من دراستهم ببعض النتائج أهمها
أنَّ التوراة المتداولة لم تكن التي نزلت على  موسى عليه السلام، وإنَّما كتبت بعده بقرون
طويلة، وأنَّ الاختلافات جوهرية بين المسيحيين واليهود فيما يتعلق بكثير من النصوص
الواردة في هذه الأسفار، وأنَّ نظرة المسيحيين إلى العهد القديم تختلف بين الكاثوليك
والبروتستانت الذين يضيفون إليها سبعة أسفار لا يعترف بها الآخرون. وأنَّ عقيدة
التوحيد التي تقدمها التوراة قائمة على ركائز من وثنيات موغلة في القدم حين كانت
الأقوام تتمثل الرب أحيانًا في صورة مزدوجة بين خير وشر، بل نجدهم تمادوا في كفرهم
وعبدوا الشيطان، ويمهدون لعبادته في العالم أجمع عندما يسيطرون عليه، وتوجد نصوص
في تلمودهم تبين ذلك، ففي رسالة كتبها الجنرال بايكـو قد كان قائداً لقوات الهنود
الحمر في الجيوش الأمريكية، ثُمَّ اصطاده اليهود بعد تسريح فرقته، وضموه إلى
صفوفهم، وأدخلوه في الماسونيةـ بخط يده في 15/8/1965م إلى يوسف مازيني[أحد زعماء
إيطاليا في ذلك الوقت، وهو ماسوني ، وقد يكون يهوديًا متسترًا.] ولا تزال هذه
الرسالة محفوظة في خزائن المتحف البريطاني في لندن قائلًا فيها:(وسيكون ذلك أن
تفقد الجماهير المسيحية إيمانها بالدين المسيحي، وستجد أنَّ العقيدة الإلهية تاهت
عن وجهتها مما سيجعل هذه الجماهير بحاجة متعطشة لأية عقيدة مثالية جاهلة بمن تتوجه
إليه للعبادة فتتلقى آنذاك النور الحقيقي لدى الكشف في العالم أجمع عن عقيدة
الشيطان الصريحة التي سينادي بها أخيرًا بشكل علني)[8]
وفي
يوم 14/7/1889م، بعث البرت بايك إلى المحفل الماسوني الأمريكي الأكبر رسالة يقول
فيها:(يجب أن نقول للجماهير إنَّنا نعبد الله …ولكن الإله الذي نؤمن به لا تفصلنا
عنه الأوهام والمخاوف النفسية، ويجب علينا نحن الذين بلغنا مراتب الاطلاع العليا
أن نحافظ في الدين على نقاء الإيمان بألوهية الشيطان، أجل إنَّ الشيطان هو الإله…) [9]
ويخاطب التلمود اليهود قائلًا :(إنَّه
يجوز لهم أن يستشيروا الشيطان في آخر أيام الأسبوع)[10]
   وطبقًا لما جاء في تلمودهم فإنَّهم يؤمنون
بأنَّ
Asmode
“أسمود”سلطان الشياطين يصعد كل يوم إلى الملأ الأعلى لكي يقتبس هناك
العلم .
  هذا ويلاحظ في قصة إغواء سيدنا آدم عليه
السلام، وخروجه من الجنة الواردة في الإصحاح الثالث من سفر التكوين لم يرد ذكر
الشيطان، وإنَّما جعلوا الحية هي التي أغوت أمنا حواء لها، وأنَّ حواء أغوت سيدنا
آدم .
خامسًا : مما يؤكد على تحريف التوراة الصورة التي صورتها التوراة لله عزَّ
وجل، فلقد صورته صورة مليئة بالتشويش والتناقض والنيل من الذات الإلهية، ووصفه بما لا يليق، فهو في معظم صفحات الكتاب إله ندمان، يفعل الفعل، ثم ما يلبث أن يدرك أنَّه
أخطأ ويندم عليه، ويرجع عنه، وهو إله مادي يفرح برائحة الشواء على المذابح، ويدركه
التعب إذا اشتغل بعض الوقت فيحتاج إلى الراحة .. وهو إله عنصري متحيز لا يعرف من
مخلوقاته إلاَّ بني إسرائيل، فهو يشرع الفضائل بين أفراد هذه العشيرة
 ويقول “فولتير”
معلقًا على صورة الله عزَّ وجل شأنه في التوراة المحرفة : (وكيف السبيل إلى
الاعتقاد بأنَّ كل ما يقصه التوراة هو من وحي إلهي فإذا كان الله هو الذي أملى
التوراة حق لنا أن نعجب؛ إذ أنَّ الله ذو أفكار خاطئة جدًا في علم الفلك، كما
أنَّه يجهل علم تاريخ الحوادث، ويجهل الجغرافيا جهلًا تامًا، ويعتقد أنَّ الأرانب
تجتر، ويناقض نفسه بنفسه فيما يخص الأخلاق، وكيف السبيل إلى الإيمان بالخرافات
التي توجد في التوراة اليهودية ، وبالمعجزات التي يقال إنَّها حدثت دون انقطاع
خلال التاريخ اليهودي فأتاحت لليهود أن يعبروا البحر الأحمر والأردن دون أن تبتل
أقدامهم، وليوشع أن يوقف الشمس، وكيف السبيل إلى الإيمان بالمعجزات التي أسقطت
أسوار أريحا عند نفخ الصور، وجعلت شمشون يكسر جيشًا كاملًا بفك حمار، وأضف إلى ذلك
كله، كل الفظائع التي تسردها التوراة، وكل القصص القذرة والبعيدة عن التصديق التي
تقرأ عن الأنبياء الذين حكم على أحدهم بأكل القاذورات، وعلى الآخر بالتهتك المقزز
للنفس، وغير ذلك من ضروب الأذى والإذلال يوقعها الرب بهم دون سبب معروف)[11]
سادسًا:
لم يكتف اليهود بالنيل من الذات الإلهية، فلقد نالوا أيضًا من الأنبياء، وكلما
اشتدت بهم وطأة الاضطهاد عليهم، كلما نزلوا في أنبيائهم قتلًا وتشريدًا، وتلطيخًا
وتحريفًا وتزييفًا، ولم ينج واحدًا من الأنبياء الأول من التلطيخ، [فنوح يسكر حتى يفقد وعيه، ويتعرى داخل خبائه، ويرى ابنه حام
عورته، ويخبر أخاه سام الذي جاء هو وأخوه، وستر عورة أبيه، عندما استيقظ الأب،
وعلم بالأمر دعا باللعنة على حام ونسله من الكنعانيين
هذا خطأ يقع فيه وُضّاع التوراة، فالكنعانيون من نسل سام، وهذا الخطأ يؤكد
تحريف التوراة،
 -فهي
تُمثل نظرية الاسم العبري وفق التقسيم الإثني للتوراة، فإنّ الكنعانيين من نسل حام
بن نوح، وعادة اليهود كانت تنسب كل أعدائهم إلى حام – ويكونون عبيد الساميين مدى
الدهر، وهم يرمون من هذا جعل الفلسطينيين عبيداً لهم، كما صوروا الأنبياء في
توراتهم بأنَّهم زناة يرتكبون الفواحش مع المحارم، بهدف إشاعة الإباحية ولتنهار
القيم.
سابعًا: إسقاط
رحلة سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة، وابنه إسماعيل وهاجر، وجعلهم الذبيح
إسحاق عليه السلام، لما في هذه الرحلة من تحويل خطير في نقل النبوة إلى بني
إسماعيل[12]،
وهم يزعمون أنَّهم شعب الله المختار، كما ادعى وُضَّاع التوراة أنَّ الابن الأكبر
لإبراهيم عليه السلام هو إسحاق في حين نجد أنَّ التوراة العبرانية تبين أنَّ
إسماعيل عليه السلام أكبر من إسحاق عليه السلام بأربع عشرة سنة ،وهذا يُكَذِّب ما
جاء في سفر التكوين الإصحاح 22 الآية 1،2 أنَّ الله امتحن إبراهيم فقال: ها أنا ذا
فقال :(خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريَّا، واصعده هناك محرقة
على أحد الجبال الذي أقول لك)
   ونرى هنا قد استبدلوا إسماعيل بإسحاق، وفاتهم
أنَّ كلمة “ابنك وحيدك” تكشف زيفهم فمعروف أنَّ إسحاق عليه السلام، ليس
الابن الوحيد لسيدنا إبراهيم عليه السلام، لأنَّ إسحاق من زوجه سارة، والتي كانت
عقيمًا، ولذا تزوج من السيدة هاجر التي أنجبت له إسماعيل عليه السلام، وبعد أربع
عشر عامًا أنجبت السيدة سارة إسحاق عليه السلام.
  ولكن وُضَّاع التوراة جعلوا الذبيح إسحاق عليه
السلام على جبل المريَّا، وذلك لنسبة الفضل إلى إسحاق، ولتوجيه الاهتمام إلى
البقعة التي أقيم عليها المعبد السليماني، وهو جبل المريَّا- حسب زعمهم –  وهم بذلك يرمون إلى نفي أية صفة يبوسية كنعانية
فلسطينية عن تلك الهضبة أو التلة، وحصر أهميتها في اختيار الرب لها ليقدم إبراهيم
محرقته عليها ليصرفوا الأنظار والتاريخ عن أصل هذه الهضبة التي كانت لملكي صادق
الكنعاني اليبوسي أو الأورشليمي قبل أن يأتي إليها إبراهيم عليه السلام ، وليس في
اهتمام اليهود وبالمريَّا أية قيمة دينية، بل ليس لذلك أي أثر في تاريخ الإنسانية،
أو في مسيرة رسالات السماء، وقد تبيّن من الحفائر الأثرية أنّه لا وجود أي أثر
يهودي في القدس. 
سابعًا: من أدلة أنّ الأسفار التي
تنسب إلى موسى عليه السلام الآن لا يوجد من قريب أو من بعيد ما يفيد أنّه جاء بها
، أو نزلت عليه ، بل العكس يوجد ما يقرر خطأ نسبة هذه الأسفار إليه،[13]
من ذلك :
1.   
 ما ورد في الإصحاح الرابع
والثلاثين من سفر التثنية من الآيات5 إلى12 عن كيفية موت سيدنا موسى عليه السلام،
فلا يعقل أن يصف طريقة موته بنفسه، وممّا جاء في هذا السفر :” فمات موسى عبد
الرب في أرض مؤاب ، ولم يعرف إنسان قبره إلى اليوم ”
[14]
2.   
وجاء في نفس السفر :” ولم يقم بعد نبي في بني إسرائىل مثل
موسى”
[15]ومن الواضح أنّ مثل هذه العبارة لا تُقال إلّا بعد موت موسى بزمن ليس
بالقصير.
3.   
وجاء في سفر التكوين ما يلي :” وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في
أرض أدوم قبلما هلَك ملك لبني إسرائيل” [16]
وهذه الفقرة تدل على أنّها كُتبت في
عهد ملك بني إسرائيل، أو بعده، وعهد ملك بني إسرائيل متأخر عن موسى (عليه السلام)
بعشرات السنين، أو مئات السنين، ومن هذا نُدرك أنّ أسفار التوراة ليست من أسفار
موسى، وإنّما نُسبت له، لكثرة ورود اسمه بها. [17]
4.   
يقول الباحث J.Smith  عن سفر الخروج :” إنّ
هذا السفر الذي نقرؤه بين أسفار الكتاب المقدس، لم يُكتب إلّا بعد فترة طويلة من
الأحداث الواردة فيه، وربما كانت هذه الأحداث محفوظة جيلًا بعد جيل؛ إذ كان بعضها
، كما لايزال الحال حتى الآن ضمن التلاوة الدينية التي يرتلها رجال الدين في
المناسبات، وبخاصة في عيد الفصح.” [18]
5.   
وسفر التثنية بالذات تناولته يد التغيير والتبديل والنص الذى بين
أيدينا خليط من مصادر متنوعة، لأنَّ أسلوبه الأدبي يتفاوت من جملة إلى أخرى خاصة
في الفصول الثلاثة الأولى، مما يرجح أنّ عددًا كبيرًا من الكتاب قد أدلوا بدلوهم
في تشكيله وكان من بينهم “أرميا” الملقب بالنبي” ويتبين لنا ذلك
جليًا في الإصحاح الحادي عشر من السفر نفسه، ويرجح أنّ تأليفه قد كان بعد عصر
النبوة، أي عصر أنبياء الفترة الآشورية، والسفر بحالته الراهنة يدل على أنَّه كتب
في عهد متآخر، وأنّ بعض الإصحاحات أضيفت إلى النص القديم “قارن مثلًا إصحاح
14 من التثنية مع إرميا 16، وحزقيال إصحاح 7 مع أشعيا إصحاح 56 وما بعده”[19]
.
6.   
فإذا تركنا أسفار موسى عليه السلام إلى ما سواها من الأسفار وجدنا نفس
النتيجة، فإنّ هذه الأسفار نُسبت إلى غير مؤلفيها الحقيقيين، ويبدو أنّ المؤلفين
كانوا متأخرين جدًا عمّن نسبت لهم هذه الأسفار، وقد قرّر الكتاب الغربيون هذه
الحقيقة.[20]
ثامناً: تناقض التوراة، والأدلة على
تناقضها كثيرة لا حصر لها ، منها:
أ‌.      
ما
جاء في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر
الرب لأبرام وقال لنسلك أُعطي هذه الأرض..” [21]
    يتناقض مع ما جاء في الإصحاح 15 من سفر
التكوين : ” فقال لأبرام اعلم يقينًا أنّ نسلك سيكون غريبًا في أرض ليست لهم،
ويُستعبدون لهم فيذلونهم أربعمائة سنة، ثم الأمة التي يستعبدون لها أنا أدينها،
وبعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة، وأمّا أنت فتمضي إلى آبائك بسلام، وتُدفن ببيئة
صالحة، وفي الجبل الرابع يرجعون إلى هاهنا لأنّ ذنب الآموريين ليس إلى الآن
كاملًا..” [22]
فكيف بعدما أعطيت الأرض لنسله سيكون نسله غريبًا في أرض ليست لهم؟ بل الغربة فُرضت
على إبراهيم وابنه إسحاق وحفيده يعقوب في أرض كنعان في سفر التكوين(وسكن يعقوب في غربة أبيه إسحاق في أرض كنعان)[23]
 (وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا، قرية
أربع، التي هي حبرون، حيث تغرب إبراهيم وإسحاق)[24]
، ثمّ أنّ الله لم يظهر إلّا
لكليمه موسى عليه السلام، ولم يظهر لغيره من الأنبياء، وعندما أقترب من النبي صلى
الله عليه في معراجه عند سدرة المنتهى رأى نورًا فقط.
ب‌.  
ما ذكره زنون كوسيدوفسكي عن هذا التناقض في كتابه “الأسطورة
والحقيقة في التوراة” فيقول: (إنَّنا نجد في النص التوراتي مجموعة من
المعلومات المتناقضة فيما بينها والمفسدة للصورة التاريخية إليكم أحد الأمثلة:
يُصوِّر صموئيل في بداية الرواية على أنَّه شخص مشهور ذائع الصيت في كل البلاد،
لكنه في الإصحاح التاسع يصبح متنبئًا محليًا يسمع عنه شاول من غلامه، هكذا ببساطة
وبلا مقدمات، يُنزل صموئيل من أعلى مرتبة إلى مرتبة الساحر، الذي ينصح النَّاس،
وذلك مقابل عمل تافه قام به عندما أسهم بكيفية إيجاد الأتن الضائعة.”[25]
   والسؤال الذي يطرح نفسه الآن
هو:
أين توراة موسى عليه السلام ممَّا
دوَّنه كهنة اليهود؟
وأقول جوابًا عن
هذا السؤال بأنَّ توراة موسى قد اندثرت بعد أن سرقت وأخفيت، والذي بقي في ذاكرة
اليهود حُرِّف وبُدِّل وشُوِّه، فكما اتضح لنا أنَّ التوراة التي بين أيدينا
والمتداولة بين اليهود، والتي تتمثل في الكتب الخمسة الأولى، والتي كُتِبت ابتداءً
من القرن التاسع قبل الميلاد حتى القرن السادس هي من التراث، أي من الأساطير، ولكن
هذا لا ينفي وجود توراة وألواح، ولكن التوراة الحالية تحتوي على أشياء غير معقولة
وأشياء متناقضة، وقد بيَّن الله عزَّ وجل كتابة التوراة على أيدي الكهنة فقال في
سورة البقرة: (فويلٌ للذِين يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيِهِم ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا،  فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا كَتَبتْ أَيْدِيهِم
ووَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون)[26]،
ويقول تعالى:(وإنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ
لِتَحُسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُوُلُونَ هُوَ مِنْ
عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُوُلُونَ على اللهِ الْكَذِبَ
وَهُمْ يَعْمَلُونَ)[27]
ويقول تعالى في سورة الأنعام:( وَمَا
قَدَرُوُا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قّالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ على بَشَرٍ مّنْ
شَيءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً
لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرَاً
وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ أَبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ
ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِم يَلْعَبُونَ) [28]
    وهكذا نجد أنَّ تاريخ اليهود من خلال التوراة
والذي تزعم فيه حقها في فلسطين، وفي القدس عاصمة أبدية لدولتها هي من وضع اليهود
أنفسهم، ولا يوجد لها سند تاريخي، ولا تستند إلى التوراة المنزلة على سيدنا موسى
عليه السلام.  فاليهود من الناحية
التاريخية لا حق لهم في فلسطين فتاريخهم فيها لم يكن إلاَّ تاريخ لاجئين إليها
عابري سبيل ومغتصبين لها. [29]
ومن هنا جاء اسمهم بالعبرانيين أي الذين عبروا الصحراء. 
وأود هنا أن أٌوضح أمرًا هامًا 
للدكتور زيدان ينبغي ألّا يتجاهله في مشروعه الذي ألغى فيه قدسية القدس
والمسجد الأقصى للمسلمين وحصرها في اليهود والمسيحيين تمهيدًا لجعلها عاصمة للدولة
الصهيونية المحتلة أنّ دولة الاحتلال  الصهيوني هذه 
لا تريد السيطرة على القدس فقط، بل تريد السيطرة على مكة المكرّمة والمدينة
المنورة أيضًا.
وهذا ما سأبينه في الجزء الثاني 
من هذه المراجعة ، فللمراجعات بقية
البريد اليكتروني : Suhaila_hammad@hotmail.com
جريدة أنحاء اليكترونية 
http://www.an7a.com/2018/02/27/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86-10-%D8%AC1-%D8%AD%D9%88%D9%84/
                                                      



[1] . تكوبن : 15/ 18.
[2] . تكوين : 17/8.
[3] . د. أحمد شلبي: مقارنة الأديان (
اليهودية) ، مرجع سابق ، ص 263، نقلًا عن
The
Jews pp.75-76.
:
Hosmer
[5] – المرجع
السابق :ص 11.
[6] – المرجع
السابق :ص 12.
[7] . د. سهيلة زين العابدين حمّاد: السيرة النبوية في كتابات
المستشرقين ” دراسة منهجية تطبيقية على المدرسة الإنجليزية”، الجزء
الأول، تحت الطبع .
[8] . د. أحمد شلبي :اليهودية،ص72 نقلاً عن وليم
كار “الدنيا لعبة إسرائيل”،ا لترجمة العربية، ص27.
[9] . المصدر السابق : ص 72،نقلاً عن وليم
كار” الدنيا لعبة إسرائيل”، الترجمة العربية ،ص 27.
.
[10] . بولس حنا : همجية التعاليم الصهيونية، ص 31.
[11] . اندريه كرسون:فولتير “حياته ـآثاره ـ فلسفته”، ترجمة
الدكتور صباح محيي الدين، ص 49، 50 ، ط2، 1984م، منشورات عويدات ،بيروت – باريس.
[12] . من الخطأ القول انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ،
لأنّ النبوة لم تكن محصورة في بني إسرائيل فالأنبياء هو وصالح وشعيب عليهم
السلام  من العرب البائدة هم وأقوامهم .
[13] . د. أحمد شلبي: مقارنة الأديان ، اليهودية، مرجع سابق، ص 259-ز
260.
[14] . سفر التثنية : 34/ 5.
[15] . سفر التثنية: 34/10.
[16] . تكوين : 36/ 31.
[17] . د. أحمد شلبي : مرجع سابق، ص 260.
[18] . المرجع السابق: ص 260، نقلًا عن J. Smith : God and Man in Early Israe pp.34-34.
[19].  أحمد طاهر: الأناجيل دراسة مقارنة،  ص 12.
[20] . المرجع السابق : ص 261.
[21] . تكوين : 12: 6-7.
[22] . تكوين :15/13- 17.
[23] . تكوين: 37/ 1.
[24] . تكوين: 35/ 27.
[25] زنون كوسيدونسكي: الأسطورة والحقيقة في التوراة، ترجمة  د. محمد مخلوف، ص 287،288،ط 1، سنة 1996م،
الأهالي للطباعة والنشر ، دمشق  ـ سوريا
[26] . البقرة : 79.
[27] . آل عمران:78.
[28] . الأنعام:91.
[29] . داود عبد العفو سنقرط: جذور الفكر اليهودي ،ص 38.
Join the discussion