مراجعات على الدكتور يوسف زيدان (3) بشأن المعراج والترتيب المصحفي حسب النزول

مراجعات على الدكتور يوسف زيدان (3) بشأن المعراج والترتيب المصحفي حسب النزول

د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الثلاثاء 30/1/2018م

  في فقرة ” اسأل د. يوسف
زيدان من برنامج ” ممكن” للإعلامي القدير الأستاذ خيري رمضان التي نُشرت
في اليوتيوب 3/12/ 2015، يقول الدكتور يوسف زيدان سورة النجم ترتيبها حسب النزول
رقم 23، وسورة الإسراء رقم 50 في نسخة المصحف المعتمدة من الأزهر، سورة الإسراء ما
كانتش نزلت فكيف يتحدث عن المعراج قبل الإسراء؟
[1]
      وأقول هنا للدكتور يوسف
زيدان ردًا علي قوله هذا :

إنّ ترتيب السور حسب النزول لعبة
لعبها المستشرقون للتشكيك في صحة القرآن بدليل  إنكارك للمعراج، فالترتيب المصحفي حسب النزول
وضع النجم قبل سورة الإسراء، وسورة النجم تتحدّث عن المعراج  والإسراء تتحدّث عن الإسراء ، وهذا هو هدف
المستشرقين من ذلك، فمن أين عرف المستشرقون أو أي إنسان ترتيب السور حسب النزول؟

     لقد أثبت القرآن الكريم نفسه حقيقة وجود
الترتيب المصحفي، وقد جاء ببرهان قوي في الآيات 17-19 من سورة “القيامة”
فلنقرأ قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
وَقُرْآَنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ)
   وجمعه يعني تنظيم الآيات والسور وهذا التجميع،
أو التنظيم للسور لا يمكن صنعه إلاَّ وفق ترتيب محدود، ألا
وهو الترتيب الإلهي، وعلى ذلك يبدو واضحًا أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُنزِّل الوحي فقط، ولكنه أنزل معه تنظيمه وجمعه، فالآية تنزل مع تحديد رقمها واسم سورتها،
فالترتيب المصحفي توقيفي من عنده، وهذا الترتيب الذي وضعه الخالق لسور قرآنه لا
يمكن لأحد أن يستطيع ترتيبها حسب نزولها، لأنّ السورة تنزل متفرِّقة لا تنزل كاملة
دفعة واحدة، وإنّما تنزل آية من سورة، وتنزل بعدها آية من سورة أخرى، وهكذا، ونجد
آيات السورة الواحدة بعضها مكي ،وبعضها مدني، مثل سورة المرسلات كلها مكية
باستثناء آية واحدة مدنية، والذين قالوا بترتيب السور حسب نزولها ، اختلفوا في
ترتيبها، فإن كما تقول يا دكتور الترتيب الذي أعتمده الأزهر جعل سورة النجم تريبها
(23)، والإسراء ترتيبها(50)، نجد في ترتيب آخر سورة النجم (53)، والإسراء (111) [2]
   وكما يبدو أنّ الترتيب الذي أشار إليه دكتور زيدان
يتفق مع ترتيب الشيخ محمد هادي معرفة
 في كتابه التمهيد في علوم القرآن، من حيث ترتيب سورتي النجم والإسراء،
ولكن نجد ملاحظتيْن على الهامشين 5، 6 في جدول ترتيب السور، فقد جاء  في هامش رقم 5 جعل الزركشي في البرهان سورة الصف
بعد التحريم، وقبل الجمعة، بينما المؤلف جعل الصف بعد التحريم والجمعة، وذكر في
هامش 6 قدّم الزركشي في البرهان البراءة على المائدة وجعل هذه الأخيرة آخر السور،
بينما جدول تريب السور للمؤلف المذكور قدم المائدة على براءة وجعل براءة آخر
السور، كما نجد في ترتيب آخر جعل سورة النصر آخر ما نزل .[3]
   وذكر  د.
زيدان أنّ الترتيب الذي استند عليه اعتمده العلماء، فكيف يُعمِّم  بأنّ  العلماء اعتمدوه، والاختلاف واضح بينهم؟ فالذي
مهنته توثيقية مثله ينبغي أن يكون دقيقًا في ألفاظه.
   إنّ الاضطراب
والاختلاف في ترتيب السور حسب نزولها دليل واضح على عدم وجود نصوص يقينية مؤكدة
على ترتيب موحد للسور حسب نزولها، فلا يوجد ما يُسمّى بعلم ترتيب السور حسب
النزول  في القرآن الكريم، فالعلم ثابت
يقيني وليس بظني، وترتيب السور حسب نزولها، كما هو واضح مبني على ظنون
وروايات  مختلفة لا صحة لها ، نُسب بعضها
إلى بعض الصحابة، ولم يُخبر به مبلِّغ الوحي صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم
يقيني  وآراء القائلين بترتيب السور حسب
نزولها  ظنية مبنية على أقوال بعضهم البعض،
وربط بعضها بأحداث تاريخية معينة، أو بأسباب النزول التي اختلفوا فيها أيضًا،
والعقائد لا تُبنى على ظنون، وما ثبت بيقين لا يبطل بظنون” والقرآن يقين كما
نتفق جميعاً كمسلمين، ونعلم أنّ الله قد تعهد بحفظه وجمعه وترتيبه (إِنَّ
عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [4]
ومكتوب منذ الأزل في اللوح المحفوظ، فنزول آيات القرآن مثبتة في اللوح المحفوظ. وقد
أخرج الإمام  أحمد بن حنبل بإسناده عن
عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ شخَص
ببصره ثمّ صوّبه، ثمّ قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من
هذه السورة إلى آخرها». [5]
   فعند العرضة السنوية للقرآن الكريم، يُراجع
سيدنا جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم الآيات والسور حسب ترتيبها
الإلهي، وقد تمّ عرض القرآن مرتين في عام وفاته عليه الصلاة والسلام، وبناءً على العرضة الأخيرة تم كتابة المصحف
بترتيبه المعروف الآن
، وكان
زيد بن ثابت من أقرب الصحابة قراءة على النبي 
صلى
الله عليه وسلّم بعد معارضته القرآن
في رمضان مع جبريل، ويؤيد هذا الاهتمام بقراءته من كبار الصحابة رضوان الله عليهم،
ولذلك اعتمد عليه أبوبكر الصديق رضي الله عنه  في الجمع، وولاه عثمان بن عفّان رضي الله عنه  كتابة المصحف .
فلا يستطيع أي إنسان
ترتيب السور حسب نزولها، وقد قام  بعض
المستشرقين الإنجليز بمحاولات في تغييب ترتيب السور حسب الترتيب الإلهي لها؛ إذ
استبدت بعقول بعضهم فكرة ترتيبها حسب النزول، وهذه طريقة مستحيلة
التطبيق، ويظهر هذا من اختلاف المستشرقين في
ترتيب السور فمثلاً نجد موير قد اعتقد أنَّ سورة الفاتحة هي السورة السادسة[6]
على حين تصور ردويل أنَّها الثامنة، وتصورها نولدكه الثامنة والأربعين، بينما أنكر
آربري أنَّها من القرآن أصلًا، وغير ذلك من المزاعم الخاطئة. [7]
     هذا وممّا يُلاحظ أنَّ هؤلاء المستشرقين رغم
نهجهم منهجًا واحدًا في التفكير والبحث إلاَّ أَّننا نجد أنَّهم اختلفوا في
الاستنتاجات والمحصلات الفكرية، والشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه واشتركوا فيه، هو
ذاك الإصرار العنيد على عدم تقبل ما رسخته المعتقدات الإسلامية وارتضاه المسلمون
عبر القرون للترتيب المصحفي للقرآن الكريم لأنَّه ترتيبًا توقيفيًا من عند الله .[8]
     فالمستشرق ردويل لا يشك بأنَّ القرآن من
إنتاج خيال محمد “هذا ما قاله آربري [9]،
وجاء
بافتراضات خاطئة حول السور المكية والمدنية، فخالف الترتيب المصحفي لسور القرآن
الكريم، وحذف كثيرًا من السور في ترتيبه لها، وزعم أنّ سورة الفاتحة ليست من
القرآن وزعم أيضًا أنّ فاتحة سورة الجن غريبة عنها، وقد وضعها جامعو القرآن
وكتبته، كما وضع فرضيات خاطئة بالنسبة للسور المكية والمدنية، وهو بهذا يشكك في
صحة القرآن الكريم وينسب إليه التحريف متبعًا منهج الإسقاط بما حلّ بالتوراة من
تحريف لينسبه إلى القرآن الكريم بالإضافة إلى مآخذ أخرى، وأخطاء في الترجمة، كما
أنّه كتب ترجمته للقرآن بطريقة كتابة الشعر.
   ولقد ابتدع ردويل نظرية يفسر بها ما اختلف  من
ترتيب تنزيل آيات القرآن، وابتدأ من حقيقة أنَّ الآيات التي نزلت مع أول الوحي
كانت تقسم بالقصر، وحاول أن يضع على أساسها ترتيبًا جديدًا للسور المختلفة ، ومثال
ذلك، لقد علق على سورة “الملك” فقال: ” إنَّ الآيات من 8 – 11من
الواضح أنَّها نزلت متأخرة عن بقية السورة، ثم ألحقت بها، لأنَّ كلاً منها أطول
بكثير من بقية آيات السورة، ولردويل افتراضات أخرى. [10]
     ورغم محاولات
المستشرقين التشكيك في صحة القرآن الكريم، ومنها ترتيب سوره حسب نزولها، نجد المستشرقيْن
البريطانيينن  مونتجمري وات
ووريتشارد بل يُقرّان  بمصداقية النص القرآني، وذلك في الدراسة الخاصة التي قاما بها
عن القرآن الكريم ، والتي تناولا فيها أعمال عدد كبير من المستشرقين في دراستهم
للقرآن، وهي في غالبتيها
العظمى
تستخدم مناهج النقد الغربية، ومن هؤلاء فيل، وهيرشفيلد، وآربري، ورودي بارت
وغيرهم، قد اعترف المؤلفان بأنَّ الدراسات الحديثة للقرآن لم تستطع أن تثير أية
شكوك جدية حول مصداقية النص القرآني، ورغم اختلاف الأسلوب الواضح لكنه أمر لا
يختلط فيه القرآن مع غيره، لأنَّه من الواضح أنَّ القرآن كله يحمل طابع التساوق [11]مما
يجعل من الصعب الشك في مصداقيته.[12]
    هذا ويناقش
بًل ووات الآية من حيث أسلوبها، وتوافقها مع السياق من الناحية التاريخية، فيذكران
أنَّ  الآيات السابقة لها تتحدث عن موقعة أحد،
وما أشيع فيها عن مقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي بالتالي متناسبة مع السياق
أسلوبيًا وتاريخيًا ،ممَّا ينفي كل الشكوك حول مصداقيتها وموثوقيتها، ويستمر
المؤلفان في إيراد كثير من النماذج لهذه الدراسات النقدية التي لم تنل
من مصداقية النص القرآني .[13]
   وممّا
يثير الدهشة والاستغراب أنّ عقلية نقدية فلسفية كعقلية د كتور يوسف ، كيف تقبل
تطبيق الآراء الظنية على ما هو يقيني؟
    فالقرآن الكريم يقيني، وكل ما ورد فيه يقيني مثل
الإسراء والمعراج، وهو من الثوابت العقدية لدينا نحن المسلمين،  ومع هذا نفيه الإسراء إلى المسجد الأقصى بالقدس برواية
للواقدي عن ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بالجِعرانة التي
تبعد عن مكة ب25كم، ورغم عدم تطابق الرواية مع زمن الحدث ووقائعه ، تشبّث د. زيدان
 بالرواية ، وغيّر في زمنها وأحداثها ، فقال
ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بالجعرانة  بعد إيذاء أهل الطائف له ، بينما رواية الواقدي
تقول ذهب إليه من الطائف بعد موقعة حنين التي كانت في السنة الثامنة للهجرة بعد
فتح مكة ، وأحرم منه واتجه إلى مكة معتمرًا قبل عودته إلى المدينة، وهو خلاف آية
الإسراء تمامًا،  فكيف يلوي النصّ ليًا ليجعله
إسراءً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالجعرانة –  مع أنّه كان بالجعرانة وذهب إلى المسجد الحرام
– ليصل إلى ما يريده ؟، وهو نفي قدسية المسجد الأقصى لدى المسلمين، بل نفى وجود
المسجد الأقصى في بيت المقدس عند الإسراء بدعوى أنّه لم تكن صلاة مفروضة، فكيف
يكون مسجد، مع أنّه قبل في الوقت ذاته بالمسجد الأقصى بالجِعرانة الذي يقول إنّ
الرسول أُسري به إليه، فكيف قبل بوجود المسجد الأقًصى بالجِعرانة  عند الإسراء ولم تكن الصلاة فُرضت بعد على حد قوله
، ورفض وجوده في القدس للسبب ذاته ، بل جعل الجِعرانة مكانًا له قدسيته، مع أنّه
لم يرد شيئًا عن ذلك، بدليل  لا قدسية له
الآن، ونفيه قدسية المسجد الأقصى التي أكدّها الخالق جل شأنه بقوله( الذي باركنا
حوله) إنكارك وجود المسجد الأقصى في القدس زمن الإسراء  أوقعه في خطأ منهجي كبير ، وهو نسبه للخالق جل
شأنه مباركته لكعبة اللات التي كانت في طريق الطائف، حيث المسجد الأقصى
بالجعرانة   لإثبات أنّ قوله تعالى(الذي باركنا حوله) يعني
قدسية مسجد جعرانة الأقصى هو الذي بارك الله حوله، لأنّه كان مكانًا مقدسًا به
كعبة اللات، فكيف يبارك الله مكانًا لآلهة قريش ، وهو سفّهها في كثير من آياته؟
كما نسب د. زيدان  تقديسها لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ، بقوله عن المسجد، أنّه في منطقة مقدّسة، والرسول صلى الله عليه
وسلم لم يسجد لصنم قط في حياته؟
           ثُم يؤكد د. زيدان أنّ الصلاة فُرضت
في المدينة لأنّه يريد إثبات أنّ الإسلام أخذ من اليهودية الصلوات الخمس، وقد قالها
في إحدى محاضراته ،  مع أنّه – للأسف – لا يعلم
أنّ اليهود لا يُصلون إلّا ثلاث صلوات هي الفجر والظهر والمغرب.
  وهنا أسأل:  كيف عالم 
مثل الدكتور زيدان _ كما وصفه الأستاذ خيري رمضان – لا يعرف أنّ عدد صلوات
اليهود ثلاث صلوات ، وليس خمس صلوات كما قال؟
   كما نلاحظ أنّ عقليته النقدية توقفت تمامًا،
فلم يُدرك أنّ المسلمين إن صلوا خمس صلوات مثل اليهود لماذا لم يكن وضوءهم وكيفية
صلاتهم، ونداءهم إليها مثلهم؟  فعقليته
النقدية توقفت ه وقبلت هذه الفرضية رغم عدم صحتها، ووجود من الأدلة ما يثبت ذلك،
ومضى في توقيف عقليته النقدية لقبول ترتيب السور حسب نزولها، رغم الاختلاف الواضح  والبيّن في هذا الترتيب بين من قاموا به، وأنّ
هذا يخالف حقيقة قرآنية واضحة(إنّ علينا جمعه وقرآنه)، وأنّ هذا ترتيب ظني وليس
يقيني، والقرآن يقين لا يُبنى على الظنون، وذلك لأنّه وجد في هذا الترتيب ما يشكك
في المعراج، بوجود سورة النجم قبل الإسراء، فقال ما كانش إسراء  فكيف يكون معراج؟” وبذلك وجد ما يُبرر
إنكاره للمعراج باعتماد الأزهر لترتيب السور حسب نزولها الذي جعل رقم سورة النجم
23، بينما رقم سورة الإسراء 50، وقد بيّن فضيلة الدكتور على جمعة في الرد علي د.
زيدان  مع الأستاذ خيري رمضان في برنامج
” ممكن”  – أنّ هذا الترتيب
بتمام النزول ، بمعنى أنّ أول سورة الإسراء نزل قبل النجم، وبقيت مفتوحة لم تكتمل
، بينما سور ة النجم التي نزلت بعدها تمّت قبل الإسراء، وجاء ترتيبها في الاكتمال  [14]
ومع
احترامي وإجلالي للأزهر الشريف فأنا لا أتفق مع إنزال ترتيب لسور القرآن الكريم
خلاف الترتيب الإلهي له، والذي ارتضاه لكتابه، فلماذا نُشوّش على الناس؟
  ثمّ لم يُشر إلى ترتيبها حسب اكتمال نزولها،
فكل الذي قرأته بهذا الشأن يذكر ترتيب السور حسب نزولها، ثُم كيف تمّ التثبّت من
اكتمال سورة ما، في خضم الروايات المختلفة؟
ونلاحظ
أنّ دكتور يوسف في رده على فضيلة الدكتور علي جمعة تجاهل تمامًا قوله إنّ ترتيب
السور حسب اكتمال نزولها ، وليس حسب نزولها، ليؤكد أنّها مرتبة حسب النزول ليُثبّت
مبرر نفيه للمعراج .
      فترتيب السور حسب تمام نزولها  مجرّد اجتهادات بشرية، وقد قال فضيلة الدكتور
علي جمعة  لا أحد في الكون يعلم هذا إلّا
اثنين النبي محمد صلى الله عليه وسلّم وجبريل عليه السلام، فكيف علم العلماء الذين
قالوا بترتيب النزول، أو اكتماله بذلك؟
  إنّ هذا الأمر فتح الطريق للمستشرقين والمتأثرين
به للتشكيك في صحة القرآن الكريم، قد بيّنتُ جزءًا صغيرًا ممّا ذكروه في هذا
المجال المبيّن بالتفصيل في رسالتي التي بعنوان” السيرة النبوية في كتابات
المستشرقين “دراسة منهجية تطبيقية على المدرسة الإنجليزية”
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)
أمّا
عن قول دكتور يوسف ( ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى) فقد اجتزأ الآية من سياقها، وقال : “
خلي بالك دنا عكس
المعراج، الدنو التدلي يبقى هذه مشكلة.”  كما اجتزأ آية(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا
رَأَى)، وقال :” رؤيا قلبية دخلنا متاهة تانية”
وأقول
هنا : لا يستقيم معنى الآية إلّا بقراءة ما قبلها وما بعدها ، فلنقرأها (وَالنَّجْمِ
إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى.
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ
فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى.فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ
الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [15]
فالآيات 5-10  تتحدّث عن الخالق جلّ شأنه
فهو (علّمه شديد القُوى .ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى.
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى.فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى
عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.)
ومادام  دكتور يوسف  قد قرأ ما ذكره الطبري عن قصة الغرانيق، ألم يقرأ
قوله في تفسيره (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)

قال آخرون: بل معنى ذلك: ثم دنا الرب من محمد – صلى الله عليه وسلم – فتدلى.”[16]
وقال
البغوي في تفسيره لهذه الآية :” وقال آخرون : ثم دنا الرب – عز وجل – من محمد
– صلى الله عليه وسلم – فتدلى ، فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى . وروينا في
قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه
قاب قوسين أو أدنى . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، ” والتدلي ” هو
النزول إلى الشيء حتى يقرب منه.
وقال
فضيلة الشيخ الشعراوي تدنى أي اقترب، وفسّر قوله تعالى :(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ
مَا رَأَى) أي ما كذب الفؤاد  ما  رأى الله ببصيرته، أي بقلبه  عندما اقترب منه، وليس ببصره، فهذا الآية
تتحدّث عن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لله عزّ وجل بقلبه عندما اقترب منه وهو
بالأفق الأعلى، ولم يتحدّث عن ما رآه  في المعراج
.
أمّا
قوله في رده على فضيلة الدكتور علي جمعة أنّ 
سورة الإسراء تبيِّن استحالة المعراج ، بذكره لشروط قريش على رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليؤمنوا برسالته في الآيات(90- 93)، وأنّ الآية (93) تبيّن استحالة
المعراج( َوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) فقوله جل شأنه (قُلْ
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) ليس لاستحالة المعراج،
وإنّما ردًا على  قولهم له:( حَتَّى
تُنَزِّل عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)  فالله
هو المنزل للكتاب وليس رسوله ؛ لذا قال تعالى
لرسوله الكريم : (قُلْ
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا)
أمّا
عن قول د.  زيدان  في رده 
المذكور أعلاه أنّ أسماء السور سمّاها الصحابة، فهو قول مردود، فمن
البديهيات أنّ تسمية سور القرآن توقيفية من عند الله، ففي العرضات للقرآن الكريم
كان جبريل عليه السّلام  يبيّن للرسول صلى
الله عليه وسلّم رقم الآية وسورتها كما هي في اللوح المحفوظ، فالله منزل كتابه هل
يعجزه عن تسمية سوره؟ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ) [17]
أمّا
عن قول  دكتور يوسف عن قصة الغرانيق، فهذا
سأبحثه في المراجعات القادمة، فلا تزال للمراجعات بقية.
المصدر: جريدة أنحاء اليكترونية
http://www.an7a.com/2018/01/30/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86-3-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7/



[1] . شاهد هذا الفيديو https://www.youtube.com/watch?v=IWR3oFzZ3kM
[2] .  انظر:
http://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D8%A8_%D8%B3%D9%88%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86_%D8%AD%D8%B3%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D9%88%D9%84
[4] . القيامة: 17-19.
[5] . الاتقان في علوم القران، جلال الدين السيوطي، ج 1 ص 212.
[6] . وليم موير: شهادة القرآن.
[7] .  د . محمد
خليفة : الاستشراق والقرآن العظيم، ترجمة مروان عبد الصبور شاهين،  ص 106، 
ط1، القاهرة :
 دار الاعتصام، 1414 هـ  / 1994م .
[8] . المرجع السابق : ص 107.
[9] . Arberry: 
The  Koran,P15
 
[10]د. سهيلة زين
العابدين حمّاد : السيرة النبوية في كتابات المستشرقين- دراسة منهجية تطبيقية على
المدرسة الإنجليزية، الجزء الأول : الاستشراق والمستشرقون، تحت الطبع.. 
[11] . تناسَق، تلاءم
“تساوق اللونُ مع ما يحيط به
“. أي تناسق وتلاءم مع ما يُحيط به.
[12] . منهج
برنارد لويس، مرجع سابق ص  26 نقلاً
عن كتاب مدخل القرآن، تأليف وات وريتشارد بل .
[13] . د . مازن مطبقاني : منهج
برنارد لويس، ص  129.
[14] . شاهد الجزء الثاني من رد فضيلة الدكتور علي جمعة في برنامج ممكن
على ما ذكره د. يوسف زيدان عن المعراج والترتيب المصحفي للسور حسب النزول
https://www.youtube.com/watch?v=NjcxxPA1nro&t=571s
[15] . .النجم: 1-11.
[16] . انظر: تفسير الطبري لهذه الآية.
[17] . الحجر: 9.
Join the discussion