مراجعات على الدكتور يوسف زيدان(1) حول ما قاله عن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

مراجعات على الدكتور يوسف زيدان(1) حول ما قاله عن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الثلاثاء 23/1/2018م

 لا أخفي
عليكم أنّني لستُ من متابعي لقاءات ومحاضرات الدكتور يوسف زيدان، ولكن استوقفني
كثيرًا ما ذكره في برنامج” كل يوم” عند عرضه كتاب” تاريخ اليهود في
بلاد العرب” للدكتور إسرائيل ولنفستون، من مغالطات وأخطاء تاريخية باعتباري مؤرخة
من متخصصي التاريخ، وتخصص دقيق” سيرة نبوية” ورسالتي عن السيرة النبوية
في كتابات المستشرقين” دراسة منهجية تطبيقية على المدرسة الإنجليزية”،
واستوقفني أكثر ما ذكره عن القدس، ونفيه جود المسجد الأقصى، وأخذتُ أبحث عن المزيد
ممّا ذكره في هذا الشأن، فوجدتُ له مشاركات كثيرة في عدة قنوات تلفزيونية، وممّا
استوقفني منها حوار الإعلامي القدير االأستاذ خيري رمضان له في برنامج ممكن في
حلقته المنشورة على  اليوتيوب
بتاريخ3ديسمبر 2015،وهذا رابطها
https://www.youtube.com/watch?v=IWR3oFzZ3kM، وتحدّث فيها الدكتور يوسف زيدان عن الإسراء والمعراج والمسجد
الأقصى، وأستأذن الدكتور يوسف في مناقشته في ما ذكره بشأن الإسراء المعراج والقدس
والمسجد الأقصى، وفرض الصلاة والهجرات السامية، واللغتيْن العربية والعبرية،
باعتباري من أهل الاختصاص،

خاصة وأنّه أبدى استعداده في التراجع عمّا ذكره إن
ناقشه أهل الاختصاص من خلال كتب التاريخ، وهذه 
سمات أهل العلم والفكر الذين لا يتشبثون بآرائهم فيُصادرون الحقائق العلمية
والتاريخية، وسأبدأ النقاش في ما ذكره د. يوسف  في برنامج الأستاذ خيري رمضان، فقرة” اسأل
يوسف زيدان” المشار إليها أعلاه، وسأبدأ من حيث أنتهى، بقوله:” أقولك
على حاجة سنة 50 مش في توثيق خليهم يجيبوا لي نص واحد عن المسجد الأقصى قبل سنة
خمسين، ما فيش.”

  لذا 
أدعوك يا دكتور يوسف قراءة هذه النصوص:
 أولها: الوارد في سيرة ابن إسحاق(85- 151)بعنوان”
حديث الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليلة أسري بالنبي صلى
الله عليه وسلم:” عن ابن إسحاق…، قال زمعة … ثمّ قال: ثم إنّ رسول الله
صلى الله عليه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت من المقدس من
إيلياء…”[1]
 ثانيها: الوارد في سيرة ابن هشام (بعنوان”
حديث أم هانئ عن مسراه صلى الله عليه وسلم:” قال محمد بن إسحاق: وكان فيما
بلغني عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، 
هند في  مسرى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، أنّها كانت تقول: ما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا وهو في
بيتي… إلى قولها فلمّا صلى الصبح، وصلينا معه، قال: يا أم هانئ، فقد صليّتُ معكم
العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثمّ جئتُ بيت المقدس فصليّتُ فيه، ثم صليّتُ
صلاة الغداة معكم الآن كما ترين.” [2]
بيت المَقْدِس: وهو الاسم الذي كان متعارفًا عليه قبل أن يُطلق
عليه اسم “المسجد الأقصى” في 
القرآن الكريم، وهذا الاسم هو المستَخدَم في
معظم 
أحاديث
 النبي محمد، مثل ما قاله يوم الإسراء والمعراج :ثُمّ
دخلت أنا 
وجبريل عليه
السلام بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين.
[3]
ثالثها: الرواية
التي أوردها ابن كثير في البداية والنهاية عن الإسراء برسول الله صلى الله عليه
وسلم من مكة إلى بيت المقدس: “وروى البيهقي عن طريق موسى بن عقبة، عن الزهري،
أنّه قال: أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة، قال
وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، ثم روى الحاكم، عن الأصم عن أحمد بن
عبد الجبّار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي فُرِض على رسول
الله صلى الله عليه وسلم الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر
شهرًا” [4]
وذكر ابن كثير في موضع آخر : وقال ابن كثير: ” ثم أُسري برسول الله صلى الله
عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء”
رابعها: فصل ثم
أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت
المقدس راكبًا على البراق صحبة جبريل عليه الصلاة والسلام، فنزل هناك وصلى
بالأنبياء إمامًا وربطا البراق بحلقة باب المسجد… ثم عرج به تلك الليلة من بيت
المقدس إلى السماء الدنيا…”[5]
خامسها: قال أبو
حاتم :أُسري النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السماء، وفُرِض
عليه خمس صلوات …” [6]
سادسها: ذكر
الحديث عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه، وفرض الصلاة”…. فلما
رجعت نبعة أخبرتني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من قريش في
الحطيم موضع مشهور بالمسجد الحرام بقرب الكعبة المشرفة، وروى الأزرقي في كتاب مكة
عن ابن جريج، قال الحطيم ما بين الركن الأسود، والمقام وزمزم والحجر، سمي حطيمًا
لأنّ الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا، والدعاء فيه مستجاب(انظر
تهذيب الأسماء واللغات للنوي)] فيهم المطعم بن عدي بن نوفل، وعمرو بن هشام،
والوليد بن المغيرة، فقال: “إنّي صليتُ الليلة العشاء في هذا المسجد، وصليت
به الغداة، وأتيت فيما بين ذلك بيت المقدس … “[7]
سابعها: ما
أورده ابن الأثير في الكامل في التاريخ لحديث الإسراء والمعراج، وفرض خمس صلوات
عليه وعلى أمته ، وممّا جاء فيه : ” وأخرجني جبريل من المسجد ( المسجد
الحرام) وإذا أنا بدابة وهي البراق ، وهي فوق الحمار …. وسار بي جبريل نحو
المسجد الأقصى،….. ثم سرنا حتى أتينا بيت المقدس …” [8]
ثامنها: ما
أورده الأستاذ عباس محمد العقاد في
عبقرية الصديق عن موقف قريش من الإسراء والمعراج، ورد الصديق عليهم:” أحاط به
أناس من المشركين يتهكمون به ساخرين عابثين: هل لك إلى صاحبك
؟ إنّه يزعم
أنّه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس! وكان أناس قد ارتدوا بعد إسلام لما سمعوا
بحديث الإسراءّ، ولم يتبينوه، فأما أبو بكر فما زاد على أن قال : أو قد قال ذلك؟
لئن قال ذلك لقد صدق فغاظهم منه أنّهم لم يبلغوا منه موقع التشكيك فيما أربى(أي
زاد أكثر ممّا أعطى) عندهم على حدود التصديق، وعادوا يسألونه: أتصدق أنّه ذهب
الليلة إلى بيت المقدس وعاد قبل أن يصبح؟ قال: نعم ؛إنّي لأصدقه فيما هو أبعد من
ذلك من خبر السماء في غدوه أو روحه، ثم ذهب إلى النبي عليه السلام ، فطفق يسمع منه
ويصدقه، ويقول:” أشهد أنّك لرسول الله.”[9]
فالنصوص السابقة
واضحة وصريحة أنّ الإسراء من المسجد الحرام 
إلى المسجد الأقصى كان إلى  بيت
المقدس، وليس من الجعرانة بالطائف إلى المسجد الحرام، كما ذهبت يا دكتور يوسف، حتى
نجد من المستشرقين الذين الكثير منهم هاجم الإسلام ، ونال من الرسول صلى الله عليه
وسلم ومن التشريعات الإسلامية عندما تحدثوا عن الإسراء والمعراج نجدهم ذكروا أنّ
الإسراء كان من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ولنقرأ هذه النصوص لبعض المستشرقين
على اختلاف جنسياتهم، ومنهم يهود، ولنبدأبِ:
1.   
المستشرق ثيودور
نولدكه 
(1836 – 1930)
 الذي يعد شيخ المستشرقين الألمان، فقد أشار المستشرق الفرنسي بلاشير في كتابه ” القرآن ”
إلى موقف نولدكه من الإسراء والمعراج  في
حديثه عن موقف نولدكه من القرآن المكي والمدني بقوله ” … ؛ إذ أنَّه يمكن
التمييز بينهما من حيث الموضوعات الجديدة كإسراء النبي إلى بيت المقدس وعروجه إلى
السماء وأثر ذلك على الدعوة من حيث تكذيب قريش بها وارتداد بعض
المسلمين
عنها”[10]
2.كارل بروكلمان
( مستشرق يهودي ألماني)رغم أنّه  وصف
الرسول صلى الله عليه وسلم بالكاهن في كتابه ” تاريخ الأدب العربي”[11]   ورغم أنّه اعتبر الإسراء والمعراج  من الأساطير الشعرية التي خلفتها الكتب
الإسلامية إلّا أنّه ذكر أنّ الإسراء إلى بيت المقدس، فقال :” وفي هذه
الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة ، ذلك أنّ حديث
محمد عن إسرائه العجيب برفقة جبريل إلي بيت المقدس، ومن ثم إلى السماء، كان قد
أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين 
ولكن أبا بكر ضرب بإيمانه الراسخ مثلًا طيبًا لهؤلاء المتشككين فزايلتهم
الريب والظنون، ومن الجائز أن تكون هذه الرحلة السماوية التي كثيرًا ما أشير إليها
يعد من الأساطير الشعرية التي خلفتها لنا الكتب الإسلامية جميعها أقدم من ذلك
عهدًا….” [12]
3. ”
واشنطن إيرفينج ( مستشرق أمريكي) في كتابه ” محمد” قال:” تم تأمين
ملجأ وحماية للرسول (صلى الله عليه وسلم) من المطعم بن عدي، فغامر بدخول مكة، ولم
يلبث بعد أن أعقب كشف غطائه عن الجن في وادي نخلة، بسط الأرض والسماء بين يديه عبر
رؤية أو وحي كان أكثر خرقًا للعادة، وهو منذ حصوله ظل موضوع تعليقات من دكاترة –
فقهاء – الإيمان الإسلامي، وموضوع خرافات من الساذجين، ونعني الرحلة الشهيرة التي
أسري به فيها(صلى الله عليه وسلم) من مكة إلي بيت المقدس”[13]
4. أميل درمنغم(
مستشرق فرنسي) في كتابه حياة محمد، حيث أورد حديث الإسراء والمعراج بعد ذكره
لإسلام الجن، وممّا أورده في حديث الإسراء: ” فلما بلغ محمد بيت المقدس ربط
البُراق…”[14]
5. وليم موير( مستشرق بريطاني) ويتعرض
“موير” إلى واقعة إسراء الرسول، وبعد أن يسردها طبقاً للروايات
الإسلامية ويشير إلى أثارها بين أهل قريش واتباعه يعلق عليها بأنّها عبارة عن خيال
خاصة أنّه وصف السماوات ومن فيها يتسم بطابع الرومانسية.” [15]
6. هاملتون جب وكالرز في الموسوعة الإسلامية
الميسرة؛ فممّا جاء في مادة ” إسراء” هذا النص: ” تجري قصة الرحلة
الليلية إلى بيت المقدس على النحو التالي: ذات ليلة وبينما محمد نائم في الحجر
بمكة ، أو في دار أم هانئ….”[16]
7.جورج بوش الجد(1796- 1859م) في كتابه ”
محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس امبراطورية المسلمين”بالرغم من إنكاره
للإسراء والمعراج، وحديثه الفج غير الموضوعي عن الإسلام إلّا نجده يقول: ”
آثر الله محمدًا في السنة الثانية عشرة لبعثته المزيفة برحلة ليلية فيما يقول هو –
من مكة إلي القدس، ومن القدس إلى السماء السابعة بصحبة جبريل، ونجد إشارة لهذا في
مطلع سورة الإسراء من القرآن.. ” [17]
     وهكذا نجد أنّ كبار مؤرخي السيرة النبوية
والتاريخ الإسلامي، وكبار المستشرقين(رغم مواقفهم تجاه الإسلام ونبيه  غير حيادية وغير موضوعية أجمعو ا أنّ الإسراء
كان من المسجد الحرام بمكة المكرّمة قبل الهجرة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس،
ومن خلال ال 15 نصًا المذكورين لأكثر من سبعة عشر مؤرخًا ومستشرقًا تتأكد هذه
الحقيقة، ولم يذكر ولا واحد منهم أنّ الإسراء كان إلى المسجد الأقصى بالجِعرانة،
في طريق الطائف إلْا المستشرق البريطاني الفريد جيوم في كتابه الإسلام  قال: ” 
إنّ المسجد الأقصى الذي أسرى بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه أنّ الرسول (صلى
الله عليه وسلم) قد ذهب في الليل من المسجد الحرام الموجود في مكان يسمى
“الجعرانة” يبعد عن مكة خمسين كيلو متراً إلى المسجد الأقصى في السنة
الثامنة للهجرة” ، ويعلق على هذا بأنّه التفسير الطبيعي تماماً للآية
القرآنية التي يعبر فيها محمد صلى الله عليه وسلم عن شكره لله ؛إذ مكنه من الحج
ليلاً في وقت لم يكن فيه المشركون قد أباحوا له إقامة شعائره ،  فكان عليه أن يعقد معهم صلحاً حتى يتمكن من
الذهاب إلى الحج في وضح النهار.
[18]
      وهذه المقولة بها خطأ جغرافي وأخطاء تاريخية
كثيرة، وهي أنّ الجِعرانة تبعد عن مكة 25كم، ليس 50كم، وأنّ الرسول صلى الله عليه
وسلم ذهب من الطائف بعد موقعة حنين إلى الجعرانة سنة 8 ه، حيث قسّم غنائم هوازن،
واتجه منها معتمرًا إلى مكة التي تم فتحها وإسلام أهلها، فكيف يقول
مويير:”بأنّه التفسير الطبيعي تماماً للآية القرآنية التي يعبر فيها محمد صلى
الله عليه وسلم عن شكره لله؛ إذ مكنه من الحج ليلاً في وقت لم يكن فيه المشركون قد
أباحوا له إقامة شعائره ؟
 وربما  يكون
دكتور يوسف قد تأثر بمقولة المستشرق وليم موير، وبحث عنها في المصادر العربية،
فوجدها  في كتاب المغازي للواقدي فنسبها
إليه، فعند رجوعنا إلى رواية الواقدي، نجدها تحدثت عن عمرة الجِعرانة كما أطلق
عليها مؤرخو السيرة النبوية وسائر المؤرخين المسلمين، وهذا نص الواقدي:”
وَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ
لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَقَامَ
بِالْجِعِرّانَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَلَمّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى
الْمَدِينَةِ خَرَجَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ
عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا; فَأَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ
الْأَقْصَى الّذِي تَحْتَ الْوَادِي بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، وَكَانَ مُصَلّى
رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ, –
فَأَمّا هَذَا الْمَسْجِدُ الْأَدْنَى، فَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَاِتّخَذَ
ذَلِكَ الْحَائِطَ عِنْدَهُ – ولم يجُز رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلّا
مُحْرِمًا، فلم يزل يُلبي حتى استلم الركن…”[19]
في هذا النص نجد الآتي:
أ‌.      
 يتحدث الواقدي عن عُمرة وليس
إسراءً، فقد كان الرسول صلى الله عليه بالجعرانة بعد موقعة حنين بالطائف، وقبل
عودته إلى المدينة أحرم في الجعرانة، التي تبعد عن مكة 25كم، وتوجه إلى الكعبة
معتمرًا، وسُميت بعُمرة الجعرانة، وبهذا الاسم تحدث عنها كتاب السيرة والمؤرخون
،  والواقدي عندما ذكر المسجد الأقصى ذكر
المسجد الأدنى في ذات الموقع، بينما كان 
العرب يُطلقون على المسجد  الذي في
القدس بالمسجد الأقصى لبعده عن المسجد الحرام(المسجد الأدنى)، وقد انفرد الواقدي
بذكر  هذين المسجدين في عمرة الجِعرانة،
فلم يذكرهما سواه، فهي رواية مفردة، ولم يذكر فيها مصادره، وعلى العموم الواقدي لا
يعتد المؤرخون برواياته .
ب‌.   أنّ الإسراء والمعراج حدثا قبل الهجرة عندما كان
الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، حتى أنكر كفّار قريش عليه ذلك، فقالوا :” إنّ هذا القول لا يصدّق أفيذهب محمّدٌ
ويرجع إلى مكّة في ليلة واحدة”
، بينما عمرة الجِعرانة حدثت بعد الهجرة
بثمان سنوات، وكان في الجعرانة وليس في مكة، والإسراء  حدث وهو في مكة في عام الحزن. وسُمي بذلك لوفاة
زوجه خديجه، وعمّه أبوطالب في عام واحد، وإيذاء أهل الطائف له،  ويؤيد هذا ما جاء في تاريخ الطبري تحت عنوان”
عمرة رسول الله من الجعرانة ” حدثنا
ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج رسول الله 
صلى
الله عليه وسلم
 من الجعرانة معتمرًا، وأمر ببقايا
الفئ، فحبس بمجنة، وهي بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله من عمرته وانصرف
راجعًا إلى المدينة؛ أستخلف عتاب بن أسيد على مكة..”
وهذا خلاف ما ذكره د. يوسف أنّه ذهب إلى الجِعرانة بعد إيذاء ثقيف له،
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية أنّ الإسراء كان من المسجد  الحرام إلى المسجد الأقصى، وليس العكس، ومن جهة
ثالثة يؤكد  هذا النص يا دكتور يوسف أنّ
الطبري لم يذكر المسجد الأقصى بالجِعرانة في روايته، خلاف ما ذكرته ، وأخيرًا لقد
ناقضت نفسك يا دكتور عندما نفيت وجود المسجد الأقصى بالقدس، لأنّه لم تُفرض الصلاة
بعد، فكيف قبلت بوجود مسجد الأقصى في الجِعرانة، بل جاء في رواية الواقدي التي
استندت عليها ” وَكَانَ مُصَلّى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ
وَسَلّمَ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ” وقوله هذا يدّل عن أنّ الصلاة كانت
مفروضة حتى اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام مصلى بالجِعرانة،  فحضرتك تنفي ما ذكره الخالق عن وجود المسجد
الأقصى في القدس، وتُقر بما قاله المخلوق !!!
ت‌.  أنّ آية الإسراء تتحدّث عن إعجاز إلهي
في قوله تعالى :(لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا) فأين
الإعجاز في خروجه عليه الصلاة والسلام من الجِعرانة التي تبعد عن مكة 25كم  محرمًا إلى مكة، وبسبب الإسراء أرتد بعض
النّاس مستنكرين هذا الحدث، لأنّ العقل البشري – آنذاك – لم يستوعبه، فلم يُصدّقه،
فأين الإعجاز في السير 25كم؟
ث‌.   بينما الإسراء  كان من مكة إلى المسجد الأقصى بالقدس ثم العروج
من المسجد الأقصى إلى السماء السابعة ثم العودة إلى مكة المكرّمة في نفس الليلة ما
بعد العشاء إلى الفجر، وهنا يكمن الإعجاز الذي لم يستوعبه العقل البشري آنذاك إلّا
العقل المؤمن بقدرة الخالق مثل إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ج‌.   
والآية تبيّن أنّ الله قد بارك المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حوله) ومنطقة الجِعرانة بالطائف ليست
منطقة مباركة، ولم يرد في كتب السيرة النبوية شيئًا عن ذلك، وقولك في ردك على فضيلة
الدكتور على جمعة أنّ بالجعرانة كعبة اللات، وهي مقدّسة، فهو قول مردود، فالله لا يُعطي
قدسية للأوثان ولا لأماكنها ، والرسول صلى الله عليه وسلّم لا يُقدس الأصنام، فهو
لم يسجد لصنم قط، فلا تنسب هذا يا دكتور يوسف لله جل شأنه  ولرسوله لتثبت صحة ما ذهبت إليه؟
ح‌.   
أمّا المسجد الأقصى فحوله مبارك، لكثرة الأنبياء الذين صلّوا به،
ولصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي
ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال: ”
المسجد الحرام قال قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة
،ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه ” كما يوجد تحت المسجد
الأقصى محراب ستنا مريم عليهاالسلام(
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ
عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا
ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ)[20]
خ‌.     أمّا ما ذكره ابن كثير عن أنّ
الروم جعلوا الصخرة مزبلة امتهانًا لقبلة اليهود
[21]فلا يلغي قدسيتها والمباركة حولها، لأنّ الله جل شأنه أخبر عن
مباركاتها في قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
إنّ الإسراء
والمعراج ثابتيْن في القرآن والسنة، وفي كتب السيرة والتاريخ من قِبل المعاصرين لهما،
فحضرتك تريد بعد 1438 سنة تنسفه  لتنفي
وجود المسجد الأقصى بالقدس وقدسيته!
        واضح
يا دكتور أنّ الفرضية التي بنيت عليها مشروعك هذا   قامت على أسس باطلة، وما بُني على باطل فهو
باطل، آمل أن تتأمل  هذه النصوص التي بين
يديك، وتراجع قناعاتك التي وعدت بتغييرها إن جاءتك أدلة تبيّن خطأ ما ذهبت إليه،
وسآتيك بأدلة أخرى عن فرض الصلاة في مكة المكرّمة وليس في المدينة المنورة،، فللمراجعات
بقية.
البريد اليكتروني : Suhaila_hammas@hotmail.com
المصدر: جريدة أنحاء اليكترونية http://www.an7a.com/2018/01/23/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%861-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%A7/

[1] . محمد بن إسحاق بن يسار: سيرة ابن إسحاق، تحقيق د.سهيل زكّار،ص
295، الطبعة الأولى 1398ه-198م،مؤسسة المعارف الإسلامية، دار الفكر.
[2] . أنظر: تفسير الطبري (توفي سنة 310ه)للآية الأولى من سورة
الإسراء، وابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق وضبط وفهرسة: مصطفى السقا، وإبراهيم
الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي، مجلد الجزءين الأول والثاني، ص402، مؤسسة علوم
القرآن، جدة – المملكة العربية السعودية، ومحمد حسين هيكل: حياة محمد، ص 198،
الطبعة13، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة- جمهورية مصر العربية.
[3] . رواه البيهقي في دلائل النبوة، عن أبي سعيد الخدري، 2/ 390.
[4] . ابن كثير (توفي سنة 774ه):البداية والنهاية، 3/ 118،الطبعة
الثانية 1417ه/1997م، دار المعرفة، بيروت – لبنان.
[5] . ابن قيم الجوزية (691 –
751ه): زاد المعاد في هدى خير العباد محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين،2/47،
المطبعة المصرية ومكتبتها.
[6] . محمد بن حبان التميمي:
السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، ص 117، الطبعة الأولى، 1407ه/ 1987م، مؤسسة الكتب
الثقافية، بيروت- لبنان
[7] . ابن سيد الناس(
671-724ه)عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير،1/164، 165، الطبعة الأولى،
1414ه- 1993م،دار القلم، بيروت – لبنان.
[8] . انظر: الكامل لابن الأثير(
توفي سنة 630ه)، تحقيق عبد الله القاضي ، 1/578، الطبعة الثانية، 1415ه/1995م، دار
الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
[9] . عباس محمود العقاد: مجموعة
العبقريات الإسلامية كاملة، عبقرية الصديق، ص53، 54، المكتبة العصرية للطباعة
والنشر، صيدا، بيروت.
[10] . بلاشير :  القرآن، نزوله وتدوينه وترجمته وتأثيره ترجمة رضا سعادة ص57.
[11] . 1/ 134.
[12] . كارل بروكلمان: تاريخ
الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي، 1/44، الطبعة الثامنة ،
آذار/ مارس  1979م، دار العلم للملايين،
بيروت – لبنان.
[13] . واشنطن إيفرينج: محمد،
ترجمة ومقارنة د. هاني يحيى نصري، ص 165، الطبعة الأولى 1999م، المركز الثقافي
العربي، الدار البيضاء– المغرب.
[14] .  إميل درمنغم: حياة محمد، ترجمة عادل زعيتر،
الطبعة الثانية، 1988م ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان.
[15] . وليم موير:”حياة محمد وتاريخ الإسلام   The Life Of Mohommet
And History Of Islam
[16]
ه.أ..ر.جب، وج .ه .كالمرز: الموسوعة الميسرة، ترجمة د. راشد البراوي،
1/79،طبعة بدون رقم، 1985، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مصر.
[17] . جورش بوش الجد : محمد، ترجمة وتحقيق وتعليق د. عبد الرحمن عبد
الله الشيخ، ص 89،ط3 يناير 2005، دار المريخ، الرياض- السعودية.
[18] . انظر: الفريد جيوم: الإسلام، ترجمة : د . محمد مصطفي هدارة، د .شوقي اليماني السكري، ص 108،
ط1،القاهرة :
 مكتبة النهضة المصرية  1958.
[19] . انظر: المغازي للواقدي،
تحقيق د. مارسدن جونس، 3/958، 959، الطبعة الثالثة عام 1404ه- 1984م، عالم الكتب،
بيروت – لبنان.
[20] . آل عمران: 37
[21] .  ابن كثير: البداية
والنهاية، 7/61.
Join the discussion