مراجعات على برنامج صحوة الحلقة (28) “السٌنّة والتأسِّي”(1) القرآن الكريم حُفظ في الصدور والسطور في آن واحد

مراجعات على برنامج صحوة الحلقة (28) “السٌنّة والتأسِّي”(1) القرآن الكريم حُفظ في الصدور والسطور في آن واحد


د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الخميس 6/10/2016

   أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة الرمضاني الذي
أذيع في قناتي روتانا خليجية ومصرية، وقّدمه الدكتور أحمد العرفج وضيفه الدائم
المفكر الدكتور عدنان إبراهيم
.
والذي استوقفني في هذه الحلقة الآتي :
1.   
 قول الدكتور عدنان إبراهيم تعقيبًا على مداخلة
الأستاذة حليمة مظفر: ” أستبعد تمامًا أثر النسخ في دخول الإسرائيليات على
مرويات المسلمين الحديثية، لأنّ العمدة والاعتماد كان في تناقل الأحاديث ليس على
الكتابات ، وإنّما كان على المشافهة، على الحفظ ، كالقرآن الكريم

بعض الناس
يحاول الآن أن يثير بعض اللغط وبعض الشبهات على بعض السور وبعض الآيات، لأنّ بعض
النسخ  التي وجدت  وهو مصحف الصنعاني..إلخ، هذا لا قيمة له لأنّ
القرآن الكريم محفوظ في الصدّور قبل أن يكون محفوظًا … كذلك الأحاديث نُقلت نقل
أولي بالمشافهة ا
لتحمل والأداء هذه مسألة حفظ . صحيح أنّهم كانوا يستعينون
بالكتابة لتثبيت ما يحفظون، ولكن الاعتماد على الحفظ ومن يأتي بمكتوب لابد أن
يُقابله ليس على مكتوب، وإنّما على محفوظ من الثقات الحفّاظ من العلماء الأعلام،
فهذا من حيث المنهجية ليس له أدنى أثر والله أعلم.”

2.   
قوله:
” بالنسبة لسؤال الأستاذة حليمة ( مظفّر) الإسرائيليات لم تتسرّب إلى تراثنا
الحديثي ، أو لإخباري كما ألمعت عبر النسخ، أو عبر النُسّاخ ، من أهل الكتاب  الباب الأساسي الذي تسربت منه هو الرواية حتى
التي ترخّص بها بعض الصحابة كأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو، وإلى حد ما ابن عبّاس
أيضًا ، هؤلاء رووا عن أهل الكتاب ، وعن مُسلِمة أهل الكتاب ، كوهب ابن منبه،
وأخيه ، وكعب الأحبار، وهنا دخلت أشياء في تراثنا الحديثي هي موضع نظر ، وعلامة
استفهام، سأضرب مثلًا واحدًا، هي طلبت ، مثلًا واحدًا مثال الحديث الذي  معظم علماء الحديث المحققين من أهل الحديث ما ردّوه
بمن فيهم الإمام البخاري، والبيهقي وابن تيمية ، كثيرون ردوا هذا الحديّث ، حديث
أنّ الله خلق الكون وما فيه في سبعة أيام ، هذا الحديث يُرد مباشرة لأنّه مناقض لصريح
قوله تبارك تعالى (في ستة أيام )، الله خلق الخلق 
وأتمّه  ستة أيام ، هذه الأيام
السبعة ، وخلق الأشياء لو عدنا مباشرة إلى ثاني صحيفة  في سفر التكوين في العهد القديم في التوراة
سنجده بنفس الترتيب : التربة والتراب والدّبابّات( الدّواب) يعني  أصله الكتابي، ربما ممّا اختلط على بعض من سمع
من أبي هريرة ، يقول رواه عن كعب الأحبار، فظنّوا أنّ أبا هريرة  أضافه إلى  الرسول صلى الله عليه وسلّم، وهو موجود في صحيح
مسلم” ثمّ قال بضرورة أن نمعن في قراءة كتب أهل الكتاب، لأنّ هذا سيفتح كوة
تضيء مساحة مظلمة على أحاديث كثيرة مروية عن أهل الكتاب. ” فكيف ينفي
أثر النسخ في وجود إسرائيليات في المرويات الحديثية في موضع، ثمّ يشير إلى وجودها في
موضع آخر
وسأبدأ مراجعاتي بقول الدكتور عدنان
إبراهيم: ” لأنّ العمدة والاعتماد كان في تناقل الأحاديث ليس على الكتابات،
وإنّما كان على المشافهة، على الحفظ، كالقرآن الكريم بعض الناس يحاول الآن أن يثير
بعض اللغط وبعض الشبهات على بعض السور وبعض الآيات، لأنّ بعض النسخ التي وجدت  وهو مصحف الصنعاني..إلخ، هذا لا قيمة له لأنّ
القرآن الكريم محفوظ في الصدّور قبل أن يكون محفوظًا … كذلك الأحاديث نُقلت نقل
أولي بالمشافهة….”
 وأتساءل كيف يقول الدكتور
عدنان هذا القول ، وهو يعلم أنّ  القرآن
الكريم لم يكتف بحفظه في الصدور فالنبي صلى الله عليه وسلّم باشر بنفسه الإشراف
على عملية كتابة القرآن فور نزوله ، فقد كان لجمع القرآن الكريم في عصر النبوة
الأمران معًا: الجمع في الصدور عن طريق الحفظ والاستظهار، والجمع في السطور عن
طريق الكتابة والنقش. فقد كان لرسول صلى الله عليه وسلم كتاب للوحي ، كلما نزل شيء
من القرآن أمرهم بكتابته، مبالغة في تسجيله وتقييده ، وزيادة في التوثق والضبط،
والاحتياط الشديد في كتاب الله عز وجل حتى تظاهر الكتابة الحفظ، ويُعاضد التسجيل
المسطور ما أودعه الله في الصدور…[1]

فقد اتخذ  جملة ممن يتقنون
القراءة والكتابة كتابًا للوحي يكتبون القرآن عند نزوله بين يدي النبي  ؛ اخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن عبدالله بن
الزبير أنّ النبي  استكتب عبد الله الأرقم
… واستكتب زيد بن ثابت … وقد كتب له عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ،وعلي بن
أبي طالب ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص
وغيرهم ” ، وكان النبي  يتعهد هؤلاء
الكتاب بالعناية والمتابعة فيحدد لهم المكان الذي يضعون فيه الآيات الجديدة التي
كتبوها في مجلس، ويراجع معهم ما كتبوه للتأكد من صحة ما كتبوه
، أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف
قوله  لكتبة الوحي من أصحابه ” ضعوا
هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول ضعوا هذا في
السورة التي فيها كذا وكذا
” .
     لقد
أثبت القرآن الكريم نفسه حقيقة وجود الترتيب المصحفي، وقد جاء ببرهان قوي في سورة
“القيامة” نقرأ قوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.[2])[3]وجمعه
يعني تنظيم الآيات والسور، وهذا التجميع، أو التنظيم للسور لا يمكن صنعه إلاَّ وفق
ترتيب محدود، ألا
وهو الترتيب الإلهي، وعلى ذلك يبدو واضحًا أنَّ الله سبحانه وتعالى لم ينزل الوحي فقط، ولكنه أنزل معه تنظيمه وجمعه
.
  وعن عثمان- رضي الله عنه- قال: “كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الشيء من القرآن دعا بعض من كان يكتب
فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا نزلت عليه
الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا”[4]
وقد
كان صلى الله عليه وسلم يراجع القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان كل سنة ، فلما
كانت السنة التي توفي فيها راجعه مرتين كما في الصحيحين عن فاطمة- رضي الله عنها “أنّ جبريل
كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وأنّه عارضه الآن(السنة التي توفي فيها)
مرتين وقال لها: إنّي لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري”.
وقد
شهد العرضة الأخيرة جمع كبير من الصحابة لا يمكن حصرهم، وهذه العرضة هي التي رتب
عليها القرآن الكريم عند كتابته وجمعه في عهد أبي
بكر وبعد ذلك في عهد عثمان.
   وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن
الكريم في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام مرتبًا ذلك الترتيب الموحى به
الذي نقرأ به القرآن الكريم. فسور القرآن وآياته رتِّبت بوحي إلهي، وأنّ النبي صلى
الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلاَّ بعدما قرأه على جبريل عليه
السلام بذلك الترتيب في العرضة الأخيرة، وذلك موضع إجماع. ويقول الإمام محمد أبو
زهرة في كتابه “المعجزة الكبرى: القرآن الكريم “على ذلك انعقد الإجماع
،وكانت العرضة الأخيرة التي قرأ فيها النبي على جبريل بترتيب الآيات ذلك الترتيب، ومن
أنكر ذلك أو حاول تغييره فد أنكر ما عرف من الدين بالضرورة، وخرج عن إطار الإسلام،
وحاول التغيير والتبديل، فتلك الدعوات المنحرفة التي تدعو إلى ترتيب القرآن على
حسب النزول، أو على حسب الموضوعات هي خروج على الإسلام، يبثه بعض الذين لا يرجون
للإسلام وقاراً؛ إذ يجعلون القرآن عضين ،ويخالفون التنزيل ، ويعارضون الوحي ، وذلك
خروج عن الإسلام “
جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
  فقد
بدأ جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه سنة 12هـ
،
وذلك عند استشهاد  أكثر من سبعين  من قراء الصحابة في موقعة اليمامة اشتد ذلك على
الصحابة، ولا سيما على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاقترح على أبي بكر رضي الله
عنه أن يجمع القرآن الكريم؛ خشية ضياعه بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر
لأول الأمر ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر رضي الله عنه، فكان هو أول من جمع
القرآن بين اللوحين [5]،
وكان أحد الذين حفظوا القرآن كله
. ويروي زيد بن ثابت رضي
الله عنه ذلك ، قال :أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، عمر بن الخطاب عنده قال
أبو بكر رضي الله عنه:”  إنّ عمر
أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل
بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر
كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم
يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد قال
أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما
أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب[6]
واللخاف[7]
وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد
غيره (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكم..) حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم
عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه.”[8]
وظلت محفوظة عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها بعد وفاة
والدها، حتى طلبها منها عثمان رضي الله عنه ليستنتسخ منها مصاحفه اعتمادًا عليها،
ثم ردها إليها إيفاءً بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها
مروان بن الحكم حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت رضي الله عنها سنة 45هـ، حضر
مروان بن الحكم جنازتها، ثم طلب من أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنه فبعث بها
إليه ، فأخذها مروان وأمر بإحراقها
.[9]
كيفية جمع القرآن في عهد أبي بكر
استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنّه حينما شرح الله له صدره باشر
بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتمادا على مصدرين هامين، وهما
:
1.   
ما كُتب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وبإملاء منه، وكان زيد نفسه
من كتاب الوحي
.
2.   
ما كان محفوظًا لدى الصحابة، وكان هو من حفاظه في حياته صلى الله عليه
وسلم. وكان لا يقبل شيئا من المكتوب، حتى يتيقن أنّه: مما كتب بين يدي الرسول صلى
الله عليه وسلم، وذلك بشهادة شاهدين عدلين [10].
وأنّه مما ثبت في العرضة الأخيرة
.
 يدل
على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر،
فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به،
وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد
شاهدان
. [11]
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضًا، ولكن من طريق هشام بن عروة
عن أبيه أنّ أبا بكر قال لعمر وزيد:” اقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما
بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه
“. [12]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة)[13].
وقد ذهب العلامة السخاوي رحمه الله إلى أنّ المراد بشاهدين: رجلان عدلان يشهدان
على أنّه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنّه من الوجوه السبعة
التي نزل بها القرآن.” [14]
وقال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي
النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة : لم
أجدها مع غيره ، أي لم أجدها مكتوبة مع غيره ، لأنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون
الكتابة.[15]
ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في حديث البخاري، إنّه لم
يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة
الأنصاري، مع أن زيداً كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه
أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط
.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر
وأكابر الصحابة، وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال
التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في
التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار
.
وامتازت هذه الصحف بميزات مهمة، منها:
أولاً: جمع فيها القرآن الكريم على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم
أصول التثبت العلمي
.
ثانيًا: ظفرت بإجماع الصحابة رضي الله عنه عليها، وعلى تواتر ما فيها.
ثالثًا: كان هذا الجمع شاملاً للأحرف السبعة[16]
التي بها نزل القرآن تيسيرًا على الأمة الإسلامية
.
[17]
طريقة الكتابة
  
كانوا يكتبون القرآن على ما يقع تحت أيديهم ممّا يصلح للكتابة لندرة الورق،
فممّا ورد ذكره في روايات مختلفة، فقد كتبوا على العسب (جريد النخل)، واللخاف
(الحجارة الرقاق)، والرقاع (وقد تكون من جلد أو ورق)، والأضلاع (وهي عظام
الجنبين)، والأكتاف (وهو ما فوق العضد)، والأقتاب (الخشب الذي يوضع على ظهر البعير
ليركب عليه)، وقطع الأديم (وهي الجلد المدبوغ)، والقضم (وهو الجلد الأبيض يكتب
فيه، وقيل هي الصحيفة البيضاء)، والظرر (وهي حجر له حد كحد السكين)، والقراطيس
(وهي الصحيفة الثابتة -من أي شيء كانت- التي يكتب فيها)، والألواح (وهي كل صحيفة
عريضة من خشب أو عظم كتف إذا كتب عليه)، والصحف (وهي قطعة من جلد أو قرطاس كتب
فيه)، والكرانيف (جمع كُرْنَافَة، بالضم والكسر، وهي أصول الكَرَب -السعف الغلاظ
العراض، تبقى في الجذع بعد قطع السعف)
.
هذه الأشياء هي التي ورد ذكرها في كتابة القرآن الكريم في عهد الصحابة
رضي الله عنهم
.
نتائج الجمع وفوائده
كان من نتائج الجمع في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
أن سجل كامل القرآن الكريم وقيد بالكتابة.
زال الخوف من ضياعه بوفاة حملته وقرائه.
حفظ كله في موضع واحد، بعد ما كان مبعثراً في أماكن متفرقة.
أجمع الصحابة كلهم على ما سجل فيه.
أصبح بمنزلة وثيقة وسجل يرجع إليه وقت الضرورة.
زالت شبهة بدعة الجمع من أذهان كثير من الصحابة.

جمع القرآن
الكريم في عهد عثمان رضي الله عنه
   روى البخاري عن أنس: “أنّ حذيفة بن
اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل
العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا
اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف،
ثمّ نردّها إليك ؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن
الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال
عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من
القرآن، فأكتبوه بلسان قريش، فإنّه إنّما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا
الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا
نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفةٍ ومصحفٍ أن يحرق. قال زيد: فقدت آية
من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرأ
بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الاَنصاري: (من المؤمنين رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه) [الأحزاب 33: 23 ] فألحقناها في سورتها في المصحف”.
ولم
ينتقد أحدٌ من المسلمين عثمان على جمعه المسلمين على لغة قريش ؛ لأنّ اختلاف اللغات
( اللهجات) يؤدّي إلى اختلاف بين المسلمين لا تحمد عقباه، وإلى تمزيق صفوفهم
وتفريق وحدتهم وتكفير بعضهم بعضًا، غاية ما قيل فيه هو إحراقه بقية المصاحف حتى
سمّوه: حَرّاق المصاحف، حيث أصرّ البعض على عدم تسليم مصاحفهم كابن مسعود.
الفرق
بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهم
  الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله
عنهما هو أنّ الجمع في عهد أبي بكر كان عبارة عن نقل القرآن الكريم وكتابته في
مصحف واحد مرتب الآيات والسور، جمعه اللخاف والعُسُب والرِّقاع ، وكان سبب الجمع(
موت الحفّاظ) ، وأمّا جمع عثمان فقد كان عبارة عن نسخ عدة نسخ من المصحف الذي جمع
في عهد أبي بكر رضي الله عنه لتُرسل إلى الآفاق الإسلامية ، وكان سبب الجمع ( اختلاف
القرّاء) في قراءة القرآن[18]،
لأنّ كلًا منهم يقرأه بلهجة قبيلته.
إقرار وات وبل بمصداقية النص القرآني
        وفي الدراسة الخاصة التي قام بها
مونتجمري وات وريتشارد بل عن القرآن الكريم التي تناولا فيها أعمال عدد كبير من
المستشرقين في دراستهم للقرآن، وهي في غالبتيها
العظمى
تستخدم مناهج النقد الغربية، ومن هولاء فيل، وهيرشفيلد، وآربري، ورودي بارت
وغيرهم، قد اعترف المؤلفان بأنَّ الدراسات الحديثة للقرآن لم تستطع أن تثير أية
شكوك جدية حول مصداقية النص القرآني، ورغم اختلاف الأسلوب الواضح لكنه أمر لا
يختلط فيه القرآن مع غيره، لأنَّه من الواضح أنَّ القرآن كله يحمل طابع التساوق
مما يجعل من الصعب الشك في مصداقيته
  [19]،ويعود
المؤلفان يصران على أنَّ بعض الآيات كانت مثار جدل وشك من قبل عدد من المستشرقين
مثل (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. فإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم. فمن ينقلب على عقبيه فلن يغير الله شيئا
[20](
فيذكر أنَّ هذه الآية شكك فيها سيلفستر دي ساسي
مبرراً ذلك بأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سمعها صرح بأنَّه كأنَّه لم
يسمعها من قبل، ويبرر المؤلفان ذلك بأنَّ القرآن الكريم بنصه المكتوب لم يكن
متداولاً حينئذ، ومن السهل على الإنسان أن ينسى آية، ويناقش بل ووات الآية من حيث
أسلوبها وتوافقها مع السياق من الناحية التاريخية ، فيذكر أنَّ  الآيات السابقة لها تتحدث عن موقعة أحد، وما
أشيع فيها عن مقتل الرسول –  صلى الله عليه
وسلم – ، فهي بالتالي متناسبة مع السياق أسلوبيًا وتاريخيًا ممَّا ينفي كل الشكوك
حول مصداقيتها وموثوقيتها، ويستمر المؤلفان في إيراد كثير من النماذج لهذه
الدراسات النقدية التي لم تنل
من مصداقية النص القرآني ومصداقيته [21] .
للحديث صلة
suhaila_hammad@hotmail.com
المصدر: جريدة أنحاء اليكترونية





[1] . محمدعلي الصابوني:التبيان في علوم القرآن، ص 52، ط1، سنة 1405ه/
1985م، عالم الكتب، بيروت.
[2]
– القيامة :17-19.
[3]
 د .  محمد خليفة :  الاستشراق والقرآن العظيم  –  ترجمة مروان عبدالصبور  حصين، ص  190.
[4] . رواه أحمد والترمذي وأبو داود والحاكم. وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح .
[5] . راجع كتاب المصاحف لابن أبي داود: 1/165.
[6] . هو جريد النخل.
[7] . وهي الحجارة الرقاق.
[8] صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن ، باب جمع
القرآن.حديث رقم (4701).
[9] . مناهل العرفان:1/252، فتح الباري: 9/16، 20 .
[10] . الإتقان في علوم القرآن: 1/58.
[11]  .كتاب
المصاحف:1/181-182، وعنه السيوطي في الدرر المنثور: 4/332، وابن حجر في الفتح:
9/15، وانظر فضائل القرآن لابن كثير (27)، والإتقان: 1/166
.محمد علي الصابوني: التبيان في علوم القرآن، ص 57.
[12] . كتاب المصاحف 1/169، وانظر جمال القراء 1/86، والفتح 9/14،
واللطائف 1/56، وكنز العمال 2/573، والمرشد الوجيز: 55
.
[13] . فتح الباري:9/14.
[14] . السخاوي علم الدين : جمال القراء وكمال  الإقراء: 1/86.
[15]، جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن ، 1/167، تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم، طبعة سنة 1408ه/1988م، المكتبة العصرية للطباعة والنشر
والتوزيع، بيروت – لبنان.
[16] . أي لهجات سبع قبائل عربية ، فقد جاء في الصحيحين من حديث عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ
سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَىَ غَيْرِ مَا أَقْرَؤهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى
الله عليه وسلم أَقْرَأَنِيهَا. فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ. ثُمّ
أَمْهَلْتُهُ حَتّى انْصَرَفَ. ثُمّ لَبّبْتُهُ بِرِدَائِهِ. فَجِئْتُ بِهِ
رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنّي سَمِعْتُ
هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَىَ غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ” فَقَرَأَ
الْقِرَاءَةَ الّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم: “هَكَذَا أُنْزِلَتْ”. ثُمّ قَالَ لِيَ: “اقْرَأْ”
فَقَرَأْتُ. فَقَالَ: “هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ
عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَاقْرَأُوا مَا تَيَسّرَ مِنْهُ”.ـ وفي رواية- على
حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
وثبت
فيهما أيضا من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:
“أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ
أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
“.
هذا
هو نص الحديث. وأما درجته فهي في أعلى الصحة كما هو واضح.
المراد
بالسبعة الأحرف سبع لهجات متفرقة في القرآن العظيم، فبعضه بلهجة قريش وبعضه بلهجة
هذيل، وبعضه بلهجة هوازن، وبعضه بلهجة اليمن، وكذلك سائر العرب، وليس المراد أن
يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه. واحتج لهذا القول بقول عثمان حين أمرهم بكتب
المصاحف: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم،
وقد أشكل على عبد الله بن عباس معنى (فاطر) حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال
أحدهما أنا: فطرتها. قال ابن عباس ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: (فاطر السماوات
والأرض) وقال أيضًا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا
بالحق) [الأعراف 89]. حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك: أي أحاكمك.
فهذا يدل على أنّ القرآن فيه عدة لغات سوى لغة قريش، وإن كان معظمه وأكثره نزل
بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب: معنى قول عثمان فإنه نزل بلغة قريش يريد معظمه
وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه
كلمات وحروف على خلاف لغتهم وقد قال تعالى: (إنّا جعلناه قرآنًا عربيًا) [الزخرف:
3]
.ولم يقل قرشيًا،
وليس لأحد أن يقول: إنّه أراد قريشًا دون غيرها. كما أنّه ليس له أن يقول: أراد
لغة عدنان دون قحطان أو ربيعة دون مضر لأنّ اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل
تناولًا واحدًا.
[17] . مناهل العرفان: 1/254.
[18] . محمد علي الصابوني التبيان في علوم القرآن، ص 61.
[19]
 منهج برنارد لويس، مرجع سابق ص  26نقلاً عن كتاب مدخل القرآن، تأليف وات وريتشارد بل .
[20]
 – سورة آل عمران : آية
144.
[21]
  د .  مازن مطبقاني :  منهج برنارد لويس، مرجع سابق ص  129.
Join the discussion