مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22 ” توظيف الدين لخدمة السياسة (17) الرمزية والتصوف وأثرهما على الأدب العربي

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22 ” توظيف الدين لخدمة السياسة (17) الرمزية والتصوف وأثرهما على الأدب العربي

د. سهيلة زين العابدين
حمّاد

الأربعاء 14/9/2016م
أواصل
مراجعاتي على برنامج صحوة الرمضاني الذي أذيع في قناتي روتانا خليجية ومصرية،
وقّدمه الدكتور أحمد العرفج وضيفه الدائم المفكر الدكتور عدنان إبراهيم
.
ومراجعاتي
في هذا الجزء ستكون تكملة حول ما أثير في مداخلة الحلقة عن الأدب الإسلامي، وتعليق
الدكتور عدنان إبراهيم عليها بقوله:”
الإسلاميون خاضعون لوهم الاكتفاء، ويظنون أنّه
بما أنّ هذا الدين كامل إذا نحن يمكن أن نبني سياسة واقتصاد وعسكرية إسلامية
، وإدارة إسلامية ، وأدب إسلامي ..، وممّا قاله إنّ مشروع الأدب
الإسلامي أجهض، وكل هذه الأوهام ما هي إلّا فقّاعات..”
  وقد بيّنتُ في الأجزاء السابقة ما حواه القرآن
الكريم من آيات بيّنت أسس الحكم والاقتصاد، والموارد المالية، والعسكرية في الإسلام،
وتنظيم قتال المعتدين، ومعاملة أسراهم، إضافة إلى ما حواه من علوم كعلم الأجنة
وخلق الكون والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا وعلوم أعالي البحار وجغرافية وفلك
وإدارة، وتفسير لحركة التاريخ، كما بيّنتُ موقف القرآن الكريم من الكلمة الطيبة
والكلمة الخبيثة، ومن الشعر ممّا يؤكد أنّ كل هذا كان حقيقة، وليست  وهمًا، ولا فُقّاعة.
    
وهذه العلوم هي الأسس التي قامت عليها الحضارة العربية والإسلامية،
فالعلماء المسلمون لم يكونوا مجرد ناقلين ومترجمين لعلوم الحضارات القديمة، وإنّما
عدّلوا أخطاء القدماء، وأضافوا إليها ممّا تعلموه من القرآن الكريم (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم
تكونوا تعلمون)[1]
  كما
بيّنتُ في الأجزاء  السابقة من هذه
المراجعات على أهمية مصطلح الأدب الإسلامي لفقدان أدب الأمة العربية هويته العربية
والإسلامية، لتأثره إلى حد كبير بالمذاهب الفكرية والفلسفية الغربية قديمها
وحديثها بعللها وعلّاتها، كالكلاسيكية الأغريقية ، والواقعية الغربية بكل أشكالها
ومسمياتها المخالفة للتصور الإسلامي للخالق جل شأنه والإنسان والكون والحياة
والخير والشر والقدر، وبيّنتُ تأثر أدب الأستاذ توفيق الحكيم إلى حد كبير بالكلاسيكية
الأغريقية، وكذلك عدد من كبار الأدباء ، وكذلك تأثر بها شعراء الحداثة مثل صلاح
عبد الصبور ، وأمل دنقل وأدونيس، وغيرهم، وقد تحدّثتُ  عن الفرويدية وأثرها على الأدب العربي، ولاسيما
على أدبي الأستاذ إحسان عبد القدوس ، والدكتورة نوال السعداوي، وكذلك تحدّثتُ في
الحلقة الماضية عن الوجودية وأثرها على الأدب العربي، وبيّنتُ مدى تأثر أدبي
الأستاذيّن نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس بالوجودية، وفي هذا الجزء قبل  الأخير من مراجعاتي على حلقة (22) من برنامج
صحوة التي كانت بعنوان : ” توظيف الدين لخدمة السياسة” سأتحدّث عن :

الرمزية والتصوّف
وأثرهما على الأدب العربي
ممّا استلزم
إيجاد مصطلح الأدب الإسلامي لإعادة الهوية العربية والإسلامية لهذا الأدب الذي ذاب
في تلك المذاهب.
                                 الرمزية
         عادةً يستخدمُ الرَّمزُ كعلامةٍ تدلُّ على
شيءٍ له وجودٌ قائمٌ بذاته، فعلماءُ الكيمياءِ والهندسةِ والجبر                                                                 رمزوا إلى الأسماء والأرقامِ
والزوايا والخطوطِ بالحروف. أمَّا الدولُ فرمزت بالأعلام إلى ما تدين به وتقدسُه، والمتاجرُ
والمصانع والمؤسسات والمنظمات كثيراً ما اتخذت لنفسِها رموزاً تشيرُ إليها وتميزها
عن غيرها.
    أمَّا
الرمزُ عند الأدباءِ والنقادِ فهو وسيلةٌ للتعبيرِ عن التجاربِ الأدبيةِ المختلفةِ
بوساطةِ الرمز. وقد دُعيَ هذا              الاتجاه بالمدرسة الرمزية، وذلك لأنَّ هذه
الحركةَ الأدبيةَ اتخذت من الإشارةِ واللمحِ أداةً للتعبيرِ عن       الانطباعاتِ
النفسية، وأحلتها محلَّ الأسلوبِ الحقيقي المباشر الذي يستعملُه الأدباء” [2]“.
 ولقد انبثقت الرمزيةُ عن نظريةِ المثلِ عند أفلاطون،
وهي نظريةٌ تقومُ على فكرتين أساسيتين:
    أولاهما:
إنكار الحقائق المحسوسة التي لا تزيد عن كونها صورًا ترمز إلى حقائق مثالية بعيدة
عن                  عالمنا المحسوس.
  
وثانيتهما: أنَّ عقل الإنسان الظاهر الواعي عقلٌ محدود، وأنَّ الإنسانَ
يملك عقلًا باطنًا غير واعٍ أرحبَ من ذلك العقل[3]
.
وقد انبثقت عن الرمزية السريالية[4]
،والتجريدية ، والتعبيرية.
  الرمزية تحت مجهر التصور الإسلامي
    
 كما تبين لنا أنَّ الرمزيةَ انبثقت
عن نظريةِ المثل عند أفلاطون ، ونادت بأنَّ عقلَ الإنسانِ الظاهرِ الواعي        محدودٌ ضيق ، وأنَّه يملكُ عقلاً غيرَ
واعٍ أرحبُ من عقلِه الواعي بعشراتِ المراتِ وأحفل.
 والإسلامُ يرفضُ هذه النظرية كلَّ الرفضِ ،ذلك
لأنَّ العقلَ مناطُ التكليف ، التكليفُ بأمانة الاستخلاف ،وبإسقاطِ التكليفِ عن
الإنسانِ تُلغَى كُلُّ النُّظُمِ الاجتماعية التي تحققُ للإنسانِ  القيامَ بها وفي مقدمتها النظامُ الأسري الذي
يعتبرُه السِّرياليون هو والنظم الاجتماعية الأخرى  تعوقُ الإبداع ،وتقفُ حجرٌ عثرة في طريق
المبدعين.
  
إنَّ إسقاطَ التكليفِ عن الإنسانِ يصبحُ هو والحيوانُ سواء يعيشُ في
إباحيةٍ مطلقة ، وقد حدَّدَ القرآنُ الكريم موقفَه من عالم “اللاوعي” في
سورة الشعراء ؛ إذ يقولُ جلَّ شأنه ( والشعراءُ يتَّبِعُهُمُ الغاوون .ألم ترَ
أنَّهُمْ في كُلِ وادٍ يَهِيمُون. وأنَّهُم يَقُولُونَ ما لاَ يَفْعَلُون. إلاَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ وذكرُوا اللهَ كثيراً وانتصرُوا مِنْ بعدِ
ما ظُلِمُوا وسيعلمُ الذِّينَ ظَلمُوا أيَّ مُنقلبٍ ينْقَلِبُون.)
  
الغاوون هم الهائمون مع الهوى لا منهج لهم ولا هدف، وكلٌ من الشعراء
وأتباعهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول دون أن يلتزموا بتصورٍ
ثابتٍ يخضعونَ لضوابطِه ، وبما أنّهم يعيشون في عوالمَ موهومة ، وهم بهذا خرجوا عن
منهجِ الإسلام ، لأنَّ الإسلامَ يحبُّ للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ،ولا يهربوا
منها إلى الخيال الموهوم ، وقد وصف اللهُ عزَّ وجل هذا الصنف من الشعراء
بالظالمين.
 وقد دعا الله عزَّ وجل في كتابه العزيز إلى
الاعتماد على العقل ، والاستنارة به للوصول إلى الحقائق يقول تعالى : (أفلم
يسيِروا في الأرضِ فتكُونَ لَهُمْ قُلٌوبٌ يعْقِلونَ بِها أوْ أذَانٌ يَسْمَعُونَ
بِها فإنَّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ ولكن تَعْمى الْقُلُوبُ الَّتي في الصُّدُور
“)[5]
والآيات القرآنية التي تحث على
استخدام العقل وردت في حوالي خمسين موضعًا كقوله تعالى( كذلك يُبَيِّنُ اللهُ  لكم آياتِه لعلكُم تعْقِلون)”[6]
 والرمز إلى الله عزَّ وجل بالأب يخالف التصور
الإسلامي للخالق جلَّ شأنه فهو (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)،(فلا تَضْرِبوا
لله الأمثال)
أثر الرمزية على
الأدب العربي:
 لقد تأثر بالرمزية عدد كبير من الأدباء العرب ،
ولاسيما أدباء الحداثة الذين أغرقوا في الرمزية حتى أصبح أدبهم طلاسم لا تفهم، ومن
الأدباء الرواد الذين أسرفوا في الرمزية 
الأستاذ نجيب محفوظ الذي تجاوز 
أخلاقيات الكتابة الأدبية في رمزيته التي نال فيها من الذات الإلهية ، ومن
أنبياء الله عليهم السلام  فلقد رمز إلى
الله بِ” الأب” في قصصه ” أولاد حارتنا”،
و”زعبلاوي” ، و”الطريق” ، و”الشحاذ” ، و”ثرثرة
فوق النيل”، و” حارة العشاق” ، ” حكاية بلا بداية
ونهاية”.
الرمزية
في أدب نجيب محفوظ
   وسأتوقف هنا عند كتاب جورج
طرابيشي ” الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية “، واخترت هذا الكتاب بذاته
لأنّ الأستاذ نجيب محفوظ أقر المؤلف على ما كتبه من تفسيرات لأعمال نجيب محفوظ
الرمزية، وذلك في رسالة بعثها له ونشرت في الغلاف الخلفي للكتاب. يقول الأديب نجيب
محفوظ للمؤلف ” بصراحة أعترف لك بصدق بصيرتك، وقوة استدلالك، ولك أن تنشر عني
بأنّ تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها “، وهذا
يعني أنّ جميع تفسيرات المؤلف يوافقه عليها الأستاذ نجيب محفوظ، فماذا ذكر المؤلف
جورج طرابيشي عن ” الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية ” ؟
يقول الأستاذ جورج طرابيشي: ” فالله عند نجيب محفوظ ليس ولا
ينبغي أن يكون تكأة للإنسان، وفي مجتمع كالمجتمع العربي الشرقي الذي تكاد فيه
الاتكالية أن ترتفع إلى مستوى المبدأ العام، يأخذ توكيد نجيب محفوظ هذا مدلولا
تقديمًا عظيمًا. إنّ نجيب محفوظ وطيد الإيمان بأنّ الله قد خلق الإنسان على صورته،
ولكن لا ينبغي تفسير ذلك محض تفسير شكلي ،فإن يكون الإنسان مخلوقًا على صورة الله،
فهذا يعني أنّ فيه قبسًا من الله ومن عظمة الله، ومن حرية الله، وهذا يعني أنّه حر
ومسؤول معًا في مسلكه وعن مسلكه، وفي هذه الحال لا يعود من حق الإنسان أن ينتظر
المعجزة من الله بل عليه أن ينتظرها من نفسه ، وما معجزة الله الحقيقة في نظر نجيب
محفوظ سوى أنّه أعطى الإنسان القدرة على أن يصنع المعجزات ” [7]
هذا ويصحبنا جورج طرابيشي في هذه الرحلة إلى: ” أولاد حارتنا
” و ” زعبلاوي” و” الطريق ” و ” الشحاذ ”
و” ثرثرة فوق النيل ” و ” حارة العشاق ” و ” حكاية بلا
بداية ولا نهاية “، ليبين لنا من خلال هذه الروايات والقصص أبعاد الرمزية عند
نجيب محفوظ وأنه رمز في هذه القصص إلى الله ب ” الأب “.
الرمزية في ” أولاد حارتنا ”
يقول جورج طرابيشي: ” إنّ محفوظ أراد أن يعيد كتابة تاريخ
الإنسانية منذ أن كان الأول، وما الإنسان الأول إلا آدم الذي جميعًا ننتمي، في نظر
التفسير الديني للتاريخ ولكن لعل من الممكن أن نتحدث عن آدم من غير أن نتحدث عن
الله وعن الأرض وعن ملائكة السماء وإبليس، وعن الحلم المستحيل في استعادة الفردوس
؟ ولكن كيف يمكن أن يكون الله والملائكة وإبليس وآدم شخصيات في رواية ؟ “.كيف
يمكن الحديث عنهم من غير انتهاك للقدسيات ؟ ” . [8]
ثم يقول: ” لقد وجد نجيب محفوظ الحل في تلك الحارة الواقعية
الأسطورية، الحارة الحقيقية ــ الرمز، المحدودة واللا محدودة في آن واحد زمانيًا
ومكانيًا. حارة مثلها مثل جميع حارات القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر”[9]
“. ثم يقول: ” هي قصة ظهور حارة الجبلاوي إلى الوجود “. ثم يبين
جورج طرابيشي ما يرمز إليه نجيب محفوظ في شخصيات هذه الرواية فيذكر، أنّ نجيب
محفوظ رمز إلى الخالق جل شأنه بــ” جبلاوي ” واشتق اسم جبلاوي من ”
جبل ” أي خلق، ورمز إلى ” إبليس ” بإدريس ابن جبلاوي من زوجه
الحرة، ويرمز إلى أبينا ” آدم ” بـ ” أدهم ” ابن جبلاوي من
زوجة ” الأمة “، أما أمنا حواء فرمز إليها بــ ” أميمة ” وهو
تصغير ” لأم “، وأميمة هذه أمة أيضًا، ويرمز إلى الجنة بحديقة بيت
جبلاوي. ولم يتوقف نجيب محفوظ عن رموزه هذه فقط ؛ إذ نجده رمز إلى أنبياء الديانات
السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام.
فرمز إلى سيدنا موسى عليه السلام: بجبل وأسماه ” جبل ” لأنّ
الله كلمه عند جبل سيناء، ورمز إلى سيدنا عيسى عليه السلام بـ ” رفاعة ”
وأسماه رفاعة لأنّ الله رفعه إلى السماء، وأمّا سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم
ــ فرمز إليه بــ “قاسم ” وأسماه قاسمًا لأنّه يكني ــ عليه الصلاة
والسلام بأبي القاسم. [10]
هذه أهم الرموز في رواية ” أولاد حارتنا ” لنجيب محفوظ
” والتي أوردها جورج طرابيشي في كتابه ” الله في رحلة نجيب محفوظ
الرمزية ” والتي أقره عليها نجيب محفوظ في رسالته الوارد ذكرها آنفًا.
وهذا الإقرار يؤكد أنّ الأستاذ نجيب محفوظ متذبذب في تصريحاته ويصرح
لكل جهة ما يوافقها، فقد صرح لجريدة ” المسلمون ” عقب فوزه بجائزة نوبل أنّه
لم يقصد بشخصيات رواية ” أولاد حارتنا ” الرمز إلى الخالق جل شأنه والى
أنبياء الله، وها هو يكتب لجورج طرابيشي :”….. ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك
للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها “.
 الرمزية في رواية ”
الطريق ”
  ويقول جورج طرابيشي عن
الرمزية في هذه الرواية:” هذه الرواية التي صدرت في عام 1964م هي بدورها قصة
بحث عن زعبلاوي، ولكن باسم جديد هذه المرة:” سيد سيد الرحيمي “. ومن
الممكن لنا على الفور أن نتبين ما في هذا الاسم من رمزية: فالله هو السيد، وهو
الرحمن الرحيم، وهو أخير سيد بني الرحم أي البشر. والحق أن رواية الطريق قابلة
كلها لأنّها تفسر على مستويين، المستوي المباشر، الواقعي، والمستوي اللامباشر،
الرمزي. وعلى المستوى الأول لا تعدو أن تكون قصة بحث عن أب، ولكنّها على المستوى
الثاني قصة بحث عن الأب، أي الله. فبسيمة عمران غانية الإسكندرية وقوادتها المشهورة
قالت لابنها صابر قبل أن تتوفى ” لقد كذبت عليك، قلت لك إنّ أباك مات قبل
مولدك، ولكنه في الحقيقة حي، فاستعد للبحث عنه فهو المخرج الوحيد لورطتك، ولسوف
تجد في كنفه الاحترام والكرامة والسلام “.[11]
ثم يقول عن صابر ” الابن ” ولئن كان من الطبيعي والواقعي معا أن يشبه
الابن أباه، فإن شبه صابر سيد سيد الرحيمي يأخذ دلاله رمزيه لا مراء فيها. فصابر
هو ” صورة ” عن أبيه. ونحن نعلم أنّ الإنسان ” صورة ” عن
الله. ولكن كما يكون القمر على الورق صورة عن القمر في كبد السماء “.[12]
   الرمزية في ” حكاية
بلا بداية ولا نهاية ”
   يقول جورج طرابيشي عن هذه
القصة ” أنّ حكاية بلا بداية وبلا نهاية هي إعادة تخطيط لقصة ” أولاد
حارتنا ” ولكن من منظور مناقض، إنّها تعيد هي الأخرى كتابة تاريخ البشرية،
ولكن هذه المرة من جهة نظر التفسير العلمي، لا الديني، للكون والطبيعة وللتاريخ
وللإنسان. والأنبياء في حكاية ” بلا بداية ولا نهاية ” ثلاثة كما في
” أولاد حارتنا ” ولكنهم ليسوا أنبياء الكتب المقدسة بل أنبياء عصر
العلم خلفاء ” عرفة “[13]،
ثم يقول:” إنّ المهمة التي يأخذ نجيب محفوظ على عاتقة في حكاية بلا بداية ولا
نهاية شائكة للغاية، وفي أنّ السؤال الذي يطرحه – ويجد له الحل – في هذه القصة هو
في منتهى الجرأة والخطورة ويمس مسًا مباشرًا نقطة حرجة وحساسة في الإشكالية
اللاهوتية لمؤلف ” أولاد حارتنا “، ومهندسها ’ هل الله رهين التصور
الديني للعالم؟ وهل انهيار هذا التصور في العصور الحديثة يعني نهاية الله؟ ” [14]ثم
يقول جورج طرابيشي عن الرمزية في هذه القصة:” ولكن بالنظر إلى أنّ الصوفية
تراث شرقي في المقام الأول، فإن جرأة نجيب محفوظ الرمزية في ” حكاية بلا
بداية ولا نهاية ” تنطوي على ناحية إيجابية أكيدة. ففي الشرق الراهن الذي لا
يسمح بتسلل المذاهب الثورية الجذرية إلا مسلمة، لا يمكن أيضًا أن تدور المعارك
المناوئة للتصور الديني للعالم إلا مخففة الوقع. وبفضل الصوفية ولغتها واصطلاحاتها
أمكن لنجيب محفوظ أن يحيي في ” حكاية بلا بداية ولا نهاية ” حفلة تنكرية
كبرى، بريئة في الظاهر، أو ثورية أو ” داعرة” بلغة الشيخ محمود من تحت
الثياب”[15]،
ثم يذكر جورج طرابيشي : “أنّ نجيب محفوظ رمز بشخصية الشيخ أبي بكر إلى
كوبرنيكس صاحب نظرية دوران الأرض حول الشمس ورمز إلى الشيخ الدرملي إلى تشارلز
داروين صاحب نظرية النشوء والتطور، أمّا سيغموند فرويد فرمز إليه بشخصية الشيخ أبي
العلاء وهنا يقول جورج طرابيشي:” أجل ليس المطلوب إلا أن نضع كلمة ”
الحب ” بدل كلمة ” الجنس ” حتى يتحول فرويد من قواد ” منحرف
” إلى مريد صادق حرر الأسرة الاكرمية من عقدة الإثم والدنس والخطيئة الأولى،
بديهي أنّ مشهد كوبرنيكس وداروين وفرويد، وقد ألبسوا عمائم الصوفية وانطلقوا
بلغتها وسموا بأسماء مريديها، مشهد لا يخلو من جرأة وأقدام على صعيد الترميز
بالذات “.   [16]
الرمزية
في ” حكايات حارتنا “
في الحكاية رقم 50 من ” حكايات حارتنا ” يرمز بشخصية الفتوة
جعلص الدنانيري إلى الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – ويصف الأديب زمن بكل
حكايته رامزًا إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم -:” أيامه كانت رعب وجبن وذل
ونفاق أيام لإتباع والأنات المكتوبة أيام الشياطين والأساطير المخزية، أيام
التعاسة واليأس والطرق المسدودة “. هذا وعند قراءتنا لهذه الحكاية نجد هذا
النص ” وهو يهزأ من التقاليد الراسخة فلا يتردد عن إجبار شخص على تطليق زوجته
ليتزوجها، يرمز إلى قصة زواج النبي – صلى الله عليه وسلم – من زينب بنت جحش، ولا
يجرؤ احد على الزواج من احدي مطلقاته فيلقين الحياة وحيدات يتسولن أو ينحرفن
“، ونجد هنا يرمز إلى أمهات المؤمنين – رضوان الله عليهن – اللاتي لا يتزوجن
بعد الرسول الله – صلى الله عليه وسلم.
وعن الحكاية رقم 57 يصف البطل بأنّه فتوة، وانه خاتم الفتوات الكبار.
فمن بعده لم تقم للفتونة قائمة تذكر ( يعني النبي خاتم الرسل ) يقول نجيب محفوظ في
هذه الحكاية عن بطل قصته رقم 57 ’ ولولا إيمانه وهذه الحقيقة بأنّ هيبة الفتونة لا
ترسخ إلا بالنصر ما خاض معركة قط “، وتشير إلى غزوات الرسول، ولكن الفتونة هي
الفتونة فكلمته هي الأولى والأخيرة في أي أمر من الأمور، إنّه يحذر الرجال من
العربدة، ويمنع النساء من الزينة المفرطة، ويقيد حرية الغلمان في لعبهم، ويغالي في
التدخل فيما لا يعينه، ويبطل الزواج الذي يراه غير متكافئ، والطلاق الذي لا يعجبه
وإن رضي به الطوفان.
 نجيب محفوظ والرمزية ونظرته إلى الخالق جل شأنه
عند قراءتنا لقصص نجيب محفوظ، ومنها: أولاد حارتنا، وزعبلاوي،
والطريق، وحكاية بلا بداية ولا نهاية، والشحاذ، وحارة العشاق، تجد رمز إلى الخالق
جل شأنه بالأب جاعلا له الزوجة والابن، وهي نظرة تخالف نظرة الإسلام، فالله جل
شأنه، ” ليس كمثله شيء وهو السميع البصير “، وقد نهى جل شأنه نهيًا صريحًا
عن تشبيهه بخلقة فقال جل شأنه ” فلا تضربوا لله الأمثال “. إنّ معرفة
الله في التصور الإسلامي تتطلب الأيمان بما وصف به نفسه في كتابة أو بما وصفه به
الرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تكييف
ولا تمثيل، فلا يمثل خلقه صفاته بصفات خلقه لأنّه سبحانه وتعالى لا سمي له ولا كفؤ
له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فالرموز إلى الله بالإنسان مخالف تمامًا لنظرة
الإسلام إلى الخالق جل شأنه، وتشبيهه بالأب مخالف أيضًا لما جاء في قوله تعالى:”
قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد “، وقوله
جل شأنه:(أنى  يكن له ولد ولم تكن له صاحبة
وخلق كل شيء) [17]،
وقوله تعالى:(  وأنّه تعالى جد ربنا ما
اتخذ صاحبة ولا ولدا )[18]
   ولست ادري كيف فاتت هذه
الحقائق الواضحة على  الدكتور نجيب
الكيلاني، فما قام به نجيب محفوظ من الرمز إلى الله بالأب أمر جد خطير لأنّه يتعلق
بالعقيدة والأيمان بالله، ولا يمكن التغاضي عنه مهما كانت مكانة الأديب، بل أنّ كِبْر
مكانه نجيب محفوظ في الأوساط الأدبية تضاعف من حجم خطورة ما ذهب إليه لأنّه مقروء لدى
الغالبية، وكما يبدو أنّ الأستاذ نجيب محفوظ تأثر بالنظرة المسيحية إلى الخالق جل
شأنه التي تقول بالثالوث ” الأب، الابن، الروح القدس، ” وإنني لأعجب أشد
العجب من إشادة الدكتور نجيب الكيلاني برواية ” الطريق “، وكأنَّي به
يجيز استخدام الرمز إلى الله بالأب ؟!
التصوف
    لقد
اتخذ بعض كتاب الرواية والقصة وشعراء الشعر الحديث من التصوف إلى جانب الأسطورة
رافداّ لهم ،كما نجدهم مجدوا حمدان القرمطي وفرقته القرامطة ، والشلمغاني وفرقته
الشلمغانية ، فأخذ بعضهم من قصة الحلاج وابن عربي موضوعًا لكتاباتهم ، وهاهو يوسف
الخال المسيحي الديانة ، وهو من رواد الشعر الحديث ، يقول عن مأساة الحلاج لصلاح
عبد الصبور : ” ولقد أراد ـ يقصد صلاح عبد الصبور أن يخلق مسيحًا في التراث
الإسلامي على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين ، كان الحلاج عند عبد الصبور مسيح
الإسلام في القرن الأخير ؛ إذ لم تأت وجهًا لوجه مع المسيح في الصلب والقيامة
بمختلف وجوهها ، فماذا لديك لتقول؟ إنّ الله لا نعرفه نحن ، وعندما قال الحلاج :
ما في الجبة إلاّ الله على الطريقة  نفسها
التي قال بها المسيح ، وفق ما جاء في أناجيلهم المحرفة ،أنا في الآب ، والآب في ،
فالمسيح والحلاّج قالا إنّ الله يمشي على الأرض أنّه إنسان أنسة الله ” ، ثم
يقول يوسف الخال ” من هنا أدخل عبد الصبور في جماعة الشعراء التموزيين ، ولو
لم يكن قد تكلم عن تموز مباشرة” [19]
   وعندما سئل يوسف الخال عن تموز الذين ينتسبون
إليه أجاب قائلًا : ” تموز هو الإله القديم الذي انطلق من ما بين النهرين من
بابل وآشور ، والفينيقون دعوه أدونيس ، وكذلك الإغريق ، وتقول الأسطورة إنَّه كان
جميلاً جداً ، وكانت الآلهة عشتروت تحبه ، وكان هناك عشق بينهما ، وخلاصة الموضوع
أنَّ وحشًا بريًا قد قتله ، وأنَّ دمه سال في نهر إبراهيم ، وفي كل ربيع يحمر
النهر من دم أدونيس ، وتقول الأسطورة إنَّ أدونيس كل ربيع ، وتجسد هذه الأسطورة
عملية الصلب والقيامة عند المسيح.[20]
أدونيس والتصوف
هذه العقيدة التي تقوم على الإلحاد وجدت قبولَا وتوافقًا لدى أدونيس
لأنّها لا تختلف عن عقيدته؛ لذا نجده قد تحدث عن التصوف في كتابة مقدم للشعر
العربي بما يؤكد هذه الحقيقة فقال:
” نستطيع أن نرى كثيرًا من القيم الحضارية العربية مستمرة في
الحركة الشعرية العربية الجديدة لكن هذه القيم لا تنبع من النصوص الشعرية، بالمعنى
التقليدي القديم، بقدر ما تنبع من النصوص التصوف، فالتصوف حدس شعري ومعظم نصوصه
نصوص شعرية صافية. ولهذا فإنَّ القيم التي يضيفها الشعر العربي الجديد أو يحاول أن
يضيفها، إنّما يستمدها من التراث الصوفي العربي، في الدرجة الأولى. ومن الممكن أن
نوجزها فيما يلي:
1-  
تجاوز الواقع أو ما يمكن أن نسميه باللاعقلانية، واللاعقلانية في التصوف
تعني الثورة على قوانين المعرفة العقلية وعلى المنطق، وعل الشريعة من حيث هي أحكام
تقليدية تعني بالظاهر وعلى الفلسفة، بالمعنى التقليدي أوالارسطوطاليسي. هذه الثورة
تعني بالمقابل التوكيد على الباطن أي على الحقيقة(مقابل الشريعة ).وتعني الخلاص من
المقدم والمحرم وإباحة كل شيء للحرية.
( الله في التصور الإسلامي
التقليدي نقطة ثابتة، متعالية، منفصلة عن الإنسان، التصوف ذوب ثبات الألوهة جعله
حركة في النفس، في أغوارها. أزال الحاجز بينه وبين الإنسان وبهذا المعني قتله ( أي
الله) وأعطى للإنسان طاقاته. المتصوف يحيا في سكر يسكر بدوره العالم. وهذا السكر
نابع من قدرته الكامنة على أن يكون، هو والله، واحدا صارت المعجزة تتحرك بين يديه
). [21]
2- الحدس الصوفي ( الشعري ) طريقة حياة وطريقة معرفة في آن:
بهذا الحدس نتصل بالحقائق الجوهرية، وبه نشعر أننا أحرار قادرين بلا
نهاية. انه يرفع الإنسان إلى ما فوق الإنسان ونشعر بالارتفاع إلى ما فوق الإنسان
إننا نتخطى الزمن وقيوده، إننا حركة خالصة.)[22]
3.الحرية : صحيح أنّ شعر الجاهلي شعر حرية. لكن التصوف أعطى للحرية بعدًا
جديدًا، أي معني جديدًا، أغنى وأعمق، إنّها في الجاهلية فروسية ومغمرة وهي في التصوف
تصاعد مستمر نحو لا نهاية المطلق. تعرفها ” الرسالة القشيرية “، بما
يلي:” الحرية ( هي ) ألا يكون العبد ( الإنسان ) تحت رق المخلوقات ولا يجري
عليه سلطان المكونات.. إنها بهذا المعني، أكثر أهمية من التراث: تلك هي الثورة
التي أدخلها التصوف إلى معني الحرية في التراث العربي. وإذا كانت الحرية أهم من
التراث فإن الإنسان بالتالي أهم من المذهب.) [23]
4.التخييل: وهو يعني شيئا أشمل وأعمق من الخيال فالتتخييل هو رؤية الغيب. ومعنى
التخييل نجده عند معظم الصوفيين، ونجده كذلك عند ابن سينا في كلامه على الإشراق.
5.”اللانهائية: ليس هناك في الحدس الصوفي محدودية أو حواجز. فالكون حركة لا نهائية.
الغيب نفسه ليس نقطة تصل إليها، وإنما هو عالم يتحرك بلا نهاية، ويتجلى وينكشف بلا
نهاية. وكلما ظننا أننا عرفناه أو نعرفه، نزداد جهلاً به وشوقاً إليه في آن.”
[24]
6.”معنى الحياة
والموت:
وفي الحدس الصوفي تفيد معنى الحياة
والموت ، كما كان سائدًا في السلفية الإسلامية التقليدية. لم يعد الموت نهاية، وإنّما
صارت أن يعرف. الحياة اكتشاف ومعرفة. والمعرفة لا تتم إلاّ بالموت ” أي
بالاتحاد مع المطلق، بالعودة إلى الأصل “، فالموت إذن هو الحياة الحقيقية.
هكذا يتراءى معنى جديد للبطولة والفروسية كما نعرفها في الشعر الجاهلي: الإنسان
كائن للموت، بل أن جوهرة هو الموت: لذلك يغامر، ويحيا بطلًا. ويمكن أن نضيف فنقول
أخذت تعني، في ضوء ذلك الثورة والتغير.”[25]
7. “يطرح التصوف وفكرة
الإنسان الكامل.
( ربما أمكن أن نقابلها
بفكره الإنسان الكلي في الماركسية – الشيوعية )، ويمكن أن يشار في هذه المقارنة أن
تصور الحضارة والإنسان والكون في الحدس الصوفي أصلاً، لكن الذي يفعل الآن فعله
الكبير، متأثراً بالماركسية في الشعر العربي الجديد .”
[26]
القيم في نظر أدونيس
وهكذا يتضح لنا أنّ القيم في نظر أدونيس هي :
1-    الثورة على الشريعة والخلاص من المقدس  وإباحة كل شيء للحرية.
2-    الحلولية وتذويب الذات الإلهية في الإنسان فجعل الله
والإنسان واحدًا أي وحدة الوجود.
3-    الحرية في التمرد على الذات الإلهية والتحرر من سلطان
المكونات.
4-    رؤية الغيب المتمثلة في التخييل.
5-    تأثر الشعر العربي الحديث بالماركسية ومن حيث تبنيه فكرة
الإنسان الكلي والتي تقابلها في التصوف فكرة الإنسان الكامل
6-    معنى الحياة والموت المغير للمنظور الإسلامي لهما ، واعتبار
أنّ الحياة هي الحياة الدنيا والقول بعبثية الخلق.
7-    البطولة في النظرة – ونظر المتصوفين – في الثورة على
الشريعة والتمرد على الذات الإلهية ، وتغيير المفاهيم في القيم وجعل القيم في
الإلحاد والإباحية.
وهذا هو قوام العقيدة النصيرية ولهذا كانت المذاهب الصوفية، المتمثلة
في الحلاج وابن عربي والسهرودي وغيرهم تمثل العقيدة النصيرية، ومن هنا كان اهتمام
أدونيس بالصوفية ، وتسليط الأضواء عليها وجعل دعوته للشعر الجديد ( الحداثة ) تقوم
على الصوفية.
[27]
الحلاج و صلاح عبد الصبور
   ومن الشعراء المحدثين الذين أثاروا قضية الحلاج الشاعر صلاح عبد
الصبور؛ إذ نظر إلى قصة الحلاج أنّها مأساة وأزمة مثقف في عصره فاسمى مسرحيته
” مأساة الحلاج ” ولم ينكر عليه قوله بالحلولية وادعاؤه أنَّ الله حل
فيه ( تعالى الله عما يوصفون )، وعبر عن الحلولية على لسان الحلاج بقوله: تأمل أن
عشقت الست تبغي إن تكون شبيه محبوبك ؟ فهذا حبنا، أليس الله فوق الكون. فكان نوراً
كمثل الله ليتجلي على مرآتنا حسنه. ثم يرد على احد مريديه عندما قال له: أخشى أن
يدركك اكيلد الظالم قائلًا: ما يرضاه الرحمن لمخلوق في صورته ذي روح متصف بصفاته.
    ولم يكتف صلاح عبد الصبور بالتركيز على الحلاج
فقد تجرأ على الذات الإلهية ، وزعم أنّ الله خلق الخلق ونام وذلك في قصيده القديس؛
إذ قال ” وأنّ الله قد خلق الأنام  ونام ، وأنّ الله في مفتاح باب البيت “،
وهذا يطابق ما جاء في إصحاح زكريا في التوراة الوارد فيه هذا النص ( اسكتوا يا كل
البشر قدام الرب لأنّه قد استيقظ من مسكن قدسه ).
   وصلاح عبد الصبور لم يجعل
الله في مفتاح باب البيت (تعالى الله عما يصفون) فقط بل جعل له إلهًا صغيرًا يلهو
معه فقال في قصيده الإله الصغير:
ورقصنا والهي للضحى، خداً..لخد
ثم نمنا والهي بين أمواج وورد
والهي كان طفلاً وأنا طفلا عبدته
   هذا بعض ما قاله صلاح عبد
الصبور، وهو لا يختلف عما جاء في شعر أدونيس، وهذا يؤكد أنّ عقيدة النصيريه تسربت
إلى الشعر العربي الحديث بوساطة أودنيس، وأصبح لدينا شعراء نصيري العقيدة – دون أن
يشعروا – بفعل تأثرهم بالتيار الحداثي وتبني الصوفية الممثلة لعقيدة الفرق
الباطنية التي منها النصيريه كرافد من روافد الشعر العربي الحديث الذي دعا إليه
أدونيس وعد من رواده وأطلق عليه اسم ” الشاعر الكبير والشاعر العظيم
“هذا الشاعر الذي جعل من الإلحاد والإباحية عقيدته ومجد دعاتهما أمثال
القرامطة وأبي نواس. 
    الدكتور طه حسين والتصوف  
   وأخذ  الدكتور طه حسين في سرد هذه القصة بيقين ثابت لا
يزعزعه أي شك ، بما في ذلك قصة ذاك الطائر العجيب ( بريبيش ) الذي سخر لخدمة
ديكارت بعد أن صار زعيم الصوفية بعد موت ( دووكليكس ) ، وهذا الطائر كما يصفه طه
حسين يشبه الهدهد، وأنّه موكل بزعماء المتصوفة منذو كانوا ، يخدمهم ، ويقضي
حاجاتهم ، لا يجد في ذلك مشقة ولا عسرا ، وهو فوق العلة ، وفوق الموت حتى تنقرض
طائفة المتصوفة ويموت بعد أخرهم بقليل ، وأنّه خدم متصوفة الهند قبل المسيح بآلاف
السنين ، وأشرف على بناء الأهرام ، وأملى ما كتب فيها من طلاسم ، وأعان فيثاغورس
ورافق أفلاطون في سياحته ، ولزم الحلاج وابن الفارض ومحيي الدين بن العربي ، قال
هذا الوصف على لسان دروكلكيس ليعلن لديكارت أنه أصبح زعيم الصوفية ، وأن هذا
الطائر سيكون مسخرا لخدمته وأنه سيعينه على زيارة البيئات الصوفية في بغداد
والقاهرة وتلمسان وفارس )
ويستمر
الدكتور طه حسين في نشر هذا الهذيان إلى أنّه يزعم أنّ هذا الطائر حمل ديكارت وطاف
به على مدى سنتين في أقطار العالم الإسلامي إلى ادعائه بأنّ ديكارت ما كان ينزل
بلداً إلا وكان متقناً للغته عن طريق أقراص يعطيها له هذا الطائر ، لكل لغة بلد
قرص ، وبذلك كان متقناً للغات ، وعادات البلاد التي زارها ، وأنّه في رحلاته هذه
مشى على الماء وطار في السماء وزارا  الجن
في الأرض السابعة، والملائكة في السماء الرابعة ، إلى أن عاد إلى هولندا …) [28]
هذا
الهذيان رواه الدكتور طه حسين كحقيقة واقعة مسلم بها ، ولم يشك فيها أبداً ولكنه
للأسف الشديد عندما ما جاء يكتب الإسلام بل عن القران ، راح يبث الشكوك ، حتى قال إنّه
منحول ،كما أدعى أنّ الشعر الجاهلي منحول أيضاً ، وشكك في تاريخ الخلفاء الراشدين
ودس فيها ما دس ، وأعتبر قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الواردة في القرآن
الكريم أنها أسطورة ، فهو باختصار نسخ خيوط الشك حول القرآن الكريم والنبي صلى
الله عليه وسلم وصحابته ، وكل ما يتعلق بالإسلام وتاريخه وعلمائه ومفكريه.[29]
التصوف وتأثر نجيب محفوظ بفلسفة
برجسون التصوفية
   عند دراسة نظرة نجيب محفوظ
للإنسان في قصصه ورواياته نجد أنّه قد تأثر بفلسفة هنري برجسون القائمة على
النظرية الثنائية المتناقضة للإنسان، وهي أنَّه  جسد وروح وفصل بينهما؛ إذ نجده في كتابه الطاقة
الروحية يقول:” أنّ حياة الروح لا يمكن أن تكون نتيجة لحياة الجسد، بل بالعكس
فكل شيء يجرى هنا كما لو كان الجسد موضوعًا تحت تصرف الروح ولذلك لا تستطيع أن
نفترض أنّ الروح والجسد متحدان اتحادًا يتوقف وجود كل منهما فيه على وجود الأخر
“.
 ومن خلال تصور برجسون للإنسان
تقوم نظرة نجيب محفوظ إلى الإنسان بأنّه ذو طبيعتين متناقضتين متعاديتين أحداهما
حيوانية جسدية هابطة ومدانة والأخرى روحية سامية علوية، ويقول الدكتور عبد المحسن
طه بدر:” إنّ نجيب محفوظ لا يؤمن بثنائية الجسد الهابط والروح السامية ويقف
عند هذا الحد، ولكن عالم الروح نفسه ينقسم مرة أخرى إلى عالمين هما عالم العقل ، ثم
عالم القلب الذي يمثل اسمي ما في الإنسان “. ويشير الدكتور عبد المحسن إلى
مقاله نجيب محفوظ عن الشخصية نشرت له في المجلة الجديدة في ديسمبر سنة 1934م ، وفي
هذه المقالة قسم نجيب محفوظ الشخصية إلى قسمين: الأنا الجسماني، والأنا الروحاني.
هذا وقد وجد نجيب محفوظ في فلسفة برجسون – كما يقول الدكتور عبد
المحسن بدر – تقعيداً للثنائية التقليدية بين الجسم والنفس، وبين الجسد والشعور،
وبين المادة والروح، وهي الفكرة المطروحة في كثير من المذاهب الفلسفية القديمة،
كما تبنتها الصوفية، وهي تفصل فصلاً حاداً بين المادة والروح.
وهذه الثنائية كانت محوراً هاماً من محاور تفكير نجيب محفوظ، وتبدو
أساساً لتفسير كثير من أرائه التي تتصل بالمذاهب الفلسفية المختلفة أو للبشر وحكمه
على سلوكهم. وعند قراءتنا لروايات وقصص لنجيب محفوظ نجد أنّ الغالبية العظمي من
شخصياتها مشغولة بحاجات الجسد من طعام وشراب ولباس، وجنس، ومعظم شخصيات نجيب محفوظ
مستسلمون إلى غرائزهم، يفزعون من النور، بل يحاربونه. اختاروا الظلام وألفوه وكأنّهم
لا يريدون عنه بديلًا. ونلاحظ أنّ نجيب محفوظ قد تبني الفرويديه لإبراز هذا الجانب
وقال عن فرويد على لسان أحد أبطال قصصه ” لقد هيأت فلسفة فرويد للفرد فرص
النجاة من أمراض الحياة الجنسية التي تلعب في حياتنا الدور الجوهري “.
وبناءً على هذه النظرة الفرويدية للإنسان غرقت معظم قصص نجيب محفوظ
بالعبارات والمشاهد الجنسية، ونلحظ هذا في الثلاثية ( السكرية – بين القصرين –
وقصر الشوق )، وفي زقاق المدق، والقاهرة الجديدة، وبداية ونهاية، حكايات حارتنا،
والشحاذ، والطريق، وغيرها. [30]
مفهوم التصوف
عند الأستاذ نجيب محفوظ
   
يتضح لنا مفهوم التصوف عند الأستاذ نجيب محفوظ  إذا ربطنا بين الخمر والوالد ـ أي الله ـ كما
يرمز إليه الأستاذ نجيب محفوظ ـ فإنَّا نتذكر أقصوصة “زعبلاوة” حيث
اكتسبت الخمر معنى صوفيًا باعتبارها مخدرة للحواس ومحققة للروح من روابطها الجسدية
الدنيوية ،فتسمو وتنجلي أمامها الحجب حتى يشف الوجود ،وترى من خلاله الله ،
فالإنسان لا يتصل بحبيبه الله في حالة عشق إلاَّ إذا كان في حالة تشبه حال السكر
،فالأستاذ  نجيب  يجمع بين نشوء العشق ،ونشوء السُّكر بمفهومهما
الصوفي ؛إذ لا نشوة حقيقية إلاَّ تلك الصادرة عن الله ،وهذه الخمرة التي نجدها في
“الطريق” تكتسب أهم صفات الخمر عند الصوفية مثل القِدم والعتاقة والجودة
؛إذ أهدى الرحيمي “أي الله ” الشخص الضرير الذي كان يعرفه رغم عماه
الحسي على الأصح “صندوقاً من الخمر المعتقة”[31]
ـ
                             أنيس
منصور والتصوَّف
 أمَّا أنيس منصور فعند
قراءتنا لكتابه ” القوى الخفية” نجده يؤمن بتناسخ الأرواح ؛ إذ أخذ
يتكلم عن التناسخ ،ويؤكده بروايات وأخبار، وكذلك بالاتصال بالأرواح عن طريق
تحضيرها.
 فهل مثل هذا الأدب يمثل
الهُوية العربية الإسلامية حتى يُقال أنّ مشروع الأدب الإسلامي قد أُجهض، والذي
وُجد لإعادة الهوية العربية والإسلامية لأدبنا العربي.
للحديث صلة.
Suhaila_hammad@hotmail.com





[1]
. البقرة : 239.
[2]-د.
عبد الرحمن رأفت الباشا: نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد ،ص66، دار البردي للنشر
والتوزيع، الرياض.
[3]
-المرجع السابق : ص 67.
[4]
-السريالية : قائمة على غياب العقل وعالم اللاوعي والتخلص من قيود المنطق المعتادة
والعلاقات السببية في التفكير والتعبير ، وقد اعتبرت ضمن وظيفتها الكبرى التخلص من
كل ما يعوق الحرية المطلقة ، ويكبح جماح التلقائية في التعبير والإبداع الفنيين
،وقد أسسها أندريه بريتون (1896ـ1966م).
[5]
-سورة الحج : آية 46.
[6]
-سورة البقرة :آية 242.
[7]
. جورج طرابيشي: الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، ص 45، الطبعة
الثالثة، 1988، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت – لبنان.
[8]
. المرجع السابق : ص 8.
[9]
. المرجع السابق : ص 8.
[10]
. المرجع السابق : ص12 و18 ، بتصرف.
[11]
. المرجع السابق : ص42.
[12]
. المرجع السابق: ص44.
[13]
. المرجع السابق: ص 85،86.
[14]
. المرجع السابق: ص89.
[15]
. المرجع السابق: ص99.
[16]
. المرجع السابق : ص98.
[17] – الأنعام : 101.
[18] – الجن : 3.
[19] – جهاد فاضل : قضايا الشعر الحديث ،ص 294.
[20] – د. سهيلة زين العابدين حمّاد : فكر توفيق
الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي ، الجزء الثاني ،تحت الطبع.
[21]
.أدونيس : مقدمة في الشعر العربي ، ص 131، الطبعة الرابعة،  1983، دار العودة ، بيروت – لبنان.
[22]
. المرجع السابق ، ص 131، 132.
[23]
. المرجع السابق : ص132.
[24]
. المرجع السابق : 132.
[25]
. المرجع السابق: ص133.
[26]
. المرجع السابق: ص133.
[27]
. د. سهيلة زين العابدين حمّاد: أدونيس بين الإباحية والإلحاد، الجانب
التطبيقي من سلسلة الفكر العربي تحت مجهر التصور الإسلامي، معد للطبع.
[28] . د. طه حسين : ومن بعيد ، المجلد الثاني عشر
باختصار.
[29]
. د. سهيلة زين العابدين حمّاد : التأثير الغربي على الدكتور طه
حسين ، من ضمن سلسلة الفكر العربي تحت مجهر التصوّر الإسلامي، الجانب التطبيقي ،
معد للطبع.
[30]
. د. سهيلة زين العابدين حمّاد : نجيب محفوظ بين الرمزية
والواقعية الاشتراكية، ضمن سلسلة الفكر العربي تحت مجهر التصور الإسلامي، الجانب
التطبيقي، معد للنشر.
[31]
. د. أحمد إبراهيم خضر : مجلة المجتمع ، العدد 899 ،الثلاثاء
،جمادي الأولى ،سنة 1409هـ.
Join the discussion