مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22″ توظيف الدين لخدمة السياسة” (10) كمال الإسلام حقيقة وليس فقّاعة

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22″ توظيف الدين لخدمة السياسة” (10) كمال الإسلام حقيقة وليس فقّاعة

 د. سهيلة زين العابدين
حمّاد
10/8/2016


   أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة الرمضاني الذي
أذيع في قناتي روتانا خليجية ومصرية، وقّدمه الدكتور أحمد العرفج وضيفه الدائم
المفكر الدكتور عدنان إبراهيم
.
ومراجعاتي في هذا الجزء ستكون حول ما
أثير في مداخلة الحلقة عن الأدب الإسلامي ، وتعليق الدكتور عدنان إبراهيم عليها
بقوله : ”
الإسلاميون خاضعون لوهم الاكتفاء، ويظنون أنه بما أن هذا
الدين كامل إذا نحن يمكن أن نبني سياسة واقتصاد وعسكرية إسلامية
، وإدارة إسلامية ، وأدب إسلامي ..، ومشروع الأدب
الإسلامي أجهض، وكل هذه الأوهام ما هي إلّا فقّاعات..”
مع احترامي وتقديري للدكتور عدنان إبراهيم، أؤكد أنّ ديننا دين كامل،
فهو خاتمة الأديان
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ
دِينًا﴾ [1]
فهذه حقيقة بيّنها الخالق جل شأنه ، فليست وهمًا، ولا مجرد فقّاعة، إنّ
الحضارة الإسلامية ، أكبر شاهد عيان على ذلك، والتي امتد تأثيرها على العالم أجمع،
وعلى الحضارة الغربية الحديثة ،  وليس من
حق أي إنسان أن يُصادرها ببضع كلمات.

لقد قامت الحضارة العربية الإسلامية بدورها الطليعي خير قيام في بناء
النهضة العلمية العالمية ، وقد نقل العلماء العرب والمسلمون التراث الأغريقي وغيره
من ألوان التراث العلمي الذي تقدّم عليهم في التاريخ، نقلوه إلى اللغة العربية،
التي كانت لغة العلم والثقافة، وأثر العلماء العرب والمسلمون في النهضة الأوروبية،
وكان طابع الثقافة العربية الإسلامية غالبًا وواضحًا ومؤثّرًا في عديد من المجالات
العلمية والفكرية والثقافية، مثل ابتكار نظام الترقيم والصفر والنظام العشري، ،
والدورة الدموية الصغرى قبل “هارفي” بأربعة قرون، والجاذبية والعلاقة
بين الثقل والسرعة والمسافة قبل نيوتن بقرون متطاولة، وقياس سرعة الضوء وتقدير
زوايا الانعكاس والانكسار، وتقدير محيط الأرض، وتحديد أبعاد الأجرام السماوية،
وابتكار الآلات الفلكية، واكتشاف أعالي البحار، ووضع أسس علم الكيمياء.
إنّ الحضارة الإسلامية قامت على الحوار مع الشعوب والحضارات الأخرى التي تعامل معها المسلمون مثل
حضارة الهند وحضارة الفرس في الشرق
وحضارة
اليونان في الغرب، وقد كان فضل العلماء العرب عظيمًا على الحضارة الانسانية،
حيث كانوا لبنة اساسية من لبناتها، وكانت من أهم
معابر الحضارة إلى أوربا، من خلال الاندلس، صقلية، وجنوب إيطاليا، بلاد الشام،
والحروب
الصليبية.
 والحضارة العربية الإسلامية لم تقم من فراغ ،
فهؤلاء النوابغ من العلماء في مختلف العلوم لماذا لم يظهروا قبل الإسلام؟
هذا السؤال لابد من طرحه، فالتواصل مع الحضارات السابقة كان موجودًا
ومتوفرًا، وممّا لا شك فيه أنّ الذي ساعدهم على النبوغ والبروز تدبرهم وتأملهم
وتفكرهم فيما حواه القرآن الكريم من آيات تدعوا إلى اتباع المنهج العلمي في البحث
والاستقراء ، وما حواه  من علوم كعلم خلق
الإنسان وخلق الكون، وفي الكيمياء والفيزياء والجغرافيا والفلك والجيولوجيا بما
فيها جيولوجيا البحار، وفي الإخبار عن الأمم السابقة وغرق فرعون؛ إذ
 يُنسب
الأوروبيون لأنفسهم منهج البحث العلمي ، وقد تأثر بذلك بعض الباحثين العرب ، ومنهم
الدكتورة سيدة كاشف التي ذكرت هذا في كتابها” مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج
البحث فيه ” الذي قرر في مختلف الجامعات في العالم العربي، فنسبت المنهج العلمي
إلى الأوروبيين؛ إذ قالت   في صفحة 67 :
” ومن الملاحظ أنَّ معظم المؤرخين في ديار الإسلام كانوا يوردون عدة روايات
تاريخية متناقضة دون التعرَّض لنقدها ،أو لترجيح بعضها على بعض ،فضلاً عن
الاستطراد الذي يخرج المرء عن الموضوع الأساسي إلى الكلام على موضوعات جانبية .
ولا شك أنَّه كانت أموراً عادية في العصور الوسطى لأنَّ مناهج البحث العلمي في
التاريخ وتنظيمها إنَّما يرجع إلى القرنين التاسع عشر والعشرين.”
  معروف أنَّ  الحسن بن الهيثم قد سبق فرانسيس بيكون في
استخدامها المنهج العلمي وليس كما يدعي الغرب، وقد استقى ابن الهيثم هذا المنهج من
القرآن الكريم، فقد بنى الإغريق  حضارتهم
وفكرهم على الجدل والسفسطة والتلاعب بالألفاظ، وكانت هذه سمة العلم في العالم آنذاك؛
إذ كان يفهم العلم من خلال معان كيفية ذات أصل فلسفي بحت، وجاء الإسلام وحرَّم
الجدل والفلسفة والتلاعب بالألفاظ موجهًا العقل البشري إلى استخدام منهج علمي
متكامل في البحث في الكون؛ إذ دعا إلى النظرة العلمية البحتة إلى الأشياء، وأرشد
إلى المنهج الصحيح في المعرفة فقال تعالى (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)[2]
وقال تعالى ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاَّ الظن وإن أنتم إلاَّ
تخرصون )[3]
، وقد حثَّنا الله عز وجل على ألاَّ نخطو خطوة إلاَّ بالعلم وقد وهبه الله أدوات
البحث والنظر يقول تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل
أولئك كان عنه مسؤولاً)[4]
 
ورغم هذه الحقائق القرآنية التي سار على نهجها علماؤنا الأوائل، إلاَّ أنّنا
نجد معظم الغربيين يزعمون أنّهم هم أصحاب المنهج العلمي ، مع أنَّ جوزيف هيل في
كتابه “تاريخ الحضارة الغربية ” قد أقر أنّ الطريقة التي أتبعها ابن
الهيثم في بحوثه وكشوفه هي المنهج العلمي، وهو بهذا يكون قد سبق بيكون الذي ينسب
إليه هذا المنهج، إلاَّ أننا نجد، وللأسف تؤكد هذا الزعم الدكتورة سيدة كاشف في
كتابها مناهج بحث المقرر في معظم الجامعات العربية، والذي  يؤكد مزاعم أخرى للمستشرقين فيها تجنِ كبير على
الإسلام .
 كما نجد الغرب نسب إلى إسحاق نيوتن اكتشاف
الجاذبية الأرضية، وللأسف دُرِّس لنا هذا، مع أنَّ ابن سيناء سبق إسحاق نيوتن بسبعة
قرون في معرفة قانون الجاذبية؛ إذ أدرك أنَّ الأجسام حينما تهبط فإنّها تتجه نحو
المركز أي نحو مركز الأرض، ثمَّ أدرك أنَّ الأجسام المختلفة تتجاذب على نسبة ما
بينها من الأقدار “الكبر والصغر”، وعلى نسبة ما بينها من الأبعاد ، إنَّ
الجسم الأصغر ينجذب نحو الجسم الأكبر.
[5]
أمّا ما حواه القرآن الكريم من علوم ،
ففي :
علم خلق الإنسان
وردت آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
-(وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاء
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ)[الأنبياء:31]
– (وَاللَّهُ
خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم
مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ
اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
([النور:
45]
( وَ لَقَدْ خَلَقْنَاْ
الإِنْسَاْنَ مِنْ سُلاْلَةٍ مِنْ طِيْنٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاْهُ نُطْفَةً فِيْ
قرَاْرٍ مَكِيْنٍ*ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَاْ
الْعَلَقَةَ  مُضْغَةً فَخَلَقْنَاْ
الْمُضْغَةَ عِظَاْمَاً فَكَسَوْنَاْ الْعِظَاْمَ لَحْمَاً ثُمَّ أَنْشَأْنَاْهُ
خَلْقَاً آخَرَ فتَبَاْرَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَاْلِقِيْنَ )
[المؤمنون : 12-14]
 ( يَاْ أَيُّهَاْ النَّاْسُ إِنْ
كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فإنَّاْ خَلَقْنَاْكُمْ مِنْ تُرَاْبٍ ثُمَّ
مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِن ْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ
مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ )[الحج:5]
– (مَّا لَكُمْ
لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
([
نوح:13- 14]
(يَخْلُقُكُمْ فِيْ
بُطُوْنِ أُمَّهَاْتِكُمْ خَلْقَاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِيْ ظُلُمَاْتٍ
ثَلاْثٍ)[الزمر: 6]
– (إذ قال ربك
للملائكة إِني خالق بشراً من طين
([ص: 71]
– ( ولقد خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأ مَّسْنُونٍ. فإذا
سوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فيه من رُوحي فقعوا له ساجِدين)[ الحجر: 28- 29]
– (فاستفتهِم
أَهم أَشد خلقاً أَم
من
خلقنا إِنا خلقناهم من طين لاَّزِب)[الصافات: 11]
– (وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
)[البقرة:30]
– (وعَلَّمَ
آدَمَ الأَسْمَاء
كُلَّهَا
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي
بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ)[البقرة: 31]
– (خَلَقَ
الإِنْسَانَ مِن
صَلْصَالٍ
كَالْفَخَّارِ)[ الرحمن: 14]
– ( قال يَا
إِبْلِيسُ مَا
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
بِيَدَيَّ)[ص: 75]
– (يَأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ
الَّذِي
تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ أنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً)[النساء: 1]
– (يَأيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرِ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ
عَلِيمٌ
خَبِيرٌ)[الحجرات:13]
– (إن مثل عيسى
عند الله كمثلِ آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)[آل عمران : 59]
– (فلينظر الْإِنسَانُ
مِمّاَ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ
وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.
فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ)[5-10]
– ( إنّا خلقْنا الإنسانَ من نُّطفة أمشاجٍ نبْتليهِ فجعلْناه سمِيعًا
بَصيِرًا) [الإنسان:2]
– ( ألمْ يكُ نُطْفةً مِّنْ مَّنِيٍ يُمْنى. ثُمّ كانَ عَلقَةً فَخَلَقَ
فَسَوّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْن الذّكرَ والأُنثى)[القيامة: 37- 39]
(لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [6]
 وعند تفسير هذه الآيات لابد من تكوين لجان من
علماء متخصصين في علم الأجنة، والأحياء والفيزياء والكيمياء إلى جانب علماء
متخصصين في علم التفسير لشرح هذه الآيات شرحًا وافيًا دون ربطها بنظرية التطور
لإثبات أنّ القران موافق لنظرية التطوّر كما فعل البعض، حتى نجدهم عندما استدلوا
بقوله تعالى: (ولقد خَلَقْنَا الإِنْسَانَ
مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأ مَّسْنُونٍ.) لم
يذكروا الآية التي بعدها ، والتي تُبيّن أنّ الإنسان مجرد قبضة من طين، ونفخة من
روح الله( فإذا سوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فيه من رُوحي فقعوا له ساجِدين)
وعند تفسير
الآيات من 12-14 من سورة “المؤمنون” الرد على الداروينيين الذين يقولون
بخطأ القرآن في خلق العظام قبل اللحم، وأنّ العلم أثبت أنّ العظام واللحم خلقوا
بالتوازي معًا، وهذا ليس بصحيح فقد ثبت علميًا
أنّ العظام تبدأ
بالظهور في نهاية مرحلة المضغة، وهذا يوافق الترتيب الذي ذكرته الآية(فَخَلَقْنَاْ
الْمُضْغَةَ عِظَاْمًا)، ولقد أثبت علم الأجنة الحديث أنّ العضلات (اللحم) تتشكل
بعد العظام ببضعة أسابيع و يترافق الكساء العضلي بالكساء الجلدي للجنين،  وهذا يوافق تمامًا قوله تعالى فَكَسَوْنَاْ
الْعِظَاْمَ لَحْمَاً)، وعندما يشرف الأسبوع السابع من الحمل على الانتهاء تكون
مراحل تخلق الجنين، قد انتهت وصار شكله قريب الشبه بالجنين،  ويحتاج بعض الوقت ليكبر ويكتمل نموه وطوله ووزنه
ويأخذ شكله المعروف.
ولو رجعنا إلى تفسير فخر الدين
الرازي[7] لهذه الآية سنجد يقر هذه
الحقائق العلمية في أطوار خلق الإنسان، قبل ثمانية قرون طبقَا لما توصل إليه العلم
الحديث، فيقول في تفسير هذه الآية  :
“الاستدلال بتقلب
الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهي
تسعة
: 
المرتبة الأولى: قوله سبحانه وتعالى) :  ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (
 
والسلالة : الخلاصة; لأنّها تسل من بين الكدر، فعالة ، وهو بناء
يدل على القلة كالقلامة والقمامة، واختلف أهل التفسير في
( الإنسان ) فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد منه آدم عليه السلام ، فآدم سل
من الطين, وخلقت ذريته من ماء مهين، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو
ولد آدم، والإنسان شامل لآدم عليه
السلام ولولده، وقال آخرون: الإنسان هاهنا ولد آدم، والطين هاهنا اسم آدم عليه
السلام ، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت
في أوعية المني صارت منيا، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى
) :  وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين [ السجدة: 7 ، 8 ] وفيه وجه آخر، وهو أنّ الإنسان إنّما يتولد من
النطفة ، وهي إنّما تتولد من فضل الهضم الرابع، وذلك إنّما يتولد من الأغذية، وهي
إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنّما يتولد من
صفو الأرض والماء، فالإنسان بالحقيقة يكون متولدًا من سلالة من طين، ثم إنّ تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار
الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيًا، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى
التكلفات
. 

المرتبة الثانية: قوله تعالى ) :  ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ( ومعنى جعل الإنسان نطفة أنّه
خلق جوهر الإنسان أولًا طينًا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه
الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار
الرحم قرارًا مكينًا لهذه النطفة، والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر, فسماه
بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها; كقولك: طريق سائر ، أو
لمكانتها في نفسها; لأنّها تمكنت من حيث هي وأحرزت
. 

المرتبة الثالثة: قوله تعالى ) :  ثم خلقنا النطفة علقة ( أي:
حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة ، 
الدم الجامد
. 
المرتبة الرابعة: قوله ) :  فخلقنا العلقة مضغة)  أي: جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة ؛ أي: قطعة لحم كأنّها مقدار ما
يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف، وسمي التحويل خلقًا; لأنّه سبحانه يفني بعض
أعراضها ويخلق أعراضا غيرها، فسمى خلق الأعراض خلقًا وكأنّه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة
. 
المرتبة الخامسة: قوله) :  فخلقنا المضغة عظامًا (
 أي: صيرناها كذلك، وقرأ ابن عامر)عظمًا) والمراد منه الجمع كقوله:    و( الملك صفًّا صفًّا ( [الفجر:
22]
المرتبة السادسة: قوله تعالى  ):  فكسونا العظام لحمًا (  وذلك لأنّ اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها. 
المرتبة السابعة: قوله تعالى ) :  ثم أنشأناه خلقًا آخر ) أي: خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله
حيوانًا وكان جمادًا، وناطقًا وكان أبكم، وسميعًا وكان أصم، وبصيرًا وكان أكمه،
وأودع باطنه وظاهره ، بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب
حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين،
وروى العوفي عن 
ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن
الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب،
وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت، ودليل هذا القول أنه عقبه بقوله
):  ثم إنكم بعد ذلك لميتون) هذا المعنى مروي أيضًا عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال: ( أنشأناه ) لأنّه جعل إنشاء الروح فيه، وإتمام خلقه إنشاء له. قالوا : في
الآية دلالة على بطلان قول النظام في أنّ الإنسان هو الروح لا البدن، فإنّه سبحانه
بين أنّ الإنسان هو المركب من هذه الصفات، وفيها دلالة أيضًا على بطلان قول
الفلاسفة الذين يقولون: إنّ الإنسان شيء لا ينقسم، وأنّه ليس بجسم
. 
أمّا قوله  ):  فتبارك الله ( أي: فتعالى الله ؛ فإنّ البركة يرجع معناها إلى الامتداد
والزيادة، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى : والبركات
والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل: أصله من البروك وهو الثبات، فكأنّه قال
: والبقاء والدوام والبركات كلها
منه فهو المستحق للتعظيم والثناء، وقوله
):  أحسن الخالقين  (أي: أحسن المقدرين تقديرًا ، فترك ذكر المميز لدلالة )الخالقين )عليه .
لقد أُلقِيَت هذه الآيات العظيمة في مؤتمر الإعجاز الطبي السابع للقرآن
الكريم عام 1982 ، وما إن سمع العالم التايلاندي(تاجاس)المتخصص في علم الأجنة تلك
الآيات حتى أعلن على الفور وبدون تردد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما حضر
المؤتمر البروفيسور الشهير(كيث مور)أستاذ علم الأجنة في الجامعات الأميركية و
الكندية  الذي
قال (من المستحيل أن
يكون نبيكم قد عرف كل هذه التفصيلات الدقيقة عن أطوار تخلق و تصور الجنين من نفسه
ولا بد أنّه كان على اتصال مع عالم كبير أطلعه على هذه العلوم المختلفة ألا وهو
الله) وقد أعلن إسلامه في المؤتمر الذي عقد عام 1983وسطّر معجزات القرآن باللغة
العربية في كتابه الجامعي الشهي
ر The Developing human الذي يُدرّس لطلاب الطب في كليات
أمريكا و كندا.
  علم  خلق
الكون
آيات كثيرة ، منها:
-(وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً)
خلق الله سبحانه السماوات والأرض وما بينهما في
ستة أيام، كما أخبر وهو الصادق جل وعلا أنّه خلقها في ستة أيام، وهو قادر على أن
يخلقها في لمحة بصر، كما قال عز وجل:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون)، ولكن خلقها في ستة أيام ليعلم
عباده عدم العجلة وأن يتدبروا الأمور ويتعقلوها، فربهم الذي يعلم كل شيء وهو
القادر على كل شيء لم يعجل في خلق السماوات ولا في خلق الأرض بل جعلها في ستة
أيام.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ
بَدَأَ الْخَلْقَ. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ. إِنَّ اللَّهَ
عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[8]
 فهذه الآية تحدد
لنا منهجًا علميًا لمعرفة كيفية بدء الخلق، فهناك دلائل وإشارات على بدء الخلق لا
تتأتى المعرفة بها إلّا بالسير في الأرض والبحث والتنقيب فيها، باستخدام الإنسان
ما يتيسر له من وسائل وأدوات، ليعرف كيف بدأ الخلق على الأرض، عن طريق الشواهد
المحفوظة في الأرض من صخور وحفريات، والتي تؤكد كلها على أنه من خلق قادر على
الإعادة، فالذي أبدع في النشأة الأولى، ووفّر هذه الظروف وهيّأها لحياة الإنسان
قادر على إعادة تلك النشأة.
-(ثٌمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاْءِ وَهِيَ دُخَاْنٌ)[9]
ينبغي التوقف عند هذه الآية لأنّها عندما أُلقِيَت  في المؤتمر العلمي للإعجاز القرآني الذي عقد في
القاهرة،   سمعها البروفيسور الياباني(
يوشيدي كوزاي) نهض مندهشاً قائلًا:” لم يصل العلم و العلماء إلى هذه الحقيقة
المذهلة إلاّ منذ عهد قريب بعد أن التَقَطِت كاميرات الأقمار الاصطناعية القوية
صورًا وأفلامًا حية تظهر نجمًا وهو يتكون من كتلة كبيرة من الدخان الكثيف
القاتم”، ثم أردف قائلاً: “إنّ معلوماتنا السابقة قبل هذه الأفلام
والصور الحية كانت مبنية على نظريات خاطئة مفادها أنّ السماء كانت ضباباً)وقال
بهذا نكون قد أضفنا إلى معجزات القرآن معجزة جديدة مذهلة أكدت أنّ الذي أخبر عنها
هو الله الذي خلق الكون قبل مليارات السنين”
( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ
السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)[10]
فلقد بلغ ذهول العلماء  ذروته في
مؤتمر الشباب الإسلامي الذي عقد في الرياض 1979م عندما سمعوا هذه الآية .وقالوا:
حقاً لقد كان الكون في بدايته عبارة عن سحابة سديمية دخانية غازية هائلة متلاصقة
ثم تحولت بالتدريج إلى ملايين الملايين من النجوم التي تملأ السماء . عندها صرح
البروفيسور الأمريكي (بالمر قائلاً إنّ ما قيل لا يمكن بحال من الأحوال أن ينسب
إلى شخص مات قبل 1400 سنة لأنّه لم يكن لديه تليسكوبات ولا سفن فضائية تساعد على
اكتشاف هذه الحقائق فلا بد أنّ الذي أخبر محمداً هو الله) وقد أعلن
البروفيسور(بالمر) إسلامه في نهاية المؤتمر.
هذه الحقيقة
العلمية فهمها واستوعبها علماؤنا الأوائل من القرآن الكريم قبل علماء العلم الحديث
بأكثر من خمسة عشر قرنًا، فهاهو الإمام فخر الدين الرازي العالم بالطب والفيزياء
والكيمياء يفسر هذه الآية بقوله:
أعلى النموذج
ستة أنواع من الدلائل :
النوع الأول : قوله) :  أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا
ففتقناهما) 
 
وفيه مسائل :
لمسألة الأولى
: قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو ، وإدخال الواو يدل
على العطف لهذا القول على أمر تقدمه . قال صاحب 
الكشاف ” : قرئ رتقا بفتح
التاء ، وكلاهما في معنى المفعول كالخلف والنقض 
ص: 140 ] أي كانتا مرتوقتين ، فإن قلت الرتق
صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنّه مصدر فما بال الرتق ؟ قلت : هو على تقدير موصوف
أي كانتا شيئا رتقًا.
 المسألة الثانية : لقائل أن يقول : المراد من
الرؤية في قوله تعالى
: ( أولم ير الذين كفروا  إما الرؤية ، وإما العلم ، والأول مشكل ،
أمّا أولًا: فلأنّ القوم ما رأوهما كذلك البتة ، وأمّا ثانيًا فلقوله سبحانه
وتعالى
) :  ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) 
[الكهف : 51] ، وأما العلم فمشكل ؛ لأنّ الأجسام قابلة للفتق
والرتق في أنفسها ، فالحكم عليها بالرتق أولًا وبالفتق ثانيًا لا سبيل إليه إلا
السمع ، والمناظرة مع الكفار الذين ينكرون الرسالة ، فكيف يجوز التمسك بمثل هذا
الاستدلال ؟ والجواب : المراد من الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من
وجوه : أحدها : أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر المعجزات ثم
نستدل بقوله : ثم نجعله دليلًا على حصول النظام في العالم وانتفاء الفساد عنه
وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد . وثانيًا : أن يحمل الرتق والفتق على
إمكان الرتق والفتق ، والعقل يدل عليه لأنّ الأجسام يصح عليها الاجتماع
والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصًا .
وثالثها : أنّ اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فإنّه جاء في
التوراة أنّ الله تعالى خلق جوهرة ، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ،
ثم خلق السماوات والأرض منها وفتق بينها ، وكان بين عبدة الأوثان
وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى
الله عليه وسلم فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنّهم يقبلون
قول اليهود في ذلك
.
المسألة الثالثة : إنّما قال كانتا
رتقًا ولم يقل كن رتقًا لأنّ السماوات لفظ الجمع ، والمراد به الواحد الدال على
الجنس ، قال الأخفش 
السماوات
نوع والأرض نوع ، ومثله
) :  إنّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا (
[
فاطر : 41] ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين ، ومرت بنا غنمان أسودان ، لأنّ هذا القطيع
غنم وذلك غنم
.

المسألة
الرابعة : الرتق في اللغة السد ، يقال : رتقت الشيء فارتتق ، والفتق الفصل بين
الشيئين الملتصقين . قال الزجاج 
الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق
، قال المفضل 
إنّما
لم يقل كانتا رتقين كقوله(
  وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام 
(
[الأنبياء: 8]لأنّ كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه كل واحد رتق .
المسألة
الخامسة : اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال : أحدها : وهو
قول الحسن وقتادة 
وسعيد
بن جبير 
، ورواية عكرمة عنابن
عباس 
رضي الله عنهم أنّ المعنى كانتا شيئًا
واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض ، وهذا
القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء،  لأنّه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي
وأصعد الأجزاء السماوية ، قال كعب 
خلق الله السماوات والأرض ملتصقتين
ثم خلق ريحًا توسطتهما ففتقهما بها . وثانيها : وهو قول أبي صالح 
ومجاهد أنّ المعنى كانت السماوات مرتفعة فجعلت سبع سماوات وكذلك الأرضون .
وثالثها : وهو قول 
ابن
عباس 
والحسن وأكثر المفسرين أنّ السماوات
والأرض كانتا رتقًا بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر
والأرض بالنبات والشجر ، ونظيره قوله تعالى
) :  والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع)[11]
 
ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك) :  وجعلنا من الماء كل شيء حي)  وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما
تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا . فإن قيل : هذا الوجه مرجوح
لأنّ المطر لا ينزل من السماوات بل
 من
سماء واحدة وهي سماء الدنيا ، قلنا : إنّما أطلق عليه لفظ الجمع لأنّ كل قطعة
منها سماء ، كما يقال : ثوب أخلاق وبرمة أعشار . واعلم أنّ على هذا التأويل يجوز
حمل الرؤية على الإبصار . ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني 
يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد
والإظهار كقوله
  ):  فاطر السماوات والأرض) [12] وكقوله) :  قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن) [13]
 فأخبر عن الإيجاد بلفظ
الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق . أقول : وتحقيقه أنّ العدم نفي
محض ، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة ، بل كأنّه أمر واحد متصل متشابه ،
فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض
، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازًا عن العدم والفتق عن الوجود . وخامسها : أنّ
الليل سابق على النهار ، لقوله تعالى
) :  وآية لهم الليل نسلخ منه النهار 
[14]
(
وكانت السماوات والأرض مظلمة أولا ففتقهما الله تعالى بإظهار
النهار المبصر ، فإن قيل : فأي الأقاويل أليق بالظاهر ؟ قلنا : الظاهر يقتضي أنّ
السماء على ما هي عليه ، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقًا ، ولا يجوز كونهما
كذلك إلا وهما موجودان ، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب
أن يكون هو الملازمة ، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحًا ،
ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني ، وهو أنّ كل واحد منهما كان
رتقًا ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعًا ، ويتلوه الثالث وهو أنّهما كانا
صلبين من غير فطور وفرج ، ففتقهما لينزل المطر من السماء ، ويظهر النبات على
الأرض
.

المسألة السادسة : دلالة هذه الوجوه
على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة ، لأنّ أحدًا لا يقدر على مثل ذلك ،
والأقرب أنّه سبحانه خلقهما رتقًا لما فيه من المصلحة للملائكة ، ثم لما أسكن
الله الأرض أهلها جعلهما فتقًا لما فيه من منافع العباد
 -(وَالشَّمْسُ تَجْرِيْ
لِمُسْتَقَرٍّ لَهَاْ ذَلِكَ تَقْدِيْرٌ
الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ
)
[15]
     
وقد أثبت العلم الحديث
أنّ الشمس تسير بسرعة 43200 ميل في الساعة، وبما أنّ المسافة بيننا  بين الشمس 92مليون ميل، فإّننا نراها ثابتة لا
تتحرك وقد دهش بروفيسور أمريكي لدى سماعه تلك الآية القرآنية ، وقال إنّي لأجد
صعوبة بالغة في تصور ذلك العلم القرآني الذي توصل إلى
مثل هذه الحقائق

العلمية التي لم نتمكن منها إلا منذ عهد قريب .
       (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَاْرَ فَإِذَاْ
هُمْ مُظْلِمُوْنَ) [16]
       (و لَقَدْ زَيَّنَّاْ
السَّمَاْءَ الدُّنْيَاْ بِمَصَاْبِيْحَ)[17]
     
حسبما تشير إليه الآيتان
الكريمتان فإنّ الكون غارق في الظلام الداكن وإن
كنا في وضح النهار على سطح الأرض، ولقد شاهد العلماء
الأرض وباقي
الكواكب التابعة
للمجموعة الشمسية مضاءة في وضح النهار بينما السموات من
حولها غارقة في الظلام فمن كان يدري أيام محمد صلى الله
عليه و سلم أنّ
الظلام هو الحالة
المهيمنة على الكون؟ وأنّ هذه المجرات والنجوم ليست إلا مصابيح صغيرة واهنة لا
تكاد تبدد ظلام الكون الدامس المحيط بها فبدت
كالزينة والمصابيح لا أكثر؟ وعندما قُرِأَت هذه الآيات
على مسمع أحد العلماء الامريكيين بهت وازداد إعجابه إعجابًا ودهشته دهشة بجلال
وعظمة هذا القرآن، وقال فيه لا يمكن أن يكون هذا القرآن إلا كلام مصمم هذا
الكون، العليم بأسراره ودقائقه)
      (وَجَعَلْنَاْ السَّمَاْءَ سَقْفًا مَحْفُوْظًا) [18]
وقد أثبت العلم الحديث وجود الغلاف الجوي المحيط بالأرض
والذي يحميها من الأشعة الشمسية الضارة والنيازك المدمرة فعندما تلامس هذه
النيازك، لغلاف الجوي للأرض فإنّها تستعر بفعل احتكاكها به فتبدو لنا ليلاً على
شكل
كتل صغيرة مضيئة تهبط من
السماء بسرعة كبيرة قدرت بحوالي 150 ميل في
الثانية ثم تنطفئ بسرعة وتختفي، وهذا ما نسميه بالشهب،
فمن أخبر محمداً

صلى الله عليه و سلم بأن السماء كالسقف تحفظ الأرض من النيازك والأشعة الشمسية الضارة؟ أليس هذا من الأدلة القطعية على أنّ هذا
القرآن من عند
خالق هذا الكون العظيم؟؟
 -(وَتَرَى الْجِبَاْلَ
تَحْسَبُهَاْ جَاْمِدَةً وَهِيَ تَمُرُّمرَّ السَّحَاْبِ صُنْعَ اللهِ الَّذِيْ
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)[19]
كلنا يعلم أنّ الجبال ثابتات في مكانها ولكننا لو
ارتفعنا عن الأرض بعيداً عن جاذبيتها وغلافها الجوي فإّننا سنرى الأرض تدور بسرعة
هائلة(100ميل في الساعة)وعندها سنرى الجبال وكأنّها تسير سير السحاب أي أنّ حركتها
ليست ذاتية بل مرتبطة بحركة الأرض تماماً كالسحاب الذي لا يتحرك بنفسه بل تدفعه
الرياح، وهذا دليل على حركة الأرض، فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا؟
خلق السماء
-(وَالسَّمَاْءَ بَنَيْنَاْهَاْ بِأَيْدٍ وَ إِنَّا
لَمُوْسِعُوْنَ)[الذاريات: 47]
     فقد أثبت العلم الحديث أنّ السماء تزداد سعة
باستمرار فمن أخبر محمداً صلى

الله عليه  وسلم بهذه الحقيقة في
تلك العصور المتخلفة؟ هل كان يملك

تليسكوبات وأقماراً اصطناعية؟!! أم أنّه وحي من عند الله خالق هذا الكون
العظيم؟؟؟
 -(وَالْجِبَاْلَ أَوْتَاْدَاً)[النبأ:7]
-(وَأَلْقى
فِيْ الأَرْضِ رَوَاْسِيَ أَنْ تَمِيْدَ بِكُمْ)[لقمان:10]
بما أنّ قشرة الأرض وما عليها من جبال وهضاب وصحاري تقوم
فوق الأعماق السائلة والرخوة المتحركة المعروفة باسم(طبقة السيما)فإنّ القشرة
الأرضية وما عليها ستميد وتتحرك باستمرار وسينجم عن حركتها تشققات وزلازل هائلة
تدمر كل شيء .. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.. فما السبب؟
   لقد تبين منذ
عهد قريب أن ثلثي أي جبل مغروس في أعماق الأرض، وفي(طبقة السيما)ثلثه فقط بارز فوق
سطح الأرض؛ لذا فقد شبّه الله تعالى الجبال بالأوتاد التي تمسك الخيمة بالأرض كما
في الآية السابقة، وقد أُلقِيَت هذه الآيات في مؤتمر الشباب الإسلامي الذي عقد في
الرياض عام 1979 ،وذهل البروفيسور الأمريكي(بالمر)والعالم الجيولوجي
الياباني(سياردو)وقالا ليس من المعقول بشكل من الأشكال أن يكون هذا كلام بشر وخاصة
أنّه قيل قبل 1400 سنة لأننا لم نتوصل إلى هذه الحقائق العلمية إلا بعد دراسات
مستفيضة مستعينين بتكنولوجيا القرن العشرين التي لم تكن موجودة في عصر ساد فيه
الجهل والتخلف كافة أنحاء الأرض)كما حضر النقاش العالم (فرانك بريس) مستشار الرئيس
الأمريكي(كارتر)والمتخصص في علوم الجيولوجيا والبحار. وقال مندهشاً:”لا يمكن
لمحمد أن يلم بهذه المعلومات، ولا بد أن الذي لقنه إياها هو خالق هذا الكون،
العليم بأسراره وقوانينه وتصميماته”
      (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَاْنِ*بَيْنَهُمَاْ بَرْزَخٌ لاْ
يبغِيَاْنِ)[الرحمن: 19-20]
      لقد تبين من خلال الدراسات الحديثة أنّ لكل بحر صفاته الخاصة به والتي
تميزه عن غيره من البحار كشدة الملوحة والوزن الن وعي للماء حتى لونه الذي يتغير
من مكان إلى آخر بسبب التفاوت في درجة الحرارة والعمق وعوامل أخرى، والأغرب من هذا
اكتشاف الخط الأبيض الدقيق الذي يرتسم نتيجة التقاء مياه بحرين ببعضهما، وهذا
تماماً ما ذكر في الآيتين السابقتين، وعندما نوقش هذا النص القرآني مع عالم البحار
الأمريكي البروفيسور(هيل)وكذلك العالم الجيولوجي الألماني(شرايدر)أجابا
قائلين:”إنّ هذا العلم إلهي مئة بالمئة، وبه إعجاز بيّن، وأنّه من المستحيل
على إنسان أمي بسيط كمحمد أن يلم بهذا العلم في عصور ساد فيها التخلف والجهل.
      (أَوْ كَظُلُمَاْتٍ فِيْ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاْهُ مَوْجٌ مِنْفَوْقِهِ
مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَاْبٌ ظُلُمَاْتٌ بَعْضُهَاْ فَوْقَ بَعْضٍ إِذَاْ
أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكُدْ رَاْهَاْ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوْرَاً
فَمَاْلَهُ مِنْ نُّوْرٍ)[النور: 40]
     
لم يكن بإمكان الإنسان
القديم أن يغوص أكثر من 15 متر لأنّه كان عاجزاً عن البقاء بدون تنفس أكثر من
دقيقتين، ولأنّ عروق جسمه ستنفجر من ضغط الماء. وبعد أن توفرت الغواصات في القرن
العشرين تبين للعلماء أن قيعان البحار شديدة الظلمة كما اكتشفوا أن لكل بحر لجي
طبقتين من المياه، الأولى عميقة وهي شديدة الظلمة ويغطيها موج شديد متحرك، وطبقة
أخرى سطحية وهي مظلمة أيضًا وتغطيها الأمواج التي نراها على سطح البحر، وقد دهش
العالم الأمريكي(هيل)من عظمة هذا القرآن وزادت دهشته عندما نوقش معه الإعجاز
الموجود في الشطر الثاني من الآية(سَحَاْبٌ ظُلُمَاْتٌ بَعْضُهَاْ فَوْقَ بَعْضٍ
إِذَاْ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكُدْ يَرَاْهَاْ)وقال إنّ مثل هذا السحاب لم تشهده
الجزيرة العربية المشرقة أبداً وهذه الحالة الجوية لا تحدث إلا في شمال أمريكا
وروسيا والدول الاسكندنافية القريبة من القطب والتي لم تكن مكتشفة أيام محمد(صلى
الله عليه و سلم)، ولا بد أن يكون هذا القرآن كلام الله)
-(أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللهَ يُزْجِيْ سَحَاْبَاً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاْمَاً
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاْلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاْءِ مِنْ
جِبَاْلٍ فِيْهَاْ مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيْبُ بِهِ مَنْ يَشَاْءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ
مَنْ يَشَاْءُ يَكَاْدُ سَنَاْ بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأَبْصَاْرِ)[النور: 43]
  يقول العلماء: يبدأ تكون السحب الركامية بعدة
خلايا قليلة كنتف القطن تدفعها الرياح لتدمج بعضها في بعض مشكلة سحابة عملاقة
كالجبل يصل ارتفاعها إلى 45ألف قدم، وتكون قمة السحابة شديدة البرودة بالنسبة إلى
قاعدتها، وبسبب هذا الاختلاف في درجات الحرارة تنشأ دوامات تؤدي إلى تشكل حبات
البرد في ذروة السحابة الجبلية الشكل كما تؤدي إلى حدوث تفريغات كهربائية تطلق
شرارات باهرة الضوء تصيب الطيارين في صفحة السماء بما يسمى(بالعمى المؤقت)وهذا ما
وصفته الآية تماماً. فهل لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بهذه المعلومات الدقيقة
من عنده؟
-(غُلِبَتِ
الرُّوْمُ*فِيْ أَدْنَى الأَرْضِ)[20]
أدنى الأرض: البقعة
الأكثر انخفاضاً على سطح الأرض، وقد غُلِبَت الروم في فلسطين قرب البحر الميت,
ولما نوقشت هذه الآية مع العالم الجيولوجي الشهير(بالمر)في المؤتمر العلمي الدولي
الذي أقيم في الرياض عام 1979 أنكر هذا الأمر فوراً و أعلن للملأ أنّ هناك أماكن
عديدة على سطح الأرض أكثر انخفاضاً فسأله العلماء أن يتأكد من معلوماته، ومن
مراجعة مخططاته الجغرافية فوجئ العالم (بالمر)بخريطة من خرائطه تبين تضاريس
فلسطين، وقد رسم عليها سهم غليظ يشير إلى منطقة البحر الميت، وقد كتب عند قمته
(أخفض منطقة على سطح الأرض) فدهش البروفيسور وأعلن إعجابه وتقديره، وأكد أن هذا
القرآن لا بد أن يكون كلام الله.
في علم الجغرافيا
بيان كروية الأرض ودورانها( وَالْأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ )[21]
يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسير هذه
الآية : ”
حين نسمع كلمة الأرض
فنحن نتعرف على المقصود منها، ذلك أنه ليس مع العين أَيْن. والمّدُّ هو الامتداد
الطبيعي لِمَا نسير عليه من أيِّ مكان في الأرض
.
وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها
الحق سبحانه؛ فلو كانت الأرض مُربعة؛ أو مستطيلة؛ أو مُثلثة؛ لوجدنا لها نهاية
وحَافّة، لكِنّا حين نسير في الأرض نجدها مُمْتدة، ولذلك فهي لابُد وأن تكون
مُدوَّرة
.
وهم يستدلون في العلم التجريبي
على أن الأرض كُروية بأن الإنسان إذا ما سار في خط مستقيم؛ فلسوف يعود إلى النقطة
التي بدأ منها، ذلك أن مُنْحنى الأرض مصنوعٌ بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدارَ
الانحناء فيه ويبدو مستقيمًا.

وحين يقول الحق سبحانه: (
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ… ) [الحجر: 19]

يعني أشياء تثبتها. ولقائل أنْ
يتساءل: مادامت الأرض مخلوقةً على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟

وهم يستدلون في العلم التجريبي
على أن الأرض كُروية بأن الإنسان إذا ما سار في خط مستقيم؛ فلسوف يعود إلى النقطة
التي بدأ منها، ذلك أن مُنْحنى الأرض مصنوعٌ بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدارَ
الانحناء فيه ويبدو مستقيماً
.

وحين يقول الحق سبحانه: {
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ… } [الحجر: 19]

يعني أشياء تثبتها. والقائل أنْ
يتساءل: مادامت الأرض مخلوقةً على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟

وهناك آية أخرى يقول فيها الحق
سبحانه
:
)  
وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ
تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَاب)
[22]
[
النمل: 88]

ونفهم من هذا القول الكريم أن
حركة الجبال ليست ذاتيةً بل تابعة لحركة الأرض؛ كما يتحرك الحساب تبعاً لحركة
الرياح
.

وشاء سبحانه أن يجعل الجبال
رواسي مُثِّبتات للأرض كي لا تميدَ بنا؛ فلا تميل يَمْنة أو يَسْرة أثناء حركتها
. وبعد: فهذا قليل من كثير ممّا
حواه  القرآن الكريم من علوم في الأحياء
والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والجغرافيا وعلوم البحار.

 ومن هنا يأتي سر نبوغ
علماء الإسلام في مختلف العلوم ،
فيمكن القول
إجمالًا إنّ الحضارة العربية الإسلامية كانت واسطة العقد بين العلوم والثقافات
القديمة وبين النهضة الأوروبية ، فالفكر العربي الإسلامي، والثقافة العربية
الإسلامية، سلسلة متّصلة الحلقات، امتدّت من الحضارات القديمة، من مصرية، وآشورية،
وبابلية، وصينية، إلى حضارة الأغريق والاسكندرية، إلى العصر الإسلامي الذي تأثّر
علماؤه بمن تقدّمهم، وأضافوا إليها ممّا تعلموّه وتبحرّوا فيه مع اتباعهم للمنهج
العلمي الذي بيّنه القرآن الكريم ، ودعا إليه
، وما حواه من
علوم،
فبينما كانت أوروبا ترتع في غياهب
العصور الوسطى ، كانت الحضارة الإسلامية (التي هي محضن الثقافة العربية الإسلامية)
في أوج ازدهارها، لقد أسهم الإسلام كثيرًا في تقدّم العلم والطب والفلسفة. وقال (
ويل ديورانت
Will Durant)
في كتابه “عصر الإيمان” (
The Age of Faith) : “إنّ المسلمين قد ساهموا مساهمة فعالة في كل المجالات،
وكان ابن سينا من أكبر العلماء في الطب، والرازي أعظم الأطباء، والبيروني أعظم
الجغرافيين، وابن الهيثم أكبر علماء البصريات، وابن جبير أشهر الكيميائيين”.
وكان العرب روادًا في التربية والتعليم. وقال ديورانت في هذا الشأن أيضًا :
“عندما تقدّم (روجر بيكو
Reger Bacon) بنظريته في أوروبا بعد 500 عام من ابن جبير، قال إنه مَدينٌ
بعلمه إلى المغاربة في أسبانبا الذين أخذوا علمهم من المسلمين في الشرق. وعندما
ظهر النوابغ والعلماء في عصر النهضة الأوروبية، فإنّ نبوغهم وتقدّمهم كانا راجعين
إلى أنّهم وقفوا على أكتاف العمالقة من العالم الإسلامي”.
التفسير الإسلامي للتاريخ
 التفسير الإسلامي للتاريخ
يقوم على التصور الإسلامي للخالق جلَّ شأنه ، وللإنسان ،وللكون ، وللحياة، وللزمان
والأحداث. ونظرته للزمان هو ماض وحاضر ومستقبل . والزمان الماضي  في نظر الإسلام غير ضائع وسوف يحاسب عليه
الإنسان يقول تعالى : {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة
كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا} [23]ومن
هنا ارتبط مفهوم الماضي عند المسلمين بالإيمان و بالمسؤولية التي ألقاها على كاهل
الإنسان بعد أن زوده بالإحساس والإدراك بشريعته السماوية على أيدي رسله ، كما أنّ
الزمن الماضي بالنسبة للمسلم مصدر العبرة والعظة والدروس المستفادة من تواريخ
الأولين .
أمَّا الزمن الحاضر فهو مرحلة يتحرك فيه نحو المستقبل على هدى من أحداث
الماضي ، وهي مرحلة العمل وتعمير الأرض تحقيقاً لأمانة الاستخلاف المنوطة بالإنسان
. وفي هذه المرحلة تتحدد خطى المستقبل ويعظم الثواب والجزاء . أمَّا الزمان
المستقبل في مفهوم السلم هو يوم القيامة الذي تتحدد فيه المصائر وتكتسب من خلاله
أعمال البشر سمة الخلود، ويكون هذا دافعًا للأفراد والشعوب على العمل على إرضاء
الله ومراقبته في أعمالهم وأقوالهم للفوز بالجنة فيعيش الإنسان في أمان واستقرار
وسعادة .
والأحداث في مفهوم الإسلام هي من صنع الإنسان وفق مشيئة الله جلَّ
شأنه (سُنّةَ اللهِ في الّذين خَلَوْا منْ قبْلُ وَلنْ تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ
تَبْدِيلاً ) [24]
    وقد عبَّر القرآن الكريم
عن حركة التاريخ “بالسنن” ، وهكذا نجد أنّ المفهوم الإسلامي للزمان
والأحداث تتمثل فيه نظرة الإسلام للخالق جلَّ شأنه وللإنسان ، وللكون ،وللحياة ، فالله
هو الخالق (وَهُوَ القاهر فوق عباده)[25]
،وهو { فعَّال لما يريد}[26]
،كل ما في الكون يسير وفق مشيئته وإرادته (لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
)[27]الإنسان
خلق لعبادة الله ،ولعمارة الأرض ، وأنّه مسؤول عن عمله يحاسب عليه ، وأنّ عليه أن
يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ، وأنّ الدار الآخرة خير وأبقى ، وأنّ كل ما في الكون
مسخر للإنسان لتحقيق الغاية العليا من خلقه وهي عبادة الله (وما خلقت الجن والإنس
إلاَّ ليعبدون) وهذا خلاف لمزاعم القائلين بأنّ اكتشاف القوانين العلمية يغني عن
الإيمان بالله ، وكذلك ما يزعم “ماركس ” وغيره من الماديين من أنّ
المادة هي أصل الوجود ، وكل ما عداها انعكاس لها ، ومن ثمَّ الإيمان بحتمية
التاريخ ، وهي أنَّ كل خطوة تؤدي حتمِا إلى الخطوة الموالية بطريقة حتمية ، وبالتالي
فإنَّ المجتمع يتبع عجلة التاريخ ، ولكن لا يوجهها.
خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ
أهم خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ   ألخصها في الآتي:
1- أنّه
يفرد للبعد الغيبي -ماض وحاضر ومستقبل -مساحات واسعة يجعله أحد شروط الإيمان .
2-  ليست الأحداث التاريخية في القصص القرآني
متسلسلة الحلقات في السرد ، وذلك لأنّ التاريخ فيه لم يقصد لذاته، وإنّما لاستخلاص
العبرة منه .
3- الربط بين الدين وأحداث التاريخ في الأفراد والمجتمعات، ويتضح هذا
من قصص فرعون، وأقوام نوح ولوط وعاد وثمود ،وبني إسرائيل وغيرهم ، وبيان ما حل
بهذه الأقوام من عذاب في الدنيا لعدم إيمانهم بالله وتكذيبهم لرسله وأنبيائه.
4- ربط المعاملات بالعقيدة وتدخل الدين في الاقتصاد ، وتوضح هذا قصة
أصحاب الأيكة.
5– التاريخ في القرآن الكريم وحد زمنية تتهاوى فيها الجدران التي
تفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
6-لا منافاة بين البحث عن السنن أو القوانين وبين الاعتقاد بخالقها.
7- عدم
قبول الخبر إلاَّ بعد التثبت من صحته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )[28]
8- جعل
القرآن الكريم مصدرًا أساسيًا للتتبع حركة التاريخ منذ أن خلق الله الكون إلى أن
تقوم الساعة. [29]
العسكرية الإسلامية
 هذا ما سأبحثه
في الحلقة القادمة إن شاء الله
Suhaila_hammad@hotmail.com


[1] . المائدة : 3.
[2] – البقرة : 111.
[3] – الأنعام 148.
[4] – الإسراء : 36.
[5] . د. سهيلة زين العابدين حمّاد: مغالطات
الدكتورة سيدة كاشف في كتابها مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه  والرد عليها، الجزء (15) من سلسلة الفكر العربي
تحت مجهر التصور الإسلامي، الجانب التطبيقي ، معد للنشر.
[6] . التين: 4.
[7] . إمام
مفسر فقيه اصولي ، 
عالم
موسوعي
 امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم
الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب،
الفلك
.
توفي .سنة 606 هجرية
[8] . العنكبوت : 20.
[9] . فصلت : 11.
[10] . الأنبياء : 14.
[11]. الطارق: 11-12.
[12] . الأنعام : 14.
[13] . الأنبياء : 56.
[14] . ياسين: 37.
[15] . ياسين: 38.
[16] . ياسين: 37.
[17] . الملك: 5.
[18] . الأنبياء : 32.
[19] . النمل : 88.
[20] . الروم : 2-3.
[21] . الحجر: 19.
[22] . النمل : 88.
[23]
-سورة الإسراء:13.
[24] – الأحزاب : 62.
[25] – الأنعام : 18.
[26] – هود : 107.
[27] – الشورى : 11.
[28] – الحجرات : 6.
[29] . د. سهيلة زين العابدين  حمّاد: السيرة النبوية في كتابات
المستشرقين” دراسة منهجية تطبيقية على المدرسة الإنجليزية ، ج4، موقف مستشرقي
المدرسة الإنجليزية من التشريعات المدنية- رسالة دكتوراة- معد الطبع.
Join the discussion