مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22″ توظيف الدين لخدمة السياسة (1)

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 22″ توظيف الدين لخدمة السياسة (1)

. د. سهيلة زين
العابدين حمّاد

الخميس 30/6/2016

   أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة الرمضاني الذي
يذاع الخامسة والنصف عصرًا في قناة روتانا خليجية بتوقيت مكة المكرمة، وبتوقيت
القاهرة  في روتانا مصرية، ويقدمه الدكتور
أحمد العرفج وضيفه الدائم المفكر الدكتور عدنان إبراهيم.

والذي استوقفني
في هذه الحلقة الآتي:

1.    قول الدكتور عدنان إبراهيم : ” القرآن
بطوله لا تجد فيه إلّا بعض الآيات التي تتعلّق بالسياسة.

2.   
النظام الخلافي في عهد
ساداتنا  وتاج رؤوسنا أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي  لم يكن متطورًا كتطور النظام  في روما الامبراطورية ،وكانوا وثنيين، لأنّ هذا
شأن إنساني، ولا يحتاج إلى توجيهات نصوصية دينية تسيّره.

3.    لو سُئلتُ  من أكثر إحكامًا عدلًا
وتطورًا شورى  المسلمين في الخلافة الراشدة
الراشدين أم الديمقراطية الحالية
؟ لقلت الديمقراطية الحالية… شورى الراشدين تؤبد
الخليفة، وأنا غير متعاطف مع هذا … هم ( يقصد غير المسلمين) الذين أوجدوا
الديمقراطية وقعّدوا ونظّروا لها ، ووضعوا أحكامها.

4.    عدم توقف
الدكتور عدنان عند الحديث الذي استشهد به الشيخ محمد العريفي بعودة دولة الخلافة
على منهج النبوة ، وهو الحديث الذي يحتج به دعاة 
” إعادة دولة الخلافة” 
ليُبيّن مدى صحته .

5.    القرآن في القضايا الاقتصادية مقل ،آيات  الربا، وآيات الديْن لا يمكن زن تشكل أساسًا
للشأن الاقتصادي.

  هذه أهم النقاط التي استوقفتني، واستأذن المفكر
الدكتور عدنان إبراهيم في مراجعتي له عليها، وآمل أن يتسع صدره لذلك.

وسأبدأ بقوله ” القرآن بطوله لا تجد فيه إلّا بعض
الآيات التي تتعلّق بالسياسة”

وهنا أقول : ليس العبرة بالكثرة ، وإنّما العبرة بدلالات
تلك الآيات ، وما تضعه من قواعد وأسس للحكم ، ومن أسس الحكم لأية دولة :

1.    الشورى

    
وهي  من الدعائم الأساسية التي
يرتكز عليها نظام الحكم ، فأوجبها على أولي الأمر ، وذلك في الوحييْن المكي  المدني. ففي القرآن سورة سميت باسم سورة الشورى،
وهي سورة مكية ، وفيها يقول تعالى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ )[1]
 لقد
قرن الله نظام الشورى بالصلاة والصدقة ليدل على أنّ الشورى بين ولاة الأمر من أسس
الإسلام، وأنّ الاستبداد ليس من شأن المؤمنين
[2] ،
وفي الوحي المدني ركز جل شأنه على مبدأ الشورى وألزم رسوله الكريم بالالتزام به،
وفي هذه إشارة إلى أنّه مهما بلغ قدر الحاكم
وعلمه ومكانته، فهو ملزم بالشورى مادام نبي الله قد ألزم بالشورى ،و هو يوحى إليه ، فيقول تعالى مخاطباً رسوله  (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)[3]

   كما نجده أشاد بملكة سبأ لأنّها كانت حاكمة
شورية  في هذه الآيات التي تتحدّث عن الشأن
السياسي لدولة سبأ: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ
كِتَابٌ كَرِيمٌ ..إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ .الاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى
تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ
وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ . قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ
إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ )[4]

    وقد ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
دائم التشاور مع أصحابه، ويكره الاستبداد بالرأي،
وكثيراً
ما نزل عند حكمهم، وإن كان رأيه في بادئ الأمر يخالف ما ذهبوا إليه، والشواهد
العلمية كثيرة منها: استشارته صلى الله عليه وسلم لهم في شأن اختيار المكان الذي
ينزل فيه المسلمون يوم بدر، وأخذ برأي الحباب بن المنذر، واستشارته فيما يعمل بشأن
الأسرى في المعركة ذاتها فوافق على رأي أبي بكر رضي الله عنه الذي أشار حينئذ بالفداء،
ونزوله على رأي الأكثرية بالخروج يوم أُحد، كما عمل بمشورة سعد بن معاذ وسعد بن
عبادة ؛ إذ أشاروا
يوم الأحزاب بعدم مصالحة رؤساء غطفان، والأمثلة كثيرة لا
حصر
لها[5]  ،وقد سار الخلفاء الراشدون من بعده على مبدأ الشورى والتزموا به .

2.    البيعة

   وهي من الأسس الأولية للحكم التي ركز عليها
الوحي المدني يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ
نَفْسِهِ  وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عظيمًا) [6]
،كما أعطى للمرأة حق البيعة ،وخصها بالبيعة فيقول سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة
وهي سورة مدنية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ
الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا
يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ
بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ
فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
[7]

 
  وهنا نرى أنّ الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً سياسية
قبل جميع الأنظمة السياسية، فالإسلام ساوى بين المرأة والرجل في هذا الحق السياسي
الخطير، والذي يعتبر من أهم ركائز النظام السياسي ، وجاء الخطاب القرآني في آية
البيعة عن النساء للتخصيص ، وللتأكيد على استقلالية بيعة المرأة عن الرجل، وعلى حقها
في المبايعة ، فمادام لها حق أن تُبايِع، فلها حق أن تُبَايَع ، وقد طبق الرسول
صلى الله عليه وسلم هذا الحق السياسي،  وبايعته نساء الأنصار ، فذكر الإمام أحمد بن
يعقود عن أبيه عن أبي إسحاق عن سليط بن أيوب ابن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت
قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلت معه القبلتين، وكانت
إحدى نساء بني عدي بن النجار قال جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم نبايعه في نسوة
من الأنصار، فلما شرط علينا ألاّ نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل
أولادنا، ولا تأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال
“ولات غششن أزواجكم، قالت: بايعناه ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن :”ارجعي
فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غش أزواجنا؟ قال
فسألته فقال :  تأخذ ماله فتحابي غيره  .[8]

     
وهذه البيعة تسمى البيعة العامة،  فإذا كان الاختيار يعد بيعة صغرى أو بيعة أولية،
إلاّ أنّ صحتها لا تستقيم ولا تتم إلا بالبيعة الكبرى التي تمثل إجماع الأمة
وموافقتها على ولي أمرها ليضطلع بشؤون الحكم
.[9]

 والبيعة يقابلها في المفهوم المعاصر ”
الانتخاب”

3.    العدل

  هو هدف وغاية الحكم  في الإسلام، ولقد اهتم الوحي المدني بالعدل من
ذلك قوله تعالى {إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى
أهلها،
وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إنّ الله نعماً يعظكم به، إنّ الله كان
سميعاً بصيراً}
[10]

ويقول تعالى (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
)[11]
،وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن
قوم على ألا تعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون}[12]

  
فهنا
أوجب العدل حتى مع الأعداء وهذه من أعظم فضائل الإسلام . 

الرسول صلى الله عليه وسلم والعدل

والأمثلة على عدله عليه الصلاة والسلام كثيرة منها
:

      
كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر يمشي بين الصفوف لتعديلها، وفي يده قدح،
فمر برجل خارج عن الصف فطعنه في بطنه بالقدح ليعتدل، فقال الرجل وهو سواد بن زمعة
لقد أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فاستخلص لي حقي منك، فقال
له النبي صلى الله عليه وسلم: هذا بطني فاقتص منه: فاعتنقه الرجل، وقبّل بطنه،
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ما الذي دفعك إلى هذا يا سواد؟ فقال: أحببت أن
يكون آخر عهدي بالدنيا هو ملامسة جلدي لجلدك، فدعا له رسول الله
.[13]

     
وعندما سرقت امرأة من بني مخزوم، وكبر على أهلها وهم الشرفاء أن تقطع يدها،
فتوسطوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن
زيد، حب رسول الله؟ فكلمه أسامة فغضب رسول الله وقال أتشفع في حد من حدود الله
تعالى” ،ثم قام فخطب وقال: “إنّما هلك
الذين قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها  [14]،
وفي
رواية لقطعت يدها
.

  
هذا خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّ من أسس دعوته على إقامة
العدالة وصدق الله ؛ إذ قال {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} [15]،وبذلك
كان رسول الله أسوة حسنة
[16]{لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[17]
والعدل في الإسلام لم يقتصر علي الحكم وإنما يمتد ليشمل جميع جوانب الحياة يقول
تعالي {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس
بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله
بالغيب إنّ الله قوي عزيز}[18]

  
فهذه الآية تبين لنا أنّ إقرار العدل بين الناس واجب إلهي محتم للقائمين به
أن يستعينوا عليه باستعمال القوة التي سخر لها دلالاتها الحديد، وأنّ عقيدة
التوحيد مع كثرة ذكرها والدعوة إليها، فإنّه سبحانه وتعالى لم يطالب باستعمال
القوة والحديد بالنسبة للذين جحدوا وحدانية
الله، وأشركوا معه غيره، ولكنه في العدل لوّح باستعمال القوة في وجه الظالمين الذين يستمرئون البغي والعدوان  .[19]

4.المساواة

  (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء
وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[20]
. فالناس كلهم من نفس واحدة كان التمايز الطبيعي لا يزال سائداً في بعد جهات
العالم (
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[21]

ماعدا العالم الإسلامي، فاليهود زعموا أنّهم وحدهم أبناء الله وأحباؤه وفرقوا في
تشريعاتهم بين اليهود وغيرهم، فحرموا الربا بشدة بينهم، وجعلوا تجارتهم الرابحة
الحلال بالنسبة لمن لم يكن منهم ، ولا يزالون يشعرون بهذا التمايز منهم – من وجهة
نظرهم – شعب الله المختار وبعض الأديان تقر نظام الطبقات كالديانة البراهمية التي
تقسم الأمة إلى طوائف أربع، وتجعل أعلى هذه الطبقات البراهمة أو الكهنة، وأدناها
السفلة أو الأنجاس، ومن ظلم هذا النظام أنّه جاء في قوانين مونو

Monou
 أحد
مشرعي هذه الديانة: أنّ البرهمي يجب احترامه بسبب نسبه وأحكامه وحدها الحجة، وإنّ
له حي الحاجة أن يمتلك مال الواحد من السفلة، لأنّ العبد وما ملكت يده لسيده، وكان
محرمًا على هذه الطبقة المنكودة أن يتصل أحدهم بشيء من الدين أو العلم إلا وحل به
عذاب غليظ كصب الرصاص المصهور في أذنيه، وشق لسانه وتقطيع جسده
[22]  ، وفي فرنسا قبل الثورة الفرنسية ذكر في موسوعة
لاروس أنّه في سنة 1798م كان يوجد عدم مساواة في توزيع المناصب العمومية ،وعدم
وجود رقابة عليها، فبذل وزراء لويس السادس عشر جهدهم لإجراء الإصلاحات التي
تتطلبها الأمة،
فلم ينجحوا ضد المقاومة الضعيفة لرجال الدين والنبلاء،  فرأت الأمة أنّه لا
يجدي
في هذا الأمر غير ثورة تضع مكان جماعة قائمة على اعتبار الامتيازات جماعة أخرى يسودها قانون المساواة بين الجميع  .[23]

  
والثورة الفرنسية إن نادت بمبدأ المساواة فهي أخذته من الإسلام، وجميع
حركات الإصلاح الديني التي شهدتها أوروبا كانت من تأثرها بالإسلام؛ إذ عرفت أوروبا
الإسلام عن طريق الأندلس والحروب الصليبية وصقلية
.

   
ولكن النزعة العنصرية لا تزال موجودة في أوروبا وأمريكا، فألمانيا النازية
قبل الحرب العالمية الثانية أسرفت في الدعوة إلى العنصرية فقسمت الجنس البشري
طبقات وجعلت في مقدمتها الجنس الآري المتفوق حسب زعمها، وأمريكا التي تزعم أنّها
دولة ديمقراطية اضطهدت الهنود الحمر السكان الأصليون لأمريكا ونبذتهم وصورتهم
بأنّهم وحوش كاسرة، والسينما الأميركية أسرفت في هذا الوصف، إضافة إلى اضطهادهم
للزنوج فظهرت في هذا القرن جماعة سمت نفسها “أمة الإسلام” ويطلقون عليها
أيضاً “البلاليون” وهذه الجماعة قامت كرد فعل عكسي على التفرقة العنصرية
التي يعاني منها السود في الولايات المتحدة الأميركية بلد الديمقراطية الذين يبلغ
عددهم حوالي
35 مليون
نسمة منهم حوالي مليون مسلم، وهذه الجماعة أكدت على التركيز على تفوق العنصر
الأسود وأصالته. كما أكدت على انتمائهم إلى الأصل الإفريقي والتهجم على البيض
ووصفهم بالشياطين، كما أكدت على الدعوة إلى الحرية والمساواة والعدالة والعمل على
الرقي بأحوال الجماعة
[24] ،إلا
أنّها خرجت عن مفهوم الإسلام للمساواة بإيمانها بتفوق العنصر الأسود لأنّ الإسلام
لم يفرق بين الناس إلا بالتقوى فمقياس الأفضلية الإسلامي هو
التقوى”
وليس العنصر الأسود ، أو الأبيض،
أو الأصفر، أو الأحمر .

   
ونحن إذا نظرنا إلى  ما شرعه
الإسلام من مبدأ المساواة، رأينا أنّه لم يصل إلى أي تشريع سماوي أو وضعي في مبلغ
الحرص على مبدأ المساواة – إلى ما وصل إليه الإسلام- فقد قرر الإسلام: مساواة
الناس أمام القانون، ومساواتهم في الحقوق العامة السياسية وغيرها، فلا فضل لعربي
على عجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا  لغني
على فقير ولا لوجيه على صعلوك، وبذلك قضى الإسلام على نظام الطوائف وأساليب
التفرقة بين الطبقات في الحقوق والواجبات
[25] .ولذلك
حدد الوحي المدني أسس التفاضل بين الناس وجعلها تتلخص في كلمة واحدة هي
“التقوى” يقول تعالى {يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }[26]

  
فالخطاب في هذه الآية موجه للناس أجمعين على
اختلاف
ألوانهم وأجناسهم، وبلادهم إذن جمع أصلهم إلى أصل واحد، أبوهم واحد، وأمهم واحدة،
فمن كان أبوهم واحد وأمهم واحدة فلا داعي أن يدّعي بعضهم السمو والتفوق على الآخر،
وأنهم إن تفرقوا في البلاد واختلفوا في الأجناس واللغات
والألوان فهذه الاختلافات لا تزيل صفة الأخوة عنهم، بل توجب عليهم أن يتعارفوا التعارف أدعى  إلى التآلف والتعاون فيما بينهم على
تذليل عقبات
الحياة وتوفير سُبل العيش الكريمة
.

   
وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على مبدأ المساواة بأقواله وأفعاله
الكثيرة فمن أقواله (الناس سواسية كأسنان المشط) وقوله في حجة الوداع (أيها الناس:
إنّ ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا
لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) رواه الإمام أحمد
[27] ،فهنا
ألغى التفاخر بالأنساب
والتعاظم
بالآباء والأجداد فأبوهم جميعاً واحد، كما ألغى 
التمايز باللون فعندما قال أبو ذر الغفاري لغلامه “يا ابن
السوداء” وسمع رسول الله صلى الله عليه سلم بذلك قال له: (أتعيره بأمه، إنك
أمرؤ
فيك جاهلية، ثم قال له :  طف الصاع، طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح فطأطأ أبو ذر رأسه لغلامه( وقال له   قم فطأ على خدي  ذلك تفكيراً له عن قوله
.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن
يفرق  في الحقوق والمعاملات بين أبيض وأسود
، ولا بين حر ومولى ، فقد ولى “بلالاً” على المدينة، وفيها كبار
الصحابة، وبلال مملوك سابق اشتراه أبو بكر وأعتقه، كما أنّ النبي صلى الله عليه
وسلم ولى  “باذان” الفارسي
على  اليمن، ولما مات ولى
ابنه مكانه
.

   
وقد سار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، ولعل حادثة محمد بن عمرو بن
العاص مع المصري الذي فرسه سبق فرس محمد بن عمرو بن العاص فأخذته العزة وضربه
بالسوط، قائلاً له “خذها وأنا ابن الأكرمين” فشكا المصري وهو من عوام
الناس إلى سيدنا عمر بن الخطاب بن عمرو بن العاص، فاستدعى عمر بن الخطاب رضي الله
عنه عمر بن
العاص وابنه،
ولما حضرا، أمر عمر أن يقوم المصري على مرأى ومسمع من الجميع أن يضرب ابن عمرو
قائلاً له: “دونك المردة، اضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين، أضرب ابن
الأكرمين، قال فضربه حتى أثخنه، ثم قال: اجلها على صلعة عمرو فوالله ما ضربك إلاّ
بفضل سلطانه فقال
: المصري: يا أمير
المؤمنين لقد ضربت من ضربني. فقال: أما والله ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون
أنت الذي تدعه إياه ،عمرو! متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”
ثم التفت إلي المصري فقال: انصرف راشداً فإن رابك
ريب فاكتب لي”[28]

هذه كلها وغيرها كثير
تطبيقات عملية للشورى والعدالة والمساواة لم تلتزم بها حكومات أخرى غير إسلامية،
فمما يميز الدولة الإسلامية أنّها طبقت تعاليم الإسلام فيما وضع من أسس وقوانين
يسير عليها نظام بجميع مؤسسات السياسية والإدارية والمالية والاجتماعية والقضائية
والعسكرية،
ولست أدري كيف يتجاهل المستشرقون كل هذه النماذج العملية، ويزعمون أنّ الحكومة الإسلامية حكومة تيوقراطية أوتوقراطية مستبدة مثلما قال موير ومرجليوث ووات وتوماس أرنولد وبرنارد لويس؟ .

 .5الحرص على
العمران
وعدم الفساد

لقد حرص الوحي المدني على الحث علي
العمران والنهي عن الفساد: والفساد هنا توضحه هذه الآيات الكريمات: {ومن الناس من
يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على 
ما في قلبه وهو ألد الخصام
[29] ،وإذا
تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنّسل والله لا يحب الفساد. وإذا قيل
له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد}[30]
                    

     
وفي رواية عن السدي : أنّها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف
لبني زهر أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر له الإسلام، فأعجب النبي صلى
الله عليه وسلم منه ذلك، وقال: إنّما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق،
وذلك قوله “ويشهد الله على ما في قلبه” ،ثم خرج من عند النبي صلى الله
عليه وسلم ،فمر بزرع لقوم من المسلمين وصحر، فأحرق الزرع وعقر الخمر، فأنزل الله
عز وجل {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها. ويهلك الحرث والنسل} وقال
آخرون نزلت في يوم من أهل النفاق  .[31]

ولقد نهى الله المسلمين إن تولوا الحكم
– إذ علم بسابق علمه أنّ حكم المسلمين سيقوى ويتسع فقال تعالى {فهل عسيتم إن
توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى
أبصارهم}[32]

ومعنى هذه الآية أيها المسلمون إن
ولاكم الله خلافة الأرض هل يتوقع منكم أن تفسدوا فيها وتقطعوا صلات القرابة
الإنسانية بينكم فالذين يقطعون ذلك عليهم لعنة الله وأصمهم وأعمي أبصارهم ففي هذه
الآية معجزة للقرآن، إذ قرنت تقطيع الأرحام
بتولية
الحكم، وهذا ما يقوم به كثير
من ولاة الحكم في الشرق والغرب من استئصال لأقاربهم في الساعات الأولي من توليهم الحكم، بل كما روي لنا التاريخ أن الأخ يحارب أخاه ويقتله ويقتل أباه ليتولى هو الحكم .

هذا والمتتبع لمعارك الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم للفتوحات الإسلامية لن  يجد فيها تدميراً أو تخريبًا للبلاد المفتوحة،
كما رأينا من قبل جيوش الأمم الأخرى كاجتياح الجماعات الجرمانية في أوروبا، والقوط
في الأندلس، والتتار في المشرق الإسلامي وغيرهم ولعل هذا من أهم
أسباب إسلام أهالي البلاد المفتوحة فالإسلام دين بناء وحضارة وليس دين هدم وتخريب وتدمير
.

. 6 
 حرية
الدين والعقيدة

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)[33] فهذا دليل على قوة الدولة،
فهي التي تملك قوة الإكراه.

(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…)[34] (إنّ هذه تذكرة فمن
شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)[35]

(قل الله اعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه…)[36]( لكم دينكم ولي دين)[37] (ولو شاء ربك لآمن من
في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)[38] ( فمن اهتدى فإنّما يهتدي
لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل)[39] (وكذب به قومك وهو الحق قل
لست عليكم بوكيل)[40]

(فذكر إنّما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر) [41](ولو شاء الله ما أشركوا
وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل)[42] (قد جاءكم بصائر من ربكم
فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) [43]

والإسلام يقوم على الإيمان الذي هو شيء كامن في النفس أو القلب ولا
يعلم بها لا الله وصاحب تلك النفس أو ذلك القلب. لذلك أيضًا، من الطبيعي ان يترك
لصاحب الشأن حرية ترك إيمانه في الحياة الدنيا، وهذا شأنه. ولكنه يتحمل آثار ذلك
في الآخرة. وهو ما يؤكده القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك ما يلي:

(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في
الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”)[44](إنّ الذين آمنوا ثم كفروا
ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا)[45] (يا أيُّها الذين آمنوا من
يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) [46]

هذه الآيات الكريمة  وغيرها كثير في حرية العقيدة الدينية. من حيث
الدخول في الإيمان والخروج منه دون إكراه ما دام هذا هو قراره، ولكنّه يتحمل تبعة
ذلك القرار في الآخرة وليس الدنيا. ولو طبقنا ذلك على الإسلام بوجه خاص.

   فالمسلمون
في عهد الخلافة الراشدة ، وما تلاها من عصور منحوا سكّان البلاد المفتوحة الحرية
الدينية، فالامبراطوريتان
 البيزنطية والفارسية، اللتان كانتا تحتلان
البلاد التي فتحها المسلمون  يُعانون من
اضطهاد ديني من قبل الرومان والفرس، والفاتحون المسلمون لم يُكرهوا أهالي البلاد
المفتوحة على اعتناق الإسلام، بل عقدوا معهم معاهدات تمنحهم
حرية العقيدة مع توفير الحماية لأنفسهم وأموالهم
وكنائسهم ومعابدهم
، وفي مقدمة هذه المعاهدات  عهد الأمان الذي منحه عمر بن
الخطّاب رضي الله عنه لأهل بيت المقدس
على معابدهم
وكنائسهم وعقائدهم وأموالهم،
وصلبانهم،
ولا  تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها
ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار
أحد منهم..”،
وعهد عمرو بن العاص رضي الله عنه للقبط
الذي كتبه بيده بحماية كنيستهم، ولعن كل من يجرؤ من المسلمين على إخراجهم منها، وكتب
أماناً للبطريق بنيامين، وردَّه إلى كرسيه بعد أن تغيب عنه زهاء ثلاث عشرة سنة، وأمر
عمرو رضي الله عنه باستقبال بنيامين عندما قدم الإسكندرية أحسن استقبال، وألقى على
مسامعه خطاباً بليغاً ضمنه الاقتراحات التي رآها ضرورية لحفظ كيان الكنيسة
،فتقبلها عمرو رضي الله عه، ومنحه السلطة التامة على القبط والسلطان المطلق لإدارة
شؤون الكنيسة، ولم يفرق العرب في مصر بين الملكانية واليعاقبة من المصريين، الذين
كانوا متساوين أمام القانون، والذين أظلهم العرب بعدلهم  بحسن تدبيرهم، وأخذوا على عاتقهم حمايتهم، وأمنوهم
على أنفسهم ونسائهم وعيالهم، فشعروا براحة كبيرة لم يعهدوها منذ زمن طويل، بل
كانوا يعانون من ظلم البيزنطيين الذين كانوا يضطهدون الياعقبة لأنّهم يختلفون معهم
في المذهب، يوضح هذا قول  المستشرق
البريطاني سير توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: “يرجع النجاح
السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين
الذين كرهوا الحكم البيزنطي، لما عرف به من الإدارة الظالمة ،وما أضمروه من حقد
مرير على علماء اللاهوت ،فإنَّ الياعقبة الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من
السكان المسيحيين عوملوا معاملة مجحفة من أتباع المذهب الأرثوذكسي التابعين للبلاط
،الذين ألقوا في قلوبهم بذور السخط والحنق الذيْن لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم)[47]

7.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

   
من الأسس والركائز الأساسية في الحكم في الإسلام “الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر” وقد حرص الوحي المدني على إقرار هذا
الأمر
والتركيز علي إتباعه والالتزام به وجعله واجباً علي المسلمين ذكورًا وإناثًا؛  إذ أوجب أن يكون في الدولة الإسلامية جماعة من
أولي الحل والعقد يمثلون الأمة وينوبون عنها ويراقبون سياستها ونظم حكمها، وهده
الجماعة التي قصدها جل شأنه بقوله {ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[48]

   فهؤلاء
الجماعة وظيفتهم الإشراف على الحكام ليكونوا مرجعاً لهم في تشريعهم وليكونوا دعاة
إلي الخير وناهين عن المنكر وناصحين للرعية، وهذا ما يسمي حديثاً “بمجالس
الشورى” والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر علي جماعة الحل والعقد،
بل يعمم القرآن هذا الواجب علي المؤمنين جميعاً وتبينه الآية الكريمة {والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}[49]

  
ويبين جل شأنه أهمية الأمر بالمعروف بقوله {والعصر. إنّ الإنسان لفي خُسر.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}[50]
فوصف الله جل شأنه جميع الناس بالخسران إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات
المتواصين
بالحق والصبر .

 هذا ولقد ذم الله جل شأنه بني إسرائيل لأنّهم
أفسدوا مجتمعهم بترك الآثمين يرتعون في إثمهم يقول تعالي {لعن الذين كفروا من بني
إسرائيل علي لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا
يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}[51]

  
واللعن يعني الطرد من الجنة والإبعاد عن رحمة الله والحرمان من توفيقه،
والأمة التي تصاب بذلك هي أمة هالكة ولقد بين الله جل شأنه أن سبب هذا اللعن هو
العصيان وعدم التناهي عن المنكر فكان بئس الصنيع ما يصنعون
.

   
بينما وصف القرآن المسلمين بأنّهم أمة يدعون للخير ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر ولذا كانوا خير أمة أخرجت للناس {كُنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[52]

 
ولقد
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عدة وصايا منها قوله  (الدين النصيحة فسأله الصحابة لمن :  قال :
لله
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم .)

8..إجارة المحارب ( حق اللجوء
السياسي)

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ
أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ  ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
)[53] لقد
أعطى الإسلام حق إجارة المحارب للرجل والمرأة على حد سواء ، وهو ما يعادل الآن حق
اللجوء السياسي، والامبراطورية الرومانية لم تعط لمواطنيها حق إعطاء اللجوء
السياسي ، لمواطنيها، فما بالكم بمواطناتها، فقد أجارت أم هانئ أخت سيدنا علي رضي
الله عنه ” فاختة بنت أبي طالب محاربًا ، وأراد علي بن أبي طالب قتله، فمنعته
أم هانئ ، وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو له أخاها قائلة هذا ابن
أبي وأمي يريد قتل من أجرته يا رسول الله ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه
وسلّم : “قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ” وفي رواية البخاري قال النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ لها: ( مَرْحَباً بِأُمِّ هَانِئٍ .. قدْ أَجَرنَا مَنْ
أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئ )، وفي رواية أحمد: أنهما رجلان من أحمائها، فقال لها
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:( قد أجرنا من أجرت، وأمَّنا من أمَّنت فلا
يقتلنَّهما ) .

  
هذه هي الركائز الأساسية لنظام الحكم في الإسلام، فهي قائمة على العدل
والشورى والبيعة والمساواة والدعوة إلى احترام العُمران والنهي عن الفساد ، وحرية
العقيدة والدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإجارة المحارب بإعطائه
الأمان للمحارب ،وهو كما يتضح من أسسه نظام واضح يجمع بين الدين وأمور الحياة
الدنيا.

   
هذا وقد استنبط العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (732-808هـ)
نظرية الدولة من القرآن الكريم

   لقد نظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي
يولد وينمو ،ثُمَّ يهرم ليفنى. فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تمامًا ، وقد
حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عامًا ،لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي
للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عاماً ،و لا تعدو الدول في الغالب
هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب مستشهداً بقوله تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ
سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُون
َ ) [54]
،وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعين سنة ،وذلك لأنَّه اعتبر
متوسط عمر الشخص أربعين سنة ،حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهداً بقوله تعالى : (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)[55]

  ولهذا
بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ،ويؤيد ذلك في حكمه التيه الذي
وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة ،والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء
ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه.

  وقد ضرب ابن 
خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل : المرابطين والموحدين
والمرينيين في المغرب، وملوك الطوائف في الأندلس، والطولونيين والأخشيديين
والأيوبيين في مصر،  الحمدانيين في حلب، البويهيين
في العراق .

الأسس
الإسلامية في نظرية الدولة عند  ابن خلدون

       
بنى
ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعماراً مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية
،فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعماراً ينتهي كيانها بنهايتها ، ثُمَّ
تخلفها دولاً أخرى أكثر نظاماً ، وأشد قوة ، وأوفر صلاحاً ،من ذلك قوله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا
قَوْمًا آخَرِينَ
) [56].والقرية
هنا ،وفي آيات أخرى هي الدولة أو الدول ،والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة
،فالظلم هو أشد ألوان الفساد .

       والمرحلة الثانية في حياة الدولة ،وعمرها هي مرحلة القوة والنماء
،ورغد العيش ،ولين الحياة مع الحفاظ على نعم الله ،والامتثال لأوامره ونواهيه
،وهذه المرحلة تستمد من  الآية الكريمة (
وَضَرَبَ اللهُ مثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا
رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا
اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون)) [57]،فإذا
مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع فتدخل في المرحلة
الثالثة ،وهي مرحلة السقوط ،ويتمثل ذلك في الآية الكريمة : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا)[58]

       
وبيّن
في سورة ” سبأ” سبب سقوط دولة سبأ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي
مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ
رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فأَعْرَضُوا
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ
جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ .ذلِكَ
جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ . وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ
.فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )[59]

  على هذه
الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة ، وهي طور النشأة والميلاد ، وطور
القوة والارتقاء ، وطور التفتت والسقوط ،أمَّا الطور الثاني في الدولة عند ابن
خلدون ، فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث ، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور
الخامس ، وقد استمد هذين الطورين من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي، ومن القرآن
الكريم استقى فصله بعنوان “الظلم مؤذن بخراب العمران”      

  وهكذا
نجد أنّ القرآن الكريم لم يكن مقلًا في الحديث عن شؤون السياسية والحكم، بل وضع
أسسًا للحكم،

 
وإن أساء كثير من السلف والخلف فهم أسس الحكم في الإسلام ، وأساءوا
تطبيقها، واستغلوها لتنفيذ مآربهم الشخصية ، فلا يعني أن ننفيها لإيقاف الإساءة
التي أُلحقت بالإسلام من جراء سوء تطبيقها، وإنّما علينا تصحيح جميع المفاهيم
الخاطئة ، ومن هنا جاء مطلبي تصحيح الخطاب الإسلامي الذي كرّستُ له كل ما أملك من
علم وفهم وصحة لأسهم في تصحيحه على مدى أكثر من 15 عامًا.

 
للحديث صلة

Suhaila_hammad@hotmail.com

 



[1] – الشورى : 38.
[2]  عفيف طبارة : روح الإسلام
،ص 295.
[3] – آل عمران : 159.
[4] . النمل :29-34
[5]   د .  ضياء الدين الريس، النظريات السياسية ص . 235
[6] – الفتح : 10.
[7] – الممتحنة : 12.
[8] – الكشاف : تفسير سورة الشورى.
[9] – عفيف طبارة ، مصدر سابق ، ص295.
[10] – النساء : 58.
[11] – المائدة : 42.
[12] – المائدة : 8.
[13] – سيرة ابن هشام : 2/616.
[14]
  رواه الشيخان وأحمد بن حنبل .
[15] – الشورى : 15.
[16] د .  محمد الصادق عفيفي :  المجتمع الإسلامي وأصول الحكم ص   103- 
102
م، ط1، 1400هـ – 1980م دار الاعتصام القاهرة .
[17] – الأحزاب : 21.
[18] – الحديد : 25.
[19] المصدر السابق ص  108  نقلاً عن الإسلام عقيدة وشريعة للشيخ شلتوت .
[20] . النساء : 1.
[21] . الحجرات : 13.
[22]
  عفيف طبارة :  روح الدين الإسلامي مصدر
سابق

ص,  297
[23] – المصدر السابق : ص 296.
[24] .الندوة العالمية للشباب الإسلامي :
 الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة  “،  ص  89 ،  91.
[25]. عفيف طبارة : مصدر سابق ، ص 297.
[26] .الحجرات :13.
[27] . المصدر السابق : ص 298.
[28] – ابن الجوزي : تاريخ عمر الخطَّاب ،ص93، 94،ط2، 1405هـ ـ 1985م
،دار الرائد العربي ـ بيروت.
[29]
  قال ابن عباس :

وهو ألد الخطام
 أي ذو جدال إذا كلمك راجعك   تفسير الطبري  2 / 325.
[30] – البقرة : 204-206.
[31] – تفسير الطبري : 2/324.
[32] – محمد :22-23.
[33] . البقرة: 256.
[34] . الكهف: 29.
[35] . الإنسان: 29.
[36] . الزمر: 14. 15.
[37] . الكافرون: 1-6.
[38] . يونس: 99.
[39] . يونس: 108.
[40] . الأنعام : 66.
[41] . الغاشية: : 21-22.
[42] . الأنعام 107.
[43] . الأنعام : 104.
[44] . البقرة : 217.
[45] . النساء : 137.
[46] . المائدة: 54.
[47] . توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة د. حسن إبراهيم حسن، ص
123.
[48] – آل عمران : 104.
[49] – التوبة : 71.
[50] – العصر: 1-3.
[51] – المائدة : 78-79.
[52] – آل عمران : 110.
[53] . التوبة: 6.
[54] . الأعراف: 34.
[55] . الأحقاف : 15.
[56] – الأنبياء: 11.
[57] – النحل : 112.
[58] – الكهف : 59.
Join the discussion