مراجعات على برنامج صحوة حلقة 14″ الجن والسحر وما بينهما”

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 14″ الجن والسحر وما بينهما”

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

الجمعة 24/6/2016م

  أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة
الرمضاني الذي يذاع الخامسة والنصف عصرًا في قناة روتانا خليجية بتوقيت مكة
المكرمة، وبتوقيت القاهرة  في روتانا مصرية،
ويقدمه الدكتور أحمد العرفج وضيفه الدائم المفكر الدكتور عدنان إبراهيم.

 والذي استوقفني في الحلقة(14 ) التي
موضوعها ” الجن والسحر وما بينهما”  قول الدكتور عدنان  إنّ آية (
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ
وَلَا جَانٌّ
) ليست في
النساء البشريات ، وإنّما هي في الحور العين،
فللحور العين طبيعة مختلفة تمامًا
للجني والإنسي طمثهن في الجنة، وذلك لينفي نكاح الجن للإنسيات،  وأنا هنا لن أناقش ما قيل عن نكاح الجن
للإنسيات، وإنّما الذي سأناقشه هو ماهية الحور العين، فقوله تعالى (
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)[1]
تتحدث عن نساء الجنة البشريات وليس عن الحور العين، وعندما نقرأ الآيات التي قبلها
نجدها تتحدث عن جزاء الذين خافوا الله من عباده ذكورًا وإناثًا، واصفًا النساء
بأنّ (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا
جَانٌّ)(كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ) و( فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)
(حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ
وَلَا جَانٌّ)

 فمن نساء
الجنة  عفيفات طاهرات قاصرات الطرف، أي النساء
اللاتي قد قُصِرَ طرفهنّ على أزواجهنّ، فلم ينظرن إلى
غيرهم من الرجال،
ف(لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان ) في الحياة الدنيا، وليس للحور العين في الجنة، لأنّ الحور العين لم يُبيِّن
القرآن ماهيتهم، ولا توجد حياة جنسية في الجنّة.

  فلمَ
نفترض أنّ الجنة خالية من النساء، وأنّ نعيمها للرجال فقط، وأنّ الحور العين من
نعيم الجنة خاص للرجال فقط؟

   فلنقرأ
الآيات معًا ليتضح لنا المعنى من خلال سياقها : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. ذَوَاتَا أَفْنَانٍ.
فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ . فَبِأَيِّ
آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ.
فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ
بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ.فَبِأَيِّ آَلَاءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ
قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. كَأَنَّهُنَّ
الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. هَلْ
جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
مُدْهَامَّتَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِمَا عَيْنَانِ
نَضَّاخَتَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِمَا فَاكِهَةٌ
وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ
خَيْرَاتٌ حِسَانٌ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. حُورٌ مَقْصُورَاتٌ
فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ
إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ
عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ . فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ . تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .[2]

وهناك فرق بين معنى ( حور ) وبين معنى ( حور عين
)

فمن معاني ( حور) كما جاء في لسان العرب، والذي
يستقيم مع الآية: “الحَوارِيَّاتُ من النساء
النَّقِيَّاتُ الأَلوان والجلود لبياضهن”

أمّا ( حور عين) فهو مصطلح قرآني ،
معناه اللغوي :”
 شدة البياض في بَياض العين مع شدة السواد في
سوادها، مع اتساعها، فاللفظ يدور حول العيون الجميلة، وهي ليست حصرًا على النساء،
وبهذا 
تكون كلمة “حور” جمع لعيون الذكور والإناث معا، ويجوز لك أن تقول
واصفًا: هذه امرأة حوراء، وهنّ نسوة حور، وهو ورجل أحور، وهم قوم حور، وبالتالي
يكون مصطلح “حور عين ” في القرآن الكريم يدور حول العيون – وهى مؤنث-
وليس حول النساء كجنس خلافاً لما ذكره المفسرون، لذا
قال عن أهل الجنة(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي
ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ)[3]هم
ذكور وإناث، وأزواجهم ذكور وإناث.

 

 ومصطلح
حور عين ورد في القرآن الكريم في ثلاث مواضع هي :

1.( كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ
عِينٍ)[4]

2. (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم
بِحُورٍ عِينٍ) [5]

3. (وحور عين)[6]

عندما نقرأ هذه الآيات، وما قبلها وما بعدها، نجد أنّه لم
يُبيّن أنّ الحور العين إناثًا، أو ذكورًا، فالحور العين صفة للاثنيْن معًا، كما
لم يُبّن أنّه اختص الرجال بهم، فهم من نعيم الجنة جزاء للمتقين ذكورًا وإناثًا،
فالجنة ليست للرجال فقط، فعلى أي أساس اختص الرجال لأنفسهم الحور العين، وكأنّهم
هم المتقون فقط؟

إنّ نظرة الرجل الاستعلائية جعلته يعتبر أنّ الخطاب
القرآني بصيغة المذكر يخص الذكور فقط في الأمور التي يريد أن يخص نفسه بها، مع
أنّه يعلم أنّ صيغة الخطاب في
القرآن واللغة العربية نوعان: خطاب
للذكور والإناث معًا، وخطاب للإناث وحدهن. والخطاب المشترك هو الغالب في القرآن،
كما في الآيات التالية:

1.   
في سورة الدخان:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ
أَمِينٍ. في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
مُّتَقَابِلِينَ. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ)[7]

2.   
في
سورة الطور(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ. فَاكِهِينَ بِمَا
آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. كُلُوا
وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ
مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ )[8]

3.   
في
سورة الواقعة (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ .فِي
جَنَّاتِ النَّعِيمِ .ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ .وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ.
عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ
عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ
مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِمَّا
يَتَخَيَّرُون،  

وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ
اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [9]

نلاحظ هنا أنّ القرآن الكريم لم يبيِّن ماهية
الحور العين ، فعندما وصفهم قال : (.كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)

قد يقول قائل ، ولكن جاء وصفهن في حديث ”
كأنّهن بيض مكنون” مبينًا ما هيتهن!

 وهنا أقول الحديث الذي ورد فيه وصف الحور العين ب( كأنهن بيضٌ مكنون)
حديث ضعيف  متنًا وسندًا، وهذا نص الحديث :

  قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب،
حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام عن
الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول
الله عز وجل:(وَحُورٌ عِينٌ) قال:” العين: الضخام العيون، شفر[رموش أو
أهداب]الحوراء بمنزلة جناح النسر” قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله
عز وجل:( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ)[10] قال:” رقتهن كرقة
الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر، وهي الغرقىء.”

هذا الحديث ضعيف سندًا ومتنًا، فمن حيث المتن:

في هذا الوصف مخالفتان للوصف القرآني:

 أولهما :
حدد ماهية الحور العين بأنّهن إناث، بيّن القرآن لم يُحدّد هذه الماهية بقوله (
كأمثال)

ثانيهما: شبّه الحور العين بالبيض، بينما النص
القرآني شبّه الحور العين باللؤلؤ.، ووصف البيض المكنون لنساء الجنة، كما سيأتي
بيانه.

 والوصف
القرآني هو الوصف الصحيح لأنّه هو خالق هؤلاء الحور العين ، وهو أعلم بصفاتهم،
ومخالفة وصف الحديث للوصف القرآني دليل على عدم صحته، لأنّ السنة الصحيحة لا تناقض
القرآن الكريم.

 أمّا
صعفه من حيث الإسناد ، ففيه:

1.   
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب”، وهو مختلف عليه، قال ابن أبي حاتم سألت محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم عنه، فقال : ” ثقة” ، وقال ابن أبي حاتم عن أبي
زرعة: ” أدركناه، ولم نكتب عنه”، وقال ابن عدي: ” رأيتُ شيوخ مصر
مجمعين على ضعفه”، ومن ضعّفه أنكر عليه أحاديث ، وكثرة روايته عن عمه ، وكل
ما أنكروه عليه محتمل، وإن لم يروه غيره عن عمه، ولعله خصّه به، وقال أبو سعيد بن
يونس:” توفي في شهر ربيع الآخر سنة(264ه)، ولا تقوم بحديثه حجة.” وقال
ابن الأخرم:” نحن لا نشك في اختلاطه بعد الخمسين.” وقيل للبوشنجي: إنّ
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدّث به عن ابن وهب ، قال : فهذا كذّاب إذًا.”[11]

2.      فيه
محمد بن الفرج، قال الحاكم عن الدارقطني: ضعيف لا بأس به يطعن عليه في اعتقاده،
وقال البرقاني عن الدارقطني: ضعيف”، وقال ابن حزم مجهول.”[12]

  وهذا
يؤكد أنّ وصف ( كأنّهن بيضٌ مكنون ) هو لنساء الجنّة البشريات مبيّنًا ما هيتهنّ
،فعند
قراءتنا للآيات التي قبلها نجدها تتحدِّث عن جزاء عباد الله المُخلصين ذكورًا ،
وإناثًا ، واصفًا الإناث منهم ب( كأنّهن بيض مكنون) فماهيتهنّ واضحة لأنّهن نساء
أهل الجنّة البشريات، ولنقرأها معًا :

(وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِلَّا عِبَادَ
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُمْ
مُكْرَمُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ. يُطَافُ
عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. لَا فِيهَا
غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ
. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.)[13]

    ولكن نجد مِنَ المفسرين  مَنْ خلطوا بين نساء الجنة ، وبين الحور العين،
ففسّروا الآيات التي تتحدث عن نساء الجنة بأنّها تصف الحور العين، لأنّ صورة الحور
العين التي في أذهانهم أنّهن إناث، مستبعدين أن يكون في الجنة إناث بشريات ، لأنّ
النساء في نظرهم أكثر حطب جهنّم مستندين على أحاديث ضعيفة وموضوعة.

  ولذا نجدهم فهموا آيتي (وزوجناهم بحورٍ عين)،
(
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ)[14]
فهمًا خاطئًا أساء إلى الإسلام إساءة كبرى ، فالسؤال الذي يطرح نفسه :
 ما معنى(وزوّجناهم بحور عين)هل المقصود بالزواج
كما هو في الدنيا؟

        لقد بيّن القرآن
الكريم  أنّ الحور العين من نعيم الجنة
التي ينعم به المتقون من عباده ذكورًا وإناثًا على حد سواء، ولم يخص الرجال بذلك،
قال الإمام بن عجيبة في تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد : ”
(وزوجناهم بحُور عِينٍ ) أي: قرنّاهم وأصحبناهم، ولذلك عُدي بالباء والحور: جمع
حَوْراء، وهي الشديدة سواد العين، والشديدة بياضها، والعين: جمع عيناء، وهي
الواسعة العَين، واختلف في أنّها نساء الدنيا أو غيرها. ”

وقال الإمام البيضاوي في أنوار التنزيل أسرار التأويل: (
وَزَوَّجْنَـاٰهُم بِحُورٍ عِينٍ ) قرناهم بهن ولذلك عدي بالباء.

  وأوضح فضيلة الشيخ محمد
متولى الشعراوي هذا المعنى بتفصيل أكثر 
بقوله: “الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، نقول: زوَّجته
فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى. 
أما زوجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري
أن يكون أنثى، فقوله تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ)[15] تعدَّت بالباء. 
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما
نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأّننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً
جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنّك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط. وعليه
فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأنّ المتعة هناك متعة
النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.  ولما
كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة
حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى،  بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة
إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، نقى لكم
الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.  أرأيتم مثلاً في الدنيا
من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها،
فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر
طعمه، وجعل الماء غير آسن. كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا
ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة..
قال(وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ..) إذن: قوله سبحانه: (وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ
عِينٍ) هذه الباء نفهم منها أنها زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل
والمرأة، وأنّه بعيد

عن المسألة إيّاها، لأنّ الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى
غير ما نعرفه في الدنيا.  وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر
والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة
فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ
الأعين.”

 وهذا المعنى هو الذي يتفق مع
حال أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، فكانا زوجيْن في الجنة، ولكنهما لم
يتناسلا إلّا عندما خرجا منها، ففي الجنة كما قال تعالى لآدم عليه السلام(
إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا
تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى.)[16]
وعندما  وَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ
ظهرت سوآتهما أي كانتا مخفية غير ظاهرة تمهيدًا لخروجهما من الجنة(فَأَكَلَا مِنْهَا
فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ
الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)[17]

 قد يقول قائل ولكن بعض المفسرين مثل الطبري وابن كثير
يُفسِّرون(
إِنَّ أَصْحَابَ
الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ[18])قالوا
شغلهم افتضاض الأبكار، ويُنسبون هذا القول عبد بن مسعود وابن عبّاس رضي الله
عنهما، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
ما من أحد يدخله الله الجنة، إلا زوجه الله
عز وجل ثنتين وسبعين زوجة، اثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل النار،
ما منهن واحدة، إلا ولها قبل شهي ، وله ذكر لا ينثني”
،وما رواه الترمذي:” يُعْطَى الْمُؤْمِنُ
فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْجِمَاعِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ”

أمّا الشهداء فلهم 72 زوجة من الحور العين
طبقًا  لما رواه الترمذي  وابن ماجه في سننيهما
عن المقدام بن معد يكرب، وهو:

(حديث
مرفوع)حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ
سُلَيْمَانَ،
قَالَ: قُرِئَ عَلَى هِلالِ بْنِ الْعَلاءِ، وَأَنَا
أَسْمَعُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
عَيَّاشٍ،
عَنْ بحَيِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ
خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ
الْمِقْدَامِ، قَالَ
: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لِلشَّهِيدِ
عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ،
وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ
ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ حُورِ الْعِينِ.”

، وفي رواية أخرى ،قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم
-: “للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من
الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار،
الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين،
ويشفع في سبعين من أقربائه”.
..”[19]

نلاحظ الاختلاف في تحديد خصال الشهيد بين
الروايتيْن الأخيرتيْن.

  وهذا
الاضطراب في الروايات والاختلاف فيها دليل على ضعفها، وفيها :

أحمد بن سليمان المروزي: هو أحمد بن أبي الطيب سليمان البغدادي، قال في
التقريب:” صدوق حافظ، له أغلاط، ضعّفه بسببها أبو حاتم، وما له في البخاري
سوى حديث واحد متابعة”[رقم51]

وفيا
إسماعيل بن عياش، قال في التقريب ” صدوق في روايته عن أهل بلده مُخلِّط في
غيرهم”

   فهذه
أقاويل لا أصل لها، فليس من المعقول أن يقتصر نعيم أهل الجنة على شغل الرجال في فض
الأبكار، ولو سلّمنا فرضًا بصحة هذه الأقاويل، فما هو النعيم المقابل للنساء في
الجنة؟

    لم
نجد أحاديث تتحدّث عن هذا الجانب، وهذا دليل واضح على وضع تلك الأحاديث، فقد وضعها
الوضّاعون من رجال مرضى بالهوس الجنسي، 
وحديث اثنتين وزوجة ضعّفه الألباني، وصنفه في سلسلة الأحاديث الضعيفة،

  أمّا نسبة القول الشغل بافتتاض الأبكار، لابن عباس وبن
مسعود رضي الله عنهما، فهذه روايات موضوعة، فلا يتفق مع قوله تعالى🙁 وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة)[20] الذي يُبيِّن أنّ نعيم أهل
الجنة، هو النظر إلى الله عزّ وجلّ، وهذا ما أوضحه الشيخ  متولي الشعرواي في تفسيره
(إِنَّ
أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ)
أنت ترى أنّ الذي يدخل الجنة يجلس لا عمل له، أليس كذلك .. آه .. لماذا ؟ لأنّ
رزقك في الدنيا مرتبط بالحركة .. لكن رزقك في الجنة مرتبط بالمسبب لو قرأت قول
الله تعالي( إنّ اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) آه .. اذن عندهم شغل .. ولكن من
نوع أعلى .. أنت تركت في الآخرة دنيا الأسباب وأصبحت مع المسبب .. شغلك أصبح مع
المُسّبِّب .. مثلا .. وهذا للتقريب ولله المثل الأعلى .. هب أنّك كنت تحب أن تجلس
مع شخص وظللت تكافح إلى أن تمكنت من أن تجلس معه .. هل عندما تجلس مع من تحب تكون
في فراغ .. ؟ اه .. شغل اخر .. شغل فاكهون .. الزمن غير موجود .. مثال يوضح هذا
ولله المثل الأعلى .. عندما تنتظر من تحب وتمر عليك دقيقة واحدة، قد تنظر في ساعتك
أكثر من عشر مرات… لكنك عندما تلتقي به .. الذي اخذته تطلع في الزمن تأخذه نقصًا
من الزمن معه .. الزمن ربط للأحداث بأزمانها، الزمن هنا جري عندما جلست معه .. شغل
الإنسان بالزمن هو الذي يجعلك تشعر به .. وهنا تجد النفس الواعية لو زهدت في الزمن
لا يكون له قيمة .. وخير مثال إذا نمت وصحوت هل تعرف كم مضي من الزمن .. لن تستطيع
.. اصحاب الكهف .. كم لبثوا .. ؟ هم قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم أليس كذلك ..
لكن القرآن حدثنا كم سنة لبثوا .. إذن في الجنة شغل بالله بمن تحبه .. وشغل كما
قلت .. شغل فاكهون ..”

  وهكذا
نجد أنّ  ماهية الحور العين،  من المسائل الغيبية التي ذكرها الخالق في كتابه
العزيز، ولم يُبيِّن ماهيتها،
وما ورد في بعض الأحاديث عن ماهية
الحور العين  يتعارض بعضها بعضًا ، فحديث
يقول  خلقت الحور العين من زعفران، وحديث آخر يقول خلقت من تسبيح
الملائكة،  والتسبيح كما هو معروف كلمات والزعفران شيء محسوس. وأضاف زيد بن
أسلم – أحد التابعين وتوفى عام 136ه- قولًا ثالثًا هو: إنّ الحور العين خلقت من
“خليط ” من مسك و كافور وزعفران!!  والجدير بالذكر أنّ هذه الأحاديث
لم يذكر منها حديث واحد في صحيح البخاري، أو صحيح مسلم أو غيرها من كتب الحديث  التي عليها التعويل ، ولذلك كل هذه الأحاديث
موضع نظر ولا يمكن أن يستدل بها على ماهية الحور العيّن.

    من
جهة أخرى 
لم
يتفق المفسرون على ماهية أو أصل الحور العين.  فمن المفسرين من قال هن نساء
الدنيا في نشأة أخرى ، ومنهم من قال هم خلق آخر خلقه الله من الزعفران كما ورد في بعض
الأحاديث.

قد يسأل سائل وماذا عن مهور العين الواردة في بعض الأحاديث؟

وأقول جوابًا عن هذا السؤال :

  لم يتطرّق القرآن الكريم
إلى مهور الحور العين لأنّه لم يُحدد ماهيتهم، فقد يكون منهم الذكور ، ومنهم
الإناث، كما لم يُبيّن أنّ الزواج بالحور العين كالزواج الدنيوي، وفيه دفع مهور،
ولكن نجد أحاديث موضوعة نُسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبرت الحور العين
نساءً، ويُدفع لهنّ مهرًا، وتحدثت عن هذا المهر، واختلفت فيه ، فمنها من
 جعله قبضات التمر
، وفلق الخبز، ومنها جعل
 إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين، لحث
الناس على تنظيف المساجد.

   هذا وقد استغلت الجماعات الإرهابية المسلحة التي نسبت نفسها إلى الإسلام  المفهوم الخاطئ للحور العين الذي وقع فيه الخطاب
الديني، بأنّهنّ
نساء يفوق
جمالهن الوصف وعد الله بتزويجهن لأصحاب الجنة من الرجال
، في التغرير بالشباب، ودفعهم لقتال من كفروهم من المسلمين، وقيامهم
بعمليات انتحارية، فهم يُقاتلون ليس في سبيل الله، ولكن من أجل إشباع شهواتهم في الدنيا
والآخرة. في الدنيا باغتصاب من يقع في أيديهم من نساء وفي الآخرة الفوز بحور
العين، والمحلل لرؤية الإرهابيين للحور العين يجد أنّها رؤية حسية شهوانية محضة،
فهم أشخاص يجرون وراء شهواتهم ظنًا منهم أنّ ما يفعلونه من مشاهد مرعبة ومتوحشة من
قتل وحرق وسلب ونهب واغتصاب، وحرق أسراهم أحياء، وتمثيل بجثث القتلى بقطع الرؤوس
وتقاذفها بالأرجل، ومضغ القلوب والأكباد، سوف يُدخلهم الجنة، ويفوزون بالحور
العين، مع أنّ هذه الأفعال ستقذف بهم في الدرك الأسفل من جهنّم.

فالنظرة الأسطورية للحور العين التي صوّرها
خطابنا الديني السائد ضخّمتها الجماعات الإرهابية المسلحّة المريضة بالهوس الجنسي،
الذي يمارسونه في الحياة الدنيا، مع من يقع تحت أيديهم من  نساء وفتيات – مستغلين مفهوم المفسرين الخاطئ
لمعنى ملك اليمين، والقول بنسخ آية ( إمّا منّا بعد أو فداء) باسترقاق الأسيرات،
وإباحة أعراضهن –   ويحلمون بممارسته في
الحياة الآخرة بنهم، واستمرارية، ويوهمون الشباب المغرر بهم أنّ ما يفعلونه من قتل
وتخريب وسفك دماء وقطع رؤوس ،وحرق الأحياء، وعمليات انتحارية  سيدخلهم الجنة، وسيتزوجون بالحور العين، ولكن
الحياة في الآخرة ليست  بالصورة التي
صوّروها، فلا علاقات جنسية بين الأزواج في الجنة، والحور العين لم يُحدِّد القرآن
الكريم ماهيتهم، فقد يكونون ذكورًا وإناثًا، لأنّهم من نعيم المتقين رجالًا ونساءً
على حد سواء، وليس نعيم النظر ومصاحبة الحور العين قاصرًا على الرجال فقط. 

المصدر:
جريدة أنحاء اليكترونية
http://www.an7a.com/255317/

 

 

 

 

 

 


[1]
.
الرحمن :74
[2]
.
الرحمن : 46- 78.
[3]
.
ياسين: 56.
[4]
.
الدخان: 54.
[5]
.
الطور: 20<
[6]
.
الواقعة: 22.
[7]
.
الدخان : 51-54.
[8]
.
الطور: 17-20.
[9]
.
الواقعة: 10-24
[10]
.
الصافات: 49.
[11] . ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب رقم (75] .
[12]. المرجع السابق، ترجمة محمد بن الفرج رقم(6510]
[13]
.
الصافات : 39-49.
[14]
.
ياسين: 55.
[15]
.
الدخان: 54.
[16]
.
طه: 118-119.
[17]
.
طه: 121.
[18]
.
ياسين: 55.
. رواه
الترمذي(163]،وابن ماجة[2799]
[19]
.
[20]
.
القيامة: 23-24.
Join the discussion