مراجعات علي برنامج صحوة حلقة 16″ الحجاب بين العادة والعبادة”

مراجعات علي برنامج صحوة حلقة 16″ الحجاب بين العادة والعبادة”

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

الخميس
23/6/2016م

  أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة
الرمضاني الذي يذاع الخامسة والنصف عصرًا في قناة روتانا خليجية ،ويقدمه الدكتور
أحمد العرفج وضيفه الدائم المفكر الدكتور عدنان إبراهيم، والذي فاجأني واستوقفني
في الحلقة(16 ) التي موضوعها ” الحجاب بين العادة والعبادة” قول فضيلة
الدكتور عدنان إبراهيم في إجابته عن سؤال الدكتورة زهرة المعبي  :”
في إجابته على سؤال المداخلة

صياغة الآية نفسها( وليضربن بخمورهن على جيوبهن)
تُفْهِم  أنّ الإسلام لم يشرع و لم يبتدأ  الأمر بوضع 
الخمار، إنّما أضاف شيئًا جديدًا وهو بضرب الخمار على الجيب،  على فتحة الصدر، لأنّه  كان بعض النساء  على الأقل 
كن يبدين شيئًا من نحورهن وصدورهن ، لأن فتحة الثوب واسع ،  وتضرب الخمار 
إلى  الخلف على خلفها، تغطي شعر
رأسها ، ثم تلويه إلى الخلف ، وتبقى هذه الفتحة بائنة بادية ، القرآن قال لا ، على
جيوبهن  أي تُغطي  عنقها وصدرها لأنّ هذا مما يُشتهى و من مفاتن
المرأة. ” ويستطرد قائلًا:

“السؤال إذا كان القرآن العظيم لم يبتدأ
موضوع  الخمار، وإنّما أضاف بوضع  الخمار على 
الجيب ،على فتحة الصدر ، ولكنه بهذه الطريقة أعطاه شرعية ، هل هذا يسوغ لنا
أن نتساءل ماذا لو كانت المرأة المسلمة في بيئة أخرى . باردة مثلًا :باردة ، أو
بيئة ومعتدلة ليس فيها أشعة شمس  حارة ولا
تراب ولا أغبرة ولا يعتبر ثقافيًا  في تلك
البيئة شعر المرأة  من المفاتن وهل يمكن أن
تُبدي شعرها؟  هذا هو السؤال …لأنّ هذا
ليس  من موضوعات تعبدية غير معقولة المعنى
… موضوعات  كلها معقولة المعنى مربوطة
بحكمها وعللها …مع ميلي الشخصي حقيقة أنّ هذا الموضوع ممّا يتغيّر، دائمًا تبعًا
لم يحقق المعنى والمغزى… ليس لدينا آية 
تقول في القرآن  على المرأة أن تغطي
رأسها، ولكن  قال حين تغطي رأسها عليها أن
تغطي فتحة الصدر .. وغطاء الرأس من العادات، ولم يكن  في الإمكان، أو يسوغ أن ينهي القرآن عنه، لأنّ المرأة
تحتاجه، لا تستطيع أن تمشي في الشمس دون أن تغطي رأسها، وإلّا تُصاب بضربة شمس،
ولكنّه أضاف هذه الإضافة، بقي هذا الموضوع موضع اجتهاد .”

 هذا
القول للدكتور عدنان فاجأني واستوقفني كثيرًا ؛ إذ وجدته
 يلتقي هنا مع  الدكتور جمال البنا والمهندس
محمد شحرور والمستشار سعيد العشماوي، وربما غيرهم في بعض ما قالوه؛ إذ يقول
الدكتور جمال البنا “إنَّ إقرار القرآن للخمار أي غطاء الرأس لا يعني فرضه ، وإنّما
يعني تقبله من مجتمع يأخذ به الإسلام ، ويعد جزءًا لا يتجزأ من زي هذا المجتمع في
هذا الوقت ، فهو لم يبدعه، ولم يفرضه”[1]،”
وعندما يتحفظ القرآن على هذه الزينة (إلاَّ ما ظهر منها)، إنَّه يسمح بما يمكن
للزي أن يظهر من هذه الزينة دون تحديد بشعر أو وجه ،أو كفيْن  وهو إلى حد ما قريب من الذين يقولون بتعرية
الوجه والكفين، ولكنه مع هذا يتسع لأكثر منها لأنَّه يتبع الزي ، وما يسمح بظهوره،
وما لا يسمح بظهوره، فقد يسمح لظهور الشعر، وما من زينة، لأنَّ الآية ـ وإن أقَّرت
الخمار، فإنَّها لم تأمر به ـ والإقرار هو إقرار بعادة، والعادة تختلف عن الحق،
لأنَّ العادة تتفاوت وتختلف، ولكن الحق واحد، وقد تحتمل العادة تعرية الشعر،
لأنَّه لصيق بالوجه ، والذراعين لأنَّهما لصيقين بالكفين، بل يمكن أكثر من ذلك
اعتبار تعبير( إلاَّ ما ظهر منها) كل ما لم يأمر القرآن بستره، وهو لم يأمر صراحة
إلاَّ بستر فتحة الصدر ،وإدناء الثوب .[2]

   وينضم الدكتور محمد شحرور  إلى رأي الأستاذ جمال البنا ،فيقول : ”
… إنَّ اللباس والحجاب عند المرأة ليس تكليفًا شرعيًا بقدر ما هو سلوك تقتضيه
الحياة الاجتماعية والبيئة ،يتغيَّر بتغيرها ، ومن هنا فقد فرَّق العرب قبل البعثة
المحمدية وأثناءها وبعدها بين لباس الحُرّة 
ولباس الأَمَة . فلباس الحُرَّة العربية هو لباس خديجة(رضي الله عنها) التي
تزوجها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة ،غطاء للرأس يقي من الحر، ويجمع
الشعر أن يتبعثر، وثوب طويل يستر القسم الأسفل من الجسد لعدم وجود ألبسة داخلية
وقتها[3]،
وفضفاض يسمح لها بحرية الحركة في أعمالها وتحركاتها داخل البيت وخارجه ،ولم يكن في
الثوب فتحات ، أو جيوب إلاَّ فتحة في الصدر، تبدو منها نُهود المرأة  حين تنحني إلى الأمام ،وهو الجيب الذي ضربت
عليه المرأة المؤمنة خمارها حين نزلت آية النور (31). ولم يكن لباس الرجل يختلف من
هذه الزاوية البيئية الاجتماعية عن لباس المرأة ، فقد كان يُغطي رأسه من الحَرِّ ،
ويلبس ثوبًا طويلًا كيلا تظهر عورته حين يقعد لعدم وجود ألبسة داخلية وقتها
،بالإضافة إلى لحية كان يطلقها الرجل ، حتى لا يُعاب قومه .”[4]

 ويُضيف قائلًا عن الآية (59) من سورة الأحزاب عن
إدناء النساء لجلالبيهن : ” … فهي آية تعليم، وليست آية تشريع، هذا من
ناحية أخرى فقد فهمت الآية في المدينة فهمًا مرحليًا، فارتبطت بعدم تعرض المؤمنات
للأذى من قبل بعض السفهاء، أثناء الذهاب لقضاء حاجاتهن، وقد زالت هذه الشروط
والدواعي الآن تمامًا، لأنَّ آلية تطبيق هذه الآية لا تعتبر أبدية، وهذه الآية تعلم
المؤمنات اللباس الخارجي حصرًا، أو لباس الخروج إلى المجتمع  وهو ما سمَّاه بالجلباب ،فالجلباب جاء من الأصل
” جلب “، وهذا الفعل في اللسان العربي له أصلان أحدهما الإتيان بالشيء
من موضع إلى موضع، والآخر الشيء يغشي، ويغطي شيئًا آخر، فالجلبة هي القشرة التي
تغطي الجرح عندما يبرأ ويندمل ،وقبل أن يبدأ الجرح بالإندمال نضع له رباطاً من
القماش المعقم لتحميه من الأذى الخارجي ، ومن هنا جاء الجلباب للحماية ،وهو اللباس
الخارجي الذي يمكن أن يكون بنطالًا وقميصًا، أو تايوراً ، أو روبًا ، أو مانطو ،كل
هذا الملابس تدخل تحت بند الجلابيب .”[5]
،ثُمَّ يستطرد قائلًا: ” وبما أنَّ هذه الآية للتعليم لا للتشريع ،فقد وضع
السبب ، وهو المعرفة والأذى ، فعلى المرأة المؤمنة تعليمًا لا تشريعًا أن تغطي من
جسدها التي إذا ظهرت تسبب لها الأذى.”[6]

  ثُمَّ يتطرق إلى لباس الأَمَة، ويقول إنّ هناك
فارقًا بين لباس الحــــرائر والإمــــاء ، وأنَّ عـمر بن الخطاب  رضي الله عنه ـ قد أخذ إجراءات احترازية
للحيلولة دون الخلط بين الحرائر والإماء ، فلم يكن يسمح للجواري بالخروج على هيئة
الحرائر[7]
، ويُضيف قائلاً لو ألقينا نظرة على كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة
الزحيلي في باب حد العورة نجده يذكر أنّ الأئمة اتفقوا على أنَّ عورة الأمة هي
عورة الرجل “، ويضيف الدكتور شحرور قائلًا: ” ويلحق الشافعية عورة الأمة
بالرجل بجامع أنّ رأس كل منهما ليس بعورة، ولأنَّ الرأس والذراع ممَّا تدعو الحاجة
إلى كشفه.”[8]،
ومن هنا نجد الدكتور شحرور يستدل بهذا على كشف المرأة لرأسها وذراعيها وساقيها،
لأنَّه يقول الأمَة “امرأة” فما يُحرَّم على المرأة يُحرَّم عليها ،وما
يُباح لها يُباح للأمة .

     وينضم 
المستشار سعيد العشماوي إلى هذا الفريق من خلال ما كتبه في كتابه ”
حقيقة الحجاب وحجية الحديث” فقد استند على  ما أستند إليه الأستاذ البنا والدكتور شحرور،
ليعزز رأيه بأنّ لبس الخمار على الرأس عادة ، وليس فريضة واجبة على المرأة ، وأنّ
على المرأة أن تكشف رأسها، وآية( وليضربن بخُمرهن على جيوبهن) لم تأمر النساء
بتغطية شعورهن، وإنّما بتغطية نحورهن.

    فيقول
:” ما ورد في الآية من جملة( وليضربن بخمرهن على جيوبهن..) لا يعني فرض
الخمار أصلاً وشرعًا لكنه يرمي إلى التعديل في عادة كانت قائمة وقت التنزيل بوضع
الخمار ضمن المقانع وإلقائه على الظهر بحيث يبدو الصدر ظاهرًا ومن ثم كان القصد هو
تعديل العادة ليوضع الخمار على الجيوب وكانت الجيوب في ذلك الزمان وبعضها في هذا
الزمان توضع على الصدور, كما هي العادة حالاً ( حاليًا ) في بعض الجلاليب حتى
الرجالى منها. ولو أنّ الآية قصدت فرض الخمار لكان لها في ذلك تعبير آخر مثل:
وليضعن الخُمر ( جمع الخمار ) على رؤوسهن, أو ما في هذا المعنى أو هذا
التعبير.”

 ويُعلِّق  على آية الجلابيب : (يا
أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ
مِنْ
جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ
أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ

فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [ الأحزاب : 59]

     بقوله :” وسبب نزول هذه الآية أن عادة العربيات
(وقت النزيل) كانت التبذل فكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء (الجواري). وإذ كن
يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف (دورات المياه) في البيوت، فقد كان بعض
الفجار من الرجال يتعرضن للمؤمنات على فطنة أنّهن من الجواري أو من غير العفيفات،
وقد شكون ذلك للنبي ومن ثم نزلت الآية لتضع فارقاً وتمييزاً بين “الحرائر” من
المؤمنات و بين الإماء “الجواري” وغير العفيفات هو إدناء المؤمنات لجلابيبهن، حتى
يعرفن فلا يؤذين بالقول من فاجر يتتبع النساء. والدليل علي ذلك أنّ عمر بن الخطاب
كان إذا رأي أمة (جارية) قد تقنعت أو أدنت جلبابها عليها، ضربها بالدرة محافظة علي
زي الحرائر “

   فإذا كانت علة الحكم المذكور في الآية –
التمييز بين الحرائر والإماء – فقد سقط هذا الحكم اعدم وجود إماء
“جواري” في العصر الحالي وانتفاء ضرورة قيام تمييز
بينهما، ولعدم خروج المؤمنات إلى الخلاء للتبرز وإيذاء الرجال لهن. وواضح مما سلف
أن الآيات المشار إليها لا تفيد وجود حكم قطعي بارتداء المؤمنات زياً معيناً على
الإطلاق وفي كل العصور.

  ومع احترامي وتقديري
لاجتهاد فضيلة المفكر الدكتور عدنان إبراهيم، والدكتور جمال البنا، والمهندس محمد
شحرور، والمستشار سعيد العشماوي  في توضيح
المقصود ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن)

أقول :  

أولًا: قد نقبل هذا التفسير
إن كان الإسلام دين خاص بجزيرة العرب التي مناخها حار ، وتُثار فيه الأتربة، فكان
من عادة نساء الجزيرة العربية يغطين رؤوسهن للوقاية من حرارة الشمس الحارقة، ولحماية
شعورهن من الغبار والأتربة، ولكنّ الإسلام دين عالمي للناس كافة على اختلاف
بيئاتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومناخ بلادهم، في مختلف الأزمان إلى أن تقوم الساعة(
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
كَافَّةً
لِّلنَّاسِ بَشِيرًا
وَنَذِيرًا
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) [9]، ثمّ أنّ ليس بيئة جميع مناطق شبه الجزيرة العربية بيئة صحراوية،
فاليمن بلد زراعي، وكذلك المناخ في  عسير
وحائل والطائف يتميز بالإعتدال ،وبالبرودة في المناطق الجبلية ، وممّا تجدر
الإشارة إليه أنّ 
 هذه الآية نزلت في المدينة المنورة، والبيئة في
المدينة بيئة زراعية، وليست صحراوية، فمعروف أنّ المدينة المنورة
 واحة خصبة عمادها الأول الزراعة، فضلاً عن منطقة
الحجاز كانت – كما يقول الرواة – أشجر أهل الأرض، وكثيرة العيون والينابيع والمياه
الجوفية قريبة لمن يريد أن يحفر الآبار، مما يجعل العمل الزراعي يفرض نفسه على من
سكن هذه المنطقة
. وسكانها من العماليق كانوا أول من زرع بها –
كما ذكر ياقوت الحموي – وقد أنشأوا بها مجتمعاً زراعياً واتخذوا بها النخيل
وعمّروا بها الأطام واتخذوا بها الضياع، وهذا يعني أنّهم استغرقوا حياتهم في
الزراعة، وأثروا وتحصنوا في الحصون تحسباً من غزوات تقوم بها قبائل أخرى أصيبت أرضها،
وشحت مواردها، كما وفدت على العماليق قبائل عربية أخرى استثمرت اراضٍ غير التي
استثمرها من سبقهم، وتحولوا إلى مُلاك، ويؤيد هذا ما ذكره ابن خلدون من أنّ
العماليق في يثرب ملكوا أمر أنفسهم، وانضمت إليهم قبائل من العرب نزلوا معهم،
واتخذوا الأطم
والبيوت، وعندما
وفد الأوس والخزرج إلى يثرب من اليمن امتهنوا الزراعة، وكلنا يعلم أنّ اليمن بلد
زراعي في المقام الأول، فالقول إنّ النساء (في المدينة) كن يلبسن الخمار للوقاية
من حرارة الشمس والأتربة، فأصبح عادة، ولم يفرضه الإسلام عليهن، وإنّما ألزمهن
بستر صدورهن، هذا القول لا يستقيم مع بيئة المدينة، وطبيعة سكانها، فمجتمعها مجتمع
زراعي وليس رعوي. ثمّ أنّ أجواء المدينة المنورة صافية لا يعكرها الأتربة والغبار،
فأنا ابنة المدينة المنورة وُلدت وتربيت وعشتُ فيها، ولم نشهد عواصف ترابية ، كما
أنّ المدينة لكثرة مزارعها وبساتينها كانت  مصيفًا لأهل مكة الذين يأتون إليها لقضاء الصيف
في بساتينها ومزارعها، فلبس نساء المدينة الخمار قبل نزول آية الحجاب لم يكن
لضرورة بيئية، ولا ننسى أنّ الحنيفية واليهودية من الديانات التي كانت موجودة في
شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، فلمَ لا يكون اختمار النساء فيها قبل الإسلام
لأسباب دينية، وليس بيئية؟

ثالثًا : لقد اجتزأ
الدكتوران عدنان إبراهيم وجمال البنا والمهندس شحرور ، والمستشار العشماوي الآية
من سياقه، وفسّروها منفردة ، ممّا فات عليهم أمور لو أدركوها لربما تغيّر ما ذهبوا
إليه .

   فالمنهج الذي ينبغي اتباعه  في فهمنا للقرآن الكريم  فهمًا صحيحًا عدم اجتزاء الآية من سياقها،
وتفسيرها منفردة، فلكي نعرف معنى الآية لا نجتزءها من سياقها؛ إذ لابد من  قراءة ما قبلها وما بعده لنعرف دلالاتها من
سياقها مع  ربطها بآيات أخرى في سور أخرى تتحدّث
عن ذات الموضوع، ومتابعة السنة الفعلية والقولية الصحيحة المتعلقة بالموضوع ذاته
لتكتمل أمامنا الصورة، والسور التي تحدّثت عن لباس المرأة وزينتها هما   سورتا
النور والأحزاب،
 ولنبدأ :
بسورة النور : يقول جلّ شأنه :

(قُلْ
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ
أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ
لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ
عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ
آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ
أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ
أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا
عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا
يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[10]

فالآيات تبدأ بأمر المؤمنين بغض البصر (عن إمعان النظر
في وجوه النساء، فالنظرة الأولى لك والثانية عليك) وحفظ الفروج ، ووقفتْ هنا
بالنسبة للمؤمنين، فلم تأمرهم بعدم إبداء زينتهم إلّا ما ظهر منها، وشعر الرجل من
زينته، ولكنّ الله لم يأمره بتغطيته، مع أنّ الرجال كانوا يختمرون، أي يغطون
رؤوسهم بالعمائم، بينما نجدها عندما تحدّثت عن المؤمنات  لم تتوقف عند أمرهن بغض البصر وحفظ الفروج فقط،
كما أمرت المؤمنين ، وإنّما نهتهن عن إبداء زينتهن إلّا ما ظهر منها،( وهما الوجه
والكفّان كما قال ابن عمر رضي الله عنه)، ومن الزينة الشعر؛ لذا جاء بعد النهي عن
إبداء الزينة إلّا ما ظهر منها، الأمر( وليضربن بخمرهن على جيوبهنّ) للتأكيد
على  أنّ شعر المرأة وصدرها من الزينة التي
يجب عدم إظهارهما، فلا تكتفي بلبس الخمار لتغطية الرأس ، والخمار في اللغة غطاء
الرأس ، بل عليها أن تضربه على صدرها لتغطيته، ولو كان المقصود في الآية وجوب
تغطية الصدر دون الالتزام بتغطية الرأس لأمر الله جل شأنه النساء بأن لا يجعلن
جلابيهن تكشف عن صدورهن،  ولكنّه  أمرهن بإرخائها وإطالتها(وليدنين عليهن من
جلابيهن)، ولما تطرّق إلى الخمار ما دام غير واجب على النساء، ولكنه خص كل من  الخمار والجلباب بآية ، كل على حدة ، لتكتمل
صورة حجاب المرأة المسلمة بتغطية رأسها ورقبتها وصدرها مع إطالة الجلباب وإرخاؤه.

رابعًا
: لو كان المطلوب من المرأة تغطية صدرها دون شعرها لما رخّص للقواعد  من النساء بكشف
رؤوسهن ،وعدم لبس الجلباب، في قوله تعالى : (الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ
اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بزينة ) [11]( وهذا معنى أن (يضعن
ثيابهن)، ولم يقل ” جلابيبهن”

وجاء في تفسير القرطبي لهذه الآية، وروي
عن ابن مسعود أيضا( من جلابيبهن ) والعرب تقول : امرأة واضع ، للتي كبرت
فوضعت خمارها . وقال قوم : الكبيرة التي أيست من النكاح ، لو بدا شعرها فلا
بأس،  فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار.”

 وأورد
الإمام ابن كثير هذه الرواية في تفسيره لهذه الآية : وقال 
السدي   كان شريك لي يقال له  ” مسلم ، وكان مولى لامرأة حذيفة بن
اليمان ، فجاء يوما إلى السوق وأثر الحناء في يده ، فسألته عن ذلك ، فأخبرني
أنّه خضب رأس مولاته – وهي امرأة حذيفة 
– فأنكرت
ذلك . فقال: إن شئت أدخلتك عليها؟ فقلت: نعم. فأدخلني عليها، فإذا امرأة جليلة،
فقلت : إن مسلما حدثني أنه خضب رأسك؟ فقالت نعم يا بني، إنِّي من القواعد اللاتي
لا يرجون نكاحًا، وقد قال الله في ذلك ما سمعت.
 

فهذه امرأة حذيفة بن اليمان جعلت مولاها(مسلم)
يُخضّب لها شعرها بالحناء، أي كشفت له شعرها، وجعلته يلمسه ويضع عليه الخضاب، وعند
سألتْ كيف سمحت لمولاها بذلك ، استدلت بالآية الكريمة.

خامسًا: لو كان غير واجب عليها
تغطية شعرها
لما ألزمها بتغطيته ورقبتها وسائر
أجزاء بدنها باستثناء وجهها وكفيها  أثناء
تأديتها للصلاة، وفي إحرامها لأداء فريضة الحج، بينما لم يُلزم الرجل بذلك.

سادسًا:
أنّ الذي  يؤكد أنّ شعر المرأة  من ضمن الزينة التي نهى الله عن إبدائها :

1.   
استثناؤه
الذين لها أن تُبدي زينها لهم، وهم (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  إلّا ِلبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ
آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ
نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي
الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى
عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

2.   
ما رواه  ابن أبي حاتم
وأبو داود وأصله في صحيح البخاري وهذا لفظ ابن أبي حاتم من حديث صفية بنت شيبة، قالت:” بينما نحن عند عائشة قالت
رضي الله عنها: “إنّ لنساء قريش لفضلاً، وإنّي ما رأيت أفضل من نساء الأنصار
أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمان بالتنزيل لقد أنزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}
انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته فما منهن
امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به إلى أن قالت فأصبحن وراء رسول الله
صلى الله عليه وسلم معتجرات كأنّ
على روسهن الغربان” معنى عجر في  
مختار الصحاح ع ج ر : المِعْجَرُ بالكسر ما تشده المرأة على رأسها يقال
اعْتَجَرَتِ المرأة و الاعْتِجارُ أيضا لف العمامة على الرأس.

3.   
وعن
عائشة رضي الله عنها، قالت : “يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لمّا أنزل
الله ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن [12]
فاختمرن به، وفي رواية : أخذن أزُرَهن[13]فشققنها
من قبل الحواشي[14]
فاختمرن بها”[15]

4.   
وعن
عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتقبل صلاة
الحائض إلاّ بخمار) [ رواه الترمذي ] [16]

  وهذا دليل على أنّ المقصود من الآية غطاء الرأس
وستر الصدر. وليس الإلزام بستر الصدر دون الشعر بتغطية الرأس.

  هذا كما نجد الخلخال من الزينة التي نهى الله
إبداءها بضرب الأرجل لإظهارها بسماع صوتها.

سابعًا:  في دراستي للسيرة النبوية  من اللتاريخ الإسلامي الذي هو تخصصي، وسير أعلام
النساء المسلمات في عصر الرسالة وما تلاه من عصور، والسيرة النبوية، ورسالتي
للدكتوراة كانت عن السيرة النبوية في كتابات المستشرقين ” دراسة منهجية
تطبيقية عن المدرسة الإنجليزية “لم يرد عليّ وصفًا لشعر امرأة ، وكل الأحاديث
والروايات الواردة في وصف النساء( حسناء، وضيئة، سعفاء الخدين، موشومة اليدين) لم أجد
وصفًا واحدًا لشعر امرأة، ولو كانت المرأة تظهر شعرها في عصر الرسالة لتم وصفه،
خاصة وإن كان تغطية شعر الرأس ليس فريضة،  كما
يقول الدكتوران عدنان وجمل والمهندس شحرور والمستشار العشماوي  لما التزمت النساء بتغطية كامل شعوره ، ولأظهرن
جزءًا منها.

   وفناك أحاديث وصفت
 النساء، ولم يرد فيها وصفًا لشعر امرأة
حتى حديث الخثعمية التي سألت الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تحللها من إحرامها ،
وكان الفضل بن العباس ينظر إليها ، والرسول صلى الله عليه وسلم يُصرف وجهه عنها،
والراوي وصفها بأنّها امرأة وضيئة ، ولو كانت كاشفة لشعرها، أو جزءاً منه لوصفه
الرّاوي.

  ثانيًا : سورة الأحزاب

 

(إِنَّ
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ
وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
[17]ذَلِكَ
أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا
يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا
أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ
قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )(62)[18]

 فالآيات هنا تتحدِّث عن المنافقين والذين في
قلوبهم مرض، ممن يؤذون الله ورسوله والمؤمنين والمؤمنات  بالتعرّض للنساء ، فأمر الله رسوله أن يأمر
زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بإخاء جلابيبهن وإطالتها لئلّا يتعرضون لأذى من
المنافقين والذين في قلوبهم مرض .
فمعنى
( يدينين عليهن من جلابيهن ) أي يرخينها ويُطلنها، ولا يتفق تغطية الوجه مع إرخاء
وإطالة الثوب!

وللأسف الشديد نجد المفسرين فسروا قوله تعالى : ( ذلك أدنى أن يُعرفن
فلا يُؤذيْن ) أي ليتميزن الحرائر عن الإماء ،وأنَّ إدناء الجلابيب خاص بالنساء
الحرائر.

فيقول ابن كثير
في تفسيره لهذه الآية :”
وقوله : ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) أي : إذا فعلن ذلك عرفن أنّهن
حرائر، لسن بإماء ولا عواهر، قال السدي في قوله تعالى : ( [ يا أيها النبي ] قل لأزواجك وبناتك ونساء
المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )
قال : كان
ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة ،
يتعرضون للنساء ، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة ، فإذا كان الليل خرج النساء إلى
الطرق يقضين حاجتهن ، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن ، فإذا رأوا امرأة عليها
جلباب قالوا : هذه حرة ، كفوا عنها . وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب ، قالوا :
هذه أمة . فوثبوا إليها .

وقال مجاه : يتجلببن فيعلم أنّهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا
ريبة، فأخذ الدكتور المهندس محمد شحرور بهذه المفاهيم الخاطئة للمفسرين، وكذلك
المستشار سعيد العشماوي؛ إذ يقول معلقًا  لهذه الآية :”
وسبب نزول هذه الآية أن عادة العربيات(وقت
النزيل) كانت التبذل فكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء (الجواري). وإذ كن يتبرزن
في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف (دورات المياه) في البيوت، فقد كان بعض الفجار من
الرجال يتعرضن للمؤمنات على فطنة أنّهن من الجواري أو من غير العفيفات، وقد شكون
ذلك للنبي ومن ثم نزلت الآية لتضع فارقاً وتمييزاً بين “الحرائر” من المؤمنات و
بين الإماء “الجواري” وغير العفيفات هو إدناء المؤمنات لجلابيبهن، حتى يعرفن فلا
يؤذين بالقول من فاجر يتتبع النساء. والدليل علي ذلك أنّ عمر بن الخطاب كان إذا
رأي أمة (جارية) قد تقنعت أو أدنت جلبابها عليها، ضربها بالدرة محافظة على زي
الحرائر “

   فإذا كانت علة الحكم المذكور في الآية –
التمييز بين الحرائر والإماء – فقد سقط هذا الحكم لعدم وجود إماء
“جواري” في العصر الحالي وانتفاء ضرورة قيام تمييز
بينهما، ولعدم خروج المؤمنات إلى الخلاء للتبرز وإيذاء الرجال لهن. وواضح مما سلف
أنّ الآيات المشار إليها لا تفيد وجود حكم قطعي بارتداء المؤمنات زياً معيناً علي
الإطلاق وفي كل العصور.”

   ولعل في قول صاحب المغني الذي سأورده رد على ما
ذكره الدكتور المهندس محمد شحرور : ” وسوّى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة
لقوله تعالى : ( ولا يُبْدِين زينتهن) ، ولأنَّ العلة في تحريم النظر الخوف من
الفتنة ، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة ،فإنَّ الحرية حكم لا يؤثر في
الأمر الطبيعي، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص، ويوجب الفرق بينهما، وإن لم يفترقا
فيما ذكروه افترقا في الحرمة، وفي مسألة 
الستر لكن الأمة إن كانت الأمَة جميلة يخاف الفتنة بها حرَّم النظر إليها
كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه، قال أحمد في الأَمَة إذا
كانت جميلة تنتقب ، ولا ينظر إلى المملوكة كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل.
[19]

  أمَّا
ما ذكره عن سيدنا عمر والأمة فقد كانت متلثمة متشبهة بالحرائر   فضربها بالدرة ، وقال يا لكاع تشتبهين
بالحرائر ، وذلك لأنَّها قد تتصرف تصرفًا غير لائق ، ويحسبها الناس أنَّها من
الحرائر ، ولكن عندما تكشف وجهها ، إن أتت بأي تصرف سيُنسب لها وحدها ، ولا يُنسب
لغيرها  ، وروى أبو حفص بإسناده أنَّ عمر
كان لا يدع أَمَةً تقنع في خلافته ، وقال إنَّما القناع للحرائر ، ولو كان مظهر
ذلك منها محرماً لم يمنع من ستره ، بل أمر به ، وقد روى أنس” أنَّ النبي صلى
الله عليه وسلم ، لما أخذ صفية ، قال الناس لا ندري أجعلها أم المؤمنين أمْ أُم
ولد ، فقالوا إنَّ حجبها ،فهي أم المؤمنين ،وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما ركب
وطأ لها خلفه ، ومد الحجاب بينه وبين الناس “متفق عليه. وهذا دليل على أنَّ
عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً .

 فهذا قول مردود، فالمحرّم على الحرة محرّم على
الأمة. فكلاهما أنثى ، والقرآن لم يخصص الحرائر في الحجاب دون الإماء،
ورواية أنس ، وما ورد في صحيح البخاري عن زواج الرسول صلى
الله عليه وسلم بالسيدة صفية رضي الله عنها، روايات موضوعة؛ إذ كيف يتزوجها، ولم
تمض شهور العدة؛ فقد قتل زوجها كنانة بن ربيع النضيري في غزوة خيبر، فكيف يدخل
عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تمض مدة للتأكد من خلو رحمها من حمل؟

 فهذه روايات موضوعة
ليبيحوا لأنفسهم التسري بالإيماء؛ فالقرآن لم يُبح ذلك بل نص في آيات قطعية
الدلالة على الزواج من الإماء ، ولا يمكن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمر
به خالقه:(
وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ
مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)
[20]( وإمائكم معطوفة على الأيامى، أي وانكحوا الأيامى وإمائكم،
فأين معنى التسري بالإماء؟

    فبموجب هذه الآية لا تتم علاقة
جنسية بين الأمة ومالكها إلّا بعقد زواج برضاها، ودفع مهر لها، ومهرها عتقها، كما
قال عليه الصلاة والسلام، فالزواج من الإماء من تضييق الإسلام لدائرة الرق.

  إنّ استرقاق
الأسرى والسبايا والتسري بالإماء والجواري من صنع الأمويين، ومن بعدهم العباسيين،
ثم العثمانيين ليبحوا لأنفسهم ما حرّمه الله عليهم، فما تذكره تلك الكتب عن التسري
بالإماء والسبايا يتناقض مع حياته عليه الصلاة والسلام في بيته، التي نقل لنا كتاب
السيرة أنفسهم أدق تفاصيلها، كما لا يتفق مع حياة الخلفاء الراشدين، وسائر صحابته
رضوان الله عليهم، بل الصديق رضي الله عنه كان يشتري العبيد والإماء من كفار
قريش  ليعتقهم ويخلصهم من تعذيب مسترقيهم
لهم،
أمّا ما روى في سنن البيهقي وفي إرواء العليل، وفي المبسوط للسرخسي، وغيرها
أنّ لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه إماء يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس مضطربات
الثدي، فهي روايات موضوعة لا تتفق مع شخصيته رضوان الله عليهم، وهو القائل:” متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، فعمر بن الخطاب لم تكن له إلّا
زوجة واحدة بعد إسلامه هي أم كلثوم حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ طلق
زوجاته الثلاث اللاتي تزوجهن في الجاهلية لرفضهن الدخول في الإسلام امتثالًا لقوله
تعالى(ولا تُمْسِكوا بعصم الكوافر)[21]

  وفي عهده وقعت في
الأسر شاه زنان بنت يزدجرد بن أنوشروان أميرة فارسية،
واسمها يعني  باللغة العربية “ملكة النساء” ولقبت بـ
“سلافة” وهي ابنة آخر أكاسرة الفرس. بعد انتصار الجيوش العربية على
الجيوش الفارسية في الفتوح الإسلامية، وقد زوّجها الفاروق رضي الله عنه للحسين بن علي بن أبي طالب باختيارها هي؛ إذ
قيل لها:” من تختارين من خطّابك؟” فاختارت الحسين رضي الله عنه، وأنجب
منها ابنه علي زين العابدين
، فلم يأخذها الخطاب رضي
الله عنه لنفسه ليتسرى بها، ممّا يؤكد وضع تلك الروايات المنسوبة لصحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن السبايا والتسري بهن.

 والذي أود الإشارة إليه أنّ
صحة الرواية لا تقاس بمدى صدق وحسن حفظ رواتها فقط، وإنّما تقاس أيضًا بسلامة
المتن، وتوافقه مع القرآن الكريم والسنة الفعلية، ومع شخصية المنسوب إليه فعلها،
أو قولها.

     وهكذا
نجد اجتهادات  الدكتور عدنان إبراهيم،
والدكتور جمال البنا، والمهندس محمد الشحرور، والمستشار سعيد العشماوي ذهبت  بعيدًا عن سياق آيات الحجاب والأحاديث النبوية،
فلا يوجد حديث نبوي واحد يشير إلى أنّ امرأة كشفت عن رأسها، وحديث أسماء واضح الذي
يشير فيه الرسول إلى وجهه وقبضة من ذراعه لتبديه الفتاة إن بلغت المحيض، ويدحض ذلك
عقاب الله لآدم وحواء بالعرى لعصيانهما أمر ربهما وأكلهما من الشجرة المحرمة، وما
جاء  في الإصحاح الخامس  في سفر العدد، نص يبين أنَّ المرأة اليهودية كانت
تلتزم بالحجاب ،فتغطي رأسها، ولا تمشي حاسرة الرأس، وعقابًا لها على خيانة زوجها
يُكشف شعر رأسها، وإليكم هذه الآيات  من
الإصحاح الخامس من سفر العدد :” كلِّم بني اسرائيل
وقل لهم إذا زاغت امرأة رجل وخانته خيانة، واضطجع معها رجل اضطجاع زرع  وأخفي ذلك عن عيني رجلها واستترت وهي نجسة وليس
شاهد عليها وهي لم تؤخذ . فاعتراه روح الغيرة وغار على امراته وهي نجسة أو أعتراه
روح الغيرة وغار على امرأته وهي ليست نجسة . يأتي الرجل بامرأته إلى الكاهن، ويأتي
بقربانها معها عشر الأيفة من طحين شعير لا يصب عليه زيتًا ولا يجعل عليه لبانا
لأنّه تقدمة غيرة تقدمة تذكار تذكر ذنبا . فيقدمها الكاهن و يقفها امام الرب . ويأخذ
الكاهن ماء مقدسا في إناء خزف ويأخذ الكاهن من الغبار الذي في ارض المسكن و يجعل
في الماء . ويُوقف الكاهن المرأة أمام الرب ويكشف رأس المرأة ، ويجعل في يديها
تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة وفي يد الكاهن يكون ماء اللعنة المر. ويستحلف
الكاهن المرأة و يقول لها إن كان لم يضطجع معك رجل وإن كنت لم تزيغي إلى نجاسة من
تحت رجلك فكوني بريئة من ماء اللعنة هذا المر .”[22]

ولم تكن المرأة اليهودية آنذاك في بيئة صحراوية
حارة تُثار فيها الأتربة، فتُغطي رأسها للوقاية من حرارة الشمس، ولحماية شعرها من
الأتربة، كما نجد الراهبات المسيحيات، وهنّ يعشن في بيئات معتدلة وباردة ويغطين
رؤوسهن.
وتظهر صور
بعض راهبات الطائفة الأرثوذكسية يرتدين لباسًا يستر الرأس بشكل كامل في جميع
المناسبات يطلق عليه اسم
apostolnik وهو الجزء الذي يميز لباسهن عن لباس
الرهبان.
هذا يؤكد أنَّ غطاء رأس المرأة  واجب على المرأة في كل الأديان السماوية، فإن
كانت تغطيه قبل الإسلام، وأقره الإسلام، فذلك لأنّ تغطيته أوجبها عليها، كما أوجبه
عليها في الديانتيْن السماويتيْن اليهودية والمسيحية، فتغطية النساء لرؤوسهن ليس
لسبب بيئي للوقاية من حرارة الشمس والأتربة، وليس لأنّه عادة جاهلية وضرورة بيئية
لا يُسوّغ للقرآن أن يمنعه لأنّ المرأة في حاجة إليه ليقيها من ضربات الشمس، كما
يقول الدكتور عدنان إبراهيم، لذلك لا يوجب عليها الالتزام به، فهل هذا يعني  أنّ ما أقره الإسلام من ما ورثه العرب عن دين
إبراهيم – عليه السلام – من مناسك الحج، وأبطل بدع المشركين التي أدخلوها على هذه
الفريضة من عند أنفسهم، غير ملتزمين باتباعها لإقراره ما كان موجودًا، أم أنّ
إقراره للشيء يعني تشريع وجوبه ؟

المصدر : جريدة أنحاء اليكترونية http://www.an7a.com/255259/

 


[1] – جمال البنا : المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء ،
ص28 ،،دار الفكر الإسلامي ،القاهرة.
[2] – المرجع السابق ،ص 29-،30.
[3] . كيف يقول هذا
فقد
  ذكر البخاري 
في كتاب اللباس من صحيحه باب السراويل؛ 
سؤال رجل مُحْرِم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما يلبس عند الإحرام فنهاه
عن القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف.
[4] – د. محمد شحرور : نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي ،ص 355 ،ط1 ،
2000م ،الأهالي للتوزيع ،دمشق ـ سوريا.
[5] – المرجع السابق : ص 372، 373.
[6] – المرجع السابق : ص 373.
[7] – المرجع السابق : ص 356.
[8] – المرجع السابق : ص 357.
[9] . سبأ: 28.
[10] . النور : 30-31.
[11]
.
النور : 60.
[12] . مروطهن : المروط جمع مرط ، وهو كل ثوب غير مخيط تتلفع به المرأة
، أو تجعله حول وسطها.
[13] . أزر : جمع إزار ، وهو ثوب يُحيط بالنصف الأسفل من البدن.
[14] . الحواشي : جمع حاشية ، والحاشية من كل شيء جانبه وطرفه.
[15] . رواه البخاري،
[16] . محمد ناصر الألباني : صحيح سنن الترمذي , أبواب الصلاة , باب ما
جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار . حديث رقم (311]
[17] . الجلباب
في اللغة هو جمع : جَلاَبِيبُ . [ ج ل ب ]. ( مصدر جَلْبَبَ ). :- اِرْتَدَى
جِلْبَابَهُ : : قَمِيصٌ وَاسِعُ طَوِيلٌ ، لَهٌ أَكْمَامٌ وَغِطَاءٌ لِلرَّأْسِ ،
يَلْبَسُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، وَهُوَ مِنَ الْمَلاَبِسِ الشَّائِعَةِ
بِالْمَغْرِبِ .[ المعجم الغني]وفي معجم اللغة العربية المعاصر معنى جلباب، هو:
1.قميص واسع يُلْبَس فوق الثِّياب كالجبة ونحوها،2. ثوب مشتمل على الجسد
كُلّه.3.ثوب واسع تشتمل به المرأة :- { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
جَلاَبِيبِهِنَّ }فمعنى كلمة أدنى الشيء في اللغة : قرب ، وأدنى الثوب: أي أرخاه
وأطاله، ولا يعني هذا أن تُغطي وجهك بثوبك، أو بجلبابك، ومعروف أنّ الجلباب : هو
الثوب الواسع الفضفاض وغير مشف، فكيف تغطي وجهك بثوبك، وفي نفس الوقت مطلوب منك
إرخاؤه وإطالته، لأنّك إن غطيّت وجهك بثوبك، فهذا يعني سترفعه عن ساقيك، فلكي تغطي
وجهك ستكشف عن ساقيك، فالذين يقولون بوجوب تغطية المرأة لوجهها ، يُعرّفون
الجلباب: بأنّه اللباس الواسع الذي يغطى جميع البدن وهو بمعنى العباءة تلبسه
المرأة من اعلى رأسها مدنية له مرخية له على وجهها وسائر جسدها ممتدا من الاسفل
حتى يستر قدميها وهذا الستر بالجلباب للوجه ولجميع البدن هو الذى فهمه نساء
الصحابة، فهذا يعني أن تغطي المرأة وجهها بجلبابها”

[18] . الأحزاب
:57-62.
[19] . ابن قدامة : المغني ،7/ 462.
[20] . النور : 32.
[21] . الممتحنة: 10.
[22]. الإصحاح الخامس من سفر العدد ، الآيات 12- 19.
 
Join the discussion