مراجعات على برنامج صحوة حلقة 13؛ كيف شبّكتنا الشبكات الاجتماعية

مراجعات على برنامج صحوة حلقة 13؛ كيف شبّكتنا الشبكات الاجتماعية

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

الثلاثاء 21/6/2016

أواصل مراجعاتي على برنامج صحوة الرمضاني الذي يذاع الخامسة
والنصف عصرًا في قناة روتانا خليجية ،ويقدمه الدكتور أحمد العرفج ، وضيفه الدائم
المفكر الدكتور عدنان إبراهيم ، ومن الحلقات التي تستدعي التوقف عندها  
حلقة (13) التي كانت بعنوان ” كيف شبّكتنا الشبكات الاجتماعية؟

والذي استوقفني في هذه الحلقة الآتي:

1.لقد كشفت لنا جوانب عن شخصية المفكر الفقيه العلّامة
الدكتور عدنان إبراهيم ، ولعه وحبّه للعلم وطلبه، والاطلاع  على علوم عصره
وفهمها، وهذا واضح من خلال خطبه ومحاضراته وأطروحاته أنّه موسوعي كثير الاطلاع،
ملك بكثير من العلوم المعاصرة، وهذا الجانب يفتقره معظم علماء الإسلام المعاصرين ،
بينما كان من العلماء القدامى من يغوص في بحور علوم عصره إلى جانب علوم الدين،
فكان منهم من يجمع بين الدين والعلم، وأضم صوتي إلى صوته بمطالبة علماء الإسلام
التزود بعلوم العصر، فهي من المتطلبات الأساسية لدى علماء الدين حتى يستطيعوا
إيجاد لغة تخاطب وتواصل مع الناس، ولا سيما مع الشباب، أمّا الذين يعيشون في
الماضي، وتقتصر معارفهم على ترديد أقوال وآراء وأحكام علماء قرون خلت، فلن يجدوا
لهم سامعًا، والذين يسمعونهم يصبحون سهلي الاختراق من قبل دعاة الإرهاب والإلحاد،
وهذا من أهم أسباب اختراق الجماعات الإرهابية لشباب الإسلام وكذلك دعاة ومخططو
الإلحاد، وقد ألمح الدكتور عدنان في حواره إلى وجود مخطط كبير يُحاك ضد الإسلام
والدول العربية والإسلامية بإيجاد الجماعات الإرهابية مثل القاعدة ، وداعش
وغيرهما.

2.عدم تطرّق الدكتور عدنان إلى مخطط دفع شبابنا إلى الإلحاد
، بدعوتهم إلي اعتناق الداروينية بدلًا من الإسلام ، والدكتور عدنان على علم بذلك
،وله محاضرات علمية قيّمة عن نظرية التطور موضحًا، ولكن  مخططو الإلحاد
استغلوا محاضراته في تضليلهم للشباب الذين أصبحوا داروينيين بزعمهم أنّ عدنان
إبراهيم مع الداروينية واستحسنها مستغلين عزوف شبابنا عن تقصي الحقائق وطلبها، وقد
فوجئتُ بهذا القول منهم عندما دخلت في حوارات مع بعضهم عبر الفيس بوك ، خاصة وأنا
تابعتُ بعض تلك المحاضرات، فقلت لهم كيف تقولون عنه ، وهو القائل :” لا أعتقد
شخصياً بوجود تعارض بين نظرية “داروين” ووجود خالق مبدع للحياة. كما لا أعتقد
أنّ المشكلة تكمن في مسألتيْ التطور وطريقة انبثاق الحياة ، بل في محاولة
استغلالهما كبديل لوجود الخالق وادعاء ظهور الحياة بطريقة ذاتية واعتباطية..”

وهذا القول باختصار يُبِّن موقف الدكتور عدنان إبراهيم من
الداروينية.

 هذا وفي هذه المراجعات سأتوقف عند:

أولًا:  ما يتعرض له عالمنا العربي على الخصوص من مخطط
كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل  لتقسيمه وتفتيته على أساس
ديني وعرقي ومذهبي، فأوجدوا القاعدة، وداعش ، والحوثيين لإشعال الحروب والفتن
وانتهاك للأموال والأعراض من قبل العرب والمسلمين؛ إذ أصبح العرب والمسلمون
يُحرّضون على قتال بعضهم البعض، لإضعافهم، وتقسيم دولهم إلى دويلات صغيرة على أساس
ديني وعرقي وطائفي، وهذا الجيل الرابع من الحروب، وللأسف الشديد لقد وجد
المُخطّطون لهذه الحروب والفتن في تراثنا الفكري الإسلامي، ومناهجنا الدراسية ما
يزكي في نفوس شبابنا جذوتي التطرف والإرهاب من جهة، وما يدفع البعض الآخر إلى نبذ
الإسلام والخروج منه لأنّ الذي اختطف الإسلام، وشوّه صورته، وجعْله دين إرهاب وعنف
وسفك دماء بعض المناهج الدراسية، وكتب التراث .

ثانيًا : سأحاول الإجابة عن الأسئلة التي طرحها الدكتور
عدنان عن الكيفية التي اخترق بها الإرهابيون عقول شبابنا للانضمام معهم عن طريق
شبكات التواصل الاجتماعي، وأضيف  كذلك الكيفية التي اخترق بها مخططو الإلحاد
عقول شبابنا

أولًا : مخطط التقسيم

    ليس وليد الأحداث ما شهده ويشهده العالم
وعالمنا العربي والإسلامي على الخصوص، منذ الثمانينات من القرن العشرين إلى وقتنا
الراهن من حروب(حربا الخليج الأولى والثانية)والحرب مع الحوثيين في اليمن، وفتن
وثورات(أُطلق عليها ثورات الربيع العربي)وعمليات إرهابية، وإسقاط الاتحاد السوفيتي
ثاني قوة في العالم لتكون أمريكا القطب الأوحد في العالم لتتمكن من تنفيذ مخططها،
وظهور جماعات إرهابية مسلحة(القاعدة)في الثمانينات، والذي كان له دور في إسقاط
الاتحاد السوفيتي طبقًا للمخطط الأمريكي و(داعش)التي انبثقت من تنظيم القاعدة
بالعراق أعقاب الغزو الأنجلو أمريكي للعراق، وفي(2014)أُعطي لها الضوء الأخضر من
الإدارة الأمريكية لاحتلال مناطق شاسعة من الأراضي السورية والعراقية وإعلان دولتها
لتنفيذ مخطط التفتيت، جميع هذه الأحداث وغيرها خطّط لها المستشرق اليهودي الصهيوني
الإنجليزي الأصل الأمريكي  الجنسية برنارد لويس الذي قدم إلى واشنطن
عام(1974م)ليكون مستشارًا لوزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط، وأستاذ لتاريخ الشرق
الأوسط والأدنى بجامعة”برنستون”، ومخططه يقوم على  تفكيك البلاد العربية
وإيران وأفغانستان وباكستان, ودفع شعوبها ليقاتل بعهم بعضًا لإضعافهم والاستيلاء
على بلادهم، وإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات ومن الأرز
إلى النخيل، والباقي منها يكون تحت النفوذ الأمريكي. وأوضح ذلك بالخرائط مبينًا
فيها التجمعات العرقية والمذهبية والدينية التي على أساسها يتم التقسيم، وسلم
مشروعه إلى بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد كارتر والذي قام بدوره بإشعال حرب
الخليج الثانية حتى تستطيع أمريكا تصحيح حدود سايكس بيكو ليكون متسقًا مع المصالح
الصهيوأمريكية، وقد اتهم أبو الحسن بني صدر أول رئيس جمهورية  لإيران بعد
الثورة  الحزب الجمهوري الامريكي بالتخطيط لأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين
في إيران وما تلاها من أحداث وصولًا إلى الحرب العراقية الإيرانية.

  وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية عام(1983)على
مشروع “لويس”، وتمَّ تقنينه واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية
الاستراتيجية المستقبلية التي يتم تنفيذها وبدقة واصرار شديدين، وجُعل
عام(2018)إتمام تنفيذه، ولعل ما حدث من احتلال لأفغانستان والعراق-وقد شارك لويس
في وضع استراتيجية غزو العراق-وما يحدث في المنطقة من حروب وفتن وثورات وإرهاب
يدلل على هذا الأمر.

  ومبررات لويس لتنفيذ مشروعه: “أنّ  العرب
والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضُّرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم
فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض
المجتمعات، فالحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير
ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، وعلى أمريكا الاستفادة من التجربة
البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتتجنب أخطاءهما ..، وليكن  شعار
أمريكا: إمّا أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم يدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة
احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية.
وهذا ما رددته أمريكا عند احتلالها
للعراق.                   

فما أحداث(11/9/2001)وتفجيرات باريس وبروكسل وغيرها إلّا من
صنع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، ودفع بن لادن الاعتراف بمسؤوليته عن تنفيذ
الأولى، والتخطيط لداعش تنفيذ عمليات إرهابية في أوربا ليثبتوا للعالم أنّ العرب
والمسلمين إرهابيون، إذا لم يُقض عليهم، سيُدمِّرون الحضارات، ويُقوضُّون
المجتمعات. 

ونلاحظ في مخطط لويس   التالي:

 أولًا: يعكس لنا مدى الحقد الصهيوني على العروبة وأهل
السنة على الخصوص، فلم يكف” لويس” هذا التفتيت، فألغى كلمة(عربية)من الدويلات التي
كونّها، وإلغاء مسميات كل الدول العربية وإيران والباكستان وأفغانستان، فلا 
وجود لدول مجلس التعاون واليمن ومصر والعراق وسوريا ولبنان.

ثانيًا: تكوين 7 دويلات سنية داخلية على الأغلب، فمنافذها
البحرية تكون منعدمة، فقيرة خالية من النفط.

وهي: نجد السنية في الوسط ليس لها أي منفذ بحري، والحجاز
السنية، وهي شريط غربي ضيق تمتد من شمال شبه الجزيرة العربية إلى اليمن جنوبًا،
مصر الإسلامية: عاصمتها القاهرة. الجزء المتبقي من مصر، ولها شريط ساحلي محدود
جدًا على البحر المتوسط، يراد لها أن تكون أيضًا تحت النفوذ الإسرائيلي(حيث تدخل
في نطاق إسرائيل الكبرى التي يطمع اليهود في إنشائها) دويلة سنية في منطقة حلب
وأخرى حول دمشق(سوريا)دويلة سنية في شمال لبنان عاصمتها طرابلس، دويلة إسلامية في
شمال السودان بعد اقتطاع منها دارفور لتكون دويلة مستقلة.

رابعًا: تكوين 4 دويلات شيعية تشمل مناطق البترول في الخليج
العربي، ومنافذ بحرية، هي: دولة الأحساء الشيعية تشمل المنطقة الشرقية بالسعودية،
وعُمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين، تجاورها دويلة شيعة أخرى
في جنوب العراق حول البصرة. دويلة علوية شيعية على ساحل البحر المتوسط مقتطعة من
سوريا، ودويلة سهل البقاع العلوية(عاصمتها بعلبك)خاضعة للنفوذ السوري شرق لبنان.

خامسًا: تكوين دولتيْن مسيحيتيْن  تمكّنت من تكوين
واحدة منها في جنوب السودان، ومنح الدولة المسيحية في مصر الجزء الأكبر من مصر، مع
أنّ عدد مسيحي مصر يشكلون 10% من سكان مصر، وأربع كانتونات مسيحية في لبنان منها
كانتون يخضع للسلطة الفلسطينية، وآخر يخضع للنفوذ الإسرائيلي.

خامسًا: إنشاء دويلة كردية غنية بالبترول تشمل الشمال
والشمال الشرقي حول الموصل، وأجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية
والتركية والسوفيتية سابقًا، ولهذا نجد ظهور داعش في المنطقة ليمهد قيام هذه
الدولة باستيلائه على مناطق الأكراد في سوريا، وقد سلّحت أمريكا أكراد العراق
للاستيلاء على المناطق الكردية التي استولت عليها داعش في سوريا، بينما رفضت تسليح
الجيش العراقي لمناهضة داعش، وستُعلن قريبًا دولة الأكراد الفيدرالية. وممّا يجدر
ذكره  أنّ مجلس الشيوخ الأمريكي قد صوّت على تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات
المذكورة أعلاه كشرط انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 29/9/2007، وطالب مسعود
برزاني بعمل استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق واعتبار عاصمته
محافظة(كركوك)الغنية بالنفط ونال مباركة عراقية وأمريكية في أكتوبر 2010 والمعروف
أنّ دستور”بريمر” وحلفائه من العراقيين قد أقر الفيدرالية التي تشمل الدويلات
الثلاث على أسس طائفية: شيعية في(الجنوب)/سنية في(الوسط)/كردية في(الشمال)عقب
احتلال العراق في مارس-أبريل 2003م.

سادسًا: دويلة النوبة المتكاملة مع الأراضي الشمالية
السودانية. عاصمتها أسوان. تربط الجزء الجنوبي الممتد من صعيد مصر حتى شمال
السودان باسم بلاد النوبة بمنطقة الصحراء الكبرى لتلتحم مع دولة البربر التي سوف
تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر، ونتوقف قليلًا هنا عند حملة المطالبة
بحقوق  المرأة الزنجية في مصر، فقد تأسست إحدى الجمعيات الأهلية في مصر
للدفاع عن حقوقها مستهدفة بالدرجة الأولى السيدات في الجنوب والنوبة، وتتولى
الإشراف عليها منظمة “بيكر أند ماكنزى” الأمريكية، بهدف إثارة مشاكل أهل الجنوب،
لانفصال النوبة عن مصر على غرار انفصال جنوب السودان.

سابعًا: دويلات الفلسطنيين:

1.   
.تصفية
الأردن ونقل السلطة للفلسطينيين.

2.دويلة فلسطينية على شمال سيناء، وكادت هذه الدويلة أن
يُعلن قيامها، ويكفى نظرة واحدة إلى الأحداث التي وقعت أثناء حرب غزة والتصريحات
التي خرجت من أمريكا وإسرائيل وقيادات حماس حول فتح سيناء لاستقبال الفلسطينيين
وقد أوقفتها ثورة الشعب المصري في30 يونيه التي أسقطت حكم الأخوان الذين وافقوا
على اقتطاع شمال سيناء لإقامة هذه الدويلة، والذي أصبح معقلًا للإرهاب
والإرهابيين.

 ثامنًا: دويلة للبربر، وثالثة للأمازيج، ورابعة
للبلساريو مقتطعة من ليبيا وتونس والمغرب والجزائر، وكما يبدو أنّ الأمم المتحدة
التي تسيرها الإدارة الأمريكية لتنفيذ مخطط التفتيت اللويسي الصهيوني، تدعم هذا
المخطط بدعمها إقامة دولة مسيحية في جنوب السودان، ووصف أمينها العام “بان كي
مون”، سيادة المغرب على الصحراء بـ”الاحتلال”، خلال زيارته الأخيرة التي قام بها
إلى موريتانيا والجزائر العاصمة، بالإضافة إلى مخيمات تندوف التي تسيرها جبهة
البوليساريو، وما احتجاج أوباما على هذه التصريحات إلّا احتجاجًا شكليًا، لأنّ
الإدارة الأمريكية وراءه، ووراء إثارة القلاقل في الصحراء المغربية على مدى سنوات
طويلة تمهيدًا لفصلها، ممّا اضطر المغرب تقديم مشروع منحها حكمًا ذاتيًا الذي يحظى
بتأييد فرنسي، وللأسف هذه خطوة لفصل الصحراء الكبرى عن دولة المغرب.

تاسعًا: تقسيم لبنان مع صغر مساحتها إلى سبع دويلات
وكانتونات، مع تدويل عاصمتها بيروت.

عاشرًا: تقسيم سيناء إلى ثلاث أقسام، دويلة فلسطينية شمال
سيناء، وجنوبها للنفوذ الإسرائيلي، وجزئ صغير لبدو سيناء.

حادي عشر: تقسيم إيران والباكستان وأفغانستان إلى عشرة
دويلات، فإيران ضمن المخطط، ومع هذا تتعاون مع الإدارة الأمريكية على تنفيذه بنشر
التشيع في دول شبه الجزيرة العربية، وإثارة الفوضى والبلبة بها والتجسس عليها
وتنفيذ عمليات إرهابية بها لإسقاطها ظنًا منها أنّ أمريكا ستمكنها من تحقيق حلمها
الصفوي، وفاتها أنّها تستخدمها كأداة لتنفيذ مخططها، ثم تنقّض عليها، كما فعلت
بصدّام حسين.

   هذا ما تخططه أمريكا وإسرائيل لنا، وللأسف
يساعدهما على تنفيذه المنظمات الدولية، وعملاؤهما من أبناء البلاد العربية، وممّا
لا شك فيه أنّ خطابنا الديني السائد ساعدها على ضم من شبابنا إلى داعش، وهنا أنتقل
إلى الإجابة عن أسئلة الدكتور عدنان

  ثانيًا : الإجابة عن تساؤلات الدكتور عدنان عن كيفية
اختراق عقول شبابنا للإيقاع بهم في مستنقع الإرهاب،
وأضيف إليه مستنقع آخر هو مستنقع الإلحاد.

فمع احترامي وتقديري لما طرحه الدكتور عدنان في 
إجابته في عجالة عن الأسئلة التي طرحها اختلف معه فيما ذكره” إذ تجاهل حقيقة هامة،
وهي أنّ خطابنا الديني السائد ، ومناهجنا الدراسية المبنية على هذا الخطاب
بمفاهيمه الخاطئة لبعض الآيات القرآنية المتعلقة بعلاقتنا بأصحاب الديانات والملل
الأخرى ، والجهاد والقتال والأسرى والمواريث، وكذلك المتعلقة بالمرأة وعلاقاتها
الأسرية والاجتماعية، والاستشهاد بأحاديث ضعيفة وموضوعة لتأييدها؛ إذ سيطرت على
عقولهم موروثات مجتمعاتهم الفكرية والثقافية قبل دخولها الإسلام ، وآفة تلك
المفاهيم الخاطئة فهمهم الخاطئ لآية (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ) بأنّ  القرآن ينسخ نفسه، وأضافوا أنّ السنة تنسخه أيضًا ، بل
بلغ بهم جعل صغير الماعز تنسخ قرآنًا بأكلها ما زُعم أنّهما آيتي الرجم وإرضاع
الكبير من تحت سريره صلى الله عليه وسلّم أثناء مرضه الأخير. فاستغل مخططو الإرهاب
والإلحاد كل هذه الثغرات وغيرها الممتلئ بها كتب التراث الإسلامي، والتي سبق وأن
ذكرت نماذج منها في مراجعاتي السابقة، ووضعوا مخطط عُرِف بمخطط (360) درجة، ونفذوا
من خلال تلك الثغرات إلى عقول أولادنا المعطّلة عن التفكير بموجب تربيتنا
التعليمية القائمة على التلقين، وعدم إعمال العقل( إذ يعتبرون الذي يعمل عقله يكون
من أهل الاعتزال)، وذلك من خلال دراسة فكر وشخصيات شبابنا عبر ما يكتبونه في مواقع
التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفيس بوك، فالمولعون بالعلم وإنجازاته، والتطور
التكنولوجي يستقطبونهم، ويعدون لهم برامج تدفعهم إلى الإلحاد من خلال دعوتهم إلى
دورات تدريبية لتنمية قدراتهم، ويدرسونهم في هذه الدورات علوم المنطق، والتاريخ
والعقيدة، والنظريات العلمية القائمة على إنكار وجود الخالق كالداروينية، ـوأنّ لا
وجود لله، وأن الكون والمخلوقات وجدوا بالصدفة ،وتطوروا طبقًا لنظرية التطوّر
والارتقاء، وفق رؤية معدي ومنظمي هذه الدورات بحيث تغيّر عقيدتهم وتوجهاتهم(360)
درجة، ويركزون على العلماء الملاحدةــ حتى بعضهم يقول جميع العلماء العباقرة الذين
حققوا إنجازات علمية ملاحدة، مثل أنشتاين، مع أنّه أعلن في آخر أيامه بأنّه مؤمن
بوجود الله ،وكثير من العلماء أسلموا عندما علموا بوجود آيات قرآنية تتحدث عن
حقائق علمية لم يتم اكتشافها إلّا حديثًاـ،  ـوتقبلوا منهم ما يقولونه عن أنّ
حفظ القرآن الكريم في اللوح المحفوظ فرضية وهمية لوجود الناسخ والمنسوخ، واختلاف
القرآن بالناسخ والمنسوخ يؤكد أنّه ليس من عند الله،  أي يقومون بعمل غسيل مخ
لهم، فينقلبون(360) درجة عكس على  ما كانوا عليه.

      وأمّا الميّالون إلى 
التدين، فيعطونهم دروسًا تعمّق فيهم التشدد والتطرّف الديني، وتبيّن لهم أنّ
الناسخ والمنسوخ والفتاوي التكفيرية والأحاديث الضعيفة والموضوعة من صحيح الإسلام،
وأنّ مجتمعاتهم وحكامهم وحكوماتهم كفرة يجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله.

  فأدعو هؤلاء وأولئك أن يسألوا أنفسهم لماذا كل هذا
الهجوم والانتقاد فقط  على القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه  دون
التوراة والإنجيل وموسى وعيسى عليهما السلام؟  ثمّ أدعوهم إلى إعادة قراءة
وفهم القرآن على أنّه الحقيقة الثابتة التي لا ناسخ فيها ولا منسوخ، ولنترك ما
يقوله المفسّرون، فلا يلتفتوا إلى قولهم بأنّ ما أسموها بآية السيف(فَإِذَا
انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ)[التوبة:5]قد نسخت جميع آيات الحرية في الدين والعقيدة، والتسامح
والتعايش مع ذوي الأديان والملل المختلفة، وجميع الآيات الآمرة بالصبر
والدعوة  بالحكمة والموعظة الحسنة.

 فالقائلون بالناسخ والمنسوخ  قد اختلفوا بين
أنفسهم  في عدد الآيات التي نسختها ما أسموها بآية السيف، فيقول هبة الله
المقري عددها(124)، بينما يقول ابن عطية(114)وقد نسخت  كل موادعة في القرآن”.
والاختلاف في حد ذاته دليل على عدم وجود أدلة ثابتة يقينية على النّاسخ والمنسوخ؛
إذ زعم أصحاب الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم أنّ ما أسموها بآية السيف(فَإِذَا
انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ)[التوبة:5] قد نسخت الآيات المتعلقة بمقاتلة غير المؤمنين
بالرسالة المحمدية، والمتعلقة بالحرية الدينية، والتي تدعو إلى الحوار والمجادلة
بالتي هي أحسن مع ذوي الأديان المختلفة، والصبر عليهم.

ولنتوقف عند بعض هذه الآيات:

 أولًا: فيما يتعلق بمقاتلة غير المؤمنين بالرسالة
المحمدية

1.(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا
تعتدوا)[البقرة: 190]يقول المقري صاحب كتاب الناسخ والمنسوخ :”كان هذا في الابتداء
ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم[
البقرة: 194]وبقوله(وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)[التوبة: 36]أي
جميعًا، وبقوله( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)

 أي أنّ ثلاث آيات نسخت(ولا تعتدوا) وهذا باطل، فهم
يريدون إعمال السيف والقتال، فادعوا نسخ ( ولا تعتدوا)

2.(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم
يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم)[الممتحنة: 8] نسخها الله تعالى بما
بعدها وهو قوله(إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين)[ الممتحنة:9]ونسخ
معنى الآيتين بآية السيف، وأوجدوا عقيدة الولاء والبراء بناءً على قولهم نسخ هذه
الآية.

 أقول للمتطرفين من أولادنا (دينيين ولا دينيين)لا
تلفتوا إلى أقوال القرطبي، والشوكاني والسيوطي، و  الفيروز آبادي، والسمرقندي،
وغيرهم، بأنّ  كان هذا قبل الأمر بالقتال، فنسختها آية السيف، فقد ألغوا حكم
هذه الآية بلا دليل، ولا يستطيعون الإتيان بدليل لأنّ لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن
الكريم.

ثانيًا: فيما يتعلّق بالحرية الدينية

1.(لا إكراه في الدين)وتكملة الآية(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ
اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيم)[البقرة: 256]

فهل(لا إكراه في الدين) هو الذي نُسخ ،وباقي الآية محكم؟ أم
جميعها نُسخ؟ ومن أين علموا بذلك؟ من أخبرهم، ولا يوجد نص عن الرسول الكريم 
يُشير إلي ذلك؟ فكيف يحكم الملحدون على القرآن بأنّ فرضية حفظه في اللوح المحفوظ
وهمية، وأنّ القرآن حكم على نفسه أنّه ليس من عند الله؟

2.(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[الكافرون:6]

3 .(وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم)[القصص:55]

4.(فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما أنت عليهم
بوكيل)[الزمر: 41]

5    . (فاعبدوا ما شئتم من دونه)[الزمر:15]

5،(ومن كفر فلا يحزنك كفره)[لقمان:24]نسخ معناها لا لفظها
بآية السيف وباقي الآية محكم(إلينا مرجعهم  فيُنبِّئُهُم بما عمِلوا)

6..(وَأَنْ أَتْلُوَا ٱلْقُرْءَانَ  فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ
فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ)[النمّل:
92]  نسخ معناها لا لفظها بآية السيف وباقيها محكم، ما هو دليلهم على ذلك؟ لا
دليل لديهم، مجرد أقوال مرسلة يتناقلونها كلها أقاويل لا توجد لدى قائليها أدلة
وبراهين على نسخها لأنّ لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم.

7(ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)[النحل:125]هذا
محكم(وجادلهم بالتي هي أحسن) منسوخ نسختها آية السيف وقيل بل آية
القتال(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ
الآخِرِ…)[التوبة:29] لاحظوا المسمى آية السيف، وآية القتال، وجعلوهما لغة الحوار
مع الآخر أيًا كان حتى لو كان يشهد بالشهاتيْن، وخالفهم الرأي.

8.(وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)[الحج:68]

9.(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ
الْجَمِيلَ)[الحجر:85]

10.(ادفع بالتي هي أحسن السيئة)[المؤمنون:96]

11.(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك)[طه: 130]وكان هذا
قبل أن تنزل الفرائض ثم صار ذلك منسوخا بآية السيف.

12.          
(فاصبر إنّ
وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون )[الروم:60] (فاصبر) منسوخ وباقي الآية
محكم. نلاحظ هنا كلمة الصبر هي المنسوخة فقط من الآية، واضح أنّ الذي ادعى النسخ،
بحث عن كلمات الصبر على ذوي الملل والأديان لينسخها، ويلغي حكمها ليجعل القتال هو
لغة التعامل معهم.

13.(فاصبر إنّ وعد الله حق)[غافر:55]

14.(واصبر وما صبرُك إلّا بالله)[النحل:127]نسخ الصبر بآية
السيف.

15.(فاصبر صبرًا جميلًا)[المعارج:5](

16.          
فاصبر إنّ
وعد الله حق فإمّا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون)[غافر:77] نسخ أولها
وآخرها بآية السيف.

17.(فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)[الأحقاف:35] 
نسخ الأمر بالصبر بآية السيف.

18.(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك)[طه:130]

19.          
واصبر لحكم
ربك فانك بأعيننا)[الطور:48] نسخ معنى الصبر الأمر بآية السيف وقد قيل والله أعلم
إنّ قوله فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون نسخ بآية السيف.[المقري: الناسخ
والمنسوخ، ص169]

20.(فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا)[الإنسان:
24]نسخ الصبر.(فاصبر لحكم ربك)[ن:48]ظاهرة محكم والمنسوخ منها أمره بالصبر نسخ
الله تعالى الصبر منها بآية السيف.[ ص183]

21.          
(فتوّل
عنهم)[القمر:6]نسخ معنى التولي بآية السيف وباقيها محكم.

22.(فذرهم يخوضوا ويلعبوا)[الزخرف:83]نسخ الله ذلك النهي
بآية السيف.[ص184]

23.(واهجرهم هجرا جميلا)[لمزمل: 10]نسخ الله ذلك بآية
السيف.[ص187]

24.(وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا)[المزمل:11]

25.(فلا تعجل عليهم)[مريم:84]هذا منسوخ وقوله(إنّما نعد لهم
عدًّا) هذا محكم نسخ المنسوخ منها بآية السيف.

26.(ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم)[الأحزاب: 48

27 (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)[مريم:39] نُسخ معنى
الإنذار منها بآية السيف.

28.(رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ
أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ
وَكِيلًا)[الإسراء:54]

29.( ما على الرسول إلا البلاغ )نسخ ذلك بآية السيف وباقيها
محكم.

30.          
(قل من كان
في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا)[مريم: 75]نسخ معناها بآية السيف.

31.(قل كل متربص فتربصوا)[طه:135]

32.          
(قل يا أيها
الناس إنّما أنا لكم نذير مبين)[الحج: 49] نسخ معنى الإنذار بآية السيف.

33.          
(فذرهم في
غمرتهم حتى حين)[المؤمنون:54]

34.          
(واعرض عن
المشركين)[الحجر:94]

35.          
(فإنّما عليك
البلاغ وعلينا الحساب)[الرعد:40]

36.(ذرهم يأكلون ويتمتعوا)[الحجر:3]

37.(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا
منهم)[طه:131]كان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم ثم صار ذلك منسوخًا بآية السيف.

38.(فأعرض عمن تولى عن ذكرنا)[النجم:29]نسخ الإعراض بآية
السيف.[المرجع السابق: ص171]

39.(ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا)[الإنسان:8]هذا
محكم في أهل القبلة (وأسيرا )هذا منسوخ بآية السيف وهو من غير أهل القبلة وهم
المشركون.[المرجع السابق:ص191]يعني الأسرى لا نطعمهم ولا نسقيهم، وقوانين الأسرى
الدولية استقيت من القرآن الكريم.

40.          
(وقل إنِّي
أنا النذير المبين)[الحجر:89]نسخ معناها لا لفظها.

41.(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
الْمُبين)[النحل:82]

42.          
(فَإِن
تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا
حُمِّلْتُمْ)[النور:54]نسختها آية السيف وباقي الآية محكم.

43.          
(وَقَالُوا
لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ
الله وإنّما أنا نذيرٌ مُبين)[العنكبوت:50]محكم والمنسوخ منها قوله تعالى:(وإنّما
أنا نذير مبين)فنسخ الله تعالى معنى الانذار بآية السيف. نسخ معناها لا لفظها وهي
قوله تعالى(إن أنت إلا نذير)[فاطر:23]

44.          
(فأَعْرِضْ
عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ)[السجدة:30]

45.(قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون)[سبأ:25]

46.(فإما منا بعد وإما فداء)[محمد:4]

47، 48، 49(ومن يضلل الله فما له من سبيل)إلى قوله فإنْ
أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا. إنّ عليك إلا البلاغ)نسخت بآية السيف[الشورى:
46-48]

50(فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم)[البقرة:192]هذا من
الأخبار التي معناها الآمر وتقديره فاعفوا عنهم واصفحوا لهم صار ذلك العفو والصفح
منسوخًا بآية سيف[المصدر السابق: ص 45]

وبعد بيان(50) آية من(124)التي نسختها آية السيف طبقًا لما
ورد في كتاب الناسخ والمنسوخ للمقري، وفي كتب التفسير، أقول: هؤلاء هم الذين
اختطفوا ديننا وجعلوه دين عنف وإرهاب، ماذا أبقوا منه؟ لقد جردوه من كل معانيه
وأحكامه السامية المتسامحة الرحيمة، وجعلوا لغة تخاطبه مع من يخالفنا في ديننا، بل
في فكر بعضنا البعض  هو السيف والقتال وقطع الرؤوس، وما تقوم به داعش وغيرها
من الجماعات  المسلحة التي نسبت نفسها إلى الإسلام، والإسلام منها براء إلّا
تطبيقًا لما جاء في الناسخ والمنسوخ، وما بُنيت عليه من فتاوى وأحكام تكفيرية،
وليس ما جاء في كتاب الله.

  القرآن(كتاب أحكمت آياته..)[هود:1](وإنّه لكتاب عزيز
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..)[فصلت: 41ــــــ42]وأنّه(في لوح
محفوظ)[ البروج:22]منذ الأزل،أمّا الذين يستدلون بآية:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً
مَّكَانَ آيَةٍ)[النحل:101]على نسخ آية من القرآن بأخرى، فهم مخطئون، فالآية هنا
المقصود بها المعجزة أي أنّه بدّل معجزات موسى بمعجزات عيسى، ومعجزات عيسى بالقرآن
الكريم الذي هو آية(معجزة) محمد
r،
ويوضح هذا المعني الآية التي بعدها(قُلْ نَزَّلَهُ
رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ..
)[102

    هذا وطبقًا لمزاعم القائلين بالناسخ
والمنسوخ في القرآن الكريم، أنّ آية القتال،  وهي:(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ
اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)[التوبة:29] نسخت الآيات التالية:

1.(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ
صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ)[البقرة: 62]

وجاء في تفسير الشوكان:” أنّ أبا داود أخرج في الناسخ
والمنسوخ وابن
جرير
وابن
أبي حاتم
عن ابن عباس في
قوله: إنّ
الذين آمنوا والذين هادوا
قال: فأنزل الله بعد هذا(ومن
يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة
من الخاسرين)[آل عمران:85]

نلاحظ هنا اختلافًا حول الآية التي نسخت(والذين هادوا
والنصارى)وهذا دليل على عدم صحة النسخ في القرآن.

2.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)[الأنفال:61]إلى ههنا النسخ.
وباقي الآية محكم نزلت في اليهود ثم صارت منسوخة[ص93]

3.(لا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)[العنكبوت: 46).

   يقول ابن كثير في تفسيره لآية مجادلة أهل
الكتاب بالتي هي أحسن، عن قول قتادة “قال قتادة وغير واحد:” هذه الآية منسوخة بآية
السيف، ولم يبق معهم مجادل، وإنّما هو الإسلام أو الجزية أو السيف”

  فليس لأنّ قتادة قال هذا نُلغي كلام الله، مع أنّ
الآية استثنت من مجادلة أهل الكتاب الظالمين منهم، والآية التي قيل إنّها الناسخة
لم تتكلم عن أهل الكتاب، وإنّما عن مشركي مكة الذين أوتوا الكتاب، وتوضح ذلك الآية
التي قبلها(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا)[التوبة: 2] الآية
الثانية تواصل الحديث عن مشركي مكة الذين لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر، ولا يُحرّمون
ما حرّم الله ورسوله، ولا يُدينون دين الحق، رغم أنّ الكتاب أتاهم(القرآن الكريم)،
فهذه الآية لا تتحدث عن أهل كتاب، وإنّما عن الذين أوتوا الكتاب، ومفهوم(الذين
أتوا الكتاب)يدل على الذين حصلوا على العلم واستيقنوا الحقيقة ونبذوها خلف ظهورهم
سواءً أكانوا من أهل الكتاب أم غيرهم، ومن هؤلاء مشركي مكة، فلا نقطع الآية من
سياقها!

لا حظوا: قال قتادة ـــ معروف بالتدليس ـــ ذلك دونّما أي
دليل على صحة ما يقول، فهو الذي قرّر أنّ آية(ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)قد نُسخت لأنّه يريد أن يفرض على أهل الكتاب:
الإسلام، أو الجزية، أو يقاتلهم، مع أنّ الآية تتحدث عمن أوتوا الكتاب في مكة،
وليس عن أهل الكتاب(اليهود والنصارى)فلم يكن لليهود وجود في مكة أمّا النصارى،
فكان وجودهم لا يُذكر، والوثنية هي التي كانت منتشرة في مكة إلى جانبها الحنيفية؛ إذ
كانت الديانة الأساسية لأهل مكة قبل الوثنية.

هذا أحد المنافذ التي نفذ منها مخططو الإرهاب والإلحاد إلى
عقول شبابنا، وتوجد منافذ أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

ولكي نحبط مخطط التقسيم للبلاد العربية ، ولنقضي على
الإرهاب والإلحاد من جذورهما لابد من تصحيح الخطاب الإسلامي بتصحيح المفاهيم
الخاطئة للآيات القرآنية المتعلقة بأصحاب الديانات الأخرى، وبالقتال وبحرية
العقيدة وبالأسرى والمواريث، وبالمرأة وعلاقاتها الأسرية والاجتماعية، وتنقية كتب
التراث من الموروثات الفكرية والثقافية الجاهلية، ومن الإسرائيليات والموضوعات،
ومن الفتاوى التكفيرية، وتحريم وسائل الترفيه والفنون، ولا يتم هذا إلّا بِ:

1.    تبني القيادات السياسية في الدول العربية مشروع تصحيح
الخطاب الديني بتكوين لجان من علماء الدين والمفكرين الإصلاحيين التنويريين مع
الاستعانة بعلماء مختصين في مختلف العلوم والمعارف ،  من مختلف دول العالم الإسلامي للقيام بتنقية كتب
التراث من كل الموروثات الجاهلية والموضوعات والإسرائيليات، وإعادة تفسير القرآن
الكريم طبقًا للفهم الصحيح له من خلال سياق الآيات ودلالاتها، وأمثال هؤلاء
العلماء  موجودين ،ولكن معتّم عليهم ،
ويتعرضون من قبل من المعارضين لأية حركة تصحيح إلى هجمات شرسة من التشكيك في
عقيدتهم ووطنيتهم لصرف النّاس عنهم، ومنهم كاتبة هذه السطور، والدكتور عدنان
إبراهيم .

2.    على العلماء والمفكرين الإصلاحيين والتنويريين أن يواجهوا
المتطرفين والمتشددين بمشاريعهم  التصحيحية
والإصلاحية بجرأة وشجاعة طالما أنّ حججهم قوية، وعلى الإعلام أن يدعمهم ويقف إلى
جانبهم وإيصال أصواتهم للنّاس من خلال تقديمهم في برامج توعوية تتيح لهم فرص عرض
مشاريعهم التصحيحية تسهم في تكوين رأي عام يُطالب بالتصحيح والإصلاح، وهذه أمانة
في أعناقنا جميعًا سنُسأل عنها يوم القيامة ، فنحن في وضع نكون فيه ، أو لا نكون.

المصدر : جريدة أنحاء اليكترونية http://www.an7a.com/255070/
Join the discussion