عضل الراشدات وزواج القاصرات (2)

عضل الراشدات وزواج القاصرات (2)

نحو
تصحيح الخطاب الإسلامي للمرأة

عضل
الراشدات وزواج القاصرات (2)

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

الإثنين 7/3/2016م

لقد بلغ عدد العوانس في المملكة العربية السعودية قرابة المليون والنصف ،
والمتوقع أن يصل عددهن أربعة ملايين في الأعوام المقبلة،  وحذر بذلك علماء النفس والاجتماع، ويأتي في
مقدمة أسباب العنوسة عضل البنات، وهو ظاهرة جد خطيرة ، قد تدفع ببعض المعضولات إلى



الانتحار،
أو الهروب من بيوتهن إلى مصير مجهول، أو الانحراف، أو إدمان المخدرات، أو الإصابة
بأمراض نفسية، وفي مقدمتها الاكتئاب، أو الإصابة بأمراض خطيرة كمرض السرطان الذي
من أسباب الإصابة به الشعور بالظلم والغبن والقهر، والفتاة المعضولة من أكثر الناس
شعورًا بالظلم والقهر لتعرضها لعنف بدني ونفسي ولفظي من قبل أسرتها لمطالبتها
بحقها الطبيعي في الحياة، فتُحرم من الأمومة والزوجية، وإن كبرت ومرضت لا يوجد أحد
يعتني بها ، وفي الغالب يكون مصيرها أحد دور العجزة ، والذين عضلوها لن يسألوا
عنها، بل هم الذين سيذهبون بها إلى دور العجزة ؛ ومن هؤلاء المعضولات طبيبات
وأستاذات جامعيات، ولقد رأى عدد من المعضولات أن يوصلن أصواتهن إلى علماء الدين
وهيئة كبار العلماء، ولجنة البحوث والإفتاء، ووزارة العدل بعدما أتهم أحد القضاة
الطبيبة المعضولة البالغة سن الأربعين بعقوق والدها لشكواه بعضلها، وأطلقن حملة
“كفى عضلًا”، ولكن لم نلمس استجابة من هؤلاء، بل فاجأتنا اللجنة التي ستتكون من
وزارة الشؤون الاجتماعية والمحاكم الشرعية، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية، وعدد
من المختصين في علم الاجتماع والنفس والتربية بأنَّها ستعمل على تصميم دليل عمل
لأقسام التوفيق بين راغبي الزواج في المملكة بالدعمين المالي والفني للحد من
العنوسة لارتفاع نسبتها، ، ولم تضع في خطتها دراسة أسباب العنوسة التي يأتي في
مقدمتها عضل البنات من قِبل أوليائهن:



1.   
 لإصرارهم على تزويجهن لقبليين، أو تخييرهن بين
الزواج والحرمان من الميراث.

2.   
 أو طمعًا في رواتبهن إن كنَّ موظفات، أو إسقاط
مكافأة الضمان الاجتماعي بزواجهن إن كنَّ من مستحقات الضمان.
3. أو
رغبة في خدمة ورعاية أولادهم إن كان الأولياء إخوة مطلقين.


وكما يبدو أنّ عضل البنات لم يهتم به حتى المقنِّنون والمُشرِّعون ففي القانون
الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي 1418هـ – 1997م الذي
يعد أحد مشروعات تقنين أحكام الشريعة الإسلامية التي أقرها وزراء العدل بدول
المجلس تنص الفقرة (أ) من المادة (9) من الباب الثاني “إذا طلب من أكمل الخامسة
عشرة من عمره الزواج وامتنع وليه عن تزويجه جاز له رفع الأمر إلى القاضي”. ولم
توجد في النظام مادة تنص على أنَّ إذ أكملت الفتاة الخامسة والعشرين وامتنع وليها
عن تزويجها جاز لها رفع الأمر إلى القاضي، فإن لم يزوجها القاضي لها أن تزوج نفسها
استنادًا إلى ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة.




وكأنَّ حق الزواج للذكور فقط، ومراعاة إشباع غرائزهم الجنسية حتى لو كانوا أطفالًا
قصرًا لا يستطيعون القيام بأعباء الأسرة ومسؤولياتها، وذلك لأنَّ المقنِّنين
والشرعيين والفقهاء رجال، فهم ينحازون لبني جنسهم، فيُشرِّعون ما يُشرِّعونه باسم
الإسلام، مع أنَّ ما شرَّعوه لا يتفق مع ما جاء في الصحيحين عن قوله عليه الصلاة
والسلام: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن
للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”، والرسول هنا خاطب الشباب ولم
يخاطب الصبيان، وحملهم مسؤولية زواجهم والإنفاق على أسرهم، ولم يلزم أولياءهم
بتزويجهم إن طلبوه، وهم غير مؤهلين لتحمل مسؤوليات هذا الزواج، بينما نجد
المقنِّنين والمشرعين لهذه الوثيقة لم يمنحوا المرأة البالغة الرشيدة حق رفع أمر
رفض وليها تزويجها إلى القاضي مع أنَّ الله نهى عن عضل البنات في قوله تعالى: (فلا
تعضلوهن).




وقد ذهب الحنفية إلى جواز تزويج الحرة المكلفة نفسها، بكرًا كانت أم ثيبًا،
رشيدة كانت أم سفيهة، كان لها ولي أم لم يكن ؛ فلا ولاية إجبار عليها. كما أجاز
أبويوسف من الحنفية، أن تزوج المرأة غيرها، وتتولى طرف العقد بنفسها على من تريد،
وينعقد نكاحها إذا كانت حرة بالغة عاقلة. واستدلوا بقوله تعالى (فلا تعضلوهن أن
ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف). وقوله عليه الصلاة والسلام عندما أتته
خنساء بنت خزام الأنصارية، تشكو أباها، الذي لم يأذن لها في الاختيار بين خطيبين،
وزوّجها من أحدهما دون رضاها “لا نكاح له، انكحي من شئت” وردّ َنكاح أبيها، وأذن
لها في الزواج بمن ترغب رغمًا عن وليها، وهو أبوها، كما استدلوا بتطليقه بنت
الصحابي الشهيد عثمان بن مظعون، عندما أرغمها عمها على الزواج من عبدالله بن عمر
بن الخطاب، وقال: (إنَّها يتيمة وإنَّها لا تنكح حتى تستأمر” وقوله: “الأيم أحق
بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها”، متفق عليه. كما رُوي عن
عائشة -رضي الله عنها-، أنّ فتاة جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا
رسول الله: “إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فأرسل الرسول -صلى الله
عليه وسلم- إلى أبيها وجعل الأمر إليها، فقالت: “إني أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن
تعلم النساء أنّ ليس للآباء من الأمر شيء”، أمَّا حديث “لا نكاح إلا بولي” فهو
مختلف في وصله وإرساله، واستدل فقهاء هذا الاتجاه، على جواز تزويج المرأة لغيرها
بما ورد “أنّ امرأة زوجت ابنتها برضاها فخاصمها أولياؤها إلى علي -رضي الله عنه-
فأجاز النكاح. وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- “أنّها زوجت المنذر بن الزبير
حفصة بنت عبدالرحمن وكان والدها غائبًا بالشام”.



   فلمَ لا نأخذ بما ذهب إليه الحنفية بإعطاء
المرأة حق تزويج نفسها، وتزويج غيرها؟ ولنضبطه ببلوغها الـ 25، وامتناع وليها
والقاضي عن تزويجها؟


   عندما
أصدر أحد قضاة المحكمة العامة بالمدينة المنورة حكماً بصرف النظر عن دعوى العضل
التي رفعتها طبيبة ضد والدها ،وطالبت فيها بنزع ولايته، لمنعها من الزواج حتى
تجاوزت 43 عاماً، وإلزام إعادة الطبيبة لوالدها، واعتبارها عاقة لرفعها قضية عضل
ضده ،قلنا إنّ هذا القاضي جانب العدل والإنصاف وخالف شرع الله الذي نهى عن العضل
،وأعطى للفتاة حق رفع قضية عضل ضده، ولكن أن تصادق محكمة التمييز على هذا الحكم
وتعتبر الطبيبة عاقة وتُلزم بالعودة إلى بيت أبيها ليمارس ضدها كل أنواع العنف،
كما مورس من قبل، حتى أنّها لجأت إلى إحدى دور الحماية الاجتماعية منذ  أكثر عشر سنوات بمساعدة أمارة منطقة المدينة مما
يُثبتُ ممارسة عنف ضدها من أهلها ،فهذه طامة كبرى، ولها دلالات خطيرة، أهمها:
إقرار عضل الآباء لبناتهم، وفي هذا مخالفة صريحة لقوله تعالى:( فلا تعضلوهن) كما
أنّ هذا الحكم يشجع الآباء على عضل بناتهم، وممارسة العنف ضدهن ،وإقرار التمسك
بالقبلية في الزواج، مخالفاً بذلك قوله صلى الله عليه وسلم» إذا جاءكم من ترضون
دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». رواه الترمذي.

فالكفاءة
في الدين والخلق ،فقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من زيد
بن حارثة مولاه ،وزوج فاطمة بنت قيس القرشية من أسامة بن زيد ، وهو وأبوه عتيقان
وتزوج بلال بن رباح الحبشي بأخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية القرشية وزوج أبو حذيفة
بن عتبة بن ربيعة القرشي ابنة أخيه الوليد سالماً مولاه ،وهو عتيق لامرأة من
الأنصار.
 

    والغريب
أنّ الفقرة (أ)من المادة (9) من النظام الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون
تنص على» إذا طلب من أكمل الخامسة عشرة من عمره الزواج وامتنع وليه عن تزويجه جاز
له رفع الأمر إلى القاضي» ولم يعتبر عاقاً، مع أنّه عين العقوق، فطفل لا يستطيع
إعالة نفسه، وأبوه ينفق عليه يجبر أباه على تزويجه، وإذا رفض يزوجه القاضي ويلزمه
بالإنفاق عليه وعلى زوجه، والطبيبة الجراحة البالغة من العمر 33 عاماً، عندما ترفع
قضية عضل ضد والدها تُعطّل القضية (10) سنوات ،ثُمّ يأتي هذا الحكم الذي غيب حقوق
هذه الفتاة التي أصبحت الآن في سن (43) فتُرفض دعواها وتُعتبر عاقة لوالدها!

 

 كمال
أهلية المرأة

   إنّ المرأة إنسان كامل الأهلية مثلها مثل الرجل تماماً، وللمرأة البالغة الرشيدة
حق إبرام وتوقيع عقود البيع والشراء والمداينة والرهن والوقف والهبة، وعقود
الصفقات التجارية ،ومع هذا محرم عليها أن تعقد عقد زواجها، أو زواج غيرها، ولها
أيضاً حق الولاية مثلها مثل الرجل، يوضح هذا قوله تعالى:( والمؤمنون والمؤمنات
بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر)، فالمرأة تولت الحكم وقد
أشاد الله جل شأنه بملكة سبأ كامرأة شورية، وبين القرآن أنّ دولتها كانت قوية (
قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ){النمل: 33}،
وقد أقرّها سيدنا سليمان على حكم سبأ بعد إسلامها. كما تولت المرأة الحكم في مختلف
العصور منها العصور الإسلامية، فمادام الخالق جل شأنه أعطاها الأهلية الكاملة،
وأعطاها حق الولاية والحكم ،وحق عقد العقود، فمن باب أولى تكون لها الولاية على
نفسها وعلى غيرها ما دامت بالغة رشيدة ،ومن حقها تزويج نفسها في حالة امتناع وليها
،والقاضي عن تزويجها بعد رفع الأمر إليه تواطؤاً منه مع وليها كما هي حال قضية
الطبيبة،فهذه الطبيبة اؤتمنت على أرواح الناس ألا تؤتمن على اختيار شريك حياتها؟ وأساساً
ليس من حق وليها أن يزوجها بدون رضاها ، وإن أقدم على ذلك، يفسخ العقد إن لم تجزه.
 

  وحديث”
الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ” فيه دلالة واضحة على جواز
تزويج الأيم نفسها؛ حيث جعلها عليه الصلاة والسلام أحق بنفسها من وليها، والأيم هي
المرأة التي لا زوج لها سواء أكانت بكراً أم ثيباً، وهذا يدل على عدم اشتراط الولي
في عقد النكاح،وتزويج السيدة عائشة رضي الله عنها لابنة أخيها عبد الرحمن عندما
كان بالشام فيه دلالة قاطعة على جواز مباشرة المرأة لعقد نكاح غيرها، وبالتالي
يجوز لها مباشرة عقد نكاحها من باب أولى.

أمّا الاستناد على حديث(لا ينكح النساء إلاّ الأكفاء، ولا يزوجهن إلاّ
الأولياء)فهو حديث موضوع ،فقد قال أبو أحمد بن عدي:» هذا الحديث مع اختلاف ألفاظه
في المُتون واختلاف إسناده باطل كله، لا يرويه إلاّ مبشر؛ قال أحمد: مبشر ليس
بشيء، أحاديثه موضوعات كذب، يضع الحديث، وقال الدار قطني يكذب.{انظر: كتاب
الموضوعات من الأحاديث المرفوعات للإمام ابن الجوزي حديث رقم1264،1265}



وحديث
“لا نكاح إلاّ بولي” ضعيف، ومختلف في وصله وإرساله، فروي من وجوه أخرى
مرسلاً في الموطأ للإمام ماك بن أنس،   والمصنف لابن أبي شيبة ومن وجه آخر موصولاً
بإسناد ضعيف منقطع ،وقال عنه ابن حزم هذه صحيفة لا يُحتج بها، والصحيفة لغة: اسم
مفعول من التصحيف، وهو من يخطئ في قراءة الصحيفة فيغير بعض ألفاظها، اصطلاحاً:
تغيير الكلمة في الحديث إلى غير ما رواها الثقات لفظاً أو معنى.
 

 

ومعروف أنّ للمرأة سناً معيناً للإنجاب، فمن الناحية البيولوجية لا تستطيع
المرأة الإنجاب عند انقطاع الطمث عنها، إضافة إلى أنّ حمل السيدة فوق سن 35
يُعرضها إلى مخاطر صحية، كما ينتج عنه إصابة الجنين بتشوهات خلقية، مثل متلازمة
داون،،فلماذا نعرضها هي وجنينها لهذه المخاطر بتأخير سن زواجها؟ وتأخير سن زواجها
يُفوِّت عليها فرص الزواج من شاب من سنها لم يسبق له الزواج.

فأناشد
معالي وزير العدل أن يصدر نظاماً يمنح المعضولة من قبل وليها والقاضي حق تزويج
نفسها بناءً على مذهب أبي حنيفة، ويضبط ببلوغها 25 سنة .

للحديث صلة.

 

 

 

 






 





 

 



     


 
Join the discussion