انتقاص أهلية المرأة(3)

انتقاص أهلية المرأة(3)

خاص بمدوّنة الدكتورة سهيلة
زين العابدين حمّاد

انتقاص أهلية المرأة(3)

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

16/2/2016

  أواصل
الحديث عن انتقاص أهلية المرأة ، فمن ذلك:

ثامنًا:  المفهوم الخاطئ لتفسير آية (أومن
ينشّأُ في الحِليةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)[1]

والسؤال الذي يطرح نفسه
هنا لماذا معظم علماء الإسلام وفقهائه ومُحدّثيه يتركون الآيات القرآنية قطعية
الدلالة التي تعطي المرأة حق الولاية، مثلها مثل الرجل، ويأخذون برواية مفردة،
وراويها لا تقبل روايته لأنّ الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حدّه حدّ القذف،
وطلب منه التوبة ولم يتب، ومع هذا قبلوا روايته مخالفين قوله تعالى:(ولا تقبلوا
لهم شهادة أبدًا … إلّا الذين تابوا)[2]

سنجد الجواب عن هذا
التساؤل من خلال تفسير كبار المفسّرين من مختلف العصور بما فيها عصرنا الراهن  لقوله تعالى:
(أومن
ينشّأُ في الحِليةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)[3]؛
إذ نجدهم حكموا على المرأة بموجب نشأتهم ونظرة مجتمعاتهم إليها، وابتعدوا عن نظرة
الإسلام لها، وتجاهلوا
أنّها إنسان كاملة الخلقة 
ينطبق عليها قوله تعالى:(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) تحمل أمانة
الاستخلاف مثلها مثل الرجل، ومساوية له في الشورى والبيعة والولاية، وإجارة
المحارب، وفي العبادات والتكاليف، وفي 
العقوبات من حدود وقصاص وتعزيرات، كما فاتهم مشاركتها في تأسيس دولة
الإسلام الأولى، فكانت أول مستشار في الإسلام، امرأة ،وأول شهيدة في الإسلام
امرأة، وأول من أؤتمن على سر الهجرة امرأة، وأول من أؤتمن على حفظ النسخة الوحيدة
للقرآن الكريم امرأة، وأوّل من تولى الحِسبة امرأة، بايعت وقاتلت وناصرت الإسلام
ورسوله صلى الله عليه وسلّم.

تفسير
بعض المفسّرين لآية (أو من يُنشّأ في الحلية)

تفسير
الإمام الطبري(ت 310هـ/ 922م)

 جاء في تفسير الإمام عن قتادة
(أو
من ينشأ في الحلية) يقول: جعلوا له البنات وهم إذا بشر
أحدهم بهن ظل وجهه مسودا وهو
كظيم. قال: وأما قوله: (وهو في الخصام
غير مبين) يقول: قلما تتكلم امرأة فتريد أن
تتكلم
بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.

تفسير الإمام الفخر
الرازي(ت606هـ/ 1209م )

قال في تفسير هذه
الآية:” المراد من قوله (أومن ينشأ) التنبيه على نقصانها، وهو أنّ الذي يربى
في الحلية يكون ناقص الذات، لأنّه لولا نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها
بالحلية، ثم بيّن نقصان حالها بطريق آخر، وهو قوله: (وهو في الخصام غير مبين) يعني
أنّها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت ،وكانت غير مبين، وذلك لضعف لسانها،
وقلة عقلها، وبلادة طبعها، ويُقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلاّ
تكلّمت بما كان حجة عليها، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها، فكيف يجوز إضافتهن
بالوالدية إليه.”[4]

تفسير الإمام القرطبي(ت
671هـ/ 1272م)

يفسر الحلية بالزينة،
ويستدل بما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره يزنهن الجواري زيهن غير زي الرجال،
ويفسر قوله تعالى(وهو في الخصام غير مبين) أي في المجادلة والإدلاء بالحجة، ثم
يستدل بمقولة قتادة التي استدل بها المفسرون الذين سبقوه وتلوه.[5]

تفسير الإمام ابن كثير(ت 774هـ/ 1372م)

    وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى:(أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ
فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)[6]
، يقول:” أَيْ الْمَرْأَة نَاقِصَة
يَكْمُل نَقْصهَا بِلُبْسِ الْحُلِيّ مُنْذُ تَكُون طِفْلَة وَإِذَا خَاصَمَتْ
فَلَا عِبَارَة لَهَا بَلْ هِيَ عَاجِزَة عَيِيَّة أَوَمَنْ يَكُون هَكَذَا
يُنْسَب إِلَى جَنَاب اللَّه الْعَظِيم؟ فَالْأُنْثَى نَاقِصَة الظَّاهِر
وَالْبَاطِن فِي الصُّورَة وَالْمَعْنَى فَيَكْمُل نَقْص ظَاهِرهَا وَصُورَتهَا
بِلُبْسِ الْحُلِيّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِيُجْبَر مَا فِيهَا مِنْ نَقْص كَمَا
قَالَ بَعْض شُعَرَاء الْعَرَب وَمَا الْحُلِيّ إِلَّا زِينَة مِنْ نَقِيصَة …
يُتَمِّم مِنْ حُسْن إِذَا الْحُسْن قَصَّرَا وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَال
مُوَفَّرًا … كَحُسْنِك لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرَا وَأَمَّا نَقْص
مَعْنَاهَا فَإِنَّهَا ضَعِيفَة عَاجِزَة عَنْ الِانْتِصَار عِنْد الِانْتِصَار
لَا عِبَارَة لَهَا، وَلَا هِمَّة كَمَا قَالَ بَعْض الْعَرَب وَقَدْ بُشِّرَ
بِبِنْتٍ مَا هِيَ بِنِعْمَ الْوَلَد نَصْرهَا بُكَاء وَبِرّهَا سَرِقَة.
[7]

تفسير الإمام البيضاوي:(ت 791هـ/ 1388م)

   يفسر الإمام البيضاوي هذه الآية بقول:” أي
أو جعلوا له، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات(وهو في الخصام) في
المجادلة(غير مبين) مقرراً لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي، ويجوز أن يكون من
مبتدأ محذوف الخبر، أي أومن هذا حاله، ولده وفي الخصام متعلق بمبين، وإضافة غير
إليه لا يمنعه لما عرفت.” [8]

تفسير الإمام السيوطي:(ت
911هـ/ 1505م)

 يقول الإمام السيوطي في تفسير هذه الآية:”
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما( أومن ينشأ في الحلية) قال: هن
النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة،
وسماهن بالخوالف. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ،وابن جري، وابن المنذر، عن قتادة
رضي الله عنه في قوله:(أومن ينشأ في الحلية) قال: جعلوا لله البنات.. وأمّا قوله:(
وهو في الخصام غير مبين) قال: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، إلاّ تكلّمت
بالحجة عليها”[9]

تفسير مهذب تفسير
الجلالين:

وجاء في مهذب تفسير
الجلالين تفسيرًا لهذه الآية:” مظهر الحجة لضعفه عنها بالأنوثة.”[10]

تفسير الإمام الشوكاني:(ت
1250هـ/ 1834)

    يقول الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية:” معنى يُنشّأ: يربى ،النشوء:
التربية، والحلية الزينة، ومَن في    محل
نصب بتقدير مقدّر معطوف على جعلوا، والمعنى أي جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربى في
الزينة، وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته، ودفع
ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعّف رأيه. قال المبرد: تقدير الآية أو يجعلون له
من ينشأ في الحلية أي ينبتُ في الزينة. قرأ الجمهور (ينشأ) بفتح الياء وإسكان
النون، وقرأ ابن عباس والضحّاك، وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي، وخلف بضم الياء
وفتح النون، وتشديد الشي، واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار الثانية أبو
عبيد. قال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد، والمعنى
يربى ويكبر في الحلية، قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلاّ تكلّمت بالحجة
عليها، وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب
وفضة.”[11]

تفسير الشيخ محمد علي
الصابوني:

وهو من المفسرين
المعاصرين، ولكنه نقل من السابقين له، فقال في تفسير هذه الآية: أي يجعلون لله
وينسبون إلى مقامه العظيم، من يُربّى في الزينة، وهو غير قوي الحجّة والجدل، وهن
الإناث  ثم ينقل مقولة الإمام ابن
كثير  بأنّ المرأة ناقصة في الصورة
والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها بلبس الحلي ليجبر ما فيها من نقص ، كما قال بعض
الشعراء:

   وما الحلي إلاّ زينة من نقيصة يتمم من حسن ٍ إذا
الحُسن قصّرا [12]

  وهذا القول مناقض لقوله تعلى:(لقدْ خلقْنا
الإنسان في أحسن تقويم)[13]،
فكيف يترك كلام الخالق ويُستشهد بكلام المخلوق؟

  ثم يكمل مقولة ابن كثير  عن نقص المعنى، فيقول:” فإنّها ضعيفة
عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب، وقد بشر ببنت” ما هي بنعم الولد نصرها
بكاء ، وــبرهـــــــــــــــــــا سرقــــــــــــــــــة.”[14]

تفسير الشيخ سيد طنطاوي:

  يقول فضيلة الشيخ
سيد طنطاوي شيخ الأزهر ــــ رحمه الله ـــ في كتابه الوسيط لتفسير القرآن الكريم
في تفسير قوله تعالى
:(أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) والاستفهام
للإنكار، وكلمة (من) عبارة عن جنس الإناث. وهى في محل نصب بمضمر معطوف على (جعلوا)
و (ينشأ ) يربى وينشأ. يقال  نشأ فلان في
بنى فلان، إذا شب وترعرع فيهم و( الحلية ): اسم لما يتحلى ويتزين به ،أي: أيجترئون
ويجعلون لله – تعالى – الإناث، اللائي من شأنهم أن ينشأن في الزينة، لأنّ هذه
الحياة هي المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدي، واللائي من شأن معظمهن أنهن لا يقدرون
على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن وقصورهن في الجدال وفى بيان الحجة التي ترد الخصم،
وتزيل الشبهة . .فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء
أدبهم، حيث إنّهم نسبوا إلى الله – تعالى – الإناث اللائي من شأنهن النشأة في
الحلية والدعة والنعومة، فصرن بمقتضى هذه النشأة، وبمقتضى تكوينهن البدني والعقل،
لا يقدرن على جدال أو قتال . . بينهما نسبوا إلى أنفسهم الذكور الذين هم قوامون
على النساء.” [15]

 

أثر الموروث الفكري
والثقافي على تفسير المفسرين للآية (
أَوَمَن
يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)

 بعد هذا العرض لآراء كبار مفسري القرآن الكريم
الذين يمثلون مختلف الحقب التاريخية، تبيّن لنا مدى تحكم الموروث الفكري والثقافي
في عقولهم ونفوسهم، حتى نجدهم ابتعدوا عن المقصود القرآني من الآية، وعمّموها على
كل النساء  وكأنّ كل نساء العالم ينشأن في
القصور ويُربين علي البذخ والترف والزينة، ثمّ ليس كل من يُربى في القصور وفي
الزينة يكون ضعيف الحجة، فالملوك والأباطرة يربون في الحلية والبذخ والترف، ولكن
يصبحون حكامًا، فالإنسان طبقًا لما تربى ونشأ عليه، وهذا المقصود من الآية: فكل من
يُنشّأ في الزينة والترف دون تحمّل أية مسؤولية، ودون تعليم وتثقيف وتدريب على
استعمال العقل والحجة سيكون ضعيف الحجة والبيان، وهذا ليس خاص بالنساء كما يقول
المفسرون، ولكنه يشمل الرجال أيضًا، فيوجد من الرجال ممن نشأوا في القصور على
الترف والبذخ ممن يتصفون بضعف العقل والحجة، فكانت
رضية بنت التمش: ملكة
من ملكات الهند كانت ذات سلطة ونفوذ وإدارة .ارتقت الملك في 18 ربيع الأول سنة
634هـ /1236م بعد خلع أخيها ركن الدين فيروز شاه، وهي خامس ملوك دولة المماليك
بالهند، وقد أبى الأمراء في أول الأمر أن يقسموا لها يمين الطاعة، ولكنها بحزمها
وحسن تدبيرها تمكنت من إخضاع البلاد كلها لسلطانها، وكانت السلطانة رضية تملك كل
الصفات التي تؤهلها لتولي الملك، وإدارة شؤون المملكة، فكان والدها إذا تغيب في
حروبه ينيبها عنه في إدارة أعمال حكومته مفضلًا إياها على أبنائه الذكور ،ولمَّا
سأله أمراؤه لماذا اختار ابنته بدل أحد أبنائه في نيابة المملكة ،أجاب: إنَّ
أولاده انهمكوا في الشرب واللعب فإدارة المملكة صعبة عليهم ،أمَّا رضية بيكم ـــــ
لفظة فارسية معناها أميرة ـــــ  فمع
إنَّها امرأة لكن لها عقل وقلب رجل ،ولمَّا تبوأت عرش المملكة أظهرت من حسن
الإدارة ما يؤيد هذا الوصف عنها فإنَّها خلعت الملابس النسائية ،ولبست الحلة
الملكية وشرعت تباشر أعمال المملكة بنفسها وتنظر في القضايا المعروضة عليها، وتفصل
فيها بالعدل والقسطاس المستقيم، وكثيراً ما قادت جيوشها بنفسها، وتآمر أخوها على
خلعها، حسداً منه لما بلغت من مكانة، ولم يفلح، وتوفيت سنة 637هـ/ 1239م [16].

ثم هل كل الإناث يُربين
في القصور والترف؟

  إنّ معظمهن يعشن حياة بسيطة متواضعة وكثيرات
منهن يعشن في فقر مدقع، وقليلات أولئك اللواتي يعشن في القصور ويُربيْن على البذخ
والترف، فليس من العدل أن تعمم القليل ،وتجعله على المطلق، وبه تعمم حكمك على كل
النساء، وتنسب هذا الحكم للخالق جل شأنه، فتقوِّله مالم يقله!!!!

الرد على مقولة قتادة
” قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلاّ تكلّمت بما كان حجة
عليها”

هذا ما سأبحثه في الحلقة
الأخيرة إن شاء الله، فللحديث صلة.

 


[1] . الزخرف : 18.
[2] . النور : 4-5.
[3] . 
الزخرف : 18.
[4] . الإمام الفخر الرازي: التفسير الكبير، 9624.
[5] . القرطبي:  الجامع لأحكام القرآن،8 67.
[6] . الزخرف: 18.
[7] . ابن كثير : تفسير سورة الزخرف.
[8] . البيضاوي:  تفسير البيضاوي
،المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 2370
[9] .الإمام السيوطي: الدر المنثور في التفسير المأثور، 5 718.
[10] . مهذب تفسير الجلالين بمشاركة الشيخ علي بن مصطفى مخلوف وآخرون،
ص 490،ااطبعة الأولى، سنة 1423هــ 2002م،
[11] . محمد بن علي بن
محمد الشوكاني: فتح القدير  4 687، 688.
[12] . الشيخ محمد علي
الصابوني: التفسير الواضح الميسر، ص 1231.
[13] . التين : 4.
[14] . المرجع السابق
: ص 1231.
[15] . http://www.altafsir.com
[16] . أعلام النساء لكحالة
،1/448ـ 451.
 
Join the discussion