انتقاص أهلية المرأة(2)

انتقاص أهلية المرأة(2)


خاص بمدوّنة
الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد

انتقاص أهلية
المرأة(2)

د. سهيلة زين
العابدين حمّاد

الأحد 14/2/2016م

بيّنتُ في
الحلقة الماضية أنّ من انتقاص أهلية المرأة حديث” نقصان عقول ودين
النساء” وتعميم شهادة امرأتيْن برجل واحد، وقد بيّنتُ ضعف الحديث، وتصحيح
مفهوم آية (
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ
رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا
الأُخْرَى)[1]

وسأواصل في هذه الحلقة المفاهيم الخاطئة لبعض الآيات أدت إلى
انتقاص أهليتها:

ثالثًا : تعميم للذكر مثل حظ الأنثيين الواردة في قوله تعالى:( يُوصِيكُمُ
اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)مع أنّ الخطاب
في الآية الواضحة (يوصيكم الله في أولادكم)وكلمة أولاد تشمل الذكور والإناث،
ليس في كل الحالات، فإن كان
من الأولاد أُنثييْن وذكر، فللذكر مثل حظهما معًا، وفي الحالات التي يكون فيها عدد
الإخوة، فيهم الذكور والإناث(وَإِنْ كَانُوا إخوة رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)ولكن (
فَإِنْ كُنَّ
نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)،أي ولد ذكر واحد،
والبنات فوق اثنتين، وليس اثنتيْن وما فوق- كما يُدرّس في علم الفرائض، ووارد في مدونات
الأحوال الشخصية ، فلهن الثلثان، والباقي للولد،(وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا
النِّصْفُ) والباقي للولد، . وبالرجوع لآية المواريث رقم (11)من سورة النساء تتضح
هذه الحقائق(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا
مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ)

رابعًا : تعميم القوامة الواردة في
قوله تعالى : (
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[2]،وتحويل
معنى قوّام التي تعني خدمة ورعاية من هو قوّام عليهم إلى قيّم التي تعني الاستعباد
والاسترقاق كما جاء في تفسيرالإمام  ابن
كثير لها، فجعلوا بذلك كل الرجال قيّمين على كل النساء مستبعدين شرطي القوامة
الواردة في الآية الكريمة، وهما الأهلية والإنفاق، وبذلك جردوا المرأة من حق
الولاية الخاصة على نفسها وأولادها، وحق الولاية العامة، وجعلوها كالرقيق ، وهذا
يُفسر لنا مقولة للإمام الزهري” لا يقتل الرجل في امرأته لأنّه ملكها بعقد
النكاح”، ومقولة ابن القيم في إعلام الموقعين”
إنّ
السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته، حاكم
عليها، وهى
تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير”، ومقولة ابن علي
الجوزي في أحكام النساء:”
وينبغي
للمرأة أن تعرف أنّها كالمملوك للزوج ….وينبغي لها  الصبر على أذاه كما يصبر المملوك”[3], ونسبة السرخسي في مبسوطه
مقولة
” النكاح رق فلينظر أحدكم
أين يضع كريمته” إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وبالتالي لن يتقبّل الرجل ولاية
المرأة عليه طالما أنّه يعتقد أنّ الله جعله قوّامًا وقيمًا على كل نساء الدنيا؛
إذ نجد الكثير يردد(الرجال قوّامون على النساء) في أي أمر يتعلق بولاية للمرأة،
حتى في عضويتها لمجالس الشورى، والمجالس النيابية، بل  في رئاستها لجمعيات خيرية.

خامسًا : .القول”
لا ولاية لامرأة
” استنادًا على حديث أبي بكرة ,
وهو” لن يفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة ” لا يؤخذ به للأسباب التالية:

1.   
تناقضه مع
قوله تعالى(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر)[4].

2.   
تناقضه مع
آية البيعة: ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يُبايعنك …….فبايعهن..) [5]

3.   
تناقضه مع
قوله تعالى ( إنّ اللهَ يأْمُرُكُم أنْ تُدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حكمتم
بين النّاس أن تحكموا بالعدل)[6]

4.   
تناقضه مع
إشادة الخالق جل شأنه بملكة سبأ لكونها امرأة شورية , وبيان قوة دولتها في قوله
تعالى على لسان قومها (نحن أولو قوة وأُؤلوا بأْسٍ شديد)[7]. وهذه دلالة على فلاح قومها بتولي
امرأة عليهم؛ إذ وصلت حدود مملكتها إلى يثرب وشمال الجزيرة العربية، ولو كان لا
ولاية لامرأة لبيَّن الخالق ذلك في هذه الآيات، واستنكر حكمها لقومها، بل نجد
سيدنا سليمان عليه السلام قد أقر ملكة سبأ على حكم اليمن بعد إسلامها.

5.   
الحديث رواية
مفردة، فلم يروه إلّا عبد الرحمن بن أبي بكرة، والروايات المفردة لا يعتد بها في
الأحكام الفقهية.

6.   
لا تقبل
رواية راوي هذا الحديث لتطبيق حد القذف عليه، ولم يتب، وقد طبّق عليه هذا الحد
الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد قال الله عزّ وجل عمن حُدّ حدّ
القذف( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا … إلّا الذين تابوا)[8]

            أمّا القول إنّ هذا الحديث أورده
البخاري في صحيحه, فالإمام البخاري ليس بنبي معصوم من الخطأ ,وإنّما بشر, وقد
انتقد ابن حجر صحيح البخاري في كتابه فتح الباري بإيراده المرسل، وما ينبغي أن
يورد مرسلًا في صحيحه, وذلك لإيراده في باب “تزويج الصغار من الكبار”
حديث رقم 5081، حديثًا مرسلًا, وهناك من انتقد على الصحيحيْن مائتيْن وعشرة أحاديث
كابن حجر في مقدمة الفتح والدارقطني وغيرهما من الحفاظ، وبينوا وجود ضعف ووهم في
بعض رواتهم، وقد ضعَّف الشيخ الألباني أحاديث للبخاري.

سادسًا:
تنصيف دية المرأة
.. إنّ الاجتهاد الفقهي بتنصيف دية المرأة
الذي أُعتمد، وأُخذ به أهمل النص القرآني (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ) كما يقول العلماء في المقصود
بـ ( مؤمنًا): هذه نكرة في سياق الشرط والنكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق
النفي تعم، ولذلك تعتبر من ألفاظ العموم. فكلمة (مؤمن) تشمل الذكر والأنثى، وبهذا
فلا توجد في القرآن أية آية تدل على تنصيف دية المرأة بالنسبة لدية الرجل, وأخذ
بزيادة موضوعة في حديث صحيح؛ إذ لا يوجد حديث صحيح يدل على تنصيف دية المرأة، وقد
اعتمد الفقهاء في تنصيف دية المرأة جملة” دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ
مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ” التي أضافها البيهقي من عنده لحديث عمرو بن حزم”
وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل”، ويقول ابن حجر العسقلاني عن هذه الجملة:
هذه الجملة ليست موجودة في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنّما أخرجها البيهقي! وهذا
أمر خطير، وهي أن تُضاف جملة إلى حديث لم تكن موجودة فيه، ويؤخذ بها، ويترك النص
القرآني، والجزء الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم!

سابعًا : تحويل
معنى قوله تعالى(وليس الذكر كالأنثى)
إلى أفضلية
الذكر على الأنثى، عكس معنى الآية، فالمقصود في الآية الأنثى التي وُهبت خير من
الذكر الذي نذرتيه لخدمة بيت المقدس, فالأنثى هنا هي المشبه بها, والمشبّه به في علم
البلاغة أقوى من المشبه، فكيف يُحولون المعنى إلى غير مقاصده لمنح الذكر الأفضلية،
ويعممونه؟!!!

وهكذا يتضح
لنا كيف أنّ المخلوق سلب المرأة أهليتها التي منحها إيّاها الخالق جل شأنه

ثامنًا:  المفهوم الخاطئ لتفسير آية (أومن ينشّأُ في الحِليةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)[9]

هذا ما سأبحثه في الحلقة القادمة إن شاء الله ؛ إذ لا تزال للحديث
بقية.

Suhaila_hammad@hotmail.com



 

 



[1] . البقرة : 282.

[2] . النساء : 34.

[3] .  الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي:
أحكام النساء، تحقيق وليد أحمد عبد القادر، ص 111، الطبعة الأولى 1423- 2002م، دار
قتيبة: دمشق ـــــ سوريا.

[4] . التوبة : 71.

[5] . الممتحنة : 12.

[6] . النساء : 58.

[7] . النمل : 33.

[8] . النور : 4-5.

[9] . الزخرف : 18.

 
 
Join the discussion