بحث التعصيب بالذكور في الإرث كاملًا

بحث التعصيب بالذكور في الإرث كاملًا

بحث التعصيب
بالذكور في الإرث كاملًا

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

السبت 6/2/2016م

لم يرد في آيات المواريث ذكرًا للتوريث بالتعصيب،
ويستند علماء الفرائض في التعصيب بالذكور على رواية
ابن طاووس بن كيسان اليمـاني(ت: 132)ورواية بنتي سعد بن ربيع وأمهما وعمهما.

وسأبدأ
برواية ابن طاووس،

وقد رواها البخاري في صحيحه عن مسلم بن إبراهيم، عن
وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه:”
ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”[باب
ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، وباب ميراث الجد مع الأب والإخوة، كما رواه مسلم
في صحيحه، والترمذي وأبو داود في سننهما.

هذا الحديث:

1.    يخالف القاعدة الأساسية لآيات المواريث، وهي أنّ الأنثى
هي الأساس في احتساب
حظوظ الميراث، وأنّ الذكر تابع لها، وحظّه من الميراث
يتوقف على عدد الإناث، فكيف يقصي النساء ويحرمهن من الإرث بالتعصيب الذكوري؟

2.   
 حرمان الإناث من الميراث من الموروثات الجاهلية
التي نبذها الإسلام، وأكدّ على أنّ المرأة والرجل سواء في قوله تعالى:
(للرجالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ
كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[النساء:7]وإن كان سياقها يبيّن علاقتها بالوصية، فهي
تؤكد بذلك على مساواة الإناث للذكور في حق الإرث، كمساواتهم في حق الوصية، ولا
يمكن يصدر قولًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُخالف عدل الله ، ويوافق ظلم
الجاهلية.

3.    مخالف لقوله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَاجِرِين) [الأحزاب:6](وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الأنفال:
75].فرغم ورود هاتيْن الآيتيْن اللتيْن تؤكدان على أنّ
لفظ
أولوا الأرحام عام يشمل
جميع
الأقارب، ورغم أنّ آيات المواريث(النساء:11، 12،
176)ليس فيها إشارة أو تخصيص للعصبات الذكورية، وتقديمها على الأقارب من جهة
الإناث، هذا الشرط الذي وضعه العلماء كأحد شرطي توريثهم، إلّا أنّنا نجد منهم مَن
قالوا
بعدم توريث ذوي الأرحام، وأنّ الأولى إعطاء مال المتوفى الذي لا وارث له لا بطريق
الفرض ولا
التعصيب إلى بيت
المال، وهو مذهب الإمام الشافعي ومالك، والظاهرية.

4.    قوله” رجل ذكر” هكذا في جميع الروايات، ووقع في
كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي: “فلأولى عصبة ذكر”. قال ابن
الجوزي والمنذري: هذه اللفظة ليست محفوظة. وقال ابن الصلاح: فيها بعد عن الصحة من
حيث اللغة فضلًا عن الرواية.[العسقلاني: فتح الباري] وهذا من دلائل وضع الحديث.

5.    من حيث الرواية،
فقد
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وابنُ عُيَيْنَةَ وابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهُم عن ابنِ
طَاوُوسٍ عنْ أبيهِ مُرْسَلا منْ غيرِ ذِكْرِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَرَجَّحَ
النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ
، قال
الحاكم:” وقد أرسله سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن جريج ومعمر بن راشد عن
عبد الله بن طاوس ” . قلت : ثم ساق أسانيده إليهم بذلك لكن وقع في سياق ذكر
ابن عباس فصار مسندا وهو وهم من الطابع أو النساخ وعلى ما ذكر الحاكم يعود الحديث
إلى أنّه ضعيف لأنّ الثقات الذين سماهم أرسلوه والذي وصله عنده علي بن عاصم ضعيف.

  ولعلّ هذا يؤكد  صحة رواية أبي طالب الأنباري(هو عبيد
اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري.
 عن  نفى ابن عباس وطاووس روايتها، وهذا ما رواه قال
النجاشي( من أئمة الشيعة الإمامية): شيخ من أصحابنا ثقة في الحديث، عالم به، كان
قديمًا من الواقفة توفّـي عام 356[رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت] قائلًا:”
حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال:
حدثنا سفيان(بن عيينة)عن أبي إسحاق(عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي)عن قاربة بن
مضرب، قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه
أهل العراق عنك  وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟
قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه
عزّ وجلّ:(آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ
اللّه) وقوله:(أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه)وهل هذه إلاّ
فريضتان، وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طـاووس يرويه عليّ،  قال قاربة بن
مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قـط وإنّما الشيطان
ألقـاه على ألسنتهم.

ولنتوقف قليلًا عند رواية
الأنباري لنجد ما يؤيدها ما
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وابنُ عُيَيْنَةَ وابنُ جُرَيْجٍ
وغيرُهُم عن ابنِ طَاوُوسٍ عنْ أبيهِ مُرْسَلا منْ غيرِ ذِكْرِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي
الله عنه، وهذا يُثبت صحة نفي ابن عباس لروايته هذا الحديث.

وهكذا نجد أنّ هذه الرواية
موضوعة، فكيف يأخذ الفقهاء وعلماء الفرائض بها، ويحرمون بموجبها إناثًا من الإرث،
أو يدخلون ذكورًا شركاء لبنات المتوفى إن لم يكن لديهن أخ ذكر بالتعصيب، فمثلًا: لو
خلف الميت بناتًا فقط يشاركنهن أعمامهن أو أبناء عمومتهن في الميراث، وهؤلاء في
الغالب يأخذون الميراث دون أن يسألوا عن بنات المُتوفى.

  فلقد ورثوا
ابن الابن، وحرموا ابن البنت، أو بنتها، وورثوا العم، وحرموا العمة، وورثوا ابن
العم، وحرموا بنت العم، أي عادوا إلى الجاهلية بتوريث الذكور دون الإناث، ونسبوا
كل هذا إلى شرع الله، والله برئ ممّا نسبوه إليه.

   أنّ الله لا يُشرّع شرعًا فيه ظلم وغبن للنّاس،
فممّا يؤكد عدم صحة هذا الحديث أنّنا  نجد بعضًا
من لديهم ذرية بنات يُحوّلون ملكية ثرواتهم إلى بناتهم في حياتهم  لئلّا يشاركنهن العصبة الذكور في الميراث، وفي
بعض البلاد العربية هناك من يغيرون ملتهم لئلّا يشاركنهن العصبة الذكور، لأنّ
الشيعة لا يُدخلون العصبة الذكور في الميراث، لأنّ آيات المواريث لم تدخل العصبة
الذكور في الميراث، ولاعتمادهم رواية الأنباري التي ينفي فيها ابن عباس وطاووس
روايتهما لهذا الحديث.

   والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف
يأخذ الفقهاء وعلماء الفرائض بحديث مرسل  يخالف ما جاء في القرآن الكريم في آيات الميراث
وذوي الأرحام، وفيه خلل لغوي واضح، ممّا يؤكد وضعه، ويحرمون بموجبه إناثًا من
الإرث، أو يدخلون ذكورًا شركاء لهن بالتعصيب، فمثلًا: لو توفي رجل  عن أعمام وعمات، وبني وبنات عم، فيورّثون الذكور
من هؤلاء دون الإناث تعصيبًا، مع أنّهم متساوون في درجة القرابة، ويشركونهم مع  بناته في ميراث آبائهن؟

فالآباء يجاهدون ويكافحون لتأمين حياة بناتهم بعد وفاتهم، وبموجب حديث ضعيف
مُرسل ، ونفى ابن عباس رضي الله عنه روايته لهذا الحديث إن صحّت رواية الأنباري،
وقد بيّنتُ ما يؤكد صحتها، والتي لا نجدها في مصادرنا نحن أهل  السنة، يدخل شركاء معهن في الغالب لا يسألون
عنهن.

 ما ورد  في ميراث البنتين

ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وأحمد، عن عبد اللّه
بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها
من سعد إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد
بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً،  وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع
لهما مالاً، ولا تُنكحان إلاّ ولهما مال، قال:  يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية
الميراث فبعث رسول اللّه(صلى الله عليه 
وسلم)  إلى عمّهما  فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما
الثمن وما بقي فهولك.[سنن الترمذي، باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092; سنن ابن
ماجة: باب فرائض الصلب رقم 272; سنن أبي داود: باب ما جاء في ميراث الصلب رقم
2891;ومسند أحمد: الحديث 14384.

هذه الرواية موضوعة للأسباب التالية:

أولًا: سكوته
عليه الصلاة والسلام
عن استيلاء الأخ على أموال أخيه المتوفى، بقوله لأرملته(ارجعي
فلعل الله سيقضي فيه)وحاشا لرسول الله أن يسكت عن أمر كهذا.

ثانيًا: يزعم أنّ النبي
اعتبر قوله تعالى(فوق اثنتين)يعني(اثنتين فما فوق)وهذا الفهم من النبي حجة عند من
يرى هذا الرأي، لا بل إن صح يدحض كل رأي آخر، لولا أّننا أمام حكم يقول به الإمام
ابن عباس، ذكره الفخر الرازي في تفسيره: “الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا
لقوله تعالى
)فإن كن نساء فوق
اثنتين فلهن ثلثا ما ترك
(وكلمة إن في
اللغة للاشتراط، أي أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن فوق اثنتين، ثلاثاً فصاعداً، وذلك
ينفي حصول الثلثين للبنتين”.أهـ.

وهذا حكم يعارض
تماماً حكم النبي في خبر سعد بن الربيع المزعوم. فهل يعقل أن يجيز الإمام ابن عباس
لنفسه أن يعارض أو يخالف النبي في حكم أقره وقرره؟

وهل يُعقل أنّ
الرسول صلى الله عليه وسلّم يحكم بالثلثيْن للبنتيٌن خلاف ما نصّت عليه الآية (فإن
كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك)

وهل يُعقل أنّ
الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفهم مقصد الآية، وابن عباس يفهمه؟

ثالثًا: ابن كثير روى هذه الرواية وفيها أنّ لسعد بن الربيع
بنات وليس فيها ذكر للأُم والعم.[جامع المسانيد والسنن، حديث رقم24]

رابعًا : أخرج أبو داود هذه الرواية في سننه، وفيها
مكان  بنتا سعد بن الربيع، بنتا ثابت بن قيس.[ حديث رقم 2891]

خامسًا: القول إنّ الآية(11)من سورة النساء نزلت بسبب هذه الحادثة،
وهي لا تتحدث عن التعصيب، ولا ذكر، ولا إشارة  فيها إلى العم، الاختلاف في سبب نزولها وهذا
يكشف عن عدم  ضبط الراوي فتارة ينقل الواقعة في بنتي سعد بن الربيع وأُخرى في
بنتي ثابت بن قيس وإن كان الصحيح هو الأوّل، لأنّ المقتول  في غزوة أُحد، هو
سعد بن الربيع، و أمّا ثابت بن قيس فقد استشهد فـي يوم اليمامة.[السنن الكبرى: باب
فرض الابنتين.

 هذا وبعد أن ثبت
لنا عدم صحتها من حيث المتن، أمّا عن عدم صحتها من حيث الإسناد:

ففيها عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والأسانيد في
سنن الترمذي وابن ماجة وأبي داود، تنتهي إليه.

ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان
منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال
يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يُدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل
صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يُترك حديثهم
فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد
تغيّـر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه[تهذيب
التهذيب: 6/140]

2. الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي
ضعّفه الأزدي وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وضعّفه الدارقطني ووثّقه ابن حبَّان.[المرجع
السابق: 4/21]

إلى غير ذلك من رجال في الأسانيد، مرميّين بأُمور لا يحتجّ
معها.

أضف إلى ذلك  انّه ورد من طرقهم ما يخالف ذلك.

وهكذا يتبيّن
لنا عدم صحة روايات تعصيب الذكور في الميراث.

وفي النهاية أقول: لماذا التعصيب في حال البنت فقط، فلو
توفي رجل عن ولد ذكر يرث كل الميراث ولا يشاركه أحد تعصيبًا، وإن ترك بنتًا لا ترث
المال كله، مع أنّ البنت أحوج ما تكون إلى المال لحماية عرضها؟

 أمّا تحديد
النصف للبنت في قوله تعالى:(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ
ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ
لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ)[
النساء: 11]فهذه الآية تبيّن حظوظ البنات في حال عدم وجود أحد الزوجين، وجود ولد
ذكر: وبنت، فللبنت النصف، والباقي للولد الذكر، وإن كانتا ابنتيْن، فللذكر مثل حظ
الأنثيين، وإن كن فوق اثنتيْن فلهن ثلثا ما ترك، والباقي للذكر، فالآية لا تتحدث
عن البنت الواحدة دون وجود أخ، أو إخوة ذكور، لأنّه من الطبيعي  إن تُوفي رجل عن ابنة واحدة فقط ترث كل الميراث
لا يشاركها فيه أحد مثل الولد الذكر، ويؤيد ما ذكرته ما
أخرجه البيهقي
في سننه بسنده عن حيان بياع الأنماط، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في
ابنة، وامرأة ومولى، فقال: كان  علي رضي اللّه عنه يعطي الابنة النصف، والمرأة
الثمن ويرد ما بقي على الابنة.[السنن الكبرى:6/ 242]

 فعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه، أعطى البنت النصف، وما بقي من الميراث بعد أخذ الزوجة الثُمن، ولم
يرد الباقي إلى بيت المال، أو يُدخل معها أحد تعصيبًا.

Suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion