التعصيب بالذكور في الإرث(1)

التعصيب بالذكور في الإرث(1)

التعصيب بالذكور
في الإرث(1)

سهيلة زين العابدين حمّاد

السبت 23/1/2016م

 
لم يرد في آيات المواريث ذكرًا
للتوريث بالتعصيب، ويستند علماء الفرائض في التعصيب بالذكور على رواية
ابن طاووس بن كيسان
اليمـاني(ت: 132)ورواية بنتي سعد بن ربيع وأمهما وعمهما.

وسأبدأ
برواية ابن طاووس،

وقد رواها البخاري في صحيحه عن مسلم بن إبراهيم، عن
وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه:”
ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”[باب
ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، وباب ميراث الجد مع الأب والإخوة، كما رواه مسلم
في صحيحه، والترمذي وأبو داود في سننهما.

هذا الحديث:
1.    يخالف القاعدة الأساسية لآيات المواريث، وهي أنّ الأنثى
هي الأساس في احتساب
حظوظ الميراث، وأنّ الذكر تابع لها، وحظّه من الميراث
يتوقف على عدد الإناث، فكيف يقصي النساء ويحرمهن من الإرث بالتعصيب الذكوري؟
2.   
 حرمان الإناث من الميراث من الموروثات الجاهلية
التي نبذها الإسلام، وأكدّ على أنّ المرأة والرجل سواء في قوله تعالى:
(للرجالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ
كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[النساء:7]وإن كان سياقها يبيّن علاقتها بالوصية، فهي
تؤكد بذلك على مساواة الإناث للذكور في حق الإرث، كمساواتهم في حق الوصية، ولا
يمكن يصدر قولًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُخالف عدل الله ، ويوافق ظلم
الجاهلية.
3.    مخالف لقوله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِين) [الأحزاب:6](وَأُولُوا
الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الأنفال: 75].فرغم ورود هاتيْن الآيتيْن اللتيْن تؤكدان على أنّ
لفظ
أولوا الأرحام عام يشمل
جميع
الأقارب، ورغم أنّ آيات المواريث(النساء:11، 12،
176)ليس فيها إشارة أو تخصيص للعصبات الذكورية، وتقديمها على الأقارب من جهة
الإناث، هذا الشرط الذي وضعه العلماء كأحد شرطي توريثهم، إلّا أنّنا نجد منهم مَن
قالوا
بعدم توريث ذوي الأرحام، وأنّ الأولى إعطاء مال المتوفى الذي لا وارث له لا بطريق
الفرض ولا
التعصيب إلى بيت
المال، وهو مذهب الإمام الشافعي ومالك، والظاهرية.
4.    قوله” رجل ذكر” هكذا في جميع الروايات، ووقع في
كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي: “فلأولى عصبة ذكر”. قال ابن
الجوزي والمنذري: هذه اللفظة ليست محفوظة. وقال ابن الصلاح: فيها بعد عن الصحة من
حيث اللغة فضلًا عن الرواية.[العسقلاني: فتح الباري] وهذا من دلائل وضع الحديث.
5.    من حيث الرواية،
فقد
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وابنُ عُيَيْنَةَ وابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهُم عن ابنِ
طَاوُوسٍ عنْ أبيهِ مُرْسَلا منْ غيرِ ذِكْرِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَرَجَّحَ
النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ
، قال
الحاكم:” وقد أرسله سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن جريج ومعمر بن راشد عن
عبد الله بن طاوس ” . قلت : ثم ساق أسانيده إليهم بذلك لكن وقع في سياق ذكر
ابن عباس فصار مسندا وهو وهم من الطابع أو النساخ وعلى ما ذكر الحاكم يعود الحديث
إلى أنّه ضعيف لأنّ الثقات الذين سماهم أرسلوه والذي وصله عنده علي بن عاصم ضعيف.
  ولعلّ هذا يؤكد  صحة رواية أبي طالب الأنباري(هو عبيد
اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري.
 عن  نفى ابن عباس وطاووس روايتها، وهذا ما رواه قال
النجاشي( من أئمة الشيعة الإمامية): شيخ من أصحابنا ثقة في الحديث، عالم به، كان
قديمًا من الواقفة توفّـي عام 356[رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت] قائلًا:”
حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال:
حدثنا سفيان(بن عيينة)عن أبي إسحاق(عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي)عن قاربة بن
مضرب، قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه
أهل العراق عنك  وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟
قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه
عزّ وجلّ:(آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ
اللّه) وقوله:(أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه)وهل هذه إلاّ
فريضتان، وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طـاووس يرويه عليّ،  قال قاربة بن
مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قـط وإنّما الشيطان
ألقـاه على ألسنتهم.

ولنتوقف قليلًا عند رواية
الأنباري لنجد ما مايؤيدها ما  
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وابنُ
عُيَيْنَةَ وابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهُم عن ابنِ طَاوُوسٍ عنْ أبيهِ مُرْسَلا منْ غيرِ
ذِكْرِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، وهذا يُثبت صحة نفي ابن عباس لروايته هذا
الحديث.
وهكذا نجد أنّ هذه الرواية
موضوعة، فكيف يأخذ الفقهاء وعلماء الفرائض بها، ويحرمون بموجبها إناثًا من الإرث،
أو يدخلون ذكورًا شركاء لبنات المتوفى إن لم يكن لديهن أخ ذكر بالتعصيب، فمثلًا: لو
خلف الميت بناتًا فقط يشاركنهن أعمامهن أو أبناء عمومتهن في الميراث، وهؤلاء في
الغالب يأخذون الميراث دون أن يسألوا عن بنات المُتوفى.

  فلقد ورثوا
ابن الابن، وحرموا ابن البنت، أو بنتها، وورثوا العم، وحرموا العمة، وورثوا ابن
العم، وحرموا بنت العم، أي عادوا إلى الجاهلية بتوريث الذكور دون الإناث، ونسبوا
كل هذا إلى شرع الله، والله برئ ممّا نسبوه إليه.

   أنّ الله لا يُشرّع شرعًا فيه ظلم وغبن للنّاس،
فممّا يؤكد عدم صحة هذا الحديث أنّنا  نجد بعضًا
من لديهم ذرية بنات يُحوّلون ملكية ثرواتهم إلى بناتهم في حياتهم  لئلّا يشاركنهن العصبة الذكور في الميراث، وفي
بعض البلاد العربية هناك من يغيرون ملتهم لئلّا يشاركنهن العصبة الذكور، لأنّ
الشيعة لا يُدخلون العصبة الذكور في الميراث، لأنّ آيات المواريث لم تدخل العصبة
الذكور في الميراث، ولاعتمادهم رواية الأنباري التي ينفي فيها ابن عباس وطاووس
روايتهما لهذا الحديث.
   والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف
يأخذ الفقهاء وعلماء الفرائض بحديث مرسل  يخالف ما جاء في القرآن الكريم في آيات الميراث
وذوي الأرحام، وفيه خلل لغوي واضح، ممّا يؤكد وضعه، ويحرمون بموجبه إناثًا من
الإرث، أو يدخلون ذكورًا شركاء لهن بالتعصيب، فمثلًا: لو توفي رجل  عن أعمام وعمات، وبني وبنات عم، فيورّثون الذكور
من هؤلاء دون الإناث تعصيبًا، مع أنّهم متساوون في درجة القرابة، ويشركونهم مع  بناته في ميراث آبائهن؟
فالآباء يجاهدون ويكافحون لتأمين حياة بناتهم بعد وفاتهم، وبموجب حديث ضعيف مُرسل
، ونفى ابن عباس رضي الله عنه روايته لهذا الحديث إن صحّت رواية الأنباري، وقد
بيّنتُ ما يؤكد صحتها، والتي لا نجدها في مصادرنا نحن أهل  السنة، يدخل شركاء معهن في الغالب لا يسألون
عنهن، وقد يستولون على نصيبهن من الميراث بحكم ولايتهم عليهن، لأنّ للأسف لا تُعطى للأم الولاية عنهن.
للحديث صلة.

Suhaila_hammad@hotmail.com


 

Join the discussion