مناهجنا الدراسية ومواجهة الداروينية(3)

مناهجنا الدراسية ومواجهة الداروينية(3)

مناهجنا الدراسية ومواجهة الداروينية(3)
إنّ مناهج العلوم والرياضيات ينبغي أن تغطي كل ما يتعلّق بالداروينية علميًا بحيث لا يستطيع أحد أن ينفذ إلى أولادنا لتشكيكهم في دينهم وعقيدتهم وخالقهم من خلال الداروينية
د. سهيلة زين العابدين حماد
الثلاثاء 23/12/2014

 


أواصل الحديث عن ما ينبغي أن تتضمنه مناهج المواد العلمية من ردود علمية مقنعة عن ما يثيره الداروينيون الجدد من تساؤلات حول خلق الإنسان، وتوقفتُ في الحلقة الماضية عند الملكات العقلية للإنسان عند الداروينية؛ إذ يزعم الداروينيون أنّ القدرات اللغوية كانت موجودة بشكل خامل في منطقة F5، ثمّ تمّ تنشيطها، كما قالوا إنّ حركات النطق ظهرت تطويرًا لابتسامات الرئيسيات، ولم يُبيّن لنا الداروينيون لماذا وكيف وُجدت قدرات لُغوية خاملة في مخ الشمبانزي، ولا كيف تطورت الابتسامات إلى كلمات!
ويُرجع داروين نشأة الذكاء البشري والقدرة على الإبداع والعبقرية إلى آلية التطور الدارويني التقليدية، وهي الانتخاب الطبيعي من بين طفرات عشوائية وفقط بينما يرى والاس أنّ ذلك التفسير غير قادر على تفسير العقل البشري، ويؤكد أنّ الذكاء الإنساني منحة إلهية؛ إذ أعطى والاس أهمية كبيرة لما أسماه بالذكاء الكامن Potential Intelligence، فإذا أخذنا إنسانًا من قبيلة بدائية وألحقناه بمدرسة متميزة في مدينة متحضرة فيستعلم الرياضيات واللغات والكمبيوتر وغيرها من العلوم بنفس كفاءة أطفال المدرسة الآخرين، أي أنّ الطفل لديه ذكاء كامن يفوق بشكل كبير ما يحتاجه للتعامل مع بيئته الأصلية، فكيف نشأ هذا الذكاء الكامن.
إنّ الانتخاب الطبيعي يمكن أن يُفسِّر ظهور القدرات التي يحتاجها الكائن في بيئته وقت تطوره. لكنه لا يفسر نشأة صفات تصبح كامنة، ولا يحتاجها الإنسان إلّا بعد عشرات الآلاف من السنين، فالانتخاب الطبيعي ليس له رؤية مستقبلية، لقد صار هذا الموقف يُعرف بـ ” تناقض والاس “Wallace’s Paradox، ويدور حول أنّ ما يملكه الإنسان من ذكاء يتجاوز كثيرًا مهامه الوظيفية الحياتية وجاذبيته الجنسية، فكيف يؤدي الانتخاب الطبيعي إلى ظهور وتوريث ملكات لا تُستخدم، ولا تفيد في البقاء، بينما ينقرض الأفراد الذين لا يملكون هذه الملكات وبلغة أخرى، ما الذي يدفع جينًا، ما ليتخصص في المهارات الرياضية، أو الموسيقية الرفيعة دون الاحتياج إليها، ويتم توريثه للأجيال المتتالية؟ يجيب والاس نفسه بأنّ المخرج الوحيد من هذا التضاد هو القول بأنّ الذكاء الإنساني الكامن منحة من “الذكاء الإلهي”[د.عمرو شريف: خرافة الإلحاد، ص 277،278،مكتبة الشروق الدولية،ط1، 1435هـ/ 2014م]لكن الماديين لم يخبرونا لمَ وكيف يُعطي التطور العشوائي الإنسان ملكات عقلية لن يستخدمها إلّا بعد مئات الآلاف من السنين، ويعبر عبقري علوم المخ والأعصاب راما شانران عن رفضه لهذا الرأي بقوله لا أتصوّر أنّ الذكاء يُستخدم لتوجيه حربه لصيد ظبي، هو الذي يُستخدم في حساب المثلثات والرياضيات المتقدمة.
كذلك ثبت أنّ الذكاء البشري أنواع مختلفة(نظرية الذكاء المتعدد لهاورد جاردنر)كل منها يضطلع/ بمهام محددة، وقد أمكن تحديد المراكز المخية لهذه الأنواع من الذكاء، إذًا ليس هناك ذكاء عام كامن، ولا يصمد لتفسير الذكاء إلّا قول والاس بأنّه منحة إلهية.[المرجع السابق: ص 278]سادسًا: تسليط الضوء على اعتراف داروين صراحة أنّ عدم وجود أشكال لسلالات قديمة سابقة كان “برهاناً صحيحاً” ضد نظريته؛ إذ ثبت أنّ الصخور تحت طبقات الكمبري كانت خالية تقريبا من الحفريات، بل وأضاف قائلًا:” ظهرت بشكل مفاجئ، أنواع حية تنتمي إلى العديد من الأقسام الرئيسية الخاصة بالمملكة الحيوانية، أسفل الصخور الحفرية المعروفة”.
بالإضافة إلى ما سبق، فقد أدت فرضيات التطور حول ما قبل الكمبري إلى وقوع بعض العلماء في أخطاء علمية، فعلى سبيل المثال، ظن خطأ تشارلز دوليتل والكوت أنّ(الشوريا)طحالب وحيدة الخلية، هي اللافقريات shelly حينما كان يبحث عن أسلاف لمخلوقات الكمبري في ما قبل الكمبري وتبعه الكثيرون في ذلك. وعندما عُثر على تلك الكائنات الغريبة والمعروفة بكائنات الإدكارا في منطقة(أديكارا) في أستراليا، وغيرها من الأماكن. وهذا اعتراف من عالم الحفريات التطوري بيتر وارد، في قوله:”ألقت دراسات جديدة ظلالاً من الشك على حول الصلة بين المخلوقات التي تعيش في وقتنا الحالي ووجود بقايا لأسلافها محفوظة في الصخور الرملية، بل إن عالم الآثار الألماني الكبير سلايشر A. Seilacher ، من جامعة تيوبنجن، قد ذهب أبعد من ذلك في قوله: “إنّ كائنات الإديكارا لا صلة لها مطلقاً بالمخلوقات الحية حاليًا. وعلى هذا، فتكون كائنات الأديكارا قد أُبيدت تمامًا قبل بداية حقبة الكمبري” في الواقع، وأمام يأس أنصار التطوريين من العثور على الأسلاف المفقودة من الحفريات الكمبرية، فإنّهم يستميتون في مساعيهم تلك، حتى أنّهم أخطأوا في اعتبار أشكال غير عضوية على أنّها حفريات. فمثلًا: ظن بعضهم أنّ الصخور المتحولة (إيوزون كنَدنس) Eozoon Canadense هي حفريات لكائنات حية.
سابعًا: إثبات ما تحدثه الطفرات من عواقب وخيمة، ببيان أنّ الدنا يملك بنية حلزونية بسيطة، تتكون من متتالية للقواعد الآزوتية وعددها أربعة (A.T.G.C)،وصممت هذه البنية للمحافظة على الشفرة الوراثية le code génétique؛حيث يؤدي أي خلل في تسلسل النيكليوتيدات، نتيجة عوامل فيزيائية أو عوامل كيميائية أو عند تضاعف الدنا إلى حدوث طفرة mutation تكون لها، في أغلب الأحيان، عواقب وخيمة.
فعلى سبيل المثال أي طفرة تؤدي إلى استبدال أو فقدان حمض أميني واحد في أنزيم معين، قد تؤدي إلى فقدان تأثيره البيوكميائي نهائياً.
فكيف يمكن للبعض أن يزعم أنّ الطفرات هي السبب في ارتقاء الإنسان؟ وكم هو عدد الطفرات التي اكتشفت وكانت في صالح تطور الإنسان مقارنة مع العدد الهائل من الطفرات التي تسببت في أمراض وراثية أو عاهات مزمنة، ومن المعروف جليًا عند علماء الأحياء الدقيقة(ميكروبيولوجيا)والبيولوجيا الجزيئية أنّ كلاً من بدائيات النوى وحقيقيات النوى تحتوي على أجهزة جد معقدة مكونة من العديد من الأنزيمات تستطيع أن تصحح بإحكام أغلب طفرات الدنا حين وقوعها.
فهذه الأجهزة تحرس سلامة الدنا وتحافظ على ديمومة واستمرارية المعلومات الوراثية. وجود هذا النوع من الأجهزة لهو دليل قاطع على أنّ الطفرات لا يمكن لها أن تغير بصفة جذرية مسار أي نوع من الكائنات الحية.
خلاصة القول: إنّ مناهج العلوم والرياضيات ينبغي أن تغطي كل ما يتعلّق بالداروينية علميًا بحيث لا يستطيع أحد أن ينفذ إلى أولادنا لتشكيكهم في دينهم وعقيدتهم وخالقهم من خلال الداروينية.
suhaila_hammad@hotmail.com
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (26) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 – Stc
635031 – Mobily
737221 – Zain
المصدر :جريدة المدينة http://www.al-madina.com/node/577376

Join the discussion