يا خادم الحرميْن الشريفيْن الحفاظ على آثار النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته وأزواجه وبناته أمانة في عُنقكم

يا خادم الحرميْن الشريفيْن الحفاظ على آثار النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته وأزواجه وبناته أمانة في عُنقكم

يا خادم الحرميْن الشريفيْن الحفاظ على آثار النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته وأزواجه وبناته أمانة في عُنقكم 
مشروعية الحفاظ على الآثار النبوية والصلاة في المواضع التي صلى فيها
النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنته
بقلم د. سهيلة زين العابدين حماد
فهذه الدراسة عن مشروعية  الحفاظ على الآثار النبوية والصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنته أضعها بين يديكم الكريمتيْن.


   قال تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
 يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية ” هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، في أقواله وأفعاله وأحواله”
  فالله جل شأنه قد أمرنا بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، فكيف يعد التأسي به بالصلاة في المواضع التي صلى فيها عليه الصلاة والسلام مدعاة للبدع والشرك؟ 
على ماذا يستند هادمو الآثار النبوية في مكة المكرّمة والمدينة المنورة؟
   يستند الذين يرون بهدم وردم وطمس آثار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على رواية أوردها عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ،وسعيد بن منصور في سننه دون التوثق من صحتها، والرواية هي : ” عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال : كنت مع بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر ، فقرأ( ألم تر كيْفَ فَعَلَ ربك ) و ( لإيلاف قريش) ، ثم رأى أقوامًا ينزلون فيصلون في مسجد ، فسأل عنهم ، فقالوا : مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًآ  ، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل ، وإلا فليمض.” 
وعند تتبعنا هذه الرواية من حيث الإسناد نجد فيه: 
معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، قال عنه ابن حجر في التقريب : ثقة ثبت فاضل إلا أنّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا ، وكذا فيما حدث به بالبصرة .”  ، وقال أبو حاتم ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان فقيهًا حافظًا متقنًا ورعًا. مات في رمضان سنة اثنتيْن أو ثلاث وخمسين ومائة. قال ابن خيثمة سمعت يحي بن معين، يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلّا عن الزهري، وابن طاوس، فإنّ حديثه عنهما مستقيم، فأمّا أهل الكوفة، وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، قال يحي وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام . 
سليمان بن مهران الأعمش اسمه سليمان بن مهران الأسدى الكاهلى مولاهم، أبو محمد الكوفى الأعمش ( و كاهل هو ابن أسد بن خزيمة ) كنيته أبو محمد وقيل:الأسدى الكاهلى مولاهم الكوفى يعتبر سليمان بن مهران الأعمش من الطبقة الخامسة من طبقات رواة الحديث النبوي التي تضم صغار التابعين ورتبته عند أهل الحديث وعلماء الجرح والتعديل وفي كتب علم التراجم يعتبر ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس  ، قال الحافظ ابن حجر في “”تهذيب التهذيب”” 4/224: و قال أبو زرعة الدمشقى: سمعت أبا نعيم يقول: لم يرو الأعمش عن قيس بن أبى حازم شيئا. و قال ابن أبى حاتم في “” المراسيل “”: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من شمر بن عطية. قال: و قال أبى: لم يسمع من أبى صالح مولى أم هانئ، هو مدلس عن الكلبى. و قال أبى: لم يسمع من عكرمة، و لم يلق مطرفًا، و لم يسمع من عبد الرحمن ،يعنى: ابن يزيد ـ. و قال أبو بكر البزار: لم يسمع من أبى سفيان شيئًا، و قد روى عنه نحو مئة حديث ، و إنّما هى صحيفة عرفت. و ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، و قال: رأى أنسًا بمكة وواسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثًا، و لم يسمع منه إلّا أحرفًا معدودة، وكان مدلسًا، و قال يعقوب بن شيبة ف ” مسنده “: ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلّا أحاديث يسيرة، وقال الخليلى: رأى أنسًا،  لم يرزق السماع منه، وما يرويه عن أنس ففيه إرسال، و قول ابن المنادى الذي سلف أنّ الأعمش أخذ بركاب أبى بكرة الثقفي غلط فاحش; لأنّ الأعمش ولد إما سنة إحدى و ستين، أو سنة تسع و خمسين على الخلف في ذلك، و أبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين و خمسين، فكيف يتهيأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟! 
وهكذا نجد أنّ االرواية التي سُلم بصحتها، وبناءً عليها تم هدم الكثير من المساجد التي خطها وصلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من المواقع والآبار في مكة المكرمة والمدينة المنورة،  أحد رواتها، وهو سليمان بن مهران  الأعمش معروف بتدليسه ، ومعمر بن راشد توجد وقفة عند روايته عن الأعمش، فكيف نسلم بصحتها ، وهناك أدلة كثيرة على عدم صحتها، منها :
1. كيف يقول سيدنا عمر بن الخطّاب هذا القول على قوم اتبعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاتهم في مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عملًا بقوله تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
2. قوله تعالى : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ ) فإن كان الله جلّ شأنه جعل مقام نبيه إبراهيم مصلّى ، فكيف يُحرّم الصلاة في أماكن صلى فيها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلّم؟
3. ما جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية” حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن حميد ، عن أنس بن مالك . قال : قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) ، فكيف يطلب سيدنا عمر رضي الله عنه جعل مقام إبراهيم مصلى ، ويستنكر على الناس إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
4. قوله تعالى:  إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ 
 إنّ السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج منذ زمن إبراهيم عليه السلام؛ تذكيراً بنعمة الله على هاجَر وابنها إسماعيل؛ إذ أنقذه الله من العطش، كما ثبت ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: (…فانطلقتْ كراهية أن تنظر إليه -ابنها- فوجدتْ الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا وأتت المروة، فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما) رواه البخاري. 
فإن كان الله جل شأنه جعل ما قامت به أمنا هاجر، وهي تبحث عن ماء لرضيعها إسماعيل عليه السلام ركنًا أساسيًا من أركان الحج، هل تعد الصلاة في الأماكن التي صلى فيها خاتم الأنبياء والمرسلين المطلوب منّا اتباع سنته مدعاة للبدع والشرك؟
5. ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز قصة تابوت بني إسرائيل الذي جعله علامة صحة ملك طالوت عليه ، فقال :   وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  .
    هذا التابوت شأنه عظيم ومقامه كريم وكان عندهم يقدمونه بين أيديهم في حروبهم فيحصل لهم النصر ببركة التوسل إلى الله تعالى به وبما فيه ، فلا يقاتلون أحداً  من أعدائهم إلا ويكون معهم هذا التابوت ، وقد أخبر الله تعالى في الآية عن محتوياته بأنّ فيه سكينة إلهية وآثار نبوية وهي التي قال عنها:  وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ  ، وهذه البقية من تركة آل هارون هي عصا موسى وعصا هارون وثيابه والنعلان ولوحان من التوراة . كذا في تفسير ابن كثير (ج1 ص313) ، وفيه أيضاً طست من
ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء . انتهى من البداية والنهاية (ج2 ص8) .
وبسبب هذه الآثار العظيمة المنسوبة إلى أولئك المصطفين الأخيار من عباد الله عظم الله قدر هذا التابوت ورفع شأنه وحفظه ورعاه برعايته الخاصة لما غلبوا بسبب معاصيهم ومخالفتهم؛ إذ لم تتحقق أهليتهم للاحتفاظ به فعاقبهم الله تعالى بأخذه وسلبه منهم ثم حفظه الله تعالى، ثم رده إليهم ليكون علامة على صحة ملك طالوت عليهم ، وقد رده إليهم بالتعزيز والتكريم والتقدير؛ إذ جاءت به الملائكة تحمله إليهم .
فأية عناية أعظم من هذه العناية بالآثار والاهتمام بها والمحافظة عليها وتنبيه العقول والأفهام إلى أهمية ذلك الأمر وجلالته وقيمته التاريخية والدينية والحضارية .
6. ترجع قدسية المسجد النبوي الشريف لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطه وصلى فيه، وتكريمًا لنبيه ورسوله الكريم  جعل الله بين بيته صلى الله عليه وسلّم، وبين منبره روضة من رياض الجنة، فكيف لا تكتسب المساجد التي خطها وصلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أية قدسية، بل أصبحت إزالتها ، وردم وإزالة أي أثر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم هدفًا بدعوى الحماية من الوقوع في البدع والشرك، ولم  نُدخِل ولا أثر من هذه الآثار ضمن الآثار العالمية، في حين  أنّه في سنة 2010 م، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة أنّ حي الطريف في مدينة الدرعية موقع تراث عالمي، وبذلك يصبح ثاني موقع في السعودية ينضم إلى قائمة مواقع التراث العالمي إلى جانب مدائن صالح.، وذلك بناءً على طلب من المملكة العربية السعودية؟
تحري ابن عمر المواضع التي كان يصلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في صحيح البخاري أنّه كان يتحرى الأماكن التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، دليل على عدم صحة رواية الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه، فلو كانت هذه الرواية صحيحة لما خالفها ابن عمر، فقد ثبت في صحيح البخاري، في كتاب الصلاة :” باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ” أنّ ابن عمر كان يتحرى تلك
7- المواضع ويصلي فيها، وهذا ما ورد من أحاديث في صحيح البخاري:
” حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنْ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ وَسَأَلْتُ سَالِمًا فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَافَقَ نَافِعًا فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ” { صحيح البخاري : حديث رقم 469}
حدثنا ابراهيم بن المنذر قال: حدثنا أنس بن عياض قال: حدثنا موسى بن عقبة: عن نافع: أنّ عبد الله اخبره: ‘ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج، تحت سمرة، في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو، كان في تلك الطريق، أو حج او عمرة، هبط من بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد، أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثُمّ خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي، فدحا السيل فيه بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان، الذي كان عبد الله يصلي فيه. وأنّ عبد الله حدّثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير، الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ثم عن يمينك، حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وانت ذاهب الى مكة، بينه وبين المسجد الاكبر رمية بحجر، او نحو ذلك. وأنّ ابن عمر كان يصلي الى العرق الذي عند منتصف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف، وأنت ذاهب الى مكة، وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه. وكان عبد الله بروح من الروحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة، فإن مر به قبل الصبح بساعة، أو من آخر السحر، عرس حتى يصلي بها الصبح. وأنّ عبد الله حدثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينزل تحت سرحة ضخمة، دون الرويثة، عن يمين الطريق ووجاه الطريق، في مكان بطح سهل، حتى يفضي من أكمة دوين بريد الوريثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة. وأنّ عبد الله بن عمر حدثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، صلى في طرف تلعة من وراء العرج، وأنت ذاهب إلى هضبة، عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور ضم من حجارة عن يمين الطريق، عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات، كان عبد الله يروح من العرج، بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد. وأنّ عبد الله حدثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي، بينه وبين الطريق قريب من غلوة. وكان عبد الله يصلي إلى سرحة، هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن. وأنّ عبد الله حدثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران، قبل المدينة، حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلّا رمية بحجر. وأنّ عبد الله حدثه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينزل بذي طوى، ويبيت حتى يصبح، يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة. وأنّ عبد الله حدثه: ” أنّ النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل، الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة.” { حديث رقم 470}
7. إنّ ابن عمر عالم وفقيه، فلا  يمكن أنّه يأتي فعلاً فيه شبهة، فهو تحرى المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة اقتداءً وأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتحراها لزيارتها ولو كان قال  سيدنا عمر هذه  المقولة لما خالفه ابنه ، ولما سكت سيدنا عمر عن مخالفته له إن فعلها في حياته ، وحديث عُتبان بن مالك يؤكد ذلك، لأنّ لو في ذلك شبهة أو حرمة لبين الرسول صلى الله عليه وسلم  لعتبان ذلك ،ولرفض الصلاة في بيته ليتخذ عتبان من المكان الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه  وسلم مصلى له، فقد جاء في الصحيحيْن عن عتبان بن مالك ،قال : ” كنتُ أصلي لقومي بني سالم ، فأتيتُ النبي ، فقلتُ إِنَّي أنكرتُ بصري ، وإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي ، فوددتُ أَنْك جئت فصليت في  بَيْتِي  مكانًا  حتى اتخذه مَسْجِدًا  فَقَالَ : ” أفعل إن شاء الله  ” ، فغدا عليَّ رسول الله  وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي  فأذنتُ له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتكم، فأشرتُ إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتيْن، ثم سلّم وسلّمنا معه”
8. ما رواه البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنّه رأى النبي  يصلي في تلك الأمكنة، قال موسى: وحدثني نافع أنّ ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة.
9. وبسند الإمام الأزرقي إلى ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية أنّ خالد بن مضرس فيما يخص مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد الخيف، أخبره أنّه رأى أشياخًا من الأنصار يتحرون مصلى النبي صلى الله عليه وسلم أمام المنارة قريبًا منها، وبه إلى الأزرقي قال: قال جدي: الأحجار التي بين يدي المنارة هو موضع مصلى النبي ، ولم يزل الناس وأهل العلم يصلون هنالك”   . ويعلق فضيلة الشيخ عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية على هذه الرواية قائلًا:” بهذا المفهوم الواضح البعيد عن الغلو والمبالغة، أو التجافي والتقصير والإهمال تعامل المسلمون في الصدر الأول مع الآثار النبوية، وكل ما يتصل بها، أو بالصحابة الكرام رضي الله عنهم، حافظوا على تدوين كل أثر يتعلق بهم وبتاريخهم، استشعارًا لأهميته، ويبقى ذخرًا باقيًا للأجيال القادمة التي لم تحظ بمشاهدتها.”  
10. ويؤكد على هذا أيضًا أنّ عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه  في توسعته للمسجد النبوي الشريف عام 91 هـ أدخل فيه حجرة عائشة رضي الله عنها(والمعروفة حالياً بـ “الحجرة النبوية الشريفة”، والتي تقع في الركن الجنوبي الشرقي من المسجد) والمدفون فيها النبي محمد وأبي بكر وعمر بن الخطاب، و تحريه المواضع التي خطها وصلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وبنى فيها مساجد في فترة ولايته على المدينة ليصلي الناس فيها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر مؤرخ المدينة المنورة أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري ـــــــ رحمه الله ـــــــ ( 173- 262ه):” قال أبو غسّان ، وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: أنّ كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة ، فقد صلّى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك : أنّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ــــ والنّاس يومئذ متوافرون ـــــ  عن المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة…”  ، 
   يقول العلّامة الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود النّجار (578 ـــــــ 643ه) عن المساجد المأثورة بالمدينة المنورة : ” فهذه الآثار كلها آثار بناء عمر بن عبد العزيز”  
   وقد شهد ذلك عدد من الصحابة، وفي مقدمتهم أنس بن مالك رضي الله عنه(توفي سنة 93 هـ) وعبد الله بن بسر المازني(توفي سنة 96 هـ.) ومحمود بن لبيد الأنصاري (توفي 98هـ), ويوسف بن عبد الله بن سلام(توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز), وأبو الطفيل عامر بن واثلة(توفي سنة 100هـ) فهل نحن أفهم للدين منهم جميعًا؛ فعندما سُئل أحد علمائنا المعاصرين هذا السؤال:ما حكم الصلاة في مسجد في قبلته قبر؟
أجاب قائلاً: لا يجوز أن يوضع في المسجد قبر، لا في قبلته ولا خلف المصلين، ولا عن إيمانهم، ولا عن شمائلهم، وإذا دفن أحد في المسجد ولو كان هو المؤسس له فإنه يجب أن يُنبش هذا القبر، وأن يدفن مع الناس.” ، مع أنّه سبق وأن أراد بعض المفتنين تغيير وضع الحجرة النبوية بإخراج القبر الشريف المكرم من المسجد ، فلما سمع بذلك المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز غضب  غضباً شديداً وثارت فيه الحمية الدينية وتكلم كلاماً رادعاً لصاحب ذلك الاقتراح الأثيم سمعه من كان حاضراً في المجلس ولعل بعضهم لا زال على قيد الحياة رحم  الله ذلك الملك الصالح وجعل موقفه هذا ذخيرة له عند الله ، ويداً بيضاء عند رسوله سيدنا محمد  ينال به إن شاء الله شفاعته يوم القيامة.
11.  ما رواه البخاري في الصحيح في كتاب اللباس باب خاتم الفضة عن محافظة الخلفاء الراشدين على خاتم النبي صلى الله عليه وسلّم  بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : اتخذ رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم خاتماً من وِرق وكان في يده ثم كان بعد في يد أبي بكر ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه محمد رسول الله . قال الحافظ ابن حجر : جاء في رواية النسائي : أنّه التمس فلم يوجد ، وجاء في رواية ابن سعد : أنّه كان في يد عثمان ست سنين . اهـ  .قال العيني: وبئر أريس حديقة بقرب مسجد قباء . اهـ   وهذه البئر صارت معروفة اليوم ببئر الخاتم وهو خاتم رسول الله  الذي سقط فيها أيام خلافة عثمان وقد اجتهد ثلاثة أيام في استخراجه بكا ما وجد سبيلاً فلم يلقه.   .
12. محافظة عمر بن الخطاب  رضي الله عنه على ميزاب العباس لأنّ وضعه  ، عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال : كان للعباس ميزاب على طريق عمر – رضي الله عنه – فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صب فيه من دم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه ثم رجع فطرح ثيابه ولبس غيرها ، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال : والله إنه الموضع الذي وضعه رسول الله ، فقال عمر للعباس : عزمت عليك لما  صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله  ففعل ذلك العباس . كذا في الكنز (ج7 ص66) .وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة في كتابه المغني : فصل : ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم ولا يجوز إخراجها إلى درب نافذ إلا بإذن أهله .وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : يجوز إخراجها إلى الطريق لأن عمر – رضي الله عنه – اجتاز على دار العباس وقد نصب ميزاباً إلى الطريق فقلعه ، فقال العباس : تقلعه وقد نصبه رسول الله  بيده ؟ فقال : والله لا نصبته إلا على ظهري وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه . 
13. محافظة الخلفاء الراشدين على حربة كانت عند النبي  ، فقد روى الإمام البخاري بسنده إلى الزبير رضي الله تعالى عنه قال : لقيت يوم  بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال: أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأخبرت أنّ الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها، قال عروة : فسأله إياها رسول الله   فأعطاه ، فلما قبض رسول الله  أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها ، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر، فأعطاه إياها ، فلما قبض عمر أخذها، ثم  طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله ابن الزبير، فكانت عنده حتى قتل. رواه البخاري في كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدراً، وقوله فحملت عليه بالعنزة . العنزة بفتح النون هي كالحربة، وقال بعضهم: هي شبه العكاز، وحاصل القصة هو أنّ الزبير قتل عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر طعنه في عينه بالعنزة فمات، ثم طلب النبي  منه تلك العنزة عارية فأعطاه، فلما قبض  أخذها الزبير، ثم طلبها أبو بكر من الزبير عارية فأعطاه وبقيت عنده إلى أن مات،  ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول ، ثم طلبها عمر من الزبير،  فأعطاه وبقيت عنده مدة حياته ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلمّا قتل عثمان وقعت عند عليّ فطلبها الزبير صاحبها الأول فكانت عنده حتى قتل  . هذه الرواية تبيّن لنا مدى حرص الخلفاء الرّاشدين على حربة رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي قال : “… فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ” ، فعن  عبدالرحمن بن عمرو السلمي و حجر بن حجر قالا أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه{ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} فسلمنا، وقلنا: أتيناك ؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسين. فقال العرباض: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إليها؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإنّ عبدًا حبشيًا، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعُضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.[ سنن أبي داود – الصفحة أو الرقم: 4607] ورغم أنّ عددًا من علماء الحديث أثبتوا صحته، وهم الأئمة  الترمذي، أبوداود، ابن عبد البر، الحاكم، ابن حبان، البغوي، المنذري، ابن تيمية، العلامة ابن باز، والعلامة الالباني رحمهم الله جميعا ، فقد ضعّفه بعض طلبة العلم، منكرين اتباع سنة الخلفاء الراشدين، متسائلين من هم الخلفاء الراشدون، هل نزل فيهم نص؟، والغريب ينكرون اتباع سنتهم ،ويتخذ بعض علمائنا من مقولة منسوبة لعمر رضي الله عنه ذريعة لهدم وردم وطمس جميع الآثار النبوية باستثناء المسجد النبوي، ومسجد قباء!! 
14. ما  جاء في صحيح مسلم 420)  عن ثبوت زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لغار حراء:
حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَتَحَرَّكَتْ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ”.
وبسند آخر إلى ” أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اسكن حراء فما عليك إلّا نبي، أو صديق، أو شهيد” وعليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.” 
كما جاء في سنن الترمذي ( 3696) ، وفي مسند الإمام أحمد رقم (420)  ما نصّه : ” عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أشرف عثمان من القصر ، وهو محصور ، فقال : إنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء ؛ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ، ثُمّ قال : اسكن حراء ، ليس عليك إلّا نبي، أو صدّيق ، أو شهيد ، وأنا معه؟ فانتشد له رجال .. “
       وأتعجب من قول الإمام ابن تيمية  في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم:” وهو في ذلك كله لا هو، ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة ..  ؛ إذ كيف يقول هذا، وقد جاء  في صحيح مسلم  عن ثبوت زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لغار حراء؟
   كما أتعجب من قوله:” وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة، وما حولها ، وكنتُ قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء،  ثم قد تبيّن لن أنّ هذا كله من البدع المحدثة التي لاأصل لها في الشريعة ، وأنّ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأنّ أئمة الهدى ينهون عن ذلك، وأنّ المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لها قصه للصلاة والدعاء الطواف، وغير ذلك من العبادات ، ولم يشرع لها قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة، وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له، بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة.”  
  كما أتعجب من قوله: لوكان هذا مشروعًا مستحبًا يُثيب الله عليه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك، وأرغب فيه ممن بعدهم، وهو يعلم أنّ زيارة البقاع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وتعبّد فيها من السنة الملتزمين باتباعها، كما جاء في قوله تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21] ، كما أنّه يعلم بتحري ابن عمر  – رضي الله عنهما – وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يتحرى المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي فيها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم!!
  وأتعجب أكثر من قوله هذا، وهو القائل في موضع آخر من ذات الكتاب:” فأما الأمكنة التي كان النبي يقصد الصلاة أو الدعاء عندها فقصد الصلاة فيها، أو الدعاء سنة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وإتباعًا له ، كما إذا تحرى الصلاة، أو الدعاء في وقت من الأوقات ، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته ، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، ومثل هذا ما خرجاه في الصحيحيْن عن يزيد بن أبي عبيد ، قال : كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلتُ له : يا أبا مسلم : أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ، فقال : رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها، وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع : أنه كان يتحرى الصلاة في موضع المصحف يسبح فيه ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة” ثم قال:” وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه، وجعله والقسم الأول سواء، وليس بجيد، فإنه هنا أخبر أن النبي صلى اللهعليه وسلم كان يتحرى البقعة ، فكيف لا يكون هذا القصد مستحبًا!
 ” نعم إيطان بقعة في المسجد لا يصلي  إلّا فيها منهي عنه، كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان . فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان به فيما فعله، وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقه به..”  
وأتعجب من قوله ذلك، لقوله – رحمه الله –  تعليقًا على حديث عتبان بن مالك : ففي هذا الحديث دلالة على أنّه من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد ، فأُحب أن موضعًا يصلي له فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رسم المسجد بخلاف مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلّم اتفاقًا، فاتخذ مسجدًا، لا لحاجة إلى المسجد، ولكن لأجل صلاته فيه. ؛ إذ بقوله هذا يُلغي الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلّم ،واتباع سنته
15. لم يسجل التاريخ أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هدم مسجدًا  صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو ردم بئرًا مثل بئر بضاعة لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم  بصق فيه ودعا لمائه، أو طمس أثرًا كالخندق الذي شارك في حفره صلى الله عليه وسلم، كما حدث في عصرنا الحاضر!
16. لقد تمّ في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه  فتح مصر، ولم يأمر واليه على مصر  سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه بهدم وردم  آثار الأنبياء التي تمتلئ بها مصر، وقطع ما بها من أشجار مثل الشجرة التي رأى بجانبها سيدنا موسى نارًا، فهي موجودة حتى الآن، كما لم يأمر بردم عين موسى ، وهو بئر الماء الذي أُلتقط موسى عليه السّلام ،وهو صغير منه ..و هو 9 متر إلىأسفل و نهايته الماء .. و في أيام موسى كانت الأرض منخفضة أي عند مستوى الماء الذي أسفل البئر الآن … لكن هذه الأيام ارتفعت هذه المنطقة  9متر إلى أعلى مستواها سابقًا، و لذلك بنى الناس فوق هذا الموقع كما نراه الآن شبه بئر يدل على أنّ بهذه المنطقة كان موضع التقاط نساء فرعون لموسى” – الفسطاط – مصر القديمة – القاهرة، كما لم يأمر بردم السجن الذي سجن فيه سيدنا يوسف عليه السلام جنوب سقارة على عمق (35م)، كما لم يأمر بردم حمّامات موسى عليه السلام في سيناء، لم يأمر بقطع شجرة مريم العذارء بالمطرية بمصر القديمة التي استظلت بها عندما قدمت إلى مصر مع طفلها المسيح عليه السلام ويوسف النّجار فكل هذه الآثار، وغيرها كثير موجود حتى الآن، إلّا أنّ شجرة مريم العذراء قطعتها أيدي إحدى الجماعات الإسلامية فترة حكم الدكتور محمد مرسي،  فما روي عن أمر عمر رضي الله عنه قطع الشجرة التي بويع تحتها الواردة في القرآن الكريم لعلمه أنّ بعضًا من الناس يأتونها، وهي « بلغ عمر بن الخطاب أنّ ناسا يأتون الشجرة  التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت » فقد ضعفها الألباني؛ إذ قال: “قلت: رواه ابن أبي شيبة أيضًا( 2 / 73 / 2 ) ورجاله ثقات كلهم لكنه منقطع بين نافع وعمر فلعل الواسطة بينهما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.” والحديث المنقطع لا يعارض الحديث المتصل ــــ كما قال فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية ــــ ؛ حيث قال : حديث قطع أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب شجرة الرضوان مقطوع لا يُقاوم الحديث المتصل في صحيح البخاري الذي جاء فيه: ( أنّها عميت عليهم في السنة الثانية من البيعة ”  .
 ويشير فضيلة الدكتور عبد الوهاب إلى بحث العلّامة عز الدين الفلواروي عضو المجمع العلمي الإسلامي بالهند نقلته مجلة الأزهر ج 1، م 4 بالقاهرة ربيع الأول سنة 1346ه، تحت عنوان ” شجرة الرضوان” ؛ حيث تساءل: إلى متى بقيت الشجرة ، وما فعل بها؟ ويجيب قائلًا:” التحقيق في ذلك أنّ صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب عند عامة العلماء بإسناد صحيح جيد عن ابن عمر وسعيد بن المسيّب أنّ الشجرة قد عميت علينا في السنة الثانية من البيعة ، ولم نجدها بعد. حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا جويرية عن نافع ، قال ” قال ابن عمر رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة” [ البخاري : 1/ 4 ، 5] 
 وقال سعيد بن المسيب عن أبيه:” فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها”، البخاري: 2/599، ثمّ يطرح السؤال الآتي: “هل قطع الشجرة عمر، أو أمر بقطعها رضي الله عنه؟
  يذكر الجواب قائلًا:” هذه كلمة تداولتها الألسن من غير تفكر في صحتها وسقمها ، لا فرق في ذلك بين العالم وأخي الجهل، والهوى ، فإنّه كلما سئلوا عن المآثر والمقابر ، وتعظيمها الشرعي قالوا : هذا كله يفضي إلى الشرك ، ألا ترى أنّ عمر رضي الله عنه قطع الشجرة التي بايع النّاس تحتها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حسمًا لمادة الشرك!
فاعلم أنّ ما نُسب لعمر رضي الله عنه من أمر القطع لا أصل له لوجوه عديدة نذكرها:
الأول : أنّ هذا يخالف رواية البخاري الصحيحة، فإنّها تدل على خفائها، واستتارها عن عيون النّاس ـــــ كما قلناه آنفًا ـــــ فما معنى قطع الشجرة؟
والثّاني: إن أردنا من قول جابر المعنى الذي رواه ابن حجر: أنّ هذه الشجرة كانت باقية إلى آخر عمره، أي سنة 78 من الهجرة ، فهذا أيضًا لا يفيد المطلوب، فإنّ رحلة عمر كانت سنة 23 من الهجرة . والثّالث: أنّ من ذكر هذه الرواية ذكرها في طبقات ابن سعد ، وروى ابن سعد في طبقاته حديث ابن المسيب( أي حديث الاستتار المذكور)بطرق عديدة، ثمّ في آخرها رواية القطع عن نافع، قال فيها:” أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، حدّثنا عبد الله بن عون عن نافع، قال: كان النّاس يأتون الشجرة التي يُقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت.
 هذه الرواية مدار ما نسب إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وأنّه أمر فقطع، لا يحتج به عند أهل الحديث، والانقطاع ظاهر لا مرية فيه، فإنّ نافعًا لم يدرك عمر، وما لقيه، ولا روى عنه ، وكشف تلك الغمة أنّ نافعًا مولى لعبد الله بن عمر، ووجده ابن عمر في غزوة الديلم، أو الطالقان ، أو كابل، والمدة بين تلك الغزوات، وزمان عمر رضي الله عنه مدة طويلة، ونافع قد عمّر، وتوفي سنة (120)، وصحب ابن عمر (30) سنة، وتوفي ابن عمر سنة (74ه)  ، ويروي عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة وأبي لبابة ، ورافع بن خديج، وعائشة، وأم سلمة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم من الصحابة، ولم يدرك أيام عمر، فما معنى روايته عنه ؟  ، ولذا قالت الشراح في حديث مالك عن نافع أنه عمر بن الخطّاب كتب إلخ  ( المذكور في الموطّأ في صدر الباب بعد روايات : ( أنّ هذا الحديث منقطع ، فإنّ نافعًا لم يُدرك عمر) وانظر شرح الموطأ للشيخ سلام الله الدهلوي الحنفي غير مطبوع والزرقاني 1/1، طبع مصر على أنّ رواية القطع ليست بالجزم بل بصيغة التمريض بقوله 🙁 ويقال لها) فدلت أنّ الشجرة لم تكن هي شجرة الرضوان بعينها، بل كانت التي تنسب إليها بالظنون؛ لذا أمر بقطعها، من هذا يعلم القارئ نقائض هذه الرواية، وكونها غير مقبولة، وأعلم أنّ هذا الأثر أولى أن لا يقبل عند أهل الحديث، فعندهم المراسيل، والمنقطعات وآثار الصحابة كل هذه ليست بحجة، والأثر الذي روي عن نافع  في الطبقات خلاف ما يروى عنه في البخاري عن ابن عمر، ورواة البخاري كلهم أثبات ثقات…” إلى أن يقول :” فيا من يعزو إلى حكيم الأمة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه كان يهدم الآثار، وينهى النّاس عن الصلاة في المآثر، وحرق دار كتب الإسكندرية، وغير ذلك من الخرافات والأباطيل ألا تنظرون كيف كان أمير المؤمنين يعظّم آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وكان يتمنى أن يتخذ مقام إبراهيم مصّلى ( أي آثار قدميه) فلبّى الله دعوته، وقال:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ ) البخاري 2/ 644، 1/58، قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت، وقال الكرماني في الكواكب، قال الخطابي: ” سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، فنزلت الآية، فالذي كان يُعظِّم مقام إبراهيم هكذا كيف لا يُعظّم مقام رسول الله صلي الله عليه وسلم، ويقطع الشجر بمحض وهم الشرك، وخوف الشرك في مقام إبراهيم كان أشد من غيره، فإنّ عبدة إبراهيم كانت موجودة، والمسلمون كانوا حديثي عهد بالإسلام، بخلاف أيّام عمر فإنّها كانت من القرون الذهبية الزاهرة في الإسلام، وكان الإسلام قد رسخ في كل ناحية من الأنحاء، ذلك عهد كان قد تحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:” إنّ الشيطان قد يئس من جزيرة العرب” لأنّهم كانوا في أمن من الشرك.” 

الشجرة المباركة التي رأى سيدنا موسى عندها النار

      عين موسى

داخل حمام موسى عليه السلام، ومياهه كبريتية حارة 
صالحة لعلاج الروماتيزم وأمراض جلدية.
17. هذا ومما يجدر ذكره أنّ الفتوحات الإسلامية للعراق والشام ومصر تمت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهذه المناطق غنية بآثار الأنبياء والرسل، وبها مقابرهم، وهي معروفة لدى سكان تلك المناطق، ولكن لم يسجل التاريخ أنّ سيدنا عمر أمر بردم وهدم تلك الآثار وطمسها ، بل نجده حافظ على آثار تلك المناطق لأمم تعاقبت عليها مِن ما قبل التاريخ من مصريين قدماء وآشوريين وبابليين وكنعانيين فينيقيين  ..إلخ 
      أمّا ما يُستدّل بما روي  في معاجم البلدان عن أمر عمر بن الخطّاب أبا موسى الأشعري بدفن  النبي دانيال الذي عثر على جثمانه في صندوق في مدينة سوس الإيرانية؛ إذ جاء فيها عند ذكر فتوح الإسلام لبلاد العجم أنّ أبا موسى الأشعري بعد أنّ فتح السوس وجد خزانة مقفلة ففتحها فوجد فيه حجرًا طويلًا على مصال الحوض، وفيه رجل ميت قد كُفِّن بأكفان منسوجة بالذهب، فكتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يخبره ويطلب رأيه فأخبره الإمام علي بأنّه النبي دانيال، فأمر سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه  بتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، كدليل لعدم الاهتمام بآثار الأنبياء، فهو استدلال في غير محله، ولا يؤخذ بهذه الرواية لأنّه ليس من المعقول أنّ نبيًا من أنبياء الله يُحنّط، ويوضع في تابوت، ولا يُدفن، ولاختلاف  الروايات حول مكان قبره، فهناك مراجع مخطوطة تقول بوجود قبر النبي دانيال بالموصل،  في حين يوجد جامع النبي دانيال ضمن قلعة كركوك في مدينة كركوك، وهو عبارة عن مسجد شيد على قبر يعتقد البعض أنّه يضم رفات النبي دانيال،  وكان الجامع بالأصل أحد المعابد اليهودية ، ثم تحول إلى كنيسة مسيحية ليبنى عليها فيما بعد المسجد.  كما يوجد مقام النبي دانيال في بلدة كونين الجنوبية في قضاء بنت جبيل، تبعد عن مركز القضاء بحدود 3 كلم و عن مركز المحافظة (النبطية)بحدود 35 كلم و عن مركز العاصمة بيروت بحدود 125 كيلو متر. 
  فكيف نجرؤ على طمس وردم وهدم معظم الآثار النبوية في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ونقول المشروع منها الحرم المكي والمسجد النبوي ومسجد قباء فقط، والباقي لا أصل له ولا مشروعية له، ونستدل على لمقولة سيدنا عمر رضي الله عنه ثبت عدم صحتها لضعف في رواتها ، ولمناقضتها ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة ،  ونُخطِّئ ابنه المعاصر له لأنّه كان يتحرى المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، فنقضي على تاريخ الإسلام ، ونجعله أشبه بالأساطير؟
تخيلوا لو أمر سيدنا عمر بن الخطاب إبّان الفتح الإسلامي للعراق والشام ومصر بهدم جميع آثار الأنبياء والرسل والأمم التي تعاقبت على تلك المناطق من فراعنة وآشوريين وبابليين وفينيقيين وكنعانيين ..و .. إلخ كيف كنا سنعرف تاريخ هذه الأمم وحضارتها، وكيف سنحدد الأماكن التي دفن فيها أنبياء الله، والتي شهدت أحداثًا قصها الله علينا في كتابه الكريم؟
 نحن الآن وبأيدينا نقضي على آثار نبينا محمد صلى الله عليها وسلم ونردمها ونطمسها تحت ذريعة الحماية من الشرك ، وجعلنا من تاريخ السيرة النبوية أشبه بالأساطير، في حين لم نجد أحدًا تبرّك بالشجرة في سيناء التي رأي سيدنا موسى نارًا بجانبها، ولم يتبرك أحد بعين موسى عليه السلام، وحمّاماته، ولم يتبرك أحد بسجن يوسف عليه السلام؟؟
أمّا القول : إنّ عمرًا رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء سد الذريعة إلى الشرك ، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه رضي الله عنهما، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك، لأنّ في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإنّ التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب، يدحّضه الآتي :
أولًا : ما أثبتّه من ضعف الرواية عمر رضي الله عنه سندًا؛ إذ ثبت كثرة تدليس الأعمش، أمّا ضعفها  متنًا، فيرجع إلى تناقضها مع  ما جاء في القرآن الكريم من آيات سبق وأن أوضحتها، وما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من روايات تتعارض مع هذه الرواية.
ثانيًا: ما أورده فضيلة الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في كتابه الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة ” عرض وتحليل” تحت عنوان ” نماذج من مواقف السلف الصالح من الأماكن المأثورة، فقال:” اهتم كثير من السلف الصالح الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، بما يليق بها انتسابًا للنبي صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام ، وقد دونها كبار المحدثين والمؤرخين ، وخصوصًا بأبواب مستقلة أمثال الإمام البخاري في صحيحه معنونًا لها ” باب المساجد التي على طريق المدينة والمواضع التي صلي فيها النبي صلي الله عليه وسلم، ونقلها برمتها العلامة عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي ( ت 774ه) بعنوان :” ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته ” لتكون شواهد تاريخية على من حل بها ، أو ما حل بها ، وذلك أن ربط الحدث بمكانه و ومكانته يظل ثابتًا راسخًا في ذاكرة الأجيال الصاعدة ، محفزًا لهم على الالتزام بالقيم ، والمبادئ التي جاء بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، وكذلك فإن السماع أو الرواية تصحبه المشاهدة، وخصوصًا في المراحل التربوية الأولى تحرك في الشاب نوازع الإيمان ، وقيمه الرفيعة.”  
        وذكر فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان كثير من الشواهد والأدلة التي تثبت اهتمام عدد كبير من العلماء والفقهاء والمحدثين بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك: 
قول القاضي عياض ( 544ه/1159م ) في كتاب ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى  : ” من إعظامه  وإكباره وإعظام جميع أسبابه ، وإكرام جميع مشاهده ، وأمكنته من مكة الكرّمة والمدينة ، ومعاهده ، وما لمسه بيده، أو عرف به” ، وقد ذكر أدلة وشواهد على ذلك من عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، وهو ما دلل عليه عملًا وتطبيقًا سلفنا الصّالح رضوان الله عليهم. 
قول شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي ، في توجيه هذا الموقف: ” إنّ سبب النجاة الاستقامة في الأحوال والأفعال، ولا يتم ذلك إلّا بسائق وقائد، كصحبة الصّالحين، أو سماع أحوالهم ، والنظر في آثارهم عند تعذّر الصحبة ، حيث تتصور النفس أعيانهم، وتتخيّل مذاهبهم ، لأنّك لو أبصرت لم يبق عندك إلّا التذّكر والتخيّل، وكان السمع كالبصر ، والعيان كالخبر.”  
قول العلامة المفسر أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:  وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.   : ” ومعنى الآية: ” سيروا وتلقوا ممن سار، لأنّ تحصيل العبرة بآثار من مضى ، إنّما يستند إلى حس العيْن. ” 
        وثمت الآيات القرآنية العديدة التي تحث على الوقوف على آثار الأمم، وماحلّ بهم لأخذ دروس عملية مشاهدة من الواقع، واسترجاع مواقف الأنبياء والمرسلين صبرًا في الشدائد، وتحمّل أذى قومهم لهم، وأنّ الله لأعدائهم بالمرصاد، ونحن في الوقت الحاضر، وقد تكالبت علينا الأمم أحوج  ما نكون إلى دروس الصبر والمصابرة. تحقيقًا لما ذكره شمس الدين السّخاوي، والعلّمة المفسّر ابن عطية الأندلسي رحمهما الله ،وغيرهما تطبيقًا لما سار عليه السّلف في هذا الاتجاه، أفرد علماء الأمة ومؤرخوها المؤلفات العديدة عن الآثار النبوية : أماكن، وأدوات، وتحركات، وكل ما يتعلّق بالنبي ، وبجيل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فأصبحت موضوعًا مهمًا في مؤلفات المؤلفين وكتابات الباحثين، تبعًا حينًا، واستقلالًا حينًا آخر.”  
قراءة لنظام الهيئة العامة للسياحة والآثار
قبل أن أختم بحثي هذا أرى من الضرورة المكان التوقف عند نظام الهيئة العامة للسياحة والآثار الصادر من مجلس الوزراء برقم (78) وتاريخ 16/ 3/ 1429ه  ؛ إذ لابد من وجود به ثغرات أدت إلى ما حدث ، وما يحدث الآن من إزالة لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار صحابته رضوان الله عليهم وآثار التابعين وتابعي التابعين، ومن تلاهم لعدم وجود نظام يحميها <
 ولنتوقف أولًا عند مُسمى الهيئة ؛ إذ سبقت كلمة السياحة الآثار، وجاء في الفقرة (أ) من المادة (3) هذا النّص : ” الغرض الأساسي للهيئة الاهتمام بالسياحة في المملكة ، وذلك بتنظيمها وتنميتها وترويجها، والعمل على تعزيز دور قطاع السياحة ، وتذليل عوائق نمه باعتباره رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني ، وذلك بما يتوافق مع مكانة المملكة وقيمها، والاهتمام بالآثار والمحافظة عليها ، وتفعيل مساهمتها في التنمية الثقافية والاقتصادية، والعناية بالمتاحف والرقي بالعمل الأثري في المملكة “
وأتساءل هنا كيفية تتقدّم السياحة على الآثار في بلد الحرميْن الشريفين، وفي المدينتيْن المقدستيْن مكة المُكرّمة والمدينة المنورة  كنز من آثار خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلّم وصحابته وزوجاته وبناته رضوان الله عليهم؟ 
   وممّا يؤسف له لم أجد في التنظيم ولا مادة، بل ولا إشارة إلى الآثار النبوية من مساجد ودور ومواقع في المدينتيْن المقدستيْن، بل ولا توجد إشارة إلى المساجد كآثار ، ففي تعريف الآثار ،جاء هذا النّص : ” الأعيان الثابتة والمنقولة والمتطورة والغارقة داخل حدود المملكة ، وفي مياهها الإقليمية التي بناها الإنسان ، أو صنعها ، أو أنتجها، أو كيّفها ، أو رسمها ، أو تكونّت لها خصائص أثرية بفعل تدخل الإنسان عبر العصور ، ويدخل تحت اسم الآثار المواقع التاريخية ، والتراث العمراني ، وموقع التراث الشعبي وقِطعه” بينما نجد في الفقرة (أ) من المادة (7) من النظام الذي أقره الملك فيصل – رحمه الله – برقم م 0 / 26 بتاريخ 23/6/1392ه، والصادر من ديوان رئاسة مجلس الوزراء – مركز الوثائق ، ومبلّغ برقم 12779/3 في 27/6/1392ه، جاء ذكر المساجد ضمن الأبنية التاريخية ، ضمن هذا النص : ” ( أ ) الآثار الثابتة هي الآثار المتصلة بالأرض مثل الكهوف الطبيعية أو المحفورة التي كانت مخصصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان صوراً أو نقوشاً أو كتابات وكذلك أطلال المدن والمنشآت المطمورة في بطون التلال المتراكمة والأبنية التاريخية المنشأة لغايات مختلفة كالمساجد وأماكن العبادة الأخرى والقصور والبيوت في المشافي والقلاع والحصون والأسوار والملاعب والحمامات والمدافن والقنوات المشيدة والسدود وأطلال تلك المباني وما تصل بها كالأبواب والنوافذ والأعمدة والشرفات والسلالم والسقوف والأفاريز والتيجان وما شابه ذلك .” ، كما نجد تنظيم الهيئة العامة للسياحة والآثار لم ينص على الحفاظ على الآثار في مشاريع الهدم والتطوير ، بينما نجد  في المادة(11) من نظام الآثار لعام 1392ه فيما يتعلق بالآثار  ومشاريع الهدم والتخطيط تحذير من تغيير الآثار سواء من الأهالي أم من تخطيط المدن،؛ حيث تقول المادة ( 11 ) : يحظر اتلاف الآثار المنقولة أو الثابتة أو تحويرها أو إلحاق الضرر بها أو تشويهها بالكتابة والنقش عليها أو تغيير معالمهما، كما يحظر على الأهالي إلصاق الإعلانات أو وضع اللافتات في المناطق الأثرية وعلى  الأبنية التاريخية المسجلة. 
وتقول المادة ( 12 ) : يتعين عند وضع مشروعات تخطيط المدن والقرى أو توسيعها أو تجميلها المحافظة على المناطق والمعالم الأثرية فيها ، ولا يجوز إقرار مشروعات التخطيط التي يوجد في نطاقها آثار ، إلا بعد اخذ موافقة دائرة الآثار عليها ، وعلى دائرة الآثار تحديد الأماكن التي يوجد فيها معالم أثرية وإحاطة جهاز تخطيط المدن علماً بذلك .
 هذا وعند اطلاعي على موقع الهيئة العامة للسياحة والآثار ، لم أجد في قائمة الأماكن الأثرية في المملكة العربية السعودية بلد الحرميْن الشريفيْن أي ذكر للآثار النبوية الممتلئة بها مكة المكرّمة والمدينة المنورة ، والتي تحكي تاريخ الإسلام ، وتكوين دولة الإسلام الأولى و والسيرة النبوية بواقع ملموس ،فلا نجد في الجبال المذكورة ذكرًا  غار حراء ، وجبل ثور ،وجبل أحد ، وجبل سلع، في حين نجد ذكرًا مثلًا  جبل البيْضتيْن (يقع 13كم جنوب غرب الدوادمي، وعثر على آثار مستوطنات قديمة قرب قاعدته، كما تم الوقوف على نقوش حيوانية ومخربشات ثمودية رسمت على واجهة صخوره .)وجبل الرديهة (يقع على بعد 20كم شمالي جدة, ويوجد على واجهاته الصخرية رسوم وأشكال آدمية واضحة المعالم تقع في واجهة الجبل وعلى ارتفاع 6م تقريباً من سطح الأرض ) الأماكن الأثرية الواردة في موقع الهيئة العامة للسياحة والآثار
صفاقة، جبل البيضتيْن ، جبل براقة، جبل خنوقة، موقع الثمامة، كهف برمة، البجادية، (قرية الفاو) ، الأفلاج، الحني ، طريق القوافل، وادي فاطمة ، جبل الرديهة، جبل العرفاء ، ميناء الشعيبة، ميناء السرين، قرية المعدن ، سوق عكاظ ، سد ثُلبة، سد السملقي، سد سيسد، سد اللصب،بركة الخرابة، بركة العقيق، أم الضميران، الحجر (مدائن صالح)، الخريبة، موقع المابيات الإسلامي ، موقع خيف الزهرة ، جزيرة تاروت، عين قناص ، ثاج، قصر إبراهيم، قصر خزام، ميناء العقير، موقع الدور، مسجد جواثا، بلدة جرش، وادي تثليث ، قلعة شمسان، المخمسة، قرية مجمع آل حيّان، سربعل ، وادي عياء ، مدينة الجهوة الأثرية، بادية بني عمرو، قصر مارد
، ضرية، موقع زبيدة، برج ضاري بالشقة، برج الشنانة، العنتريات بالقصيباء، الخلف والخليف، عشم، العبلة، ذي عيْن، الأخدود، بئر حما، طريق التجارة القديم، جبة، فيد، جبل المليحية، قصر السفن ، قصر حاتم الطّائي ، الرجاجيل،جبل برنس ، بئر سيسر، القارة، وادي السرحان، الشرة، تيماء، السور الكبير ، قصر الحمرا، قصر الرضم، بئر هداج، قصر الأبلق، تل الحديقة، المدافن، قصر الأبلق، تل الحديقة، المدافن، قرية، روافة، البدع ( مغاير شعيب)، عينونة، الديسة، منطقة حسمى ( جبل اللوز)، قلعة الأزلم ،قلعة المويلح ،قلعة الوجه ،قلعة الزريب ،قلعة تبوك ،قلعة المعظم ،قلعة المعظم، بدا. 
أنا لا أنكر الأهمية التاريخية  لهذه الأماكن الأثرية، ولكنّ أهميتها لا تفوق البتة الأماكن الأثرية المتعلقة بالإسلام وتاريخه وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلّم ؛ نحن بهذا كأنّنا محونا التاريخ الإسلامي ، والسيرة النبوية، وجعلناهما أشبه بالأساطير، ” إذ لم نوثّقه بالمواقع التي شهدت أحداثه!
   يُلاحظ أنّ هناك تحفظًا واضحًا  على اعتبار الأماكن المأثورة والمتواترة في المدينتيْن المقدستيْن مكة المكرّمة والمدينة المنورة المتعلقة برسول الله ،ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم  أنّها أماكن أثرية للاعتقاد الراسخ لدى البعض بإزالتها لأنّها مدعاة للشرك والبدع!
وهذه جناية كبرى على ديننا وتاريخه، وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلّم، وقد تبيّن لنا من هذه الدراسة بيقين لا يقطعه أدنى شك خطأ ما ذهب إليه هؤلاء.


التوصيات
   وبعد ثبوت لدينا ضعف الروايات التي نُسبت إلى سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من قطع شجرة الرضوان ، واستنكاره صلاة أناس في مكان صلى  فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي استند عليها من أفتوا بإزالة الآثار النبوية، و بعد ثبوت صحة الأسانيد التي تدل على تحري الصحابة والتابعين آثار النبي صلى الله عليه وسلم وحفاظهم عليها بدليل بقائها إلى عصرنا هذا، وحرص الخلفاء الراشدين على مقتنيات النبي صلى الله عليه وسلم، و ثبوت زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لغار حراء هو وكبار صحابته، ومنهم عمر بن الخطّاب رضي الله عنهم أجمعين ، وثبوت حفاظ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ومن خلفه من خلفاء بعده على آثار الأنبياء والرسول ، والأقوام السابقة للإسلام بدليل بقائها حتى الآن، وعدم احتواء تنظيم الهيئة العامة للسياحة والآثار نص على حماية الآثار النبوية وتجريم هدمها أو ردمها ، أو إخفاء آثارها،  أوصي بالآتي : 
أولًا : تعديل تنظيم  الهيئة العامة للسياحة والآثار الصادر من مجلس الوزراء  برقم (78) وتاريخ 16/3/1429ه 
 كالتالي : 
أ‌. تحويل مسمى الهيئة العامة للسياحة والآثار، إلى ” الهيئة العامة للآثار والسياحة.
ب‌. تعديل  تعريف الآثار في المادة (1) بإضافة إلى التعريف ” ويدخل تحت اسم الآثار الثابتة من مباني تاريخية من مساجد ودور وقصور وآبار ومواقع ومزارع وبساتين  ومشافي في العهديْن النبوي والراشدي، وما تلاهما من عصور، والآثار المنقولة للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته وبناته وصحابته رضوان الله عليهم، والتّابعين ،وتابعي التّابعين، والتراث العمراني من مباني وأسوار وقلاع وحصون وحارات وأزقة ومواقع التراث الشعبي.
ج.  تعديل   الفقرة (أ) من المادة (3) بحيث تتقدّم الآثار السياحة لأنّ في الأصل الآثار، ولاسيما الآثار الدينية لقدسيتها، والتي تحكي تاريخ الإسلام ، وسيرة نبيّه صلى الله عليه وسلّم ،  هي الجاذب الأول والأهم للسياحة، في بلادنا بصورة خاصة، فيكون هذا النّص : ” الغرض الأساسي للهيئة الاهتمام بالآثار والحفاظ عليها ، ولاسيما الآثار النبوية في المدينتيْن المقدّستيْن في مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، وذلك بالحفاظ عليها ،وإعادة بناء ما هدم منها ، وإظهار مارُدم وطُمس منها والعناية بالمتاحف والرقي بالعمل الأثري في المملكة ،  والاهتمام بالسياحة في المملكة بالعمل على تعزيز دور قطاع السياحة ، وتذليل عوائق نموه باعتباره رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني ، وذلك بما يتوافق مع مكانة المملكة وقيمها ، وتفعيل مساهمتها في التنمية الثقافية والاقتصادية.
د.  تعديل المادة السادسة للتنظيم المتعلقة بمجلس إدارة الهيئة ليكون مسمّاه المجلس الأعلى للآثار والسياحة، و يُشكّل من : 
1. رئيس الهيئة العامة  للآثار والسياحة               رئيسًا
2. وكيل وزارة البلدية والشؤون القروية                  عضوًا
3. رئيس هيئة تطوير مكة المكرّمة                     عضوًا
4. رئيس هيئة تطوير المدينة المنورة                     عضوًا
5. وكيل وزارة الحج                                     عضوًا
6. وكيل وزارة المالية والاقتصاد الوطني                     عضوًا
7. وكيل وزارة التربية والتعليم                                عضوًا
8. وكيل وزارة  التعليم العالي                        عضوًا
9. وكيل وزارة الصحة                               عضوًا
10. وكيل وزارة الإسكان                               عضوًا
11. وكيل وزارة  النقل والمواصلات                    عضوًا
12. وكيل وزارة الاقتصاد والتخطيط                     عضوًا
13. وكيل وزارة الخارجية                               عضوًا
14. وكيل وزارة الداخلية                                 عضوًا
15. وكيل وزارة الزراعة                                  عضوًا
16. وكيل الرئاسة العامة لرعاية الشباب                   عضوًا
17. وكيل وزارة الثقافة والإعلام                           عضوًا
18. أمين عام الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عضوًا
19. عضوان يختارهما رئيس المجلس من بين المواطنين من أهالي مكة المكرّمة معروفيْن بمكانتهما العلمية المرموقة واهتمامهما بالآثار يُعيّنون من مجلس الوزراء لمدة ثلاث سنوات  بترشيح من رئيس المجلس الأعلى للآثار والسياحة.
20. عضوان يختارهما رئيس المجلس من بين المواطنين من أهالي المدينة المنورة معروفيْن بمكانتهما العلمية المرموقة واهتمامهما بالآثار يُعيّنون من مجلس الوزراء لمدة ثلاث سنوات بترشيح من رئيس المجلس الأعلى للآثار والسياحة.
ج‌. عضوان يختارهما رئيس المجلس من علماء الآثار السعوديين من كليات أو أقسام السياحة والآثار بالجامعات السعودية،   يُعيّنون من مجلس الوزراء لمدة ثلاث سنوات بترشيح من رئيس المجلس الأعلى للآثار والسياحة.  إضافة إلى  المادة (7)   الخاصة بأهداف المجلس الأعلى للآثار والسياحة الآتي : 
أولًا : الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للآثار هو تجميع أكبر قدر من الخبرات لضمان وصول الهيئة العامة للآثار والسياحة إلى غايتها المرجوة في الحفاظ على الآثار ،وتنشيط السياحة.
 ثانيًا : مجلس الإدارة هو السلطة المهيمنة على شؤون الهيئة، وتصريف أمورها، ويتخذ جميع القرارات اللازمة لتحقيق أغراضها في حدود أحكام هذا التنظيم التالية : 
1. وضع السياسة العامة للهيئة العامة للآثار والسياحة للحفاظ على الآثار، وكيفية إعادة بناء أو إظهار ما رُدم، أو هُدم من آثار، ولا سيما ما يتعلق بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في المدينتيْن المقدستيْن: مكة المكرّمة والمدينة المنورة، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك آثار التابعين، وتابعي التابعين إلى نهاية حكم الأشراف.
2. وضع السياسة العامة للهيئة العامة للآثار والسياحة في مجالات صيانة وترميم وتجميل المناطق الأثرية، وإقامة فنادق وموتيلات بها ، واقتراح إجراء حفريات في مناطق يُرجّح فيها آثار، سواءً كانت ثابتة، أو منقولة.
3. اقتراح تعديل تنظيم الهيئة العامة للآثار  والسياحة والقرارات الوزارية الصادرة تنفيذًا له. 
4. إقرار إنشاء مدن تاريخية ومتاحف أثرية.
5. دراسة التقرير السنوي الذي تعده الهيئة العامة للآثار والسياحة، واقتراح ما يراه بشأن المسائل الواردة فيه.
6. التخطيط والتنسيق بين الوزارات العضوة في هذا المجلس عند إعداد أية مشاريع تطويرية في أية مدينة من المدن، أو إنشاء جامعات أو مدارس أو مستشفيات، أو مشاريع إسكان أو طرق بحيث لا تقترب تلك المشاريع من المناطق والأحياء والمباني والمواقع والحدائق الأثرية، والسياحية.
د.  إضافة ست  مواد جدد تنص المادة الأولى منها على الآتي: 
“تعتبر آِثار رسول الله  محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمهات المؤمنين وبناته  رضوان الله عليهم، والتابعين الواردة في كتب الصحاح والسنن وكتب السيرة النبوية ومؤرخي مكة المكرّمة والمدينة المنورة قدامى ومعاصرين من الآثار التي يجب الحفاظ عليها، ومساءلة من يُفتي بهدمها وردمها، ومعاقبته، وتجريم من يهدمها أو يردمها، أو ويُخفى آثارها، مع السعي لإدخال هذه الاثار في منظومة الآثار العالمية، فلا صحة لما رُوي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من استنكاره صلاة النّاس في موضع صلي فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولا صحة لما رُوي عنه بأمره قطع شجرة بيعة الرضوان، بل أمرنا الله جلّ شأنه بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله في قوله تعال :  ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، كما يوجد في القرآن الكريم آيات تلزمنا باتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية بالحفاظ على آثاره، وكذلك وجود آيات في القرآن الكريم تحث على الحفاظ على آثار الأنبياء والرسل عليهم السلام. 
 وثانيها :  تنص على الآتي :
  ” إعادة بناء ما هدم من مساجد ودور، وإظهار ما طمس من مواقع، وما رُدم من آبار، والعناية به، وأمّا ما دخل من مساجد ودور ومواقع ضمن توسعة الحرميْن الشريفيْن، تُحدد أماكنها داخل الحرميْن، وتوضع لوحة بمختلف اللغات تشير إلى اسمها، مع نبذة مختصرة عنها.
وثالثها : تنص على الآتي : 
        إنشاء هيئة للحفاظ على آثار المدينة المنورة تكون تابعة للهيئة العامة للآثار  تتكوّن من علماء ومؤرخين مختصين  ومهتمين بآثار المدينة المنورة من أهل المدينة المنورة وسكّانها, يكون من مهامها: 
1. تحديد بالضبط مواقع المساجد المُزالة والتي لم تدخل ضمن بناء المسجد النبوي, وإعادة بنائها.
2. إظهار مكان الخندق وتسويره.
3.  إبقاء مكان سقيفة بني ساعدة, ووضع لوحة يُسجّل عليها اسم السقيفة, ونبذة من تاريخها بمختلف اللغات.
4. إبراز بئر بُضاعة، وتمد منها مواسير للحرم النبوي الشريف ليشرب من مائها المصلون، فهي من الآبار المباركة, وقد بصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ودعا لها وإيقاف مد دورات مياه الحرم من مياهها.
5. إبراز سائر الآبار الأثرية، ويُعاد فتح باقي المساجد السبعة، وتُقام صلوات الجمع في مسجد الجمعة، وإن دخل بعض المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وبعض دور الصحابة رضي الله عنهم  داخل المسجد النبوي الشريف يُحدد مكانها داخل الحرم, ويذكر أنّ هذه الأماكن كان مكانها مسجد كذا, ويُكتب في لوحة اسم المسجد وتاريخه, بمختلف اللغات.
6. إطلاق أسماء الأحياء التي دخلت في التوسعة على أبواب المسجد النبوي الواقعة في تلك الأحياء, وعلى الشوارع والساحات التي تخترق تلك الأحياء, حتى لا تندثر أسماؤها.
7. إعادة بناء المدينة القديمة في مساحة لا تقل عن كيلو في كيلو في حي شوران في المنطقة التي لم     يتم تخطيطها, وتربط بخطوط مترو الأنفاق المقترح, على أن  تتكوّن من سور المدينة القديم الذي بناه  – كما جاء في الروض المعطار- إسحاق بن محمد الجعري عام (263ه), وقد خُرّب, وأعاد تجديده السلطان سليمان بن السلطان سليم في حدود عام (939ه), وبُدء هدمه عام 1368ه, ويُراعى في تخطيط وبناء هذه المدينة كالتالي:
تحديد أماكن جميع الآثار النبوية والتاريخية طبقًا لمواقعها من المسجد النبوي الشريف , وطبقًا لمواقعها من  بعضها  البعض على أرض الواقع, وبناء على كل موقع الأثر طبقًا لما مكتوب في الكتب التي سجّلت آثار المدينة لمؤرخي المدينة القدامى, والمعاصرين, ويُسترشد بالخبراء والمختصين من أهل المدينة, فتحدد المساجد التي خطّها وصلّى فيها النبي صلى الله عليه وسلم, والتي يصل عددها إلى حوالي (68) مسجدًا قد ذكرها ابن شبّة والسمهودي  في تاريخيهما عن المدينة المنورة.
رابعها: تنص على الآتي : 
” إنشاء هيئة للحفاظ على آثار مكّة المكرّمة مماثلة لهيئة المدينة المنورة، وتكون مهامها نفس مهام هيئة المدينة المنورة.
      خامسها : تنص على : 
       ” إنشاء شركتيْن مساهمتيْن وطنيتيْن( 100%) للسياحة في مكّة الكرّمة، وأُخريين مثلهما في المدينة المنورة تختص بنقل الزوار والحجاج والمعتمرين من دول الخليج العربي وأوربا والأمريكيتيْن وأستراليا ونيوزلندا، فهذه الدول غنية ولن يتخلف رعاياها لارتباطهم بأعمالهم، وتمنح الدول لهذه الشركات مساحات كافية من الأراضي لإنشاء عليها مدن سياحية تتوفر بها فنادق وحدائق وبحيرات ، ولتكن هذه المدن السياحية ملاصقة للمدينتيْن  التاريخيتيْن  المقترحتيْن في مكة المكرّمة والمدينة المنورة، وتمتلك هذه الشركات أسطولًا من الحافلات لنقل الحجاج والمعتمرين من وإلى  مكة الكرمة والمدينة المنورة، وإلى الحرميْن الشريفيْن لأداء الصلوات الخمس فيهما. ولوجود هاتيْن المدينتيْن خارج نطاق الحرميْن الشريفيْن، بالإمكان تنظيم رحلات سياحية لهما لسياح غير مسلمين، ليتعرّفوا على عظمة ديننا ورقي حضارتنا.
سادسها: تعتبر آثارًا الممتلكات الثابتة والمنقولة التي بناها ، أو صنعها ، أو أنتجها ، أو كيفها ، أو رسمها الإنسان قبل ثلاثة أجيال (90) سنة ، أو تكون قد تكوّنت لها خصائص أثرية بفعل عوامل طبيعية قديمة ، ويجوز للهيئة العامة للسياحة والآثار أن تعتبر من الآثار أيضًا الممتلكات الثابتة ، أو المنقولة التي ترجع إلى عهد أحدث إذا رأت أنّ لها خصائص تاريخية ، أو فنية ، ويصدر بذلك ، قرار من رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار بناءً على اقتراح من المجلس الأعلى للآثار والسياحة. 
كما أقترح اعتماد المواد من (6- 18)، والمادة (20) ، والمواد (22-26) ، والمواد (28-30) من نظام الآثار الصادر عام 1392ه، مع تعديل ما يلزم تعديل بشأن مسمى ( دائرة) الآثار)، و( ووزير المعارف) في تنظيم الهيئة العامة للآثار والسياحة.
    ثانيًا  : مساءلة  وزارة المالية والاقتصاد الوطني لعدم تنفيذها المذكرة  الخاصة بنظام الآثار التي أصدرتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني عام 1399ه، عمّا ما ورد في المواد (7)، (11) ، و(12)  لنظام الآثار الذي أقرّه الملك فيصل رحمه الله بخطاب رقم م 0 / 26 بتاريخ 23/6/1392ه، والصادر من ديوان رئاسة مجلس الوزراء – مركز الوثائق ، ومبلّغ برقم 12779/3 في 27/6/1392ه ، والتي سبق وأن أوردتها في قراءتي  لتنظيم الهيئة العامة للآثار والسياحة، ومعلوم أنّ الآثار التي نص النظام عليها  منها المساجد وأماكن العبادة تشمل بالدرجة الأولى الآثار الدينية  للنبي  أو أصحابه رضوان الله عليهم  الآثار التي تستحق منّا التكريم والتقديم ، والتي تذكر الأبناء بالآباء والخلف بالسلف .
والسؤال هنا كيف وزارة المالية والاقتصاد الوطني التي أصدرت هذه المذكرة ، لم تلتزم بها في تنفيذ مشروع توسعة خادم الحرميْن الشريفيْن الملك عبد الله للحرميْن الشريفيْن ، وترقيم مسجد الجمعة بالمدينة المنورة لإزالته أكبر دليل؟
ثالثًا : تقرير كتاب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية “الأماكن المأثورة والمتواترة في مكة المكرمة عرض وتحليل” ، في كليات الشريعة وأصول الدين والمعاهد العليا للدعوة، والمعهد العالي للقضاء، وكليات السياحة والآثار، كما يقرر معه في كليات السياحة والآثار الكتب التالية : تاريخ المدينة المنورة لابن شبّة ،  وفاء الوفا للسمهودي ، و تاريخ مكة المكرّمة للأزرقي ، و” معالم وآثار المدينة المنورة قديمًا وحديثًا لياسين خياري. 
رابعًا : عملًا بمقولة الإمام مالك”  كل صاحب قول يؤخذ منه أو يرد، إلّا صاحب هذا القبر”، ويعني بذلك قبر الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلّم … أرجو من هيئة كبار العلماء أن تراجع ما هو منشور في الموقع اليكتروني للرئاسة العامة للبحوث والإفتاء(فتاوى نور على الدرب) جوابًا عن سؤال ما حكم زيارة المساجد السبعة في المدينة النبوية ؟ 
 ” ليس لها أصل وليست مشروعة؛ لأنّ هذه المساجد السبعة ليس لها أصل، وإنّما اعتادها النّاس على غير بصيرة، وليست مشروعة زيارتها، إنّما المشروع زيارة المسجد النبوي” ، وكذلك مراجعة  المنشور في الموقع ذاته من الجزء رقم (17) ممن فتاوى على الدرب ، كتاب الحج ، حكم زيارة المساجد السبعة في المدينة المنورة، صفحة (315) الآتي نصّه : “يستحب أن يزور مسجد قباء خاصة، كان النبي يزوره صلى الله عليه وسلم، فمن زار المدينة يستحب أن يزور مسجد قباء، أمّا ما سوى ذلك: مسجد القبلتين، المساجد السبعة، هذه غير مشروعة، لا تشرع زيارتها، ليس عليها دليل، وإنّما المشروع زيارة مسجد قباء خاصة”  
   إنّ أدلة زيارتها للصلاة فيها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم  ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم وفي كتب السيرة النبوية وتاريخ المدينة المنورة ، وأمهات كتب التاريخ الإسلامي,  وكما قال فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء:” التواتر العلمي حجة في الشريعة الإسلامية، وكذلك التواتر المحلي، وهما وسيلتان قطعيتان تثبت بهما الأحكام الشرعية. والتشكيك فيما ثبت بالتواتر سواءً العلمي، أو المحلي جناية مغلّفة على تاريخ الأمة، وهدم لقطعياتها، بل تشكيك في الأصول التي ثبتت بهما، وهو أمر خطير شرعًا لمن يدرك حقيقة هذا النوع من الاستدلال، وأهميته الشرعية.” 
ولستُ أدري كيف يُقال  إنّ المساجد السبعة ليس لها أصل, والثابت أنّه  صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة الأحزاب( الخندق), وكلنا يعلم أنّ حفر الخندق استغرق وقتًا, وحصار الأحزاب للرسول صلى الله عليه وسلم وجيشه استغرق ثلاثة أسابيع, ورابَطَ جيش المسلمين على جبل سلع لموقعه الاستراتيجي لأنّه يُشرف على المدينة, ويكشف جيش الأعداء,  وتوزعت المواقع التي كان يرابط فيها الرسول وصحابته إلى ست مواقع, واتخذ المرابطون مصّلى في مواقعهم, وكان مصلى الرسول صلى الله عليه وسلم مسجد الفتح, وهو أكبر المساجد السبعة، مبني فوق رابية في السفح الغربي لجبل سلع، وسمي بهذا الاسم لأنّ دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن ينصره على الأحزاب, فاستجاب لدعائه بإرساله الريح العاتية التي جعلت الأحزاب ينهزمون, ويُولّون الأدبار, وبحكم قيادته للمعركة كان يتنقل بين المواقع, وعندما يأتي موعد الصلاة يصلي في مصليات الصحابة حيث هم مرابطون, والذين سُميت المساجد بأسمائهم( مسجد سلمان الفارسي, ويقع جنوبي مسجد الفتح مباشرة، ومسجد أبو بكر الصديق, ويقع جنوب غربي مسجد سلمان على بعد خمسة عشر متراً منه، وقد بُني وجُدّد مع المسجدين السابقين, مسجد عمر بن الخطاب, يلي مسجد أبو بكر جنوباً على بعد عشرة أمتار منه فقط، ومسجد علي بن أبي طالب, ويقع شرقي مسجد فاطمة على رابية مرتفعة مستطيلة الشكل, ومسجد فاطمة الزهراء, ويُسمَّى في المصادر التاريخية مسجد سعد بن معاذ، وهو أصغر مساجد هذه المجموعة, وألحق بهذه المساجد مسجد القبلتين, وفيه نزل الوحي بتغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرّفة؛ ولذا سمي بمسجد القبلتيْن , فقد روى البخاري ما رواه يحيى عن عثمان بن محمد الأخنس قال: زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء في بني سلمة فصنعت له طعامًا, فأكل هو وصحبه ثم جاءت الظهر فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مسجد القبلتين ، ولما أن صلى ركعتين فيها أمره الله تعالى أن يتوجه إلى الكعبة المشرفة, فاستدار هو وصحبه اليها وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال واستقبل الميزاب .”
1. فهذه المساجد وغيرها ذكرت في كتب تاريخ المدينة المنورة ،وكتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي؛ إذ يصل عدد المساجد التي خطها وصلى فيها النبي صلى الله وسلم في المدينة المنورة إلى حوالي (68) مسجدًا قد ذكرها  ابن شبة (172-262هـ، ) في كتابه  تاريخ المدينة المنوّرة ، والسمهودي (844هـ ـ 911هـ) في وفاء الوفا, وهذا   بعض ما ورد ذكره منها في كتاب ابن شبه ( تاريخ المدينة المنورة)  منها ما هو الآن مجهول الموقع ، وبعضها معروف وتم بناؤه وتجديده وتقام فيه الصلاة:
1. المسجد النبوي.
2. مسجد قباء.
3. مسجد أحد أو الفسح ويقع بسفح جبل أحد في شعب الجرار.
4. مسجد بني خدارة الذي عند أجم سعد بن عبادة وحلق رأسه فيه، كان عند ثنية الوداع الشمالية.
5. مسجد بني خدرة أو حدرة كان جنوب المسجد النبوي بالقرب من بئر البصة.
6. مسجد الفتح غربي جبل سلع.
7. مسجد بني أمية كان بالحرة عند موضع الكبا عند مال نهيك بقربان . وهو المعروف الآن ببستان قربان.
8. مسجد الراية يقع فوق جبل ذباب ، وضرب رسول الإسلام  قبتّه يوم الخندق على الجبل.
مسجد جهينة وبلي ، خطه الرسول بيده وصلى فيه أيضاً. يقع خلف المدرسة الناصرية، وقد ذكر المؤرخون أنّ مسجد جهينة فقدت معالمه في القرن السابع تقريبًا، إلّا أنّ موقعه محدد ومعروف وبناء على ذلك أعيد إنشاؤه مرة أخرى، وأزيل قبل فترة ضمن التخطيط الحديث للمدينة المنورة ولا وجود له حاليًا على أرض الواقع ، بينما مكانه محدد حيث ربط بجبل صغير يسمى جبل سليع ويطلق عليه أحيانًا جبل جهينة ويقع فيما يسمى في الوقت الراهن بباب الكومة ،ويبعد عن مكتبة الملك عبدالعزيز من الغرب بمسافة 250 مترًا تقريبًا. وذكر السيد أحمد ياسين الخياري المتوفى عام (1380هـ) باب الكومة وارتباطه بمسجد جهينة وبلي. فإنّ مسجد جهينة يقع شمال حوش كرباش (غرة باش) كما يقع شرق حوش صغير يطلق عليه حوش (علي خضرة).
9. مسجد بنى ساعدة ، وكان خارج بيوت المدينة . غربي المسجد النبوي .
10. مسجد بني بياضة بمنازلهم.
11. مسجد بني الحبلى كان في منازلهم بين قباء وبطحان.
12. مسجد بني عضية بمنازلهم.
13. مسجد أبي بن كعب كان شرقي المسجد النبوي عند بقيع الغرقد.
14. مسجد بني عمرو بن مبذول.
15. مسجد بني دينار( المغيسلة)
16. مسجد دار النابغة ، غربي المسجد النبوي في زقاق الطوال.
17. مسجد بني عدي . في بيت صرمة . بزقاق الطوال.
18. مسجد السنح بالعوالي.
19. مسجد بني خطمة بمنازلهم، بقربان ويعرف بمسجد العجوز، كان بالقرب من قبر البراء بن معرور.
20. مسجد الفضيخ بالعوالي.
21. مسجد صدقة الزبير، التي في بني محمم.
22. مسجد عتبان بن مالك، بقباء شمال مسجد الجمعة
23. . مسجد بني حارثة ( المستراح )، يقع على طريق سيد الشهداء.
24. مسجد بني ظفر ( البغلة ) بمنازلهم، يقع شرقي البقيع.
25. مسجد واقم في بني عبد الأشهل، هذا الحي من ضمن الأحياء المزالة في المخطط الشامل للمدينة المنورة , ويُخشى إزالة  مسجد واقم إن كان لا يزال قائمًا.
26. مسجد بني معاوية ( الإجابة )، يقع شمال البقيع على شارع الملك فيصل، يقع هذا المسجد في حي من ضمن الأحياء المزالة في المخطط الشامل للمدينة المنورة , ويُخشى إزالة  مسجد واقم إن كان لا يزال قائمًا.
27. مسجد الجمعة أو مسجد عاتكة في بني سالم .وفيه صلى رسول الإسلام أول جمعة بعد هجرته إلى المدينة المنورة ،  عندما هاجر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنـورة التي وصل إليهـا يـوم الاثنين 12 من ربيـع الأول من العـام الهجري الأول أقام علـيه الصـلاة والسـلام في قباء أربعـة أيـام حتى صباح يوم الجمعة الموافق 16 من شهر ربيع أول ( من العام نفسه )، ثم خرج صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى المدينة المنورة، (وعلى مقربة من محـل إقامتـه بقباء) أدركته صلاة الجمعـة فصلاها في بطن (وادي الرانوناء)،  وكان يسكنه بنو سالم بن عوف من الأنصار، فنزل فيه وصلى الجمعة بمن معه،  فكانت أول جمعة تقام فيه بعد الهجرة النبوية ، ولذلك سمي بمسجد الجمعة ، وهذا المسجد رُقم لإزالته برقم (( 031295 ) ، كما هو مثبت في هذه الصورة.

وقد وجهت نداء عبر التويتر لصاحب السمو الملكي رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار لإيقاف إزالة هذا المسجد، وهذه التغريدة التي كتبتها(سهيلة زين العابدين ‏@dr_suhaila 20 ديسمبر 
إلى الرئيس العام لهيئة السياحة والآثار: مسجد الجمعة بالمدينة الذي صليت فيه أول جمعة في الإسلام سيزال، ورقم إزالته 031295 pic.twitter.com/faFvaglR4F 
فاستجاب سموه مشكورًا لندائي، وأوقف إزالته، وهذه الصورة توضح ذلك 

28. مسجد الخربة كان غربي جبل سلع وغربي مساجد الفتح.
29. مسجد القبلتين.
30. مسجد بني حرام بالقاع غربي جبل سلع.
31. مسجد مشربة أم إبراهيم بالعوالي.
32. مسجد ميثب وهي من صدقاته وقد صلى فيها، ويعرف بمسجد الفقير ويقع بالعوالي.
33. مسجد راتج شرقي جبل الراية.
34. مسجد عينين يقع فوق جبل الرماة بطرفه الشرقي.
35. مسجد بني وائل بمنازلهم.
36. مسجد السقيا ، بالعنبرية، وعنده استعرض جيش بدر.
37. مسجد البدائع أو الشيخين ، وعنده بات رسول الإسلام قبل توجهه إلى أحد، ويقع على طريق سيد الشهداء قبل مسجد المستراح.
38. مسجد السجدة بالمُعَرَّس.
39. مسجد الشجرة أو ذي الحليفة.
40. مسجد بني زريق، وهو أول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة.
41. مسجد بني مازن بمنازلهم، وقد خطه وهيأ قبلته . موقعه بقربان عند طلعة البحر حيث مساكن بني مازن.
42. مسجد بني سالم الأكبر . يقع شرق قلعة قباء وغرب مسجد الجمعة بالقرب من الطريق العام.
43. مسجد المصلى ( الغمامة ) ، وعنده قال رسول الإسلام: ( هذا مجمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا وأضحانا فلا يبنى فيه لبنة على لبنة ولا خيمة)
ومن الدور التي صلى فيها :
* صلى الرسول صلى الله عليه وسلم  في دار الشفاء التي في منازل بني عدي بالقرب من سوق المدينة
* و صلّى في دار بسرة بنت صفوان
* وفي دار عمرو بن أمية الضمري
*. وفي دار سعد بن خيثمة بقباء، كان جنوب مسجد قباء
* وصلى بفناء دار حكيم بن العداء عند أصحاب المحامل شمال مسجد المصلى، وهو المعروف اليوم بمسجد سيدنا على بن أبي طالب ( صلاة العيد.)
* وفي حارة الدوس( صلاة العيد)
* وفي موضع آل درة( صلاة العيد)

كانت هذه أسماء بعض المساجد والدور التي ذكرها ابن شبه في كتابه تاريخ المدينة المنورة ، والتي ذكرها السمهودي، وغيرهما من المؤرخين ،والتي صلى بها رسول الإسلام أو خطها بيده لأهلها لكي تكون مسجداً لهم.
وقد هُدم معظم ما بقي من هذه المساجد في زمننا  بدعوى الحماية من البدع والشرك, ولم يبق الآن سوى القليل منها يُعد على أصابع اليد الواحدة. 
الخاتمة
  وأخيرًا أختم بما ختم به فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان كتابه ” الأماكن المأثورة  والمتواترة في مكة المكرمة عرض وتحليل : ” الأماكن المأثورة أمانة كل جيل يجب المحافظة عليها فهي الشاهد الحي على الماضي.”
” الأماكن المأثورة في المدينتيْن المقدستيْن : مكة المكرّمة والمدينة المنورة شواهد تاريخية حيّة للتاريخ الإسلامي ، ومواقفه الحاسمة ، إزالتها يحيل تاريخنا الإسلامي في نظر الأجيال القادمة أسطورة من الأساطير.”
”  الدعوة لإزالة الأماكن المأثورة في المدينتيْن المقدستيْن: مكة المكرّمة، والمدينة المنورة محو للتاريخ الإسلامي في مواطنه الأصلية.” 
” ليس من منهج السلف الصّالح الدعوة إلى إزالة هذه الأمكنة المأثورة في مكة المكرّمة ، ولا في غيرها ــــ فيما أحاط به العلم ـــــ حتى من المعارضين لزيارتها، ولهذا بقيْت شاهدًا حيًا عبر العصور الماضية حتى عصرنا الحاضر.” 
” ليست إزالة الآثار الأسلوب الصحيح لمنع الممارسات المخالفة لعقيدة التوحيد، وصفائها، بل يحمل هذا في طيّاته إضعاف جذوة الإيمان في نفوس الشباب.”
” أصبح النّاس من الوعي الديني بعامة ، والسعوديون بخاصة، ما يجعلهم يرفضون الممارسات التي تتنافى مع العقيدة الصحيحة.”
” (لا يُزال حق لباطل)، فلا تزال هذه الأماكن المأثورة، ويُمحى التاريخ الحق بسبب الممارسات الجاهلية الباطلة، هذه قاعدة شرعية تحمي الأمر الحق ممّا يخدشه من الباطل.”، وفي هذا السياق سئل العلّامة عز الدين بن عبد السّلام الملقب بسلطان العلماء السؤال الآتي : ” إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم سُنّة، هل يجوز تركها لكون المبتدع يفعلها، أم لا؟ 
فأجاب: لا يجوز ترك السنن لمشاركة المبتدعين فيها؛ إذ لا يترك الحق لزجل الباطل، وما زال العلماء والصالحون يقيمون السنن، مع العلم بمشاركة كل المبتدعين، وإذا لم يترك الحق لأجل الباطل ، فكيف يترك الحق للمشاركة في الحق، ولو ساغ ذلك لترك الأذان والإقامة والسنن الراتبة ، وصلاة الأعياد ، وعيادة المرضى ، والتسليم ، وتشميت العاطس ، والصدقات ، والضيافات ، وجميع المبرات والمندوبات ، والله أعلم.” أنتهى كلام الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
ويعلق فضيلة الدكتور عبد الوهاب قائلًا:” هذا هو منهج السلف الصالح في مواجهة الانحرافات العقدية”  ، وأضيف قائلة: وليس بأخذ روايات ضعيفة ومنقطعة لدعم إزالة الآثار النبوية بدعوى الحماية من البدع والشرك، وهو النهج الذي سلكه بعض علمائنا المعاصرين، فكما يقول فضيلة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان إنّ” التوعية الدينية الصحيحة الموجهة إلى التعرّف على التعامل الشرعي الصحيح ، مع مثل هذه الأماكن التاريخية ذات القيمة الدينية والمعنوية، والتاريخية الرفيعة في تاريخ الأمة، هي الطريق الأمثل لتعديل سلوك بعض الجهلة من الحجاج، وهي الأسلوب الأمثل، والطريق الصحيح، وإلّا سيظل أصحاب الباطل متمسكين بعقائدهم حتى لو أُزيلت تلك المعالم لا قدّر الله.” 
وأخيرًا أوجّه هذا النداء إلى خادم الحرميْن الشريفين للحفاظ على آثار النبي صلى الله عليه وسلّم وصحابته وزوجاته وبناته رضوان الله عليهم ، وهذه أمانة أضعها ، أمانة في عنقه .
21. تمّ بحمد الله وتوفيقه


Join the discussion