قسوة الآباء وغياب القانون حوَّلهن إلى غرباء في وطنهن

قسوة الآباء وغياب القانون حوَّلهن إلى غرباء في وطنهن


قسوة الآباء وغياب القانون حوَّلهن إلى غرباء في وطنهن
سعوديات ينتظرن “الترحيل”.. و”د. سهيلة زين العابدين” تتساءل: هل عدنا إلى عصر الجواري؟!
ريم سليمان– دعاء بهاء الدين- سبق- جدة:
كم هو إحساس مؤلم أن تعيش الغربة داخل وطنك! فيالها من مأساة تعيشها ابنة حرمت من حنان الأب ودون سابق إنذار، قد تجد نفسها في قبضة الترحيل، أو تعمل خادمة عند سعودية مثلها، وثالثة ربما تجد نفسها في الشارع للبحث عن لقمة العيش، وعند سؤالهن تجد علامات الحزن والدمع في أعينهن، ويقلن بصوت واهن “نحن سعوديات”!!
 


ولعل برنامج “الثامنة مع داود” قد أزاح الستار عن القضية بعد أن جاء بفتاة سعودية من قبضة الترحيل للحديث عن مأساتها وظلم أبيها لها، وكم من حالات أخرى تحاول أن تظهر للمجتمع وتكشف عن آباء ظلموا أبناءهم، وراحوا ضحية رغبات وشهوات طائشة.

“سبق” تعرض قصصًا مؤلمة لأبناء يعيشون الغربة داخل وطنهم!!

تجاعيد الزمن

وجهها منكسر ترتسم على يديها تجاعيد الزمن بالرغم من شبابها، بيد أنها تشعر بوهن السنين، تقاوم النظرات وتسكب العبرات، حزناً على حاضرها المرير ومستقبلها المفقود، إنها ضحية من ست ضحايا ابتلاهن الزمن بأب تجرد من معاني الإنسانية، وتركهن فريسة للذئاب تنهش أجسادهن في كل لحظة.

إنها ابنة العشرين عاماً التي سردت لـ”سبق” قصتها المأساوية قائلة: أبي سعودي تزوج من أمي “من إحدى الجنسيات العربية”، وقد تجرعنا على يديه مرارة الذل والألم، ولم نشعر بالأمان معه، كان يعنفنا ويبتكر أقصى أنواع العذاب لإذلالنا، عشنا معه أياماً عصيبة، تمنينا الموت على البقاء معه.

وبكل أسى تابعت حديثها: في إحدى المرات لعب الخمر برأسه وطردنا من بيته، تشردنا في الشوارع، نهرب من نظرات البشر، معربة عن حزنها، وقالت: انكمشنا في غرفة صغيرة نواري بها سوءاتنا، وأمي أصابها المرض والوهن، ذهبنا إلى والدنا نطلب منه بعض المال حتى نستطيع الحياة، بكل قسوة طردنا، وأصبحنا بلا مورد.

وبصوت ممزوج بالبكاء قالت: عملت أمي خادمة وقررت مع إخوتي مساعدتها، وكنت أتحسر وأنا أرى صاحب البيت يحتضن أبناءه ويعاملهم برفق، وأنا وأخواتي نكابد آلام الزمن، وأسأل أمي ومرارة الزمن في حلقي لماذا تركنا أبونا نعاني مرارة الذل؟! وتابعت: الأيام كما هي، حاضر مؤلم ومستقبل مفقود، دموع منهمرة، للأسف أصبحنا خارج حدود الزمن، فنحن محرومات من التعليم والعلاج، من الحق في حياة كريمة، وللأسف أنا وأخواتي سعوديات وأبي ينكرنا، وقد هددنا منذ فترة بالترحيل حتى نبتعد عنه، وتساءلت في تعجب لماذا أترك بلدي وأبي سعودي؟!

طي النسيان

تنظر إلى ابنها وتتحسر على الزمن الذي جعله بلا هوية، تستجدي المساعدات من الغير، ولا تدري ماذا تفعل، هذا هو حال “ا. م” التي تحدثت لـ”سبق” قائلة: أنا من جنسية عربية، تزوجت سعودياً، شعرت بعدم قيمتي، فكان يتركني لأيام دون أن يسأل عني، وشاءت إرادة الله أن أحمل في أحشائي بذرة منه، بالرغم من أنه زوجي، إلا أني شعرت أنها نبتة مجهولة سوف تربطني به إلى الأبد.

وتابعت: للأسف أساء معاملتي وضربني وأنا حامل، وساءت حالتي النفسية، وحاول إجهاضي أكثر من مرة، لكن مشيئة الله أرادت أن يكتمل هذا الحمل، ويصبح عبئاً يثقل أيامي طيلة عمري، أنجبت طفلاً معاقاً، وللأسف تخلى عنه أبوه، ولم ينفق علينا، وتركنا نواجه عواصف الأيام ونستجدي البشر، بالرغم من أن ابني سعودي، بيد أنه كتب عليه أن يحرم من هويته طيلة حياته، ومما ضاعف من معاناتي أنه هدد بترحيلنا إذا لم نبتعد عنه.

جسد بلا هوية

انحنى ظهرها وهي تتجرع مرارة الأيام، تحمل ابنتها ومعها أثقال تنوء بها الجبال، وجدتها تتسول في الشوارع، ملامحها إفريقية، عيونها حزينة، تبحث عما يسد رمقها وابنتها في عالم أضحت الوحوش فيه مكان البشر، اقتربت منها لأتلمس معاناتها، فقالت لي: تزوجت رجلاً سعودياً، واعتقدت أن الزمن ابتسم لي لأسترد كرامتي من جديد، ولكنني اكتشفت بعد الزواج أني كنت متعة أو لعبة يلهو بها ثم تركني في مهب الريح، طردني إلى الشارع، فكان أشد قسوة علينا.

وتابعت: ذات يوم ذهبت ابنتي إلى والدها لطلب المال لمساعدتها، إلا أنه رفض وهددها بالترحيل إذا لم تنصرف عنه، وتساءلت في حيرة: هل يمكن لابنتي السعودية أن تُرحل عن وطنها؟!

شهوات الرجال

من جهتها رفضت عضو جمعية حقوق الإنسان الدكتورة سهيلة زين العابدين الرجل الذي يتزوج ليشبع غريزته فقط دون اقتناعه بالزوجة، وتكون النهاية رميها في الشارع وأبناءها منه، متسائلة أين القانون الذي يحمي هؤلاء؟ ومن المسؤول عن معاقبة الأب والزوج الذي يفرط في حقوقهم؟

وأنحت باللائمة على الخطاب الديني الذي أباح الزواج المسيار والزواج بنية الطلاق، وأنواعاً عدة أخرى سهلت للرجل الزواج والطلاق، ووسعت دائرة التعدد بدون ضوابط أو التزامات، مؤكدة ضرورة أن يراجع الخطاب الديني ويتحدث عن المشاكل التي تنتج من الزيجات التي تأتي لإشباع رغبات وشهوات الرجال، وينتج عنها أطفال هم من يدفعون نتيجة خطأ آبائهم.

وأضافت: الرجل طالما تزوج بامرأة فلابد ألا يغفل حقوقها حتى إن اختلفت جنسيتها، وعليه أن يتحمل مسؤولية الزوجة وأبنائه، وقالت: الإسلام لا يفرق بين جنسية وأخرى.

وأعربت عن حزنها جراء وجود مواطنة في قبضة الترحيل نتيجة ظلم آباء، معتبرة ذلك إهانة للمرأة، وعلى الدولة أن تحمي المواطنة مهما كانت جنسية والدتها، وتساءلت في حيرة من أمرها هل بدأ عصر الجواري من جديد؟ بيد أنها عادت وأكدت أنه قد انتهى عصر الجواري، وعلينا جميعاً أن نقف مع المواطنة حتى تسترد حقوقها.

ورأت أن المشكلة بدأت تستفحل بقوة داخل المجتمع السعودي، موجهة نداء إلى العلماء والمشايخ والقضاة بحماية هؤلاء الفتيات من ظلم الآباء، مبدية أسفها من جهل الكثير من الفتيات بسبب عدم التعليم بحقوقهن، والخطوات التي ينبغي أن يتبعنها، وأكدت في نهاية حديثها أنها سوف تقوم بعرض تلك القضية في الجمعية لصياغة نص مشروع يحمي حقوق الفتاة السعودية من أم غير سعودية.

أرقام مخيفة

وهاجم الكاتب الدكتور عبدالله الطويرقي هؤلاء الآباء قائلاً: لم أتخيل أن أباً سعودياً نشأ في بيئة دعائمها العادات والتقاليد يتجرد من مشاعر الأبوة، ويستهين بدماء أبنائه ويتركهم فريسة لذئاب البشر، لافتاً إلى تنشئة هذا الرجل في بيئة مفككة، تستهين بقيمة الأسرة والأبناء، وأعرب عن قلقه من الأرقام المخيفة لسعوديين يتزوجون في سوريا واليمن ومصر، ولم يعترفوا بأبنائهم.

وألقى الطويرقي باللائمة على المجتمع في تخاذله عن عقوبة هذا الأب واحتواء الأبناء، وقال: للأسف بعض المأذونين يتراخون في عقد هذه الزيجات، متهماً الشؤون الاجتماعية وجمعيات حقوق الإنسان بالتقصير في معالجة هذه المشكلات الاجتماعية، وتساءل: إن هؤلاء الأبناء سعوديون.. فكيف يتركون في قبضة الترحيل؟ وحذر من تخلي مؤسسات المجتمع عن هؤلاء الأبناء قائلاً: إنهم يمثلون قنبلة موقوتة تهدد المجتمع في أي لحظة، فقد ينجرفون إلى عالم الجريمة والمخدرات.

مظاهر اجتماعية خطيرة

وقال: للأسف تصوير السعوديين أنهم ملائكة أفرز بعض المظاهر الاجتماعية الخطيرة التي أصبحت تهدد المجتمع، منتقداً فقر البيانات والإحصاءات، وقال: إن المجتمع السعودي يتمدد وتطفو على سطحه ظواهر اجتماعية حديثة، بيد أن منظومة الدراسات الاجتماعية مقصرة في إعطائنا مؤشرات أولية عن حجم هذه المشكلة في المجتمع.

ولفت الكاتب إلى أن هذه القضايا تستغرق وقتاً طويلاً في المحاكم دون الاستدلال على الأب، مطالباً مؤسسات المجتمع متمثلة في الشؤون الاجتماعية وجمعيات حقوق الإنسان بالتنسيق مع وزارة الداخلية لحماية هؤلاء الأبناء السعوديين، وتوفير حياة كريمة لهم، وشدد في ختام حديثه على ضرورة ملاحقة الجهات الأمنية لهؤلاء الآباء، وتغليظ العقوبة عليهم.

غياب الإحصائيات

تواصلت “سبق” مع جمعية رعاية الأسر السعودية في الخارج “أواصر” لمعرفة نسب السعوديين الذين يتركون أبناءهم في الخارج، إلا أن الإجابة كانت أنه لا توجد إحصائيات نظامية معتمدة لدى جمعية “أواصر” حول ذلك، وقد تكون عشوائية وغير معروفة أو دقيقة، وعن أهم المشكلات التي تواجه أبناء السعوديين في الخارج والذين يتركهم آباؤهم قال رئيس الجمعية الدكتور توفيق السويلم: أهم المشكلات تتعلق بالدراسة وعدم قدرتهم على العودة إلى المملكة، كما أنهم يشعرون بعدم الانتماء بسبب وضعهم المجهول غير النظامي، لافتاً إلى أن هناك بعض الفتيات يتزوجن من نفس جنسية الأم للحفاظ على حياتهن، مما يصعب على الفتاة الحصول على جنسية والدها السعودي.

وأشار السويلم إلى أن الجمعية تتعامل مع هذه الحالات في حالة إذا ما تقدمت للسفارة السعودية في البلد الذي تقيم فيه (بلد الأم)، وحصلت على تذكرة مرور للدخول للمملكة، حيث تقوم الجمعية بمساعدتها مالياً وصحياً واجتماعياً من خلال الإسكان والمصروف الأسبوعي، وتغطية نفقات العلاج وتقديم المساعدات الإدارية، لافتاً إلى أن الجمعية قد تجد صعوبة ما في إقناع الأب بتسهيل معالجة الحالة.

ونصح في ختام حديثه من يريد الزواج من الخارج قائلاً: ننصح بعدم الزواج العشوائي من الخارج، وإذا اضطر الشخص للزواج حفاظاً على دينه ومكتسباته فإن الجمعية تنصحه بالحصول على الموافقة الرسمية من وزارة الداخلية لتسهيل تسجيل زوجته وأبنائه في المستقبل، وسهولة سفرهم وعودتهم للوطن، ومراجعة سفارة المملكة في البلد الذي يرغب في الزواج منه لتسهيل أمره، وأكد ضرورة تحري الدقة في اختيار الزوجة، وألا يكون الجمال هو أساس الاختيار.

تأثير كارثي

وأكد المستشار القانوني خالد أبوراشد أن القضاء السعودي لا يفرق بين زوجة سعودية وأجنبية، فالزوجة والأبناء لهم حقوق في الميراث، لافتاً إلى التأثير الكارثي الناجم عن تخلي السعودي عن أبنائه من زوجته الأجنبية، وقال: هناك مشكلات تتعلق بالأوراق الثبوتية، كعدم إضافة الأبناء في كارت العائلة أو الإقامة، مبيناً أنه في هذه الحالة تلزم الإمارة الأب بإعطاء أبنائه كل المستندات الثبوتية.

وقال الراشد: أما إذا كان الأمر يتعلق بحقوق النفقة والحضانة، فعلى الزوجة المطالبة بها عن طريق القضاء، لافتاً إلى أنه في حالة إنكار الأب أبناءه فتقوم الأم برفع دعوى “إثبات نسب” في المحكمة العامة، ونفى مزاعم البعض حول تأخر قضايا الزوجة الأجنبية في المحاكم، قائلاً: إن مدة القضايا في المحاكم تتوقف على الإجراءات القانونية المتبعة، بغض النظر عن جنسية الزوجة، وأبدى أسفه لجهل معظم النساء بحقوقهن القانونية في معظم الدول العربية.
Share on twitter Share on facebook More Sharing Services 0 More Sharing Services

المصدر : جريدة سبق اليكترونية : http://sabq.org/UaQo5d
Join the discussion