قراءة متأنية في النظام الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجية

قراءة متأنية في النظام الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجية

قراءة متأنية في النظام الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجية
قراءة بحثية مقدمة من الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد
( خاصة بالمدونة)
فهرس الموضوعات
مقدمة.
أولاً: المتناقضات.
ثانياً: مخالفة أنظمة دول المجلس.
ثالثاً : الانحياز للرجل ضد المرأة.
رابعاً : مخالفة نصوص قرآنية وحديثية.
خامسًا :مواطن القصور في النظام الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي .

التوصيات.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعترض نهضة المرأة الخليجية عقبات كثيرة , يأتي في مقدمتها بعض الأنظمة والقوانين التي تحد من أهليتها, وتحرمها من حقوق منحها إيّاها الإسلام بحكم الأعراف والعادات والتقاليد التي أُلبست بلباس الإسلام لا تمت له بصلة, وعند قراءتنا للقانون الموّحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي نجد غلبت الأعراف والعادات والتقاليد , والتي تنحاز للرجل , وتُعلي من شأنه, على حساب حقوق المرأة التي يُنظر إليها نظرة دونية, فتسقط حقوقها أمام رغبات الرجل ونزواته , ومن منطلق رؤية جديدة للتعامل مع المرأة الخليجية, هذه الرؤية التي ينبغي أن تُبنى على المفاهيم الصحيحة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالمرأة وحقوقها الدينية والمدنية والسياسية والمالية والاجتماعية والتعليمية والثقافية ,مع استبعاد جميع الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمرسلة والشاذة التي – للأسف الشديد – بُنيت عليها أحكام فقهية وقضائية , وهي التي تمثل حقيقة نظرة الإسلام للمرأة التي لا تميز فيها بين الرجل والمرأة إلًا بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.) [ الحجرات : 13]

وانطلاقًا من هذه الرؤية التصحيحية ستكون قراءتي للقانون الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي.

طالما طالبنا بضرورة تقنين الأحوال الشخصية لتباين الأحكام القضائية بين قضية وأخرى مماثلة لها، فهناك قضاة جدد، وقضاة متشددون، وقضاة معتدلون، وقضاة يغلبون الأعراف والعادات والتقاليد، وقضاة ينحازون للرجل ضد المرأة، إلى جانب الأخذ بمذهب واحد هو المذهب الحنبلي كما في السعودية، وقطر وفي الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة فمبعث المطالبة بالتقنين، هو اعتماد الاعتدال في الأحكام القضائية بعيداً عن التشدد والانحياز وغلبة الأعراف والعادات والتقاليد، واستبعاد الأحكام الفقهية المبنية على مفاهيم خاطئة لآيات قرآنية، وأحاديث نبوية ضعيفة ومنكرة وشاذة وموضوعة لاتفاقها مع الأعراف والعادات والتقاليد ، مع الأخذ بالمذاهب الأربعة, ومعروف أنّ إخوتنا الشيعة لهم محاكمهم الخاصة, والاجتهاد في الأحكام بما يتناسب مع العصر الذي نعيشه، فمن الأمور المتفق عليها اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان، ولكن عندما نقرأ النظام الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجية التي اعتمدها وزراء العدل لدول مجلس التعاون عام 1418هـ / 1997م نجد فيها بعض التناقضات والقصور مع غلبة العرف على الشرع في بعض موادها، والانحياز للرجل في مواضع، وغلبة المذهب الحنبلي, مع أنّ المذهب المالكي معمول به في البحرين , والشافعي والمالكي والحنبلي في الإمارات وفي الكويت المالكي والحنبلي, وفي عُمان المذهب الأباضي , أمّا إخوتنا الشيعة فلهم المحاكم الخاصة بهم التي تحكم طبقًا لمذاهبهم

وتحتاج إلى إعادة نظر في تلك المواد وتعديلها قبل اعتمادها للعمل بها .

أولاً: المتناقضات:

من المتناقضات في هذا النظام يمكن تلخيصها في الآتي :
1. المادة الرابعة من هذا النظام تعرف الزواج بأنَّه ” عقد شرعي، بين رجل وامرأة، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوج، على أسس تكفل لهما تحمل أعبائها بمودة ورحمة” والمواد 7، 8، 9 ،10 تتناقض مع هذا التعريف ،فالمادة 7 تجيز زواج المجنون والمعتوه بشروط قبول الطرف الآخر التزوج منه بعد اطلاعه على حالته، وكون مرضه لا ينتقل منه إلى نسله ، وكون زواجه فيه مصلحة له، ويتم التثبت من الشرطين الأخيرين بتقرير لجنة من ذوي الاختصاص، فهذه الشروط لا تحقق إنشاء أسرة مستقرة برعاية زوج مجنون ، أو معتوه !
فهل المطلوب مراعاة مصلحة المجنون؟ وأية مصلحة للزوجة عند زواجها بمجنون؟
2. المادة (8) تجيز زواج المحجور عليه لسفه بشرط موافقة وليه والتأكد من ملاءمة الصداق لحالته المادية ، فإذا امتنع الولي طلب القاضي موافقته خلال مدة يحددها له، فإن لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار زوجه القاضي. وهذا يعني

أنَّه غير مكتمل الأهلية ، فكيف يتحقق الاستقرار والرعاية لأسرة ،والزوج سفيه غير مكتمل الأهلية؟

3. المادة (9) تعطي لمن أكمل الخامسة عشرة من عمره حق الزواج ، وإن امتنع وليه عن تزويجه جاز له رفع الأمر إلى القاضي، ويحدد القاضي مدة لحضور الولي يبين خلالها أقواله فإن لم يحضر أصلاً أو كان اعتراضه غير سائغ زوجه القاضي. هذه المادة لا تتفق مع واقع حياتنا المعاصرة ،فابن الخامسة عشرة يعد طفلاً ،قاصراً لم يبلغ سن الرشد الذي حدده هذا النظام بسن 18 سنة في مادته ال (137)،وقد عرَّفت المادة (138)القاصر بالذي لم يبلغ سن الرشد ويعتبر في حكمه: الجنين والمجنون والمعتوه وذو الغفلة والسفيه والمفقود والغائب، فهل زواج القاصر سوف يحقق أسرة مستقرة برعاية الزوج وهو لا يستطيع تحمل أعباء الحياة الزوجية من مسؤولية رعاية وإنفاق، فهو في مرحلة التعليم المتوسط ،مع ملاحظة أنَّ سن الزوجة سيكون أقل من خمسة عشر عاماً ، أي أنَّ الأبويْن طفلان قاصران لم تكتمل تربيتهما ، فكيف سيربيان أبناءهما ؟ ثمَّ أنَّ هذه المادة تجيز زواج القاصرين والقاصرات، وهذا يتناقض مع اتفاقية حقوق الطفل التي وقعَّت عليها دول مجلس التعاون، وأصبحت ملزمة بتنفيذها في أنظمتها وقوانينها ،فكيف تصدر نظاماً يناقضها؟

وكيف يصح زواج المعتوه والمجنون وهو غير متوفر فيه شرطا الأهلية والكفاءة، ولم يؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه أقر زواج المجنون والمعتوه ،وقياس زواج المعتوه والمجنون بزواج الصغير قياس خاطئ ،لأنَّ الصغير يكبر ، ويصبح كامل الأهلية ، أمَّا المعتوه والمجنون فسيظلان على وضعهما، وإن قيل إنَّ المجنون قد يشفى من جنونه ، فهنا أقول : إن شفي فليتزوج ،ولكن لا يتزوج وهو مجنون، فأية منفعة للأمة بتشريع زواج المجنون والسفيه والمعتوه؟

ولعل من رفعة الإسلام وعلو شأنه أنّه خاطب العقل بالدرجة الأولى، ومحور الارتكاز على العقل التكليف، وهو صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يعتد به شرعاً، وأساس ثبوتها التمييز.

وللتكليف شروط شرعية منها: أن يكون المكلف قادراً على فهم دليل التكليف، لأنّ التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال ، والمجنون والمعتوه غير مكلفين لعدم قدرتهما على فهم أصل الخطاب، وأن يكون المكلف أهلاً للتكليف، والأهلية لغة : هي الصلاحية. وهذا ما يجعل من تشريع زواج المجنون والمعتوه والسفيه والمحجور عليه في قانون الأحوال الشخصية الموحد لدول مجلس التعاون مثيراً للكثير من الاستغراب والدهشة. ووفقاً للقاعدة الفقهية (اليقين لا يزول بالشك) فإنّ ضرر الحاضر من هذا الزواج مؤكد في جميع الأحوال حيث التعامل مع حالات مثل الجنون والعته والسفه يشكل معاناة ، فكيف الحال إذا كانت في ظل معيشة زوجية يفترض منها الدوام!

ثانياً: مخالفة أنظمة دول المجلس

وتتلخص هذه المخالفات في الآتي :

1.مخالفته للأنظمة السعودية التي تنص على أنّ سن الرشد هو 18 سنة ،ولكن المادة (150) تخالف هذا النظام بإعطاء القاضي حق ترشيد القاصر إذا تم الخامسة عشرة من عمره، وثبت حسن تصرفه.

2. بتحديده سن أدنى زواج الفتى 15 عاماً ،وإعطاء الفتى حق طلب من القاضي تزويجه إن امتنع وليه عن ذلك خالف قانون الأحوال الشخصية العُماني الذي حدد سن 18 سنة كحد أدنى لزواج الفتى والفتاة ، فقد نصت المادة السابعة منه على أن : « تكتمل أهلية الزواج بالعقل وإتمام الثامنة عشرة من العمر « هذه الأهلية الكاملة يقصد بها أهلية الرجل والمرأة.، وخالف فقرة (أ) من المادة العاشرة التي تنص على أنّه « إذا طلب من أكمل الثامنة عشرة من عمره الزواج وامتنع وليه عن تزويجه جاز له رفع الأمر إلى القاضي»

ثالثاً : الانحياز للرجل ضد المرأة

ويظهر هذا الانحياز في :

1. في تقريره تزويج الصغير والمعتوه والمجنون والسفيه راعى مصلحة الرجل وإشباع رغبته فقط، ولم يراع مصلحة المرأة التي ستتزوج المعتوه والمجنون والسفيه ،ومدى معاناتها من هذا الزواج وحرمانها من كثير من حقوقها، أقربها الإحصان والإحساس بالأمان والمشاركة الوجدانية، والمشاركة في تربية الأولاد، وأنا أسأل الذين وضعوا النظام هل يرضون لبناتهم أزواجا معتوهين ومجانين وسفهاء؟

2. الفقرة (أ ) من المادة (58) تُعطي للزوج حق إسكان أبويه وأولاده من زوجة سابقة مع زوجته في بيت الزوجية متى كان مكلفا بالإنفاق عليهم، بشرط أن لا يلحقها ضرر من ذلك، بينما الفقرة (ب)لا تعطي للزوجة حق إسكان معها في بيت الزوجية أبويها ، أو أحدهما ، وإعطاءها حق إسكان أولادها من غيره إلا إذا لم يكن لهم حاضن غيرها، أو يتضررون من مفارقتها، أو رضي الزوج بذلك صراحة أو ضمنًا، ويحق له العدول متى لحقه ضرر من ذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه : من يقدر الضرر من بقاء الأولاد في الحالتيْن :الزوجة ، أو الزوج ،أم القاضي ؟ وإن كان القاضي فمن يضمن عدل القاضي في تقرير الضرر ، فقد يقرر الضرر الواقع على الزوج من وجود أولاد زوجته ، ولا يقرر الضرر الواقع على الزوجة من بقاء أبوي الزوج ،أو أولاده في بيت الزوجية؟ وأين يذهب أولاد الزوجة إن تقرر وقوع ضرر على زوج الأم ببقائهم في بيت الزوجية إن كان أبوهم متوفيا ، وأمهم الحاضن الوحيد لهم ؟ ولم يشر النظام أنَّ من حق الزوجة إسكان أبويها ،أو أحدهما وأولادها من غيره في بيت الزوجية ، خاصة إن كانت مالكة للبيت ،أو لها مرتب خاص بها ، أو دخل خاص بها تُنفق منه على أبويْها وأولادها، خاصة وأنّنا في عصر يغلب فيه خروج المرأة للعمل التكسبي.
3. المادة (111) لا تعطي الزوجة حق طلب الطلاق من زوجها المحكوم عليه نهائياً بالسجن ثلاث سنوات إلاَّ بعد مضي سنة من مدة الحكم ،مع أنَّ الإسلام يعطي المرأة حق الطلاق إن غاب عنها زوجها أربعة أشهر ،بدليل أنَّ المادة (109) من هذا النظام أعطت للزوج الغائب المعلوم موطنه ومحل إقامته مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد عن سنة ليعود لزوجته أو يتم تطليقها منه.

4. ما ورد عن الصغير وأحواله في المواد من (141ـــ 145)واضح أنّها قاصرة على الصغير الذكر بإعطائه حق إدارة أمواله ، إن ألمح منه رشداً ،ولكن هذا الحق لا يمنح للأنثى البالغة الرشيدة ؛إذ يشترط عليها الوكيل.

رابعاً : مخالفة نصوص قرآنية وحديثية

1.إقرار تزويج المعتوه والمجنون مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم ( تخيروا لنطفكم فإنّ العرق دساس)،وإن قيل يتأكد من أنَّ الجنون والعته ليس وراثياً ، فهنا أقول من يضمن سلامة التقارير التي تكتب بهذا الشأن، فقد يكون والد المعتوه والمجنون من ذوي الجاه والمال ، ويستطيع شراء ذمم المختصين الذين يكتبون التقارير إن كان أولئك لا ذمم لهم.

2. المادة (91) تعطي للزوج حق إرجاع مطلقته ما دامت في العدة دون اشتراط موافقتها على الرجعة ، وهذا مخالف لقوله تعالى ( فإن طلَّقها فَلاَ جُنّاحَ عَليْهُمَا أنْ يَتَراَجَعَا إنْ ظَنَّا أنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ){ البقرة : 230)

فهذه الآية تبين أنَّ الرجعة تتم بموافقة الزوجين، فالموافقة على الرجعة من حق المطلقة ، وكل أنظمة الأحوال الشخصية ، والأحكام القضائية سلبتها هذا الحق الذي أعطاها إيَّاه خالقها.

3. لم يُبيِّن النظام في المادة (93) متى تكون المخالعة، وهو وقوع الضرر على الزوج لطلب الزوجة للطلاق منه مع عدم وجود ما يعيب دينه وخلقه ،وذلك استناداً على حادثة زوجة ثابت بن قيس التي أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبة الطلاق من زوجها قائلة : ( إنِّي لا أعيب دينه وخلقه ولكن أكره الكفر في الإسلام ، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم : أتردين له حديقته ؟ ،فقالت نعم)

4. في الفقرة (أ) من المادة (126) اشترط في الحاضن إذا كانت امرأة: “أن تكون خالية من زوج أجنبي عن المحضون دخل بها. إلا إذا قدرت المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون، ولم يوجد نص من القرآن والسنة ينصان على ذلك ،بل الرسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بحضانة ابنة عمه حمزة بعد استشهاده لخالتها, وقد تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ، وخالتها يومئذ لها زوج أجنبي عنها، فالأم أحق بالحضانة إن كانت متزوجة من رجل أجنبي عن المحضون ، فزوج الأم من المحارم لبناتها ، أمَّا حديث ( أنتِ أحق به ما لم تُنكحي) وهو حديث ضعيف ، وقال عنه ابن حزم هذه صحيفة لا يُحتج بها، ورواية أخرى فيها المثنى بن الصباح ، وهو ضعيف، وما روي عن أبي بكر رضي الله عنه فهو موقوف ومرسل ، وروي من وجوه أخرى مرسلا في « الموطأ « و « المصنف « لابن أبي شيبة و من وجه آخر موصولاً بإسناد ضعيف منقطع .

5. عدم تناوله حجر وعضل البنات ، فأغفلهما وكأنَّهما غير موجوديْن في المجتمع ،ونجده أشار إلى العضل في المادة (14) دونما توضيح وتفصيل ، وذلك في غيبة الولي ، فجاء هذا النص «إذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة، أو جهل مكانه، أو لم يتمكن من الاتصال به، أو عضل، انتقلت الولاية لمن يليه بإذن من القاضي.»، ولم يبين الحكم في حالة عضل الولي الثاني الذي انتقلت إليه الولاية ، بينما نجده فصَّل في حالة امتناع الولي من تزويج الذكر البالغ من العمر 15 سنة إن طلب الزواج.

خامسًا: مواطن القصور في النظام الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي تتلخص في الآتي:

تعرضه في المادة (19) إلى تعريف الكفاءة ، مكتفياً بقوله الكفاءة خاصة بالمرأة والولي ، وكأنَّه مباح للرجل أن يتزوج بمن شاء، وشرط الكفاءة موقوف على المرأة فقط ، وكأنّي به يقر ضمنياً بالكفاءة القبلية ، بل أنَّه لم يحدد الكفاءة بالدين والخُلق , والأحاديث المعوّل عليها في أحكام التطليق لعدم كفاءة النسب أحدها عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:” العرب أَكْفَاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحيٍّ، ورجل لرجل إلا حائك أو حجام ” رواه الحاكم وله ألفاظ أخرى لا يصح منها شيء، وإن قال بعضهم: إنَّ الحاكم صححه ، وماذا عسى يغني تصحيح الحاكم، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: هذا كذب لا أصل له ، وقال في موضع آخر: باطل ، وقال ابن عبد البر : هذا منكر موضوع، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب حديث، وثانيها ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه:” العرب بعضهم أكفاء بعض ، والموالي بعضهم أكفاء بعض ” فإسناده ضعيف . نعم وورد في الصحيح ما يدل على فضل العرب، وفضل قريش على العرب وفضل بني هاشم على قريش، ولكن لم يرد ذلك في أمر الكفاءة .

أمَّا الإمام أحمد بن حنبل فقد ضعَّفه ،وعندما قيل له: كيف تأخذ به وأنت تضعفه ؟ قال العمل عليه ،يعني أنّه ورد موافقاً لأهل العرف.[ ابن قدامة : المغني 377/7، المكتبة التجارية، مكة المكرمة ،الطبعة الثانية ،عام 1417هـ / 1977م.]

وثالثها حديث: “لا يزوج النساء إلاّ الأولياء، ولا يُزوجنّ إلاّ من الأكفاء” فقد رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه لكن في إسناده الحجاج بن أرطأة، قال عنه الحافظ ابن حج: صدوق كثير الخطأ والتدليس، وهذا يؤكد ما ذكره ابن حجر في فتح الباري: لم يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب حديث.

ورابعها : “العرب بعضهم أكفاء لبعض ، رجل برجل ، وحي بحي ، وقبيلة بقبيلة ، والموالي كذلك ، إلّا حائك أو حجّام”

رواه أبو زرعة الزبيدي عن عمران بن أبي الفضل – هالك- وعثمان بن عبد الرحمن –واه- عن علي بن عروة – متروك- كلاهما عن نافع ، عن ابن عمر ، ورواه بقية، عن محمد بن الفضل – ليس بثقة – عن عبيد الله عن نافع به. [الإمام الذهبي : تلخيص العلل المتناهية لابن الجوزي ، حديث رقم ( 610) ، ص 206، 207.]
ثمّ أنّ عقد الزواج لا يصح إلاّ بموافقة الزوجيْن، فكيف يُفسخ دون علمهما، ودون موافقتهما؟

ولكن محاكمنا تغلب العرف على الشرع في التطليق لعدم كفاءة النسب، وتطلق الزوجيْن دون علمهما ،ودون موافقتهما، وقد ورد إلى الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالمملكة العربية السعودية على مدى خمس سنوات (44) قضية عدم الاعتراف بالزواج وطلب التطليق، وقضية تطليق فاطمة من منصور لعدم كفاءة النسب أثارت القلق ، بل الفزع من قبل بعض الأزواج ؛ إذ أبدوا مخاوفهم من أن يُفاجأوا بتطليقهم من زوجاتهم إن نشب خلاف بينهم وبين أباء زوجاتهم أو إخوانهم بدعوى عدم تكافؤ النسب، وبعضهم فكَّر في الهجرة من الوطن مع زوجاتهم وأولادهم لئلا يحدث لهم ما حدث لفاطمة ومنصور، بل هناك أزواج وزوجات في حالات هروب لصدور أحكام قضائية لتطليقهم لعدم الكفاءة في النسب دون علمهم ودون رضاهم، ولديهم أطفال لا يستطيعون إلحاقهم بالمدارس ، ولا يستطيعون العمل ، خشية أن يُكشف أمرهم، ويُعثر عليهم ، ويتم التفريق بينهم، فيعيشون على صدقات المتعاطفين معهم.

فلابد من إعادة النظر في مدى متانة الأسانيد الشرعية التي يستند إليها موضوع الكفاءة في النسب؛ إذ أنّ تطبيقاته الحالية تصطدم بمبادئ الإسلام السامية الذي لا يفرق بين أعجمي وعربي وينطلق من كون الناس سواسية، فالتطبيقات القضائية الحالية لموضوع الكفاءة في النسب تخالف هذه المبادئ ، وتخالف المادة 12 من النظام الأساسي للحكم في السعودية التي تنضوي تحت الجزء المعنون ب “مقومات المجتمع السعودي” والتي تنص على “تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام”،،كما أنّها تُخالف المادة (8) من النظام الأساسي للحكم التي تنص على ” يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية . ” كما أنّ هذه التطبيقات تعد تكريسًا للتفرقة العنصرية الذي تنهى عنه صراحة المادة الأولى من الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري ، كما أنّ دخول هذا الموضوع تحت عباءة الشريعة الإسلامية، ودخولها بالتالي في إطار التحفظ العام الذي أوردته المملكة على عدم سريان أي نص من نصوص الاتفاقية يخالف الشريعة الإسلامية هو أمر لا يقوم عليه دلائل شرعية معتبرة، بل ويخالف مبادئ الإسلام كدين عالمي، وتظل بالتالي قائمة شبهة مخالفة هذا التوجه القضائي للاتفاقية.

2.قضايا العضل أغلبها يقوم على الإصرار والتمسك بزواج الفتاة من قبيلتها، كما لم يتطرق النظام إلى ملكية المرأة لراتبها إن كانت موظفة ، وهو من حقها، وليس من حق وليها الاستيلاء على راتبها، وحرمانها من حق الزواج للاستيلاء على راتبها، وبطبيعة الحال كما لم يتطرق النظام إلى الإجراء الذي يتبع في حال مماطلة القاضي تزويج الفتاة المعضولة ،أو امتناعه عن تزويجها، كما لم يتطرق إلى معاقبة العاضل.

3. لم يتطرق إلى تعليق الزوجة وهجرها ، وإنَّما تطرق في المادة (109) إلى حق الزوجة طلب الطلاق في حال غياب وفقدان الزوج المعروف موطنه ، أو محل إقامته، ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد إنذاره: إما بالإقامة مع زوجته، أو نقلها إليه، أو طلاقها، على أن يمهل لأجل لا يقل عن أربعة أشهر، ولا يتجاوز سنة ،لماذا سنة ؟ من أين أتى بها مُعدو النظام ؟ فإن كان سيدنا عمر حدَّد المدة التي يغيب فيها الزوج عن زوجه أربعة أشهر ،والمذهب الحنبلي حددها بستة أشهر ، وإن كان معدو النظام لم يُراعوا أنَّ المرأة إنسان لها رغبات، فإن كانت غير موظفة ،ولا دخل لها كيف تعيش هي وأولادها ؟ من ينفق عليها، وهي لا تستطيع العمل إلاَّ بإذن الزوج، ولا يُصرف لها راتب من الضمان الاجتماعي وهي في ذمته؟

4. لم يتطرق إلى سن الحضانة للذكر والأنثى إذا كانت الأم على ديانة أبي المحضون، إلاَّ أنَّنا نجده في المادة (127) يشير إلى سن الحضانة في حالة كون الحاضنة على غير دين أبي المحضون، وذلك بسقوط حضانتها ببلوغ المحضون السنة السابعة من عمره إلا إذا قدر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون، والغريب أنَّ من المعمول به في محاكمنا الآن إسقاط حضانة الأم المسلمة ببلوغ المحضون الذكر سبع سنوات ، والأنثى تسع سنوات، وكنا نأمل أن لا يسقط معدو هذا النظام حق الأم في الحضانة بالزواج أخذاً بإعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الحضانة لخالة ابنة عمه حمزة بعد استشهاده، وهي متزوجة ، ومساواتها بالأب الذي لم تسقط حضانته بالزواج، وكنا نأمل أن يأخذ معدو هذا النظام بالمذهب المالكي في جعل حضانة الأم للبنت إلى أن تتزوج ،وللولد إلى أن يبلغ ، ،وأرى أن يكون هذا في حال زواج الأم ، أمَّا إذا لم تتزوج فيبقى الولد مع أمه لأنَّها في حاجة إلى وجوده معها لرعايتها ، فليس من إنصاف المرأة أن تبقى بلا زواج ،ويُنزع منها ابنها إن كبر، وتظل وحيدة بلا زوج ولا ولد، وممَّا يجدر ذكره أنَّ مشروع قانون الأحوال الشخصية الكويتي في المادة 145 ينص على ( تنتهي حضانة النساء بالنسبة للغلام بالبلوغ وبالنسبة للأنثى بزواجها ودخول الزوج بها).

5. لم يُجرِّم العنف الأسري بكل أشكاله وأنواعه، بأن يتعرض للعقاب تعزيراً كل من يمارس أي نوع من أنواع العنف، أو عضل، أو إكراه على الزواج ، أو حرمان من الميراث، أو من الراتب، أو من التعليم، أو تحرش أو اغتصاب أو…إلخ.

6. لم يعطِ المرأة حق تطليقها من القاضي إن كان زوجها مدمناً للمخدرات أو المسكرات ،واستمرار حياتها معه خطر على حياتها .

7. لم يحدد سن الرشد كحد أدنى لزواج الفتى والفتاة، وهو سن 18 سنة ، ليكون الزوجان مؤهلين، وهو السن الذي يمكِّن الفتاة من تحمل العلاقة الزوجية والحمل والولادة .

8. لم يتضمن وجوب الكشف الطبي للتأكد من خلو المقدميْن على الزواج من الأمراض الوراثية ،والأمراض المعدية عن طريق المعاشرة الزوجية كالإيدز والتهاب الكبد الوبائي.

9. لم يتضمن إسقاط اسم الزوجة من دفتر العائلة فور تطليقها طلاقاً بائناً.

10. لم يعط الفتاة البالغة الرشيدة المعضولة حق تزويج نفسها إن امتنع وليها القاضي من تزويجها أخذاً بالمذهب الحنفي، وكذلك إعطاء أم الفتاة، أو عمتها أو خالتها، أو أختها الكبرى حق تزويجها، فالسيدة عائشة رضي الله عنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن عندما كان في الشام.
11. لم يمنع تنازل الأم عن حضانة الأولاد في حالات الخلع والتي تشكل أكثر من ثلث حالات الطلاق لأنّ المحاكم لا توقع الطلاق بناء على طلب الزوجة ولو كان لعذر شرعي , وإنّما أغلب قضايا الطلاق المرفوعة من الزوجة تنهيها المحاكم خلعاً.

12. لم يشر إلى استخدام الحمض النووي كبينة لإثبات النسب، والتي تماثل القيافة في عصر النبوة التي كانت إحدى وسائل إثباته، كما لم يتطرق إلى استخدام الحمض النووي في إثبات نسب طفل اللعان ، أو نفيه، لتنفيذ حد اللعان على الكاذب.
وبعد هذا القصور في هذا النظام الذي تجاوز كل هذه النقاط وفصَّل في زواج المعتوه والمجنون والصغير والسفيه معتبراً الزواج لإشباع الغريزة الجنسية، ولم يفكر معدوه في أثر هذا الزواج على صحة النسل وتربيته، فهل يريدون الجنون والتخلف للأجيال القادمة؟
التوصيات
آمل إعادة النظر في هذا النظام, وأن تضم لجان الإعادة فقيهات وعالمات وحقوقيات وقانونيات ممن يحملن فكرًا مستقلًا غير متأثر بالخطاب الديني السائد القائم على دونية المرأة, واستعلاء الرجل, والذي يُغلب الأهواء والأعراف والتقاليد على التشريع الإلهي!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Join the discussion