ما أسباب العنف ضد المرأة؟ (3)

ما أسباب العنف ضد المرأة؟ (3)

ما أسباب العنف ضد المرأة؟ (3)
لم يتوقف العنف ضد المرأة على الإيذاء البدني, بل يتعداه إلى انتقاص بعض الأنظمة والقوانين لأهلية المرأة, والتعامل معها معاملة القاصر
د. سهيلة زين العابدين حماد
الثلاثاء 18/12/2012

 
بيّنتُ في الحلقتيْن السّابقتيْن أنّ العنف الممارس ضد المرأة في العالم مبعثه موروث فكري وثقافي يقلل من شأن المرأة, ويسلبها أهليتها ويجعلها تحت سطوة الرجل وسلطانه معليًا من شأن الرجل, واعتباره أفضل من المرأة, والقائمون على تفسير النصوص الدينية في الديانات السماوية الثلاث فسّروها طبقًا لذاك الموروث الفكري والثقافي, وأصدر فقهاء تلك الديانات وقانونيوها أحكامًا فقهية وقوانين تسير في فلك تلك الموروثات رغم مخالفتها لما جاءت به الديانات السّماوية, وتوقفتُ في الحلقة الماضية عند المفهوم الخاطئ للقوامة, وبعض الآيات المتعلقة بالمرأة والعلاقات الزوجية والأسرية ,والاستدلال بأحاديث ضعيفة وموضوعة ومفردة من أهم أسباب ممارسي العنف من المسلمين ضد المرأة, فقد جعل الله القوامة للرجل إن كان أهلًا لها, ومنفقًا على من هو قوّام عليهم, وهما شرطا القوامة, ولا يعني أفضليته على المرأة, ولا فضل له في الإنفاق عليها كما يقول ابن كثير, لأنّ هذا من واجبات القوامة, فالقوامة لا تعني قهر المرأة واستعبادها واسترقاقها, وممارسة كل أنواع العنف ضدها يوضح هذا قوله تعالى:﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فالقوّام هو القائم بتدبير شؤون من هو قوّام عليهم, وليس القيّم عليهم – كما فسّرها الإمام ابن كثير – برئيسها وكبيرها، والحاكم عليها ومؤدبها إذا أعوجّت ومعنى﴿ بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ لا يعني أفضلية الرجال على النساء, ولكن معناه الأهلية للقوامة, لأنّ ليس كل رجل أهلاً للقوامة, فالمعتوه والمجنون والسفيه, والمريض النفسي, أو المشلول شللًا كاملاً, أو المصاب بمرض الزهايمر, ومدمن المخدرات والمسكرات, والزاني ببناته, والقاتل والسارق والإرهابي و… هؤلاء ليسوا مؤهلين للقوامة, عندئذ تكون القوامة للمرأة, والقوامة داخل نطاق الأسرة, وليست عامة مطلقة, فليس كل الرجال قوّامين على كل النساء, كما هو المفهوم السائد.
ولقد أعطى خطابنا الديني لقوامة الرجل قدسية, جاعلًا رضا الزوج, وخروج الزوجة بإذنه يدخلها الجنة, وغضبه منها وخروجها بدون إذنه يدخلها النّار, مستدلًا بأحاديث ضعيفة وموضوعة, معطيًا للزوج حق ضرب المرأة لفهم خاطئ لآية(واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهنّ), فأُعطي لـ (واضربوهُنّ)معنى الضرب البدني, مع أنّ لكلمة الضرب معاني كثيرة في اللغة, منها: «المفارقة والترك والاعتزال، وهذا المعنى الذي يتفق مع سياق الآية، وتؤكده السنة النبوية الفعلية حين فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت زوجاته حين نشب بينه وبينهن خلاف, ولو كان الضرب بمعنى الأذى الجسدي أمراً إلهياً ودواءً ناجعاً لكان عليه السلام أول من طبّقه.
والذي يؤكد هذا المعنى أنّ الضرب البدني جاء في القرآن بلفظ الجلد في قوله تعالى:( والزانية والزّاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) ولكن للأسف المفسّرون عزّزوا معنى الضرب البدني لمعنى(واضربوهن) في تفسيرهم لهذه الآية, مع أنّه يتنافى مع آية(وعاشروهن بالمعروف),( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وآية( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان), واستشهدوا بأحاديث ضعيفة كحديث(لا يُسأل الرجل فيما ضرب زوجته),فإعطاء الرجل حق ضرب الزوجة باسم الدين دفع الرجل إلى ممارسة كل أنواع العنف ضد المرأة زوجة, كانت أو ابنة أو أختاً, حتى وصل الأمر ببعض الأزواج والآباء بقتل زوجاتهم, وبناتهم, وللأسف نجد بعض القضاة حكموا على بعض مرتكبي جرائم قتل زوجاتهم وبناتهم بالسجن بِضع سنوات, آخذين بمقولة للإمام الزهري «لا يقتل الرجل في زوجته, لأنّه ملكها بعقد النكاح, وهي أشبه بالأسير», وبحديث» لا يُقتل الوالد بولده» وهو حديث ضعيف ضعّفه كثير من علماء الحديث كما قال الشيخ ابن عثيمين, كما لا يوجد حتى الآن نظام يُجرِّم العنف الأسري, ويقتص من مرتكبيه عملًا بقوله تعالى(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)[ المائدة : 45]هذا ولم يتوقف العنف ضد المرأة على الإيذاء البدني, بل يتعداه إلى انتقاص بعض الأنظمة والقوانين لأهلية المرأة, والتعامل معها معاملة القاصر بفرض ولاية الرجل على المرأة البالغة الرشيدة حتى لو كان ابنها, أو حفيدها, في حين تُعامل معاملة كاملي الأهلية عند تطبيق الحدود والقصاص والتعازير عليها, ويرجع هذا إلى مفاهيم خاطئة لبعض الآيات القرآنية وللاستناد على أحاديث ضعيفة وموضوعة سلبت المرأة أهليتها الكاملة التي منحها إياها الخالق بتحميلها أمانة الاستخلاف, ومساواتها بالرجل في الأهلية وفي الحقوق الدينية والمدنية والمالية والسياسية والثقافية والتعليمية.
وللقضاء على العنف ضد المرأة لابد من تصحيح الخطاب الإسلامي للمرأة وعن المرأة, وتجريده من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والشّاذة والمفردة, ومن العادات والتقاليد والأعراف والموروثات الفكرية المتعارضة مع الإسلام.
Suhaila_hammad@hotmail.com suhaila_hammad@hotmail.com
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (26) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 – Stc
635031 – Mobily
737221 – Zain


Join the discussion