ورحل عنّا الوتد !

ورحل عنّا الوتد !

ورحل عنّا الوتد !
 بقلم / د. سهيلة زين العابدين حمّاد
بقلب يملؤه الأسى  والحزن أتقدم بخالص العزاء لخادم الحرمين الشريفين, والأسرة المالكة والشعب السعودي والأمتين العربية والإسلامية في وفاة ولي العهد, ونائب رئيس مجلس الوزراء  ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز, تغمده الله بواسع رحمته وأدخله فسيح جنانه, وألهمنا الله جميعًا الصبر والسلوان. 


    إنّ فقده خسارة كبرى للوطن, وللأمتيْن العربية والإسلامية, فهو وتد من أوتاد الدولة السعودية, وركن أساسي من أركانها وركيزة أمنية أساسية ليس للملكة العربية السعودية فقط, وإنّما للوطن العربي, لما يتمتع به من حنكة سياسية, وحسن تدبير, وحكمة في مكافحة الإرهاب, باتباع طريق المناصحة والنقاش الفكري مع المتورطين في عمليات إرهابية بالعفو عن من يُعلن تراجعه عن تبني الفكر التكفيري واستخدام العنف مع من يُكفرهم, ولم يكتف بالعفو, بل وتوفير فرص عمل لهم ورعاية أسرهم, وعمل على تأسيس، وتمويل كرسي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمن الفكري بجامعة الملك سعود في عام 1428ه/ 2008م، و دعا هذا الكرسي إلى وضع خطة استراتيجية لتحقيق الأمن الفكري, كما قام بتأسيس  وتمويل كرسي الأمير نايف لدراسات الوحدة الوطنية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في عام 1429ه / 2009م , وأسلوب المناصحة في مقاومة الإرهاب أسلوب جديد وناجع, أستطاع أن يُعيد الأمن إلى البلاد, إضافة إلى ما قدمته جامعة الأمير نايف الأمنية من خدمات جليلة في مجال البحوث والدراسات الأمنية. 


 والخطط الأمنية التي يضعها لحماية الملايين من حجاج بيت الله الحرام سنويًا, تنم عن عبقرية نادرة؛ إذ ترى الملايين تتحرك في آن واحد في مكان واحد بسلاسة ويُسر في أمن وأمان, كما يتمتع هذا الرجل بجرأة وشجاعة نادرًا ما تتوفر في مسؤولي هذا العصر, فلم أسمع مسؤولًا عربيًا يُصرح بما صرّح به سموه في نوفمبر عام 2001م؛ إذ قال : “من المستحيل أن يقوم شباب في التاسعة عشر بتنفيذ عملية الحادي عشر من سبتمبر، أو أن يفعلها بن لادن والقاعدة بمفردهم. .. أعتقد أنّ الصهاينة مسؤولون عن هذه الأحداث. اقترح فيما بعد أن يتم أخذ بصمات الأمريكيين الزائرين للمملكة مثلما يتم للزائرين عند دخول الولايات المتحدة.” وعندما التقيتُ بأحد المسؤولين العرب بعد الاحتلال الأمريكي للعراق, قلتُ له كيف تقبلون إلحاق تهمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالعرب والمسلمين, وأنتم تعلمون أنّ الإدارة الأمريكية وإسرائيل وراءها, ممّا ترتب على ذلك احتلال أفغانستان والعراق, وملاحقة المسلمين في كل مكان؟ فقال : ” والله هم الذين عملوها” ,فقلتُ : ” لماذا لم تُعلنوا هذا؟
هذه جوانب مهمة في شخصية سموه – رحمه الله – وهناك جوانب أخرى من شخصيته تبيّنت لي من خلال لقائي به مرتيْن مع وفد للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان, المقابلة الأولى كانت في بيته بمناسبة تأسيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان, وكانت بتاريخ 17 صفر 1425هـ الموافق 7 إبريل 2004م, والمقابلة الثانية كانت في الديوان الملكي بمناسبة ولايته للعهد, وكانت بتاريخ 7 صفر عام 1433ه, الموافق 1 يناير 2012م.
 في المقابلة الأولى اكتشفت جانبًا مهمًا في شخصيته, وهي ثقافته الراقية, فلقد بهرني بثقافته, وسعة اطلاعه, وقال لنا – نحن عضوات الجمعية –  أنتن عيوننا داخل السجون, اطلعونا على كل ما ترينه من سلبيات لنتلافاها, وعندما سألته  متى ستُمنح المرأة حق الأهلية الكاملة  فيحق لها السفر دون أخذ موافقة ابنها, أو حفيدها؟ فأجابني سموه وهو يودعنا عند باب بيته” يوجد نظام يُعطي للمرأة البالغة 45 عامًا حق السفر دون إذن أحد”, فقلتُ له” لماذا لم تبلّغوا موظفي جوازات المطارات لتفعيل هذا النظام, فقال: “هناك جهات أخرى تشاركنا في تفعيله”, وبعد هذا اللقاء طالبتُ عبر الصحافة بتفعيل هذا النظام.
في المقابلة الثانية اكتشفتُ جانبًا إنسانيًا مهمًا من شخصية هذا الرجل العظيم, وهو حرصه على عرض وكرامة المرأة السعودية, فهو لا يريد لأية امرأة سعودية أن تتعرض  لما يتعرّض له  بعض النسوة العربيات الفقيرات اللواتي يضطررن إلى بيع أجسادهن في سبيل إطعام أطفالهن, وتحدّث لنا عن مشروع يضمن للمرأة السعودية من سن العشرين إلى الخمسين حياة كريمة لئلا تضطر إلى بيع نفسها من أجل رضعة حليب لابنها, أو لقمة عيش لها ولأولادها, وذلك بتخصيص راتب شهري قدره ثلاثة آلاف ريال لكل امرأة سعودية فقيرة من سن العشرين إلى الخمسين, وسألنا نحن عضوات الجمعية اللاتي كنا ضمد وفدها عن رأينا, فقلتُ لسموه ” حبذا لو تكون هذه الإعانة مدى الحياة, ولا تربط بسن معينة” وأتمنى أن يجد هذا المشروع طريقه إلى النور, ويتبناه أولاد الأمير نايف, الذي سيكتب له الله أجره إن شاء الله.
 وقد طرحتُ على سموه معاناة المواطنات السعوديات المتزوجات من غير سعوديين في إيقاف تجنيس أولدهن وحرمان بناتهن من حق التجنيس , وفي اشتراط أن يكون لديهن سجل تجاري لكفالة أولادهن وأزواجهن, فأشار إلى صدور نظام يمنح أبناءها وبناتها الجنسية, وقال ” من حقها أن تكفل زوجها بدون أن يكون لديها سجل تجاري”, كما طرحتُ على سموه قضية معاناة أولاد السعوديات من آباء معلومين, ولكن مجهولي الجنسية, أو لا جنسية لهم, ولم يحصلوا على الجنسية, فقال:” من حقهم حصولهم على الجنسية”
كنتُ أتحدث إليه, وكأنّي أتحدث إلى أبي, أو أخي, أو أحد أفراد أسرتي, حتى أنّ أحد أعضاء الجمعية قال لي ” أغبطك على جُرأتك وشجاعتك” ,هذا الإحساس هو الذي منحني إيّاه من طريقته في الكلام, والإنصات إليك, واحترام ما تقوله؛ إذ كسر كل حواجز الخوف أو الرهبة, حقيقةً لقد أحسن الملك عبد العزيز تربية أبنائه, فكل واحد منهم عندما تلتقيه تكتشف جوانب إنسانية في شخصيته تستحق التوقف عندها بكل تقدير واحترام, رحم الله الملك عبد العزيز وأولاده المتوفين, وحفظ أولاده الأحياء وأولادهم  من كل سوء, وبارك الله لنا في مليكنا وحماه من كل شر”
Suhaila_hammad@hotmail.com
Join the discussion