معاركي مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية (الجزء الرابع و الأخير)

معاركي مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية (الجزء الرابع و الأخير)

معاركي مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية (الجزء الرابع و الأخير)
الرد على فضيلة الشيخ
سليمان الخراشي: (4)
لو جاءت من غيرك …وأنت
العالم الجليل!!

    بقلم
د. سهيلة زين العابدين حمّاد

نشر هذا الرد على حلقات في
ملحق الرسالة التي تصدره جريدة المدينة عام 1423هـ  ،أي قبل عشر سنوات.

سادساً : إحرام المرأة في وجهها وكفيها
يقول فضيلته : (قالت الأستاذة:
“إنّ إحرام المرأة في وجهها وكفيها، فلا يجوز أن تتنقب أو تغطي وجهها وتلبس
قفازاً وهي محرمة، وإن فعلت فعليها أن تفدي، ولكنا نجد البعض يلزم المرأة بتغطية
وجهها وهي محرمة….” الخ كلامها

، وفيه خلط كثير لابد من توضيحه: فقولها بأنه
لا يجوز للمرأة المحرمة أن تتنقب أو تلبس القفازين صحيح؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم
عن ذلك، ولكن ليس معنى هذا أنه لا يجوز لها أن تغطي وجهها بغير النقاب كما قد يفهم
البعض، ومنهم الأستاذة، إنما المعنى أن لا تغطي وجهها أو كفيها بما يكون مفصلاً
على مقدار العضو، وهو ما يسميه الفقهاء “المخيط”، ولكنها تستر وجهها عن
الأجانب بسدل جلبابها أو خمارها. وهذا ما فعله زوجاته صلى الله عليه وسلم ونساء
الصحابة رضي الله عنهن. قالت عائشة –رضي الله عنها-: “كان الركبان يمرون بنا
ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها
من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه” رواه أبو داود. وعن أسماء بنت أبي
بكر    -رضي الله عنها- قالت: “كنا
نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام” رواه الحاكم وقال على
شرط الشيخين. وعن فاطمة بنت المنذر قالت: “كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها” رواه مالك في الموطأ .)

وأقول هنا في هذه المسألة الآتي :

 حديث 
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لا يلزم المحرمة بتغطية وجهها أمام
الأجانب  ، وهذا نصه :(كان الفضل رديف رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه
،وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ،فقالت : يا رسول
الله إنَّ فريضة الله على عباده في الحج أدركت شيخاً كبيراً لا يثبتُ على الراحلة
،أفأحج عنه ؟ قال “نعم” . وذلك في حجة الوداع
[1])

ما رواه ابن حزم بطريق الحاج بن
المنهال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال :
رأى ابن عمر امرأة قد أسدلت ثوبها على وجهها 
ـ وهي محرمة ـ فقال لها : “اكشفي وجهك فإنَّما حرمة المرأة في وجهها.
[2]

وروى ابن حزم أيضاً عن طريق سعيد بن
منصور عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : ” الذقن من الرأس فلا
تغطه ، وقال : إحرام المرأة في وجهها ،وإحرام الرجل في رأسه ” ،وقال أبو
حنيفة “لا يغطي المحرم وجهه فإن فعل فعليه فدية
[3]

 ما قاله ابن قدامة في المغني  ـوابن قدامة من فقهاء الحنابلة ـ : ( ويجتمع في
حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه
[4])

،ويقول: ( وجملة ذلك أن بأنَّ المرأة
يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه ،لا نعلم في ذلك
خلافاً إلاَّ ما روي عن أسماء أنَّها كانت تغطي وجهها ،وهي محرمة ،ويحتمل أنَّها
كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة ،فلا يكون اختلافاً
[5])

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب
:  ( والمرأة إحرامها في وجهها فيحرم
تغطيته لا نعلم فيه اختلافاً إلاَّ ما روي عن أسماء أنَّها تغطيه فيحمل على السدل
،فلا يكون فيه اختلاف
[6]
)

ويعلل ابن قدامة  كشف وجه المرأة المحرمة بأنَّ الوجه ليس بعورة
،فيقول : ( ولأنَّ للمرأة حاجة إلى ستر وجهها ،فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق
كالعورة
[7])

هذا ويعلل ابن قدامة  تحريم لبس المحرمة النقاب والقفازين بقوله : (
وإنَما منعت المرأة من البرقع ونحوهما ممَّا يعد لستر الوجه
[8])

ولا أخفي على فضيلة الشيخ
الخراشي ” فإنَّ التعليل الذي ذكره  لا أدري من أين أتى به، ولبس المرأة المحرمة
كله من المخيط بما فيه جلبابها وخمارها ، فكيف يكون النقاب محرماً لأنَّه من
المخيط؟

الذي يتبين لنا ممَّا سبق
أنَّ الأصل كشف وجه المرأة المحرمة ، والدليل عدم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم
المرأة الخثعمية أن تغطي وجهها ، والفضل ينظر إليها ، وإنَّما أدار عنها وجه الفضل
، وهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم ؛ لذا طلب عبد الله بن عمر رضي الله عنه من
المرأة المحرمة التي غطَّت وجهها أن تكشفه ، وقال الأحناف بالفدية لمن تغطي وجهها
وهي محرمة ،واعتبر الفقهاء إحرام المرأة في وجهها ،كما إحرام الرجل في كشف رأسه
،وقال ابن قدامة “ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه”،
وقيام السيدة أسماء رضي الله عنها  بتغطية
وجهها وهي محرمة كان اجتهاداً منها ، ومن هنا كانت تغطية وجه المرأة المحرمة عند
الحاجة مسألة خلافية ، وليست واجبة، والله أعلم.

فما قلته بهذا الصدد لم
يكن ادعاءً , كما وصفه الشيخ سليمان ، ولم يكن قولًا غريبًا مادام رسول الله صلى
الله عليه وسلم لم يطلب من المرأة الخثعمية أن تغطي وجهها ،و الفضل ينظر إليها ،
فكيف يستنكر فضيلته قولاً بني على فعل فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإن قيل
ربما منعها في ما بعد ولم ينقل ذلك ،وعدم النقل لا يلغي المنع ، فأقول هنا :هذا
أمر يختص بالتشريع ، والرسول صلى الله عليه وسلم مشرعاً بوحي من الله ، فما الذي
يمنعه عليه الصلاة والسلام من أمر المرأة بتغطية وجهها ساعة نظر الفضل إليها إن
كان ذلك واجباً ؟ وهل الأمور التشريعية لا تنقل ؟ إنَّ مثل هذا القول يتهم الشريعة
الإسلامية بالقصور لعدم نقل ما يشرع به ،وهذا الخطأ وقع فيه مؤلف كتاب
“الحديث والثقافة الإسلامية لثالث ثانوي بنات ” ،إذ أوجد هذه المبررات
ليعطي هذا الحديث معنى أكثر ممَّا يحتمل.

سابعاً: الرد على  تكذيب 
إجازة الأحناف تولي المرأة القضاء

يصف فضيلة الشيخ عمَّا ذكرته عن قول
بعض قضاة الحنيفية بجواز تولي المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص
“ادعاءً” ،فيقول : ( ادعت الأستاذة أنّ الأحناف يقولون بجواز أن تكون
المرأة قاضية في غير الحدود والقصاص، وهذا غير صحيح، بل الأحناف موافقون للجمهور
القائلين بعدم جواز ذلك، وإنّما الذي غرها هو أنّ الأحناف قالوا بأنّ المرأة لو
وليت القضاء وقضت بما يوافق الكتاب والسنة فإن حكمها ينفذ مع الإثم. (انظر رسالة:
ولاية المرأة في الفقه الإسلامي، للباحث حافظ أنور، ص 222 وما بعدها).

  وأقول هنا إن غرَّني
“أنَّ الأحناف قالوا بأنَّ المرأة لو وليت القضاء ،وقضت بما يوافق الكتاب
والسنة فإنَّ حكمها ينفذ مع الإثم” فهل غرَّ فضيلة الشيخ القرضاوي الذي قال :
( الظاهرية وممثلهم الإمام أبو محمد بن حزم يرون من حق المرأة أن تتولى القضاء،
والظاهرية هم أناس حرفيون يتمسكون بظواهر النصوص، ويقاتلون دونها، فلو كان عند
الظاهرية أو عند ابن حزم نصٌ يمنع المرأة لتمسك به وحارب من أجله، إنّما لم يوجد،
ولذلك هناك من أجاز للمرأة أن تتولى القضاء، أبو حنيفة أجاز لها أن تتولى القضاء
فيما تشهد فيه. أي في غير النواحي الجنائية، إنّما في النواحي المدنية والمالية
يجوز أن تتولى القضاء، وفي نواحي الأحوال الشخصية يجوز أن تتولى القضاء. الإمام
أبو جعفر الطبري، وهو الفقيه المحدث المفسر المؤرخ الشهير، وكان له مذهب، وله
أتباع يُسمون الطبرية، وظل مدة من الزمن ثم انقرض، أبو جعفر الطبري،  يرى أن من حق المرأة أن تتولى القضاء في كل
شيء.
[9])

ثامنا: الرد
على مقولة أنَّ ما ذكرته من حقوق سياسية للمرأة مصادمة لنصوص الشرع مع الطعن في
عقلي

 وهذا ما سأبحثه 
ــ إن شاء الله ــ في الجزء الأخير من هذا الرد
، فللحديث صلة.

Suhaila_hammad@hotmail.com




[1]
صحيح البخاري، كتاب الحج ،باب وجوب الحج
وفضله ،الجزء الأول ،وصحيح مسلم، كتاب الحج ،باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم.

[2]
المحلى، مسألة لا بأس أن يغطي الرجل
وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك ،ولا كراهة في ذلك ،ولا بأس أن تسدل المرأة
الثوب من على رأسها على وجهها،  5/78.

[3]
المحلى 5/79.

[4]
 
انظر ابن قدامة : المغني ،5/155.

[5]
المغني 5/155.

[6]
القسم الثاني من الفقه المجلد الأول ص
296.

[7]
 
المغني 5/154-155،طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، تحقيق
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ،والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.

[8] المغني ،5/155.

[9] قناة الجزيرة
:برنامج الشريعة والحياة ،حلقة المرأة والقضاء التي أذيعت 20/09/1998 ،ونشرت في
الجزيرة نت السبت 17/5/1423هـ الموافق 27/7/2002م.

Join the discussion