أطفال الشوارع

بقلم د. سهيلة زين العابدين حماد
من هو طفل الشارع؟
لقد أشير إلى طفل الشارع باصطلاحات متعددة في سياق كثير من الدراسات التي تتناول موضوعات مختلفة ، ولم يستخدم مصطلح طفل الشارع ،وتوضع له التعريفات المختلفة إلاَّ في دراسات وتقارير ظهرت في الفترة الأخيرة على مستوى العالم

، وركزت بشكل رئيسي على ظاهرة أطفال الشوارع ، أيضا في العالم العربي ،فلا تزال مثل تلك الدراسات نادرة ،وبالمثل لم يستخدم هذا المصطلح إلاَ مؤخراً جداً، ويتوافق ها بشكل ما مع الاعتراف المتأخر بوجود هذه الظاهرة الذي ما يزال يتفاوت بالنسبة للبلدان العربية تصنيف ، أو تعديد فئات الأطفال التي يشملها المصطلح . والشائع أن يجمع التعريف بين ثلاثة محددات ، وهي أولاً : مكان الإقامة، وهو الشارع ،ثانياً : اعتماد الطفل على الشارع كمصدر للدخل والبقاء ( العمل في الشارع) ،وثالثاً : عدم وجود مصدر للحماية ، أو الرعاية ، أو الرقابة سواءً من أفراد أو مؤسسات ،وتأتي التعريفات المختلفة لتركز على هذا المحدد ،أو ذاك. 1
تعريفات منظمة اليونسيف لأولاد الشوارع
لمنظمة اليونسيف ثلاث تعريفات لأولاد الشوارع
 هم الذين يعملون طوال النهار في الشارع ، ثُمّ يعودون إلى أسرهم ليلاً للمبيت .
 أطفال الشوارع الذين تنقطع علاقاتهم مع أسرهم.
 أطفال الشوارع الذين ليس لهم أسر أساساً.
تعريفات منظمة الصحة العالمية لأولاد الشوارع
لمنظمة الصحة العالمية عدة تعريفات هي :
 الأطفال الذين يعيشون في الشارع لا يشغلهم سوى البقاء والمأوى.
 المنفصلون عن أسرهم بصرف النظر عن مكان إقامتهم سواءً في الشارع ، أو الميادين ، أو الأماكن المهجورة ، أو دور الأصدقاء ، أو الفنادق ، أو دور الإيواء.
 الأطفال الذين تربطهم علاقة بأسرهم ، ولكن تضطرهم بعض الظروف ( ضيق المكان ،الفقر ، العنف النفسي ، أو المادي الذي يُمارس عليهم) إلى قضاء ليال ، أو معظم الأيام في الشارع.
 الأطفال في الملاجئ المعرضون لخطر أن يصبحوا بلا مأوى.
العاملون في الخدمة بالمنازل رغم كونهم لا يمارسون حياة الشارع بشكل يومي، ولكنهم في الغالب محرومون من الرعاية والحماية الأسرية ( يقيمون على الأغلب في منازل المخدومين ، خاصة في السن الصغيرة.)
 الأطفال العاملون في الدعارة الذين تتولى الشبكات التي تستغلهم أمر توفير حاجاتهم الأساسية. 2
تعريفات المجلس الفلسطيني الأعلى للطفولة
يضيف المجلس الفلسطيني الأعلى للطفولة إلى تلك التعريفات
 الأطفال العاملون حتى ولو كانوا في مؤسسات صغيرة ، أو في المزارع ، أو المحاجر ، حيث يتعرضون للحرمان وظروف العمل القاسية.
تعريفات بعض الدراسات
وهناك تعريفات أخرى للأولاد الشوارع لبعض الدراسات العربية منها :
 الأطفال العاملون في الشارع ضمن فئات الشوارع ،مثل الأطفال من الباعة المتجولين ،وباعة الأرصفة ،وماسحي الأحذية إلى آخره من الأعمال ،حيث يشتركون مع أطفال الشوارع في معظم صفاتهم.
 عمال التراحيل الصغار الذين يعيشون ظروف عمل قاسية في معسكرات العمل بعيدين عن حماية ورعاية أسرهم ،وتحت رحمة صاحب العمل ،والمقاول. 3

تعريفات بعض المؤسسات الرسمية لأطفال الشوارع
تركز بعض التعريفات على المحددات القانونية فقط مثل السن ، واحتمال التحول إلى الإجرام ، أو استخدام الشارع للتسوُّل ، أو أداء الأعمال الهامشية ،أو التشرد ، وتستخدم دراسات المؤسسات الرسمية في الأغلب ، التعريفات القانونية ؛ حيث يطلق على أطفال الشوارع :
” الأحداث المعرَّضون للانحراف”
تعريف الأحداث وفق القانون المصري رقم (12) لسنة 1996م
الأحداث المعرضون للانحراف هم الأحداث أقل من (18) عاماً الذين يوجدون في حالة يرجح معها الانزلاق نحو ارتكاب جريمة ، أو توافر خطورة اجتماعية لديهم باحتمال ارتكاب جريمة ،ومن هذ الحالات التسول ، أو عرض سلع ،أو خدمات تافهة ، أو القيام بأعمال بهلوانية ، أو جمع أعقاب السجائر ، أو غيرها من المهملات ،مع عدم وجود مكان للإقامة ، والاضطرار للمبيت في الطرقات ،أو اعتياد الهروب من مؤسسات التعليم ، أو التدريب ، أو سوء السلوك ، والمروق من سلطة الأب ، أو ولي الأمر.”
ومن الواضح أنَّ من يقصدهم تعريف القانون يندرجون في فئات أطفال الشوارع ،وحيث يتعامل معهم التعريف من منطلق مدى خطورة ما قد يرتكبونه من جرائم ،فلا عجب إن لم تتعاطف الدراسات المعتمدة على التعريفات القانونية مع هذه الفئات من الأطفال. 4
تعريف الأحداث في نظام العمل السعودي
“الحدث: الشخص الذي أتم الخامسة عشرة من عمره ولم يبلغ الثامنة عشرة”
وتوجه بعض الانتقادات إلى التعريفات المستخدمة عمومًا ،حيث لا تأخذ في حسبانها البعد الاجتماعي في التعريف ، ولا تعبر موضوعياً عن الواقع الذي يعيش فيه الطفل ،أو الوضع الاجتماعي الذي ينتمي إليه ،ويدفع به إلى الشارع دون مسؤولية منه عن ذلك ،و فيما يتوافق مع هذه الرؤية النظرية تقترح إحدى الدراسات تعريف طفل الشارع على أنَّه :” الطفل الذي عجزت أسرته عن إشباع حاجاته الأساسية الجسيمة والنفسية والثقافية كنتاج لواقع اجتماعي ـ اقتصادي تعايشه الأسرة في إطار نظام اجتماعي أشمل ،دفع به إلى واقع آخر يمارس فيه أنواعاً من النشاطات لإشباع حاجاته من أجل البقاء ،ممَّا قد يعرضه للمساءلة القانونية بهدف حفظ النظام العام. 5


ورغم هذه الانتقادات إلاَّ أنَّنا نجد تعريفات تتضمن بعضًا من الأبعاد المذكورة على سبيل المثال يهتم بعض الدراسين بإبراز جانب التفكك الأسري ، أو عدم الشعور بالأمان الأسري والاجتماعي ،أ و الاقتصادي في التعريف كإشارة إلى مسببات الظاهرة من وجهة نظرهم . وتقترح إحدى الدراسات مصطلح الأطفال الهامشيين ، أو الطفولة المهمشة للتعبير عن أطفال الشوارع ، وأيضاً الأطفال العاملين ،حيث تتفق أوضاعهم وظروفهم وأنشطتهم مع الفئات الهامشية ، فهم على سبيل المثال تربطهم علاقة قلقة بسوق العمل ،ويقومون بأعمال عرضية مقابل أجور منخفضة ، وهي أعمال دونية غير ماهرة ، ولا يحصلون في ظلها على الرعاية والحماية الاجتماعية. 6
أوضاع الطفل في العالم
يعتبر الفقر من أطر الظواهر التي تهدد المجتمعات ، وتشكل البيئة التي يعيش فيها الأطفال ، ووفق معيار البنك الدولي عن القر المدقع ، أي الذي لا يمتلك فريسته دفع تكلفة الغذاء الملائم ،وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية ،فإنَّ العالم به اليوم ما يزيد على (3) مليارات فقير ،من بينهم (800) مليون نسمة يُعانون من سوء تغذية مزمن .أمَّا في منطقة آسيا والمحيط الهادي حيث يعيش (65%) من فقراء العالم ، فهناك شخص من بين كل خمسة أشخاص يُعاني من الجوع.
وفي ظل هذا المناخ يموت طفل حديث الولادة كل دقيقة في العالم النامي من جراء الإصابة بالتيتانوس . ويموت كل عام نحو نصف مليون امرأة أثناء الولادة ، وعند الولادة يخرج للحياة طفل من بين كل خمسة أطفال في دول العالم النامي في وزن أقل من المعدل الطبيعي ،ثم يعيش طفل من بين كل ثلاثة أطفال في أفريقيا ، وهو يعاني من سوء التغذية . يدعو دائماً للفخر ،فتنبئنا الإحصاءات بأنَّ نسبة الأطفال الذين يعيشون في فقر مدقع في الولايات المتحدة الأمريكية قد تضاعفت من عام (1975م) إلى اليوم ،وأنَّ (40%) من الأطفال لا يعيشون مع أسرهم الأصلية ، وأنَّ في عام 1992م كان هناك (850000)حالة موثقة لانتهاكات حقوق الأطفال بما في ذلك الإهمال، من ذلك:
سوء التغذية والأمراض
يمثل سوء التغذية أثقل الظلال على حياة أطفال العالم ،فيوجد مائتا مليون طفل يُعانون منه . وقد فقد العالم بسببه (12) مليون طفل عام (1996م) فقط .
الحروب والنزاعات والعادات الضارة
تقدر نسبة الأطفال من بين لاجئي العالم من (60% إلى 70%) ؛ حيث يوجد (20) مليون طفل لاجئ ،أو نازح . وقد قتل نحو مليون ونصف المليون طفل خلال عشر سنوات (1986 ـ 1996م) في النزاعات المسلحة في أنحاء العالم .
الأطفال العاملون
تفيدنا أرقام منظمة العمل الدولية بأنَّ عدد الأطفال العاملين في العالم بلغ (250) مليون طفل ما بين (10ـ 14) عاماً ،يعيش (153) مليون منهم ي آسيا ،و(80 ) مليون في أفريقيا ،و(17،5) مليون في أمريكا اللاتينية . ويجب أن نذكر أنَّ هذه الأعداد لا يدخل في نطاقها الأطفال العاملون لبضع ساعات في الأسبوع لكسب المصروفات الشخصية ، بل هم الأطفال الذين يعملون عملاً يتعارض مع تعليمهم ،أو صحتهم ، أو نموهم ،وتشير الورقة أيضًا إلى وجود نسبة أطفال عاملين تصل إلى (40%) من إجمالي عدد الطفال في المناطق الفقيرة من أفريقيا ، أمَّا في آسيا وأمريكا اللاتينية ، فرغم أنَّ المتوسط هو (20%) إلاَّ أنَّ النسبة تصل في المناطق كثيفة السكان إلى (60%) ، ويمكن الإشارة هنا أيضاً إلى أنَّ عبودية الأطفال لا تزال تُمارس في جنوب آسيا وغرب أفريقيا ؛ حيث يُباع الأطفال بعقود وينقلون إلى أماكن العمل في صناعة السجاد والزجاج ، وأيضاً للدعارة ، والأرقام والحقائق دالة ،وفي غير حاجة إلى أي تعليق.


الأمية بين الأطفال
وفقاً لليونسكو فإنَّ (18%) من الأطفال في العالم في سن المدرسة الابتدائية لا يتلقون أي شكل من أشكال التعليم ، ويقدر عدد بِ (119) مليون طفل ،أمَّأ أحدث تقرير لليونسيف فيذكر أنَّ العدد المتزايد من الأميين في العالم الذي بلغ مليار نسمة يضم (130) مليون في سن المدارس ، وهؤلاء الطفال يمثلون (21%) من أطفال العالم ، وأنَّ (73مليوناً من بينهم بنات. 7
أطفال الشوارع على مستوى العالم
إنَّ ظاهرة أطفال الشوارع ليست جديدة تمامًا ، فقد عرفت تاريخيًا بصيغ مختلفة ، وفي ظل أوضاع عالمية مختلفة ،ويذكر أنَّ عصابات الأطفال كانت منتشرة في الريف في أرجاء أوروبا وروسيا في العصور الوسطى ،وكانت موجودة في اليابان في عصور مختلفة ،وقد لأفرزت الثورة الصناعية في أوروبا ،وفي امريكا الشمالية في القرن التاسع عشر ،هذه الظاهرة إلى الحد الذي قبلت معه كجزء من الشكل العام للمناطق الحضرية ،ومن الثابت أنَّها تحدث في أوقات الاضطراب الاجتماعي ،أو التحول السريع .
وكان رد فعل المجتمع في الولايات المتحدة مثلاً : هو محاولة إزالتهم جسدياً في الفترة ما بين عامي (1853- 1890) ،وكانت هي إحدى المحاولات هي شحن (9000) من أطفال الشوارع بالسكك الحديدية من المناطق الشمالية إلى الغرب الأوسط ؛حيث كان يُعتقد أنَّ الرأسماليين ،وذلك حسب تعبير “تشارلز بريس” أحد مشجعي هذا المشروع . وإذا كان التطور الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا وأمريكا الشمالية قد حد من هذه الظاهرة في ذلك الوقت في تلك البلدان، إلاَّ إنَّ هذا التطور قد أفرز صيغاً مختلفة لها عمَّت وتفشَّت في سائر أنحاء العالم.
حجم ظاهرة أولاد الشوارع في العالم
أمّا عن حجم ظاهرة أولاد الشوارع على مستوى العالم ، فتوضح بيانات الأمم المتحدة وجود (40) مليون من أطفال الشوارع عام (1981م) ،كان من بينهم (25) مليوناً في أمريكا اللاتينية ، وخاصة في البرازيل. وفق تقديرات اليونسيف فإنَّه كان هناك (30) مليون طفل شارع قبل عام (1986م) منتشرين في أنحاء العالم.إلاَّ أنَّ البيانات الحديثة تشير إلى تزايد مذهل ، حيث تراوح العدد ما بين (80) مليون ،و(100) مليون وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونوسيف ومنظمة (تشايلد هوب) ،وهو العدد الذي ترجع له معظم الدراسات ،ويتوزع هذا العدد بين القارات على النحو الموضح في الجدول رقم ( )
جدول رقم ( )
عدد أطفال الشوارع في العالم 8
م القارة عدد أطفال الشوارع بالملايين
1 أمريكا اللاتينية 40
2 آسيا 25- 30
3 أفريقيا 20
4 باقي دول العالم 25
المجموع 110
ومن المؤسف أنّ التقارير الدولية تشير إلى أنَّ نسبة النصف من أطفال الشوارع على الأقل معرضون للاستغلال الجنسي وتعاطي المخدرات ،وأنَّ شبكات الدعارة العالمية تنقل الأطفال من أمريكا اللاتينية وآسيا إلى شمال أوروبا.
عوامل انتشار ظاهرة أولاد الشوارع في العالم العربي
تجمع الدراسات عن أطفال الشوارع في العالم العربي أنّ هذه الظاهرة شهدت انتشارًا واسعًا في العقديْن ،أو ثلاثة العقود الأخيرة ، وتميل الدراسات إلى الربط بين الظاهرة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تلك الفترة .وتشترك معظم البلدان العربية في المضمون الرئيسي لتلك التحولات ،بينما تمثل بعض العوامل خصوصية لبعض البلدان ،وفي كل الأحوال يتفق الجميع على أنَّ الأسباب الرئيسية للظاهرة محل البحث يكمن في تلك التحولات. ، وتتلخص هذه الأسباب في التالي:
1- انتشار العشوائيات.
2- التسرب من التعليم.
3- عمل الأطفال.
4- أسباب تخص الأسرة.
5- اتساع القطاع غير الرسمي .
6- خصوصية بعض البلدان العربية .


Suhaila_hammad@hotmail.com

1- المجلس العربي للطفولة والتنمية : أطفال الشوارع ، ص 16، الطبعة الأولى ،عام 2000م ،القاهرة ـ مصر.
2-المرجع السابق : ص16.
3- المرجع السابق ،ص 17.
4- المرجع السابق : ص 18.
5- المرجع السابق : ص 18.
6- المرجع السابق : ص 18.
7- المرجع السابق : ص 20، 21.
8- المرجع السابق: ص 23.

Leave a Reply