حرية التعبير في الإسلام

حرية التعبير في الإسلام

حرية التعبير في الإسلام
بقلم د. سهيلة زين العابدين حمّاد
خاص لقراء وقارئات المدونة الأعزاء
لقد كان للإسلام السبق في إقرار حرية التفكير والتعبير والرأي والتأكيد عليها ، يتبيَّن لنا من القيمة الكبيرة التي أنزلها الإسلام للعقل والعلم ، فبالعقل يتميز الإنسان عن غيره ،وبالعقل يستطيع أن يفكر ويتحصل العلم ، وإذا تخلى العقل عن وظيفته فيهما تخلى الإنسان عن أهم صفة من صفاته.

والآيات التي تنتهي بكلمة يعقلون أو يعملون ،أو يتفكرون ،أو يتدبرون كثيرة جداً ،ومثلها الآيات التي تحض على النظر والتدبر والتفكير ، فالإسلام يجعل من التفكير والتأمل طريقته المثلى لمعرفة الله وخشيته والاستمساك بشرعه ، والوقوف عند حدوده ،وليس من المعقول أن يتم هذا كله إلاَّ في ظل حرية واعية للعقل في تفكيره ،وفي التعبير عن هذا التفكير1 .
وهكذا جاء الإسلام ليطلق العقل من إساره ، ويضع عنه الأغلال التي عطَّلته زمناً طويلاً ، يقول الله تعالى : ( قل انظروا ماذا في السََماواتِ والأرضِ) ،ويقول : ( أَوَلَمْ ينْظُرُوا في مَلكُوتِ السَّماواتِ والأرضِ ومَا خلقَ اللهُ مِنْ شّيْءٍ) 2
ففي الآيتيْن دعوة للعقل إلى النظر والتفكير دون حدود، ويؤكد ذلك قوله تعالى : ( كذلك يُبيِّن الله لكم الآيات لعلَّكم تتَفَكَّرون في الدُّنيا والآخِرة) 3
وإذا كان الإسلام قد أطلق حرية التفكير فإنَّه من الطبيعي أن يتبعها بحرية التعبير عن هذا الفكر بشتى أنواع التعبير ، أي سواءً كان تعبيراً باللسان ،أو بالقلم ،وهذا ما يُسمى بحرية الرأي.
لقد اتخذ الإسلام الحرية الفردية دعامة لجميع ما سنه للناس من عقائد ونظم وتشريع ،وتوسع في إقرارها ،فلم يقيد حرية الفرد إلاَّ في الحدود التي يقتضيها الصالح العام ،أو يدعو إليها احترام حرية الآخرين ،وعمد إلى كل نظام يتعارض مع هذه المبادئ فألغاه مرة واحدة إن كان لا يترتب على إلغائه زلزلة أو اضطراب في الحياة الاجتماعية ،أو ألغاه على مراحل ،وقيَّده بقيود تكفل القضاء عليه بالتدريج إن كان في إلغائه مرة واحدة يؤدي إلى هذه النتائج .وقد حرص الإسلام على تطبيق مبدأ الحرية في هذه الحدود ، وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة،وأخذ به في جميع النواحي التي تقتضي كرامة الفرد أن يؤخذ به في شؤونها ،وهي : النواحي الدينية ،والنواحي المدنية ،ونواحي التفكير والتعبير ،ونواحي السياسة والحكم ،ووصل به في كل ناحية من هذه النواحي الأربع إلى شأو رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديمه وحديثه4.
ولقد ربى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه على أن يقولوا الحق مهما كانت الظروف ،وأن لا تأخذهم في التعبير عمَّا يعتقدونه من الصواب لومة لائم ،وأن لا يخافوا فيه أحداً إلاَّ الله ، لذلك يقول : ( الساكت عن الحق شيطان أخرس)،وحتى لو أنَّ الرأي الذي سيقوله المسلم سيغضب حاكمًا شديدًا قاسيًا ،فإنَّ الرسول يحثه على أن يقوله ، ولو قتل دونه ، ويُبشره بالدرجات العُلا إذا صدع برأيه الحق .
حرية التعبير في أمور السياسة والحكم في الإسلام
ولقد كان من نتيجة هذه الدعوة إلى حرية الرأي والجهر بالحق ،أنَّ المسلمين ما كانوا يخشون أن ينبهوا على الخطأ حين يجدونه ،وأن يناقشوا أولياء أمورهم ،فإمَّا أن يكون رأيهم الصواب فيعدل الحاكم عن خطأه ،أو يقنعهم ولي الأمر بصحة رأيه وموقفه.
فقد حدث أن وقف عمر الخليفة بن الخطَّاب رضي الله عنه ثاني الخلفاء الراشدين يتكلَّم في المسلمين بعد أن وزَّع برداً لم تكف المسلم ليخيط منها ثوباً ،وكان عمر يلبس ثوباً منها وهو رجل طويل ،وعندما قال للمسلمين ” اسمعوا وأطيعوا” قال أحدهم لا سمع ولا طاعة ،ولمَّا سأله عمر رضي الله عنه عن السبب ،تساءل كيف استطاع عمر أن يخيط ثوباً من البرد ، وهو رجل طويل ، هل لأنَّه أخذ أكثر من ثوبٍ وتميِّز على المسلمين؟
فطلب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه من ابنه “عبد الله ” أن يخبرهم كيف خاط ثوبه ،وأخبرهم بأنَّه تنازل عن نصيبه لأبيه ، فقال عندئذ المسلم العادي البسيط : ” الآن سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين”
فكان الخلفاء الراشدون هم الذين يؤكدون على حرية الرأي والتعبير ، ويطلبون من المسلمين أن يمارسوا هذا الحق ،فقد خطب الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد بيعته على الحكم في الناس قائلًا :
” يا أيها النَّاس : إنِّي وليتُ عليكم ولستُ بخيركم ،فإن رأيتموني على حق فأعينوني ، وإن رأيتموني على باطل فسدودني ،أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله ،فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.”
وقال رجل لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ” اتق الله يا أمير المؤمنين ،فاعترضه آخر ،وقال له : تقول لأمير المؤمنين اتق الله ،فقال عمر رضي الله عنه دعه فليقلها ، فإنَّه لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم ” ،وخطب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يوماً فقال : ” أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقوِّمه ، فقال له أحد الأعراب : والله يا أمير المؤمنين لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقوَّمناه بسيوفنا هذه ، فقال رضي الله عنه : ” الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوج”
حق المرأة في حرية التعبير في الإسلام
ولقد أعطى الإسلام المرأة حق حرية التعبير مثلها مثل الرجل ،وتمتعت بهذا الحق ،ومارسته بشكل واضح في أوسع نطاق في عهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ،والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ،فعندما أراد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينهى عن الغلو في المهور ،عارضته امرأة قرشية فقالت : ” كيف تطالب بتحديد المهور ؟ ألم تسمع قوله تعالى : ( وإنْ أَردُتم استبدال زوجٍ مكان زوْجٍ وآتيْتُم إحداهُنَّ قِنْطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ،أتأخذونه بُهْتاناً وّإِثْماً مُبيناً ) 5
فقال عمر ـ رضي الله عنه قولته الشهيرة ـ أصابت امرأة وأخطأ عمر ” وعاد عمّا كان قد عزم عليه.
وهكذا نجد أنَّ الإسلام قد أقر هذا الحق في أوسع نطاق ، فمنح الفرد الحق في النظر والتفكير وإبداء رأيه عن أي طريق شاء ، وعلى هذا المبدأ سار الرسول صلى الله عليه وسلم ،والخلفاء الراشدون من بعده ، فكانت حرية الرأي في عهدهم جميعاً مكفولة ، ومحاط بسياج من القدسية ،وباستقراء تاريخ هذه المرحلة الذهبية التي تمثل مبادئ الإسلام أصدق تمثيل لا نعثر على أية محاولة من جانب أولي الأمر للحجر على حرية الآراء، بل إنَّ العمل بهذا المبدأ قد ظل مرعيًا في عهد بني أمية وفي بني العباس6. ، حتى في الأمور العامة اقتصادية كانت أو سياسية أو حربية ،طالما كان صاحب الرأي مؤهلًا لذلك ، ولديه الخبرة الكافية في هذه المجالات ، ويتقيد بضوابط الإسلام في حرية الرأي ،قد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في الأمور العامة ، ويأخذ بآرائهم غالبًا ، وإن خالفت رأيه7.
أثر حرية التعبير على النهضة العلمية في الإسلام
وكان من نتيجة هذه الحرية أن سلك العلماء والمفكرون السبل التي يريدونها ،وطرقوا الدراسات التي يرغبونها ،لا يقف أماهم الإسلام أو الدولة المنبثقة عنه ،وأنتج هذا ازدهار العلوم والثقافة ،وامتلاء المكتبة الإسلامية بالذخائر الثقافية المختلفة من شتى العلوم والفنون في الفلسفة والمنطق ،والتوحيد والأصول والفقه والطب والكيمياء والطبيعة والهندسة والرياضيات والفلك والجغرافيا ،وغير ذلك ممَّا دفع بالإنسانية خطوات كبيرة إلى الأمام ،وكان أساساً في إقامة النهضة الأوربية الحديثة.
فنشأت بذلك نهضة علمية في كل فروع العلم والمعرفة ، بينما كانت أوربا في ظلام دامس وصراع مستمر ،وكان الجهل سائدًا، وكان العقل والفكر في نوم عميق.
ولو أنَّنا تتبعنا تطبيق مبدأ حرية التعبير في الدولة الإسلامية من الناحية العملية نلاحظ ما يأتي :
1- أنَّه فيما يتعلق بالأمور ذات الصبغة الدينية ،أو الشرعية ،فإنَّ حرية الرأي كانت مكفولة بصورة عامة منذ ظهور الإسلام إلى أن أقفل باب الاجتهاد في الدين في القرن الرابع الهجري /الحادي عشر ميلادي ،إذا استثنينا حوادث قليلة منها موقف الخليفة العباسي المأمون من موضوع خلق القرآن.
2- وفيما يتعلق بالصبغة السياسية فقد كانت هذه الحرية مكفولة إلى حد بعيد ، وقد ذكرنا أمثلة على ذلك ،ونشير إلى حدث هام حدث في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،ذلك عندما انشق عليه الخوارج ،وكانوا حوالي ثمانية آلاف ،أرسل إليهم ابن العباس ليناظرهم ،فاستطاع أن يقنع الكثيرين منهم بالحجة حتى عاد أربعة آلاف ،أمَّا من تبقى فقد أرسل إليهم علي رضي الله عنه كتاباً يقول فيه : ” كونوا حيث شئتم ، بيننا وبينكم ألاَّ تسفكوا دمًا حرامًا ،ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا أحداً ،فإن فعلتم نُذر الحرب معكم … لا نبدأ بقتال ما لم تُحدثوا فساداً .”
3- أمَّا حرية الرأي في المسائل العادية ،وخاصة في الميدان العلمي ، فقد كانت مكفولة بصورة تامة ، حتى أنَّ المؤرخين كانوا يقولون ما يريدون في ظل الحكومات التي يخالفونها الرأي والاتجاه. وفي هذه البيئة الصالحة انطلق العلماء في البحث العلمي .
شهادة علماء غربيين على أثر حرية الفكر والعلم في الإسلام على الحضارة الإنسانية
يقول المسيو” سيديو” الوزير الفرنسي الأسبق ،وأحد علماء الغرب المنصفين في كتابه ” خلاصة تاريخ العرب ” :
” لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوربا من تحجر العقل وشل التفكير ، وجدب الروح ، ومحاربة العلم والعلماء ، وإنزال أقسى العقوبات وأقصاها بالمفكرين من أجل أفكار تبدو لنا عادية كانوا يعلنونها في سبيل التجديد والإصلاح ،ويذكر التاريخ أنَ عدد الذين عوقبوا في أوربا بلغ ثلاثمائة ألف حرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء كان منهم العالم الطبيعي ” بورنو” ،وعوقب العالِم “جاليلو” بالقتل ،لأنَّه اعتقد بدوران الأرض حول الشمس، وحبس “دي رومانس” في روما حتى مات ،ثُمَّ حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها بالحرق ،وألقيت في النار ،لأنَّه قال :” إنَّ” قوس قزح” ليست قوسًا حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا أراد ،بل هي انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء ،وأصاب “جيوفث” في جنيف ،و”غايتي” في تولوز ما اصاب هؤلاء ،وحرقا مشياً على النَار ،ولا جدال في أنَ تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر والعلم الذي عرفته أوربا”8 ، ثمَ يقول المسيو” سيديو” :
” عندما أتى النبي محمد _ صلى الله عليه وسلم ـ وجَّه أفكار الأمة العربية إلى مقصد واحد أعلى شأنها ،حتى امتدت سلطتها من نهر التاج المار بأسبانيا والبرتغال إلى نهر ـ الكنج ـ وهو أعظم أنهار الهند ،وانتشر نور العلم والتمدن بالشرق والغرب ،وأهل أوربا إذ ذلك في ظلمة القرون المتوسطة وجهالتها … وكان لدى العرب من العلم والصنائع والاستكشافات ما استفاده المسيحييون في أسبانيا حين تمَّ طردهم منها .” 9
ويقول المسيو سيديو في نهاية كتابه : ” لقد كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك القرون المظلمة فنشروه حيث وطئت أقدامهم ،وكانوا هم السبب في خروج أوربا من الظلمات إلى النور.” 10
وقد وصف المفكر الأوربي الكبير ” داربر” الحياة الإسلامية أيَام أن كانت أوربا في قرونها المظلمة ،فقال:
” ليست أوربا أرقى حضارة ، ولا أرقى تقدماً ، ولا أعلى ذوقاً ، ولا أجمل مظهرًا ،ممَّا كانت عليه الحضارة الإسلامية في بغداد والأندلس ، يوم أن كانت أوربا غارقة في جهلها وظلامها … كانت شوارع المسلمين في أيَّام حضارتهم الزاهية مضاءة ، مبلطة بالأحجار ،وكانت بيوتهم مفروشة بالطنافس ، ومدفأة بالمواقد ،ومعطرة بالروائح ،وكانت لهم جوامع كثيرة ،ومكتبات مرتبة ،ومستشفيات منظمة ،وحمّامات نظيفة ،غير ما كانوا عليه من حرية وحب وإخاء وتراحم.” 11
ويقول المفكر الإنجليزي الكبير ” جورج سارتون” :
” حقَق العرب عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطى ،فكتبوا أعظم المؤلفات قِيمة ،وأكثرها نفعاً باللغة العربية التي كانت من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر لغة العلم الراقي عند الجنس البشري كله ،حتى كان من الضروري لأي فرد ـ إذا أراد أن يلم بثقافة هذا العصر ـ أن يتعلم اللغة العربية ،لقد فعل لك كثيرون من غير الناطقين بها.” 12
ويقول العالم “ليبري” :
” احذفوا العرب من التاريخ يتأخر عصر النهضة في أوربا عدة قرون ،فقد لمع العرب في كل الميادين العلمية ،وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء والأدباء والفقهاء يقومون بأدوارهم في نهضة العرب الروحية والنفسية والأخلاقية ،كان العلماء في كل الميادين يقومون بقسطهم من البحث والتنقل والتجويد ،لم يدعوا باباً إلاَ طرقوه.” 13
ضوابط حرية الرأي في الإسلام :
لقد وضع الإسلام ضوابط لحرية الرأي والتعبير لئلا تخرج عن مداه ،وتتجاوز الحدود ،فيقع صاحبها في المحظور، ويتعدى على الذات الإلهية ،أو ينال من أنبياء الله ورسله وكتبه ،وملائكته ،ويتجاوز حقوق الآخرين ،ويتعدى عليها ،فيلحق بهم الأذى في مشاعرهم ،أو في أديانهم ومعتقداتهم ،أو أعراضهم ،أو في أموالهم ،ومن هذه الضوابط :
1- عدم التفكر في الله :فكما أعطى الإسلام للإنسان حرية التفكير ،وشحذ همته ليتفكر ويتدبر ،فقد منعه من أن يفكر فيما هو أكبر من قدراته حتى لو عاش مثل عمر كافة المعمرين في الأرض لما وصل بفكره إلى شيء من ذلك ، وهو التفكير في ذات الله سبحانه وتعالى ،وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ” تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ” 14
2- لقد أمر الإسلام بالتفكير في كل ما فيه الخير والصلاح للفرد والمجتمع، أمَّا التفكير السيئ ،فقد أمر الإسلام بالإحجام عنه ،وعدم التحدث به ، وقد تجاوز الله تعالى عن هذه الأمة ما تحدث بها نفسها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ الله عزَّ وجل تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به.” 15
ضوابط حرية التعبير في الإسلام :
وكما أطلق الإسلام حرية التعبير عن ما يفكر به الإنسان ،إلآَّ أنَّه وضع ضوابط لها ،يمكن تلخيصها في الآتي:
1- عدم التعدي على الذات الإلهية بوصفها بما لا يليق أو رسمها ،لقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )
2- عدم التعدي على أنبياء الله ورسله وكتبه وملائكته .
3- أن يطابق قوله مبادئ الإسلام ،قال تعالى : ( وَلاَ تقُوُلُوا عَلى اللهِ إلاَّ الحقَّ)16 ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به.” 17
4- مراعاة القيم الإسلامية ، فلا كذب ولا غيبة ،ولا نميمة ،ولا زور ،ولا فحش ،ولا همز ولا لمز ،قال تعالى : ( وّهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ،وَهُدُوا إلى صِرَاطِ الحميد) 18، وقال صلى الله عليه وسلم : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” 19،وقال صلى الله عليه وسلم : ” ليس المؤمن بالطَّعَّان ،ولا اللعَّان ، ولا الفاحش البذيء” 20
5- الستر وعدم إشاعة الفاحشة ، وعدم الخوض في أعراض الناس لقوله تعالى : ( إنَّ الذين يُحِبُّون أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لُهُمْ عذّابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيا والآخِرة واللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون) 21، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ،ألا هل بلَّغت” 22
6- أن يكون القول صادقًا لا كذبًًا ، وأن يكون سديدًا ثابتًا مبنيًا على الحقيقة لا على الظن ،قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فقدْ فّازَ فَوْزَاً عَظِيماً) 23،وقال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إَنَّ بَعْضَ الظِّنِّ إِثْمٌ)24 ،,قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب عن المزاحة ،ويترك المراء ،وإن كان صادقاً ) 25
7- أن يكون خيراً لا شر فيه :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليقل خيراً أو ليصمت.) 26
8- أن يكون القول حقاً وعدلاً ،لقوله تعالى : ( وَإِذّا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولوْ كانَ ذّا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذّلِكُمْ وَصَّاكُم بهِ لَعَلَّكُمْ تّذّكَّرُون) 27
9- مراعاة صلاح النية وحسن القصد لقوله صلى الله عليه وسلم : ” إنَّما الأعمال بالنيات ،وإنَّما لكل امرئ ما نوى ” 28
10- ألاَّ يخوض في ما ليس به علم ،لقوله تعالى : ( وّلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علمٌ إنَّ السمعَ والبصَرَ والفُؤاد كُلُّ أولَئِكَ كَان عنْه مسؤولاً) 29
11- تحري الصدق في تلقي الخبر ،قبل التعبير عنه ونشره ،فقد ينقله مغرض فاسق ،يستهدف الإساءة للآخرين ،فيندم من بنى فكره وعبِّر عنه عن ذاك الخبر الكاذب المغرض ،فيندم على ذلك ، وقد يسبب أزمة سياسية ،أو اقتصادية تعود على بلده ومجتمعه بالخسارة والضرر فيندم على بناء فكره على خبر كاذب، يوضح هذا قوله تعالى : ( يا أَيُها الذين آمنُوا إنْ جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فعَلْتُمْ نَادِمِين) 30
ووقفة منا أمام ضوابط حرية الرأي والتعبير في كل المواثيق الدولية ، وأمام ضوابط حرية الرأي والتعبير في الإسلام نجد أنَّ تلك المواثيق لم تأت بجديد ، فقد سبقها الإسلام بأربعة عشر قرناً ، بل كان أكثر حرصاً على الصالح العام ، في تحري الإنسان الصدق فيما يتلقاه من أخبار، وأن لا يبني رأيه على الظنون ، وفي عدم الخوض فيما ليس له بعلم ،وأن يقول خيراً أو يصمت، وبذلك كفل الإسلام كل إيجابيات حرية الرأي والتعبير ،وحمى الإنسانية من سلبياتها وأضرارها.
الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان:
على الرغم من سبق الإسلام لكل تلك المواثيق الدولية في إقرار حرية الرأي والتعبير ، نجد الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان لم يتم إعلانه إلاَّ في القاهرة عام 1990م ، وقد بدأت فكرته عام 1979 ،وناقشه 19 مؤتمراً منها مؤتمرات قمة إسلامية ،وأُعِدَّت صيغته النهائية في مؤتمر وزراء الخارجية لدول منظمة المؤتمر الإسلامي في طهران في نهاية 1989م ، وتمَت الموافقة عليه في مؤتمرهم التاسع عشر الذي استضافته القاهرة عام 1990م ؛ إذ شعر المسلمون بضرورة صياغة ميثاق إسلامي لحقوق الإنسان منبثق من الإسلام وتعاليمه وشريعته ؛وذلك تأكيداً للدور الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية التي أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة ربطت الدنيا بالآخرة ، وجمعت بين العلم والإيمان ، وما يُرجى أن تقوم به هذه الأمة اليوم لهداية البشرية الحائرة بين التيارات والمذاهب المتنافسة وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة ،ومساهمة في الجهود البشرية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تهدف إلى حمايته من الاستغلال والاضطهاد ،وتهدف إلى تأكيد حريته وحقوقه في الحياة الكريمة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية ،وثقة منها بأنَّ البشرية التي بلغت في مدارج العلم المادي شأواً بعيداً لا تزال وستبقى في حاجة ماسة إلى سند إيماني لحضارتها ،وإلى وازع ذاتي يحرس حقوقها31 .
لذا جاءت المادة (22) من هذا الإعلان تنص على :
أ‌- “لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية.
ب‌- ” لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير ،والنهي عن المنكر ،وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية.”
ج ـ الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع ،ويحرم استغلاله ،وسوء استعماله والتعرض للمقدسات ،وكرامة الأنبياء فيه ،وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم ،أو إصابة المجتمع بالتفكك والانحلال ،أو الضرر ،أو زعزعة الاعتقاد.”
د- لا تجوز إثارة الكراهية القومية والمذهبية ،وكل ما يؤدي إلى التحريض على التمييز العنصري بكافة أشكاله32.
الخاتمة:
وهكذا نجد أنَ الحرية التي كفلها الإسلام لأهل الأرض لم يعرف لها نظير في تاريخ العالم ،ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة ، ومنح مخالفيه في العقيدة ، كل أسباب الحرية ،كما فعل الإسلام ،وهذه الحرية الفكرية التي نادى بها الإسلام هي التي صاغتها هيئة الأمم المتحدة في ميثاق حقوق الإنسان في المادة التاسعة عشرة عن حرية التعبير ،والتي جاء فيها “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير …” والذي تمَّ إعلانه في ديسمبر عام 1948م ،وكما رأينا فإنَّ جميع المواثيق الدولية أوربية كانت أو أمريكية أو أفريقية جاءت في عام 1948،وما تلاه من أعوام ، وهذا يعني أنَّ المجتمع الدولي والعالم الغربي لم يعرف حرية التعبير إلاَّ في نهاية النصف الأول من القرن العشرين ، بينما عرفها المسلمون في أوائل القرن السابع الميلادي ،أي عهد المسلمين بحرية الرأي والتعبير منذ هذا القرن ،بمعنى أنَّهم سبقوا العالم في معرفتها بأربعة عشر قرناً ، وفي تنفيذها وتطبيقها ، ومع هذا نجد هناك من الأوربيين من يتهم المسلمين بسوء فهمهم لحرية التعبير ،وأنَّهم لا يدركون أبعاد حرية التعبير، وهذه مغالطة كبرى يدحضها ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة ، والشواهد التاريخية التي أثبتتها هذه الدراسة المتواضعة.

1- د. عبد الكريم عثمان : معالم الثقافة الإسلامية ،ص 63،طبعة 12،سنة 1405هـ ـ 1985م، ،مؤسسة الرسالة ،بيروت لبنان

2- سورة الأعراف : آية 185.

3- سورة البقرة : 219،.220

4- د. علي عبد الواحد وافي : حقوق الإنسان في الإسلام ، ص197،طبعة 5،سنة 1398هـ – 1979م. ،دار نهضة مصر ،القاهرة ـ مصر .

5- سورة النساء : آية 20.

6- د. عبد الواحد وافي : حقوق الإنسان في الإسلام ،ص 229.

7- د. محمد الصالح : حقوق الإنسان في القرآن والسنة ،ص 163.

8- د. عز الدين فراج : فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوربية ،مرجع سابق ،ص 246.

9- المرجع السابق: 247..

10- المرجع السابق : ص 247.

11- المرجع السابق : ص 4.

12- الرجع السابق : ص 255.

13- المرجع السابق : ص 255.

14- صحيح الجامع الصغير ( 2972( ،وقال الألباني حديث حسن عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

15- رواه مسلم (127) كتاب الإيمان.

16- سورة النساء آية 171.

17- ذكره الإمام النووي في الأربعين النووية ،وقال حديث حسن صحيح ،وانظر كنز العمل (1084) ،وقال حديث غريب.

18- سورة الحج آية : 24.

19- صحيح البخاري (1/51-52) ،صحيح مسلم برقم (42)

20- مسند الإمام أحمد (1/405)

21- سور النور : آية 19.

22- صحيح البخاري (1/145- 146)

23- سورة الأحزاب :الآيتان : 70- 71.

24-سورة الحجرات : الآية 12.

25- رواه الإمام أحمد: 2/ 352.

26- متفق عليه البخاري (10/373) ،وصحيح مسلم (85)

27- سورة الأنعام : الآية 152.

28- متفق عليه ،البخاري (1/7) ،ومسلم (1907)

29- سورة الإسراء آية 36.

30- سورة الحجرات : آية 6.

31- من ديباجة الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان .

32- المستشار الدكتور : فؤاد عبد المنعم أحمد : مبدأ المساواة في الإسلام ،ص 272، المكتب العربي الحديث ، الإسكندرية مصر ،طبعة 2003م .

Suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion