مغالطات يدحضها التاريخ

مغالطات يدحضها التاريخ

مغالطات يدحضها التاريخ
بقلم د.سهيلة زين العابدين حمَّاد
هناك من يزعم أنّ الشعب القبطي قد تعرَّض خلال تاريخه الطويل إلى أقصى ما يمكن أن يتعرض له، أو أن يمر به شعب من شعوب الدنيا كلها، من المرارة والمعاناة والألم؛ إذ تعرض إلى عاملين مؤثرين خطيرين هما:

1- مسخ الشخصية القبطية وفقدان الهوية والانتماء الحقيقي.
2 . تزييف التاريخ القبطي وتزويره أو إهماله وتجاهله.
كما تم فرض التنكر لشخصيتهم الحضارية، وألبسوهم ثوباً غير ثوبهم، فرضوا بالإكراه على ألسنتهم لغة ليست لغتهم، وجعلوهم يمارسون عادات ذميمة ليست عاداتهم، ينسبونهم إلى آباء الجاهلية والجهل الذين ليسوا هم في الحقيقة آباءهم، جعلوا كثيرين منهم، بالإظلام الفكري، أعداء أنفسهم، لأنهم أصبحوا يجهلون قيمة تراثهم، وعظمة حضارتهم، والإنسان أحياناً يكون عدو ما يجهل، فهذا قول مردود، فالمسلمون العرب الفاتحون جاؤوا ليخلصوا الشعب المصري من ظلم الحكم الروماني لهم الذي استمر 669 سنة، وقد ذكر المؤرخ “ملن” في كتابه “مصر تحت الحكم الروماني” معاناة الشعب المصري من حكم الرومان وظلمهم لهم. وقد رحب المصريون بالعرب الفاتحين ليخلصوهم من نير الرومان خاصة بعد ما سمعوه من حسن سيرتهم في البلاد التي فتحوها.
فالعرب المسلمون الفاتحون لم يفرضوا ديانتهم ولا لغتهم على البلاد المفتوحة بدليل أنّ دواوين كل بلد ظلَّت بلغة أهله حتى تمَّ تعريبها في عهد عبدالملك بن مروان (65-86هـ /685-705م)، والفتح العربي الإسلامي لمصر كان سنة (18 هـ) أي بعد أكثر من 57 سنة، والذين تعلموا العربية وتحدثوا بها من أهل البلاد الذين أسلموا تعلموها لأنّ القرآن والسنة النبوية باللغة العربية، وبديهي أنّ كل مسلم يحرص على تعلم لغة القرآن الكريم ليفهم دينه، ولذا نجد العلماء المسلمين الأوائل كتبوا مؤلفاتهم وأبحاثهم وتجاربهم باللغة العربية، ولكن هذا لا يمنع من تحدثهم بلغاتهم القومية، ولو كان المسلمون العرب الأوائل فرضوا على أهل البلاد المفتوحة اللغة العربية، ومحوا تاريخها، لأصبحت اللغة العربية الآن هي لغة المسلمين جميعاً، ولاندثرت اللغات الأوردية والفارسية والملاوية والأسبانية وغيرها، ولاندثرت أيضاً عاداتهم وتقاليدهم.
فالقول إن المصريين عانوا أمرَّ المعاناة من العرب الفاتحين قول فيه مغالطة كبرى، وتضليل في عرض الحقائق؛ إذ يُغفل كل ألوان الظلم الذي عانى منه المصريون من الحكم الروماني، وينسبها للعرب الفاتحين الذين نشروا العدل، وخلصوا البلاد المفتوحة من نير ظلم المحتلين لها، فهذا إضلال وتضليل يُقصد به التحريض ضد العرب والمسلمين لأغراض لا تخفى على الجميع، وكلنا يعرف قصة القبطي المصري المسيحي الذي قدم من مصر إلى المدينة ليشكو إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص، وزعم أنَّ الوالي أجرى الخيل فأقبلت فرس المصري فحسبها محمد بن عمرو فرسه وصاح: “فرسي ورب الكعبة”، ثُمَّ اقتربت وعرفها صاحبها فغضب محمد بن عمرو ووثب على الرجل يضربه بالسوط ويقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين، وبلغ ذلك أباه فخشي أن يشكوه المصري فحبسه زمناً.. وما زال محبوساً حتى أفلت وقدم إلى الخليفة لإبلاغه شكواه
قال أنس بن مالك راوي القصة: فوالله ما زاد عمر على أن قال له اجلس.. ومضت فترة إذ به في خلالها قد استقدم عمراً وابنه من مصر فقدما ومثلا في مجلس القصاص، فنادى عمر رضي الله عنه: “أين المصري؟ دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين”، فضربه حتى أثخنه، ونحن نشتهي أن يضربه. فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر رضي الله عنه يقول: اضرب ابن الأكرمين. ثُمَّ قال: “أجلها على صلعة عمرو”! فوالله ما ضربك ابنه إلاَّ بفضل سلطانه.. قال عمرو رضي الله عنه فزعاً: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت، وقال المصري معتذراً: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني.. فقال عمر رضي الله عنه: “أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه”. والتفت إلى عمرو مغضباً قائلاً له تلك القولة الخالدة: “أيا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فات على هؤلاء أن أصل الشعب المصري عربي من الجزيرة العربية، وقد أشرتُ إلى هذا في مقالة سابقة، وسأكتفي هنا يإيراد ما كتبه “غوستاف جيكي” أستاذ الأثريات المصرية في كلية نيوشاتل في كتابه “تاريخ المدنية المصرية” بهذا الصدد، يقول “جوستاف”: (إن سكان مصر القدماء جاؤوا إليها من جزيرة العرب قبل ستة آلاف سنة، وإن الأسر الفرعونية الأولى هي من هؤلاء القادمين. )
وقال مثل هذا القول كل من المؤرخيْن “هنري بروخ” الألماني، و”هنري جونسون” الإنجليزي في كتابيهما تاريخ مصر.
ويقول الدكتور حسن كمال في كتابه “تاريخ السودان القديم”: “إنّ المصريين والسودانيين من أصل واحد، وقد جاء أسلافهم إلى وادي النيل من بلاد العرب عن طريق الصومال على ما تدل عليه البحوث والاستقراءات”، ونقل هذا المؤلف عن “ديودور الصقلي” قوله: “إن أصل المصريين القدماء من بلاد العرب الجنوبية نزلوا إلى شواطئ إثيوبيا، ثُمَّ تقدموا نحو الشمال حتى دخلوا مصر”.
وأحب تذكير إخوتنا الأقباط المسيحيين بأنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أوصانا خيراً بأقباط مصر، وأن إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم قبطية، هي السيدة “مارية” أم ولده إبراهيم، فأقباط مصر أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم مكانة خاصة في نفوسنا، وهم إخوة أشقاء لنا، فهم أبناء الشقيقة الكبرى “مصر الحبيبة الغالية”، وهم مواطنون مصريون لهم حقوق أي مواطن مصري.


* نقلا عن جريدة “الخليج” الاماراتية





Join the discussion