لمَ يقتل بعضنا بعضًا ؟

لمَ يقتل بعضنا بعضًا ؟

لمَ يقتل بعضنا بعضًا ؟
بقلم د. سهيلة زين العابدين حمّاد
نشر في جريدة الخليج الإماراتية بتاريخ 9/2/2007م.
المتأمل في أوضاع البلاد العربية يجد للأسف الشديد أن المخططات الصهيوأمريكية تسير في مسارها، وأن هناك في المنطقة من يعمل على تنفيذها،

 فلم يكتف الأعداء بإثارة الفرقة بين أنظمتنا، فنثروا بذوروها بين أبناء الشعب الواحد، بين الأخ وأخيه، وبات يشهر السلاح في وجهه، ويقتله في العراق وفلسطين ولبنان، والسودان والصومال.
ما يحدث الآن على الساحة العربية مأساة حقيقية، فبدلاً من أن تتوحد الجهود والطاقات لمقاومة المحتلين، وتحرير الأراضي المحتلة في فلسطين والعراق نجد المقاومة تحولت لقتال نفسها بنفسها، فالمحتلون يقتلون الفلسطينيين والعراقيين، والعراقيون والفلسطينيون يقتلون بعضهم بعضاً.
ما هذا الذي يحدث؟
كلنا درسنا في التاريخ أن المستعمر والمحتل، والعدو عموماً يتبع سياسة “فرق تسد”، فهو يسعى إلى إشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد لتتحقق له السيادة عليه. ألم نع هذا الدرس جيداً؟ كيف نحن نساعد عدونا على بسط سيادته علينا، في وقت نبذل أرواحنا من أجل أن نتحرر من نفوذه وسطوته؟
أود هنا أن أشير إلى واقعة تاريخية حدثت في يثرب “قبل الإسلام”، إذ أراد اليهود في يثرب أن تكون لهم السلطة، فعمدوا إلى خطة ماكرة ترمي إلى إحداث الفرقة بين الأوس والخزرج سكان يثرب عن طريق التحالف، فجعلوا كل قبيلة منهم تحالف واحدة من القبيلتين تمهيداً لتحويل القبيلتين إلى المواجهة فيما بينهما، فتحالف بنو النضير، وبنو قريظة مع الأوسيين، وتحالف بنو قينقاع مع الخزرجيين، وبدأت كل فئة يهودية تسعر النار في حليفها على الطرف الآخر، وتبذر العداوة والشقاق بين القبيلتين العربيتين الشقيقتين، ونجحت الخطة الماكرة، واستطاع اليهود أن يحولوا وحدة القبيلتين وصفاءهما إلى مشاحنات قوية، ما لبثت أن تحولت إلى حروب طاحنة استمرت مائة وعشرين عاماً، ولم تنته هذه الفتنة إلا عندما تنبه الفريقان المتناحران الى أن اليهود هم وراء إشعالها، لأنهم كانوا المستفيدين الوحيدين من تلك الفتنة وما تمخض عنها من حروب.
والتاريخ يعيد نفسه، فالفتنة بين حماس وفتح في فلسطين، وبين السنة والشيعة في العراق، وبين المعارضة والموالين في لبنان، والفتنة في السودان (دارفور) الذي أشعل فتيلها التحالف الصهيو أمريكي، والكارثة ألا نعي هذه الحقيقة إلا بعد 120 عاماً من الاقتتال والتطاحن كما حدث للأوس والخزرج، لإبعاد عن أنفسنا مقولة “الأخذ بنظرية المؤامرة”، فاستبعاد المؤامرة في مثل هذه الأحداث هو بذاته من تخطيط الأعداء، فهم يتآمرون، ويريدون منا استبعاد تآمرهم، ليستمروا هم في تآمرهم، وننجرف وراء ما يخطط ضدنا ونقول: لا توجد مؤامرة، فنحن لسنا من أنصار نظرية المؤامرة.
متى نفيق من هذا المخدر الذي حقننا به الأعداء لنبعد عنهم الشبهات. لقد اغتالوا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الشهيد رفيق الحريري، وألصقوا التهمة بسوريا لبث بذور فتنة داخلية في لبنان من جهة، ولإشعال الفتنة بين سوريا ولبنان، ولإعطاء أمريكا المبرر لإعلان الحرب على سوريا، وجعلوا التحقيق دولياً ليكملوا لعبتهم، إذ وجهوا التحقيق لإثبات التهمة على سوريا، وأبعدوا كل القرائن والوقائع التي تدين “إسرائيل” في العملية، والمتواطئين معها.
وقسموا العراق إلى سنة وشيعة، وراحوا يقترفون الجرائم بحق السنة والشيعة معاً، كما لعب اليهود لعبتهم القذرة بين حماس وفتح وجعلوهما تقتتلان.
وماذا بعد؟
على اللبنانيين أن يوحدوا صفوفهم، وأن يشكلوا حكومة وطنية، وأن يولوا التحقيق في مقتل
الحريري للجنة تحقيق لبنانية، ويُحاكم المتهمون في محكمة لبنانية، وعلى العراقيين أن يتحدوا سنة وشيعة، عرباً وأكراداً وتركماناً، وأن يوحدوا جهودهم لإجلاء قوات الاحتلال من أراضيهم. وعلى الإخوة في السودان أن يحلوا فيما بينهم مشكلة دارفور، وعلى الفلسطينيين أن يتحدوا ويشكلوا حكومة وطنية تعيد للإنسان الفلسطيني كرامته وإنسانيته وإحساسه بالأمن والأمان، وأن تركز جهودها وطاقاتها في حصول الفلسطينيين على كامل حقوقهم وأراضيهم المغتصبة، وكما قال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل بشأن الحوار القائم حالياً في مكة “إن الوضع لا يحتمل أن نفشل”.

Join the discussion