تذمر تهاني و سجن المجتمع المؤبد !

تذمر تهاني و سجن المجتمع المؤبد !

تذمر تهاني و سجن المجتمع المؤبد !
د. سهيلة زين العابدين حماد
الثلاثاء 27/03/2012
أي مجتمع قاس نعيش فيه؟ نساء وفتيات يعشن خلف القُضبان مدى الحياة بعد انتهاء محكومياتهن لينفَّذ عليهن حكم أصدره المجتمع عليهن ؟، لقد طُرحت هذه القضية في الحلقة الرابعة من برنامج الثامنة الذي يقدمه الأستاذ داود الشريان على قناة ( m.b.c)
                                                    

، والتي كشفت لنا مدى قسوة المجتمع على المرأة إن أخطأت، من خلال قضية تهاني التي كانت محور الحوار في البرنامج، ولضيق وقت البرنامج ، لم أتمكن من توضيح حقائق كان لابد من التوقف عندها فيما يختص بقضية تهاني التي روت حكايتها أمها، سأبينها في هذا المقال: لقد خرجت تهاني من بيت العائلة قبل سنتيْن ونصف، لقسوة الأب، هذا ما قالته لي أمها قبل الطلوع على الهواء، وتهاني كان عمرها 17.5 سنة آنذاك، أي لم تبلغ سن الرشد بعد، جاءت إلى بيت تهاني امرأة مع ابنتها وابنها، واصطحبتها إلى بيتها، واتصلت تهاني بخالتها، وأخبرتها بمكانها، فأبلغت الأم الشرطة، وأدخلتها السجن خوفًا عليها من أن يقتلها أبوها وإخوتها، مع أنّه ثبت عفتها ، ورغم أنّها لا تعد هاربة لأنّها أخبرت خالتها بمكانها، وتصرف الأم لجهلها كان خطأ عند إبلاغها للشرطة، فكان بإمكانها أن تذهب مع أختها إلى المكان الذي فيه ابنتها، وتعرف منها سبب خروجها من البيت، وتركتها تبيت عند خالتها، واتصلت بالجمعية الوطنية لحقوق الإنسان لإيداعها في دار إيواء المعنّفات إلى أن تتفاهم الجمعية مع الأب والإخوة، وتُحل المشكلة.
والغريب أنّ الأب مع أنّ لديه اثني عشر ولدًا أنزل تهاني الشارع لتبيع ( بليلة)، فإن كان يخاف على عرضه، كيف يُنزل بنتاً في السابعة عشرة من عمرها الشارع لتبيع بليلة، وكيف قبل إخوتها بذلك ومعظمهم بلغوا سن الرجولة، وأكبرهم عمره الآن 28 سنة كما ذكرت لي والدة تهاني.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف قبلت إدارة سجن النساء سجن طفلة لم تبلغ سن الرشد، ولم تقترف جريمة، ولم يصدر عليها حكم قضائي، وتظل سنتيْن ونصف فيه دون أن تحاول إقناع الأب والإخوة أنّ تهاني لا تتحمل وحدها مسؤولية ما حدث، فهم جميعهم مسؤولون عن ذلك عندما أنزلوها الشارع، فكيف تتحمل طفلة لم تبلغ سن الرشد بمفردها وزر خطأ ارتكبه أب وأم وأولادهما الذكور الاثنا عشر، وتهاني لا تعتبر هاربة لأنّها بلّغت خالتها عن مكانها ؟
أمّا مسألة أن عدم توفر الأوراق الثبوتية أدى إلى إدخال الطفلة تهاني إلى سجن النساء بدون أن تقترف جريمة صدر بشأنها حكم قضائي ـــ وأؤكد على أنّها طفلة لأنّ المملكة صادقت على اتفاقية الطفل التي تنص المادة الأولى منها على:» يعنى الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.) وسن الرشد عندنا في المملكة هو سن (18) سنة ــ هذه تحتاج منا إلى وقفة لأنّ هذا الإجراء ضيّع مستقبل تهاني، ويضيع أمثالها كثيرات، فدخولها السجن، بدون جريمة تقترفها أصبحت وصمة عار تلاحقها طوال حياتها، بل ستجعلها في محبسها إلى وفاتها، وإن تزوجت لتخرج من السجن فالذي سيتزوجها قد يعيرها بسجنها الذي أودعت فيه دون أن تقترف جريمة، وقد يستغل ضعفها فيمارس عنفًا ضدها، مع أنّها فتاة ذات معدن أصيل عفيفة طاهرة استطاعت الحفاظ على شرفها رغم ما تعرّضت له، وأنا أناشد وزارة الداخلية أن تحل مشكلة هؤلاء الذين يفتقدون الأوراق الثبوتية، لأنّ من حق أي إنسان أينما يعيش ان يعترف بشخصيته القانونية طبقًا للمادة ( 6) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه المملكة، كما أناشد القائمين على دور الملاحظة ودور الإيواء أن لا يرفضوا الحالات التي ليس لديها أوراق ثبوتية، لأنّ رفضهم لها يعني الحكم عليهن بالوأد وهن أحياء.
كما أقترح على وزارة الشؤون الاجتماعية أن تنسق مع وزارة الصحة بإنشاء أقسام الإرشاد الأسري في مستوصفات الأحياء بأقسامها الرجالية والنسائية، يكون بهذه الأقسام أخصائيون وأخصائيات نفسيون واجتماعيون تلجأ إليها الأسر لحل مشاكلها، وتتولى هذه الأقسام عمل دورات وورش عمل توعوية لتوطيد العلاقات الأسرية، وإزالة الفجوات بين الآباء والأولاد، قبل أن تتفاقم الأمور، وتتطور إلى جرائم أخلاقية.

إنّ قضية تهاني يوجد أمثالها الكثيرات ممن يقذف بهن آباؤهن في الشوارع ليبعن مناديل ورق ، أو بليلة ، أو… ، وبعضهن يظللن في الشوارع إلى منتصف الليل، وكل هذا يعرضهن إلى مخاطر لا حصر لها، ويجرهن إلى الانحراف، وعندئذ تتبرأ أسرهن منهن، ويُحكم عليهن بالوأد في السجون مدى الحياة، فلابد من معالجة سريعة لأوضاع بعض الأسر مثل أسرة تهاني، لئلا يكون مصير بناتها مثل مصير تهاني.
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (26) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 – Stc

635031 – Mobily

737221 – Zain

Join the discussion